«عروس الياسمين»... زينة «عطور الشرق» في معهد العالم العربي

جاك لانغ لـ«الشرق الأوسط»: المعرض سينتقل من باريس إلى الرياض في أقرب وقت

قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)
قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)
TT

«عروس الياسمين»... زينة «عطور الشرق» في معهد العالم العربي

قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)
قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)

للحضارات العربيّة عطرٌ يمتزج فيه العنبر بالمسك والعود والبخور، وتتفتّح من أجله أزرار الورد والياسمين وزهر الليمون. لهذا العطر يشرّع معهد العالم العربي في باريس أبوابه بين 26 سبتمبر (أيلول) الحالي و17 مارس (آذار) 2024؛ فـ«متعة العطور العربيّة هي في المشاركة»، وفق تعبير رئيس المعهد جاك لانغ.

سيكون زوّار معرض «عطور الشرق – Parfums d’Orient» على موعد مع 30 عطراً، وأكثر من 20 عارضاً وافدين من الدول العربية والعالم. تنطلق الرحلة التي تشتعل فيها كل الحواس، من الطبيعة العربية حيث يكتشف الزائر الموادّ الأساسية المستخدمة في صناعة العطور، ثم ينتقل إلى «سوق العطّارين» التقليديّة والمعروفة في معظم المدن العربية. وفي المرحلة الأخيرة من جولته، يطّلع زائر المعرض على استخدامات العطور في إطارها الأكثر حميميةً، كما في المنازل بغُرفها ومطابخها.

الملصق الرسمي لمعرض «عطور الشرق» (معهد العالم العربي)

ورد وعود وبخور

في حوار مع «الشرق الأوسط»، يقول رئيس معهد العالم العربي ووزير الثقافة الفرنسي السابق جاك لانغ، إن «المعرض يغطّي المنطقة العربية من عُمان وبخورها، إلى المغرب وأعالي الأطلس بوروده، مروراً بالمملكة العربية السعودية التي تحصد الورد وتحوّل العود إلى عطر».

بعض الصور من معرض «عطور الشرق» في باريس (معهد العالم العربي)

قليلة هي الحضارات التي تمنح مساحةً للعطور كما تفعل تلك العربية، وعلى هذا الأساس قرر المعهد تكريمها. «آن الأوان كي نمنح وقتاً لهذه الثقافة التي تعكس فن حياة»، يقول لانغ. ويضيف رئيس المعهد: «سيكتشف الزوّار أعمالاً فنية فريدة تحكي عن ثقافة عطور الشرق، وللمرة الأولى يتضمن معرضٌ من هذا النوع جزءاً مرتبطاً بحاسّة الشمّ؛ أي إن الزوّار سيتمكّنون من استنشاق الروائح الأساسية وخليط العطور».

تتعدّد في المعرض وسائط إبراز العطور الشرقيّة، من الصور واللوحات والوثائق التاريخية، إلى الأواني القديمة وتلك المعاصرة، وليس انتهاءً بالأفلام التوثيقيّة والأجهزة التي تنشر العطور في الجوّ. أما إحدى تُحَف المعرض فهي «فستان العروس» المصنوع بالكامل من زهر الياسمين الآتي من منطقة جازان السعوديّة.

فستان العروس المصنوع من الياسمين... تصميم الفنانة السعوديّة ريم الناصر (الشرق الأوسط)

عروس الياسمين

تتّجه الأنظار والأنوف في معرض «عطور الشرق» إلى فستان طالعٍ من حدائق الياسمين. تحمل الفنانة السعوديّة ريم الناصر تحفتَها العطِرة من محافظة أبو عريش في جازان، وهي منطقة تصدّر منذ القِدَم العطور إلى جميع أنحاء المملكة.

وفق ما تخبر «الشرق الأوسط»، تطمح الناصر إلى «توثيق التطوّر الحاصل» في منطقتها، من خلال عرض مجموعة من الأزياء النسائية الاحتفالية بالزواج، وكلّها مصنوع من زهور الياسمين. زهرةً زهرة، طرّزت الناصر وفريقُ مساعديها الفستان وتوابعه قبل أيام من المعرض، كي لا تفقد الزهور نضارتها.

تستلهم الناصر أعمالها الفنية المتعدّدة الوسائط، من رصدها السلوكيّات الاجتماعيّة والثقافيّة في بلادها، وتحوّلاتها عبر السنوات. وهي توضح أنّ «فستان العروس من زهرة الياسمين هو تعبير رمزيّ اجتماعيّ مستخدم في الأفراح، كما أنه رصدٌ سلوكيّ لكيفيّة تحوّل حرفة زهرة الياسمين وانتقالها من شكلها القديم إلى شكلها الحاليّ».

تاج العروس المصنوع من الياسمين من تصميم الفنانة السعوديّة ريم الناصر (معهد العالم العربي)

بهذه التحفة التي تسافر معها من السعوديّة إلى باريس، تحيي ريم الناصر تقليداً اجتماعياً قديماً لم يُذبل مرورُ الوقت ياسمينَه. وكما يترك الزمن أثرَه على الزهور والبشر، ستعبر شهور المعرض الستّة على فستان الياسمين. يصل إلى باريس مرصوفاً بمئات أزرار الياسمين، لتتفتّح لاحقاً وتصبح أزهاراً خلال العرض، ثم تحلّ مرحلة الذبول من دون أن تخدش سحر الفستان.

توضح الناصر في هذا الإطار أن «العمل يعكس مفهوم الزمن، والتحوّل العطريّ جزء أساسيّ من ذلك». تكمل الفنانة السعودية: «في الأسبوع الأول، تكون الزهرة حديثة القطف والتركيب، ومع مرور الأيام والأسابيع يحدث الذبول، وهذا جزء من التجربة العطريّة».

الفنانة السعودية ريم الناصر ترتدي زيّاً تقليدياً وتاجاً من النبات العطري (الشرق الأوسط)

معروضات نادرة

إلى جانب فستان الياسمين، تعدّد مفوّضة المعرض آنييس كارايون مجموعةً من المعروضات الاستثنائيّة والنادرة. تتحدّث عن نظام ابتكره الفنان المغربي هشام برادة، وهو يعمل على الإضاءة جاعلاً نبتات «مسك الليل» تنمو أمام عيون الزوّار ناشرةً عطرها في المكان.

في معرض «عطور الشرق» كذلك، بساطٌ كبير من الأزهار، وعلى رأسها ورود المغرب. وللصور حصةٌ وازنة من بينها مجموعة من عُمان عن قطاف الورود في منطقة الجبل الأخضر، وأخرى لمحلّات العطّارين في مسقط وصلالة، بعدسة المصوّر اللبناني - الفرنسي فلاديمير أنطاكي.

من سوق العطّارين في مسقط بعدسة فلاديمير أنطاكي (معهد العالم العربي)

من متحف «اللوفر» الباريسي، استعار معهد العالم العربي أعمالاً تعكس أهمية العطر في الإطار الديني. وتلفت كارايون إلى «العلاقة الوثيقة بين العطور العربية والتقاليد الإيمانيّة، منذ أيام الفراعنة والرومان، وصولاً إلى الديانات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة».

يعود بعض الأعمال المستعارة من «اللوفر» إلى حقبة الفراعنة، وهي تجسّد قطاف النساء في مصر القديمة للزهور وتحويلها إلى عطور. ومن بين المخطوطات الأثريّة، ما يتحدّث عن تقنيات التقطير التي ابتكرها العلماء العرب خلال القرن الرابع عشر.

وعلى قائمة المعروضات المميّزة، سجّادة بطول 40 متراً، وهي مصنوعةٌ بالكامل من البهار الأبيض والكركم والصعتر والسمّاق والزنجبيل.

سجّادة البهارات من ابتكار الفنان الفرنسي لوران ماريشال (معهد العالم العربي)

من باريس إلى الرياض

في جعبة معهد العالم العربي سنواتٌ من الخبرة في مجال المعارض والأبحاث، إلا أنه واجه تحدياً في هذا المعرض بالذات. تخبر كارايون أن «التحدّي الأكبر كان في إبراز الروائح المختلفة وابتكار مسارٍ للزائر قائمٍ على حاسّة الشمّ، من دون أن يتحوّل الأمر إلى مزيج عشوائي من العطور»؛ لذلك جرى اللجوء إلى أجهزة متطوّرة لبثّ العطور، منها ما هو مخبّأ ومنها ما هو مرئي متخذاً هيئة مجسّمات للزهور الأساسية في صناعة العطور العربية.

ستكون للزوّار محطّة على «طاولة العطّار»، حيث يكتشفون بطريقة مسلّية ومبسّطة كيف يعمل العطّارون على تركيب عطورهم. ومن بين القطع التي تزيّن المعرض، قوارير قديمة وأخرى عصريّة، إضافةً إلى مجموعة من المباخر الآتية كذلك من «اللوفر».

مباخر شرقيّة قديمة من مجموعة متحف «اللوفر» (معهد العالم العربي)

قريباً، يمتدّ الياسمين والعود والعنبر جسراً بين باريس والرياض. يكشف جاك لانغ في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن انتقال المعرض إلى العاصمة السعوديّة، «أمرٌ متّفق عليه بالتنسيق مع لجنة الثقافة والآثار في مجلس الشورى السعودي بشخص السيدة منى خزندار». ما هي إلّا شهور إذاً حتى تحطّ «عطور الشرق» رحالَها في المتحف الوطني في الرياض.


مقالات ذات صلة

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

لمسات الموضة عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

مع اقتراب بطولة كأس العالم، وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر، تدور منافسة أخرى خارج الملاعب بين دور الرفاهية العالية للفوز بأسماء قادرة على…

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس ترمب مستقبلاً الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض نوفمبر الماضي (الرئاسة السورية) p-circle

ترمب يهدي الشرع زجاجتي عطر تحملان علامته التجارية

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أرسل إليه زجاجتي عطر تحملان علامته التجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة بالنسبة للعمانيين فإن ذِكر «أمواج» واللبان أصبح مرادفاً لعُمان (أمواج)

لبان ظُفار من الشجرة إلى الزجاجة في وادي دوكة

يدار وادي دوكة بأسلوبٍ حديثٍ ومستدام، بتحديد مواقع آلاف أشجار اللبان، واستخدام تقنية التتبُّع الجغرافي، ليُصبح أول غابة ذكية في منطقة الخليج.

جميلة حلفيشي (صلالة - عُمان)
يوميات الشرق أحدث طراز أحذية رياضية من توقيع ترمب (متجر ترمب الإلكتروني)

منتَجات «ترمب»... أحذية وعطور وشموع وأكواب وهواتف للبيع

دونالد ترمب لا يهدي العطور فحسب، إنما يبيعها. وفي متجره الإلكتروني أكثر من مجرّد عطور، فالسلع كثيرة وأسعارها تناسب الجميع.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة تتميز عطور الخريف عموما بالدفء (كريد)

أفضل 5 عطور لهذا الخريف

تهبّ أولى نسمات الخريف فنتهيَّأ له باستقبال كل ما هو دافئ، بدءاً من الأقمشة الصوفية الناعمة والألوان الترابية وأخرى بدرجات مطفية، وصولاً إلى عطور تتراقص على…

«الشرق الأوسط» (لندن)

500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
TT

500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

تستعد مؤسسة «رويال كوليكشن» لإقامة معرض استثنائي في الغاليري الملحق بقصر باكنغهام العام المقبل، يروي تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية عبر نحو 300 قطعة تعود أقدمها إلى القرن السادس عشر، وهي المرة الأولى التي تجتمع فيها أهم القطع المملوكة للعائلة المالكة البريطانية تحت سقف واحد.

ولا تكمن أهمية المجوهرات التي ارتداها ملوك وملكات بريطانيا في القيمة المادية فقط، بل في التاريخ والقصص التي عاصرتها كل قطعة، وهو الخط السردي الذي سيأخذه المعرض حيث سيعرض إلى جانب التيجان والأقراط والبروشات أيضاً اللوحات الفنية والوثائق التي سترسم صورة لما تكتنزه كل قطعة من تاريخ بريطانيا والعائلة.

الخاتم الذي ارتدته فيكتوريا وهي رضيعة (رويال كوليكشن ترست)

يتبع المعرض الذي يحمل عنوان «المجوهرات الملكية من التتويج إلى التذكارات» رحلة هذه القطع منذ تصميمها على أيدي الصاغة المعتمدين لدى القصر، حتى إبداعات دور مجوهرات رائدة، مثل فابرجيه وبوشرون وكارتييه وغيرها.

قصص وتاريخ

بحسب بيان لـ«رويال كوليكشن»، سوف تتاح للزوار رؤية قطع ارتداها الملك هنري الثامن والملكة فيكتوريا والملكة إليزابيث الثانية، وصولاً للملكة كاميليا. ولا يغيب عن الزائر أن قطع المجوهرات المختلفة يتداولها أعضاء الأسرة في المناسبات المختلفة، وبذلك تكتسب كل قطعة معاني جديدة وقصصاً مختلفة.

تمر بنا القطع ببلاغة عبر الأجيال المختلفة، فعلى سبيل المثال هناك التاج الماسي الذي صنعته دار راندل، «بريدج آند راندل» في عام 1820 لمراسم تتويج الملك جورج الرابع، الذي جرى العرف أن ترتديه الملكات في الافتتاح الرسمي للبرلمان، وظهرت به الملكة كاميلا أثناء مراسم افتتاح البرلمان في شهر مايو (أيار) الماضي. التاج مرصع بـ1333 ماسة تزن سوياً 320 قيراطاً، إلى جانب ماسة صفراء وصفين من اللؤلؤ تحيطان بقاعدة التاج، وقد ارتدته الملكة إليزابيث الثانية لاحقاً في الصور التي ظهرت على العملات المعدنية والأوراق النقدية والطوابع البريدية. وتبرز في العرض قلادة من «فابرجيه» مرصعة بحجر الأكوامارين، وهي هدية من الملكة ماري لحفيدتها الملكة إليزابيث الثانية.

قلادة من «فابرجيه» مرصعة بحجر الأكوامارين وهي هدية من الملكة ماري لحفيدتها الملكة إليزابيث الثانية (رويال كوليكشن ترست)

فيكتوريا وألبرت

ويمنح المعرض مساحة خاصة للعلاقة الشهيرة بين الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت من خلال مقتنيات شخصية تحمل طابعاً عاطفياً، بينها الخاتم الذي ارتدته فيكتوريا وهي رضيعة، ودبوس الزينة المرصع بالياقوت والألماس الذي أهداها إياه ألبرت في الليلة التي سبقت زفافهما. وهناك أيضاً سوارٌ مرصع بحصى جمعها الزوجان خلال رحلتهما الأولى التي سافرا فيها بمفردهما، ودبوسٌ على شكل زهرة الشوك يحتوي على أول سنٍ لبنية لابنتهما الكبرى، وهي السن التي خلعها ألبرت بنفسه.

دبوسٌ يحتوي على أول سنٍ لبنية للابنة الكبرى للملكة فيكتوريا والأمير ألبرت (رويال كوليكشن ترست)

تكتمل المجموعة بخاتم الحداد الخاص بفيكتوريا، الذي يحمل صورة ألبرت وحرفي اسميهما متشابكين. وقد ارتدت الملكة هذا الخاتم بعد وفاته عام 1861، حين كان في الثانية والأربعين من عمره. كما يضم العرض «التاج الماسي الصغير» الخاص بالملكة فيكتوريا، وهو تاج ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً لدرجة أنه وُضع فوق نعشها خلال فترة إلقاء نظرة الوداع عليها.

الملكات والقرينات

الملكة إليزابيث الثانية وهي ترتدي التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» في عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

وسيضم المعرض كذلك مجوهرات ارتبطت بكل ملكة أو قرينة ملك، بدءاً من الملكة شارلوت، وصولاً إلى الملكة إليزابيث الثانية، ما يبرز تطور الأنماط الملكية؛ من فخامة العصر الجورجي ومشاعر العصر الفيكتوري، مروراً بطراز «آرت ديكو» (Art Deco)، وصولاً إلى تصاميم منتصف القرن العشرين. ولأول مرة، سيُعرض طقم من مجوهرات حجر العقيق الأحمر (الجارنت)، التي ربطتها أبحاث حديثة بالملكة شارلوت، زوجة الملك جورج الثالث.

من جانبها، علّقت المنسقة المشاركة للمعرض كارولين دو غيتوت، في بيان: «هذا المعرض غير المسبوق سيجمع أهم وأفخم مجوهرات في التاريخ البريطاني، وعدد كبير منها لم يعرض من قبل ... كل جوهرة تجمل معها قصة إنسانية عن الحب أو الفقد، السلطة والسياسة، العائلة والعقيدة. مجتمعة شهدت القطع المعروضة على لحظات فاصلة في حياة أعضاء الأسرة، وتوفر لنا المشاهدين نظرة قريبة للأشخاص والعلاقات التي شكلت العائلة المالكة عبر الأجيال».

المعرض سيقام في «ذا كنغز غاليري» في شهر يونيو (حزيران) من العام المقبل، وسيستمر لـ9 أشهر.


«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)
مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)
TT

«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)
مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)

بعد مرور نحو أسبوع على قرار محافظتي القاهرة والجيزة بحظر سير مركبات «التوك توك» بمحاور وشوارع رئيسية فيهما، يبدو أن القرار لم يلقَ استجابة كاملة في التطبيق على أرض الواقع، فما زالت المركبات تسير في المناطق المحظورة، في شوارع فيصل والهرم، وترسا، والمريوطية، وخاتم المرسلين، وكورنيش النيل، وفق ما رصدته «الشرق الأوسط».

«القرار الذي سعت الحكومة المصرية من خلاله للحدّ من مظاهر عشوائية تمثل مخاطر على المشاة والسيارات، يلقى صعوبات في تفعيله»، والسبب من وجهة نظر خبير التنمية المحلية، محافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق الدكتور رضا فرحات، أن «عدد مركبات (التوك توك) كبير جداً، وتطبيق قرار حظر سيره يحتاج عدداً كبيراً من رجال شرطة المرور». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم السائقين لا يملكون رخص قيادة، كما أن أغلبية المركبات غير مرخصة».

«التوك توك» على كورنيش النيل بالقرب من منطقة المنيل (الشرق الأوسط)

و«تحتاج مكافحة هذه الظاهرة إمكانات لوجستية كبيرة، و إجراءات عديدة، بينها بالطبع منع استيراد (التكاتك)، وإغلاق ورش تصنيعها، فضلاً عن محاصرة دخول قطع غيارها، وهذا كفيل بغلق منابعه من الأصل»، وفق رأي فرحات.

وشدّد على أنه «من أجل إنجاح خطة المكافحة لا بد أن نضع احتياجات الناس ضمن أولوياتها، بتوفير بدائل يستخدمونها في تنقلاتهم الداخلية، مثل عربات يتم ترخيصها ومنح رخص قيادة لأصحابها، حتى يمكن مراقبتهم ومحاسبتهم حال وجود أي مخالفات، فضلاً عن ضرورة تطبيق إجراءات عقابية شديدة، تلتزم بالدستور، حتى يؤتي القرار ثماره».

ويعزي بعض سائقي مركبات «التوك توك» ممن تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» كثرة تحركاتهم داخل شوارع العاصمة الرئيسية إلى ضرورة تلبية احتياجات أسرهم في ظل ارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى عدم معرفة بعضهم بالقرارات الجديدة، والسير بثقة في ساعات الليل لعدم وجود عناصر من رجال المرور.

وجود «التوك توك» في الشوارع - حسب رأي شريف حيدة (محاسب) - مصدر خطر دائم، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى زيادة القيود على (التوك توك) بشكل تدريجي حتى يتم التخلص من هذه الظاهرة العشوائية لما تجره على المجتمع من مشكلات»، وهي، حسب حيدة، «ليست مرورية فقط، لكنها أيضاً أمنية، فبعض سائقي (التوك توك) يستخدمونه في ارتكاب جرائم، كما أن قيادته تمثل في معظم الأحوال عمل من لا عمل له، فبعضهم لا يمتلك رخصة قيادة، وكثير منهم أطفال ومراهقون، تصعب السيطرة عليهم».

«التوك توك» في شارع خاتم المرسلين بالجيزة (الشرق الأوسط)

ولفت حيدة إلى أنه يحتاط طوال قيادته سيارته من سائقي «التوك توك» والدراجات النارية، بسبب طريقتهم في القيادة التي لا تلتزم بأي قواعد مرورية، «بعضهم يسير عكس الاتجاه، وهناك من يقطعون الطريق بالعرض، فضلاً عن السرعات غير المبررة التي يندفعون بها في الشوارع»، وفق قوله.

ويرى محمد مجدي (رجل أعمال) أن «مخاطر سير (التوك توك) في الشوارع الرئيسية والمساوئ التي جَرَّها أكثر من فوائده، فمع انتشار البطالة صارت مهنة كثيرين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، ولا يهتمون بقواعد السير وقيادة السيارات، فضلاً عن حالة اللامبالاة التي تسيطر على معظم سائقيه، فلا اهتمام لديهم بالمشاة، ولا بغيرهم، يتحركون دائماً دون ضوابط، ويتسببون في كثير من الحوادث والإصابات».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن ظهور «التوك توك»، بعيداً عن مخاطره الأمنية أثّر كثيراً على سوق الحرف، ونسبة أصحاب الصنائع، «فلا أحد من الذين يتولون قيادته يريد أن يتعلم صنعة، أو يجتهد في العمل من أجل لقمة العيش، كثيرون يرون أن شراء (توك توك) والعمل عليه لبساطة قيادته أسهل من قضاء سنوات لتعلم حرفة، وهذا له تأثير سلبي بالطبع على المجتمع، ويقلل بشكل بالغ أعداد الحرفيين في سوق العمل».

مركبات «التوك توك» في شارع المريوطية (الشرق الأوسط)

ويذكر أن تشخيص أزمة «التوك توك» وقلة فاعلية قرارات الحكومة المصرية في وضع حلّ لسيره العشوائي تأتي من ضخامة أعداد التكاتك الموجودة، التي تصل إلى 5 ملايين مركبة، المرخص منها 289 ألفاً فقط، وفقاً لـ«التعبئة العامة والإحصاء». ويمثل ملف «التوك توك» - حسب الدكتور حمدي عرفة أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشاري للبلديات الدولية - «اقتصاداً موازياً، بما يشكله من دخول شهرية تصل إلى 18 ملياراً و800 مليون جنيه (الدولار يساوي نحو 55 جنيهاً مصرياً)، بمتوسط دخل صافٍ 300 جنيه يومياً، وتصل الإيرادات الصافية لأصحاب (التوك توك) في المحافظات يومياً إلى 420 مليون جنيه».

ورغم أن «التوك توك» يوفر 250 ألف فرصة عمل سنوياً، فإنه وفق قول عرفة لـ«الشرق الأوسط»: «أدّى إلى انهيار الصناعات الحرفية في مصر لاتجاه نسبة كبيرة من الأيدي العاملة للارتزاق من حيازته، وهم في الوقت نفسه يهدرون على الدولة 12 مليار و150 مليون جنيه بسبب عدم حصولهم على تراخيص، أما مخالفاتهم المرورية غير المحصلة فتساوي نحو 4 مليارات و650 مليون جنيه سنوياً».

ويخدم «التوك توك» - وفق خبير استشارات البلديات الدولية - ما يقرب من 28 مليون مواطن في 27 محافظة، ويصل عدد حائزيه إلى 4 ملايين سائق: «يجب تقنين أوضاعهم بتطبيق منظومة الكود الرقمي الجديد، مع تخصيص لون مميز لمركبات كل مدينة للارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة، والتعرف على السائقين حال وجود مشكلات أو مخالفات»، على حدّ تعبيره.


«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)
الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)
TT

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)
الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)

يدعو الفيلم الإيراني «قليل من النور»، الذي ينافس على جوائز مهرجان «الجونة السينمائي» ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، إلى التمسّك بالأمل، عبر مرافقة بطله الواقف على حافة الانتحار بعدما تكالبت عليه الأزمات. وفيما يُرتِّب لتوديع الحياة، تتراكم تفاصيل صغيرة في داخله، قبل أن تعيده الروابط الأسرية، في النهاية، إلى التمسّك بها.

وقبل عرض الفيلم في المهرجان، عبّر المخرج علي أصغري عن أسفه لعدم تمكّنه من الحضور، وقال في مقطع مصوّر مخاطباً الجمهور: «كنت أحب أن أكون معكم اليوم أثناء عرض الفيلم، ولكن لم أتمكّن، بالطبع، لأسباب سياسية. وهذا ما تفعله السياسة طوال الوقت: تفرّق بين الناس. لذلك، تكمن أهمية ما نفعله نحن صنّاع الأفلام في بناء جسور بين الناس وربطهم بعضهم ببعض».

وأضاف أنه لا يريد أن تكون كلمته حزينة، مؤكداً سعادته بمشاركة فيلمه في مهرجان الجونة، لا سيما أن المشاهدين المصريين سيجدون فيه كثيراً من العناصر التي تعجبهم.

وتابع: «نحن نملك ثقافة متشابهة، وهناك كثير من المشاعر التي تجمعنا»، لافتاً إلى أنه صنع هذا الفيلم في ظروف خاصة وصعبة جداً، إذ تعيش بلاده حالة من الحزن العميق والاكتئاب.

واستدرك قائلاً إنه كان من المهم بالنسبة إليه أن يتحدّث عن الأمل والمستقبل، وعن أهمية أن نكون معاً، متمنياً أن يشعر المشاهدون بلحظة من السعادة والأمل، وبشيء من بريق الضوء في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها.

المخرج الإيراني علي أصغري (الجونة السينمائي)

وكان فيلم «قليل من النور» قد شهد عرضه العالمي الأول في الدورة الماضية من مهرجان «فينيسيا»، ضمن أفلام المسابقة الرسمية. وهو إنتاج مشترك بين إيران وسويسرا وإيطاليا وكندا وتركيا.

ينطلق الفيلم من قرار حكومي بإغلاق عيادة الطبيب الإيراني «أراش» وسحب ترخيص مزاولته المهنة بسبب علاجه بعض المتظاهرين. يفقد الطبيب ثقته بالمستقبل الذي ينتظره، ويقرّر إنهاء حياته، مستغلاً يومه الأخير في ترتيب بعض الأمور قبل الرحيل.

قد يبدو موضوع الفيلم قاتماً منذ البداية، لكنه، رغم ذلك، لا ينغمس تماماً في الميلودراما؛ إذ يلتقط مخرجه الشقوق التي تتخلّل واقعاً عنيداً، ويتحرّك في مساحات بين اليأس والكوميديا السوداء. ورغم تصويره في فترة ترقّب إيران للحرب الأميركية، فإنه لا يضع الحرب في بؤرة الأحداث، بل يحضر شبحها عفوياً عبر أحاديث متفرّقة عن الاحتياطات الواجب اتخاذها قبل الهجوم، مثل وضع شريط لاصق على زجاج النوافذ للحدّ من تناثر شظاياه إذا تحطّم. لكن أحد الإيرانيين يعلّق ضاحكاً في الفيلم: «ليت القصف يطال بيتي ويهدمه؛ فقد أردت أن أبنيه من جديد، لكن تكلفة هدمه أكبر من تكلفة بنائه».

على امتداد يوم واحد، يعود الطبيب إلى عيادته المغلقة استجابة لتوسّلات ابنة مريض طلبت منه ختم شهادة لوالدها. وتحذّره الشرطة من مغبّة ذلك، لكنه لا يعبأ، فهو على موعد مع الموت. كما يتابع الحالة الصحية لأحد المتظاهرين الذين تتولّى أسرهم علاجهم في المنزل خوفاً من القبض عليهم، ويوصي شقيقه بالعناية بقطّته التي تركها لديه، ثم يحمل النباتات التي كانت تزيّن بيته إلى بيوت شقيقاته، ويبلغ أفراد أسرته بقراره الانتحار، فيُصدمون ويحاولون إقناعه بالعدول عنه.

تتوالى الأحداث التي تثقل نفسه شيئاً فشيئاً، لكن لقاءه الأخير بأسرته في منزل والدته يبدو أنه يغيّر قراره.

ووفقاً للناقد رامي عبد الرازق، نجح الفيلم إلى حدّ كبير في اصطحابنا عبر محطات مكثّفة تكشف أسباب قرار البطل المعلن بالانتحار، والذي يعكس رفضه للواقع وعجزه عن تغييره. ويؤكد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن السؤال الأول للفيلم وجودي، وأن فكرة الانتحار تُعدّ «فرضية درامية قوية وصدامية» في مجتمع محافظ. كما يقدّم الفيلم قراءة مجتمعية لطبيعة اللحظة التي كانت تعيشها إيران قبل الحرب بوقت قصير.

ملصق الفيلم الإيراني (الجونة السينمائي)

ويلفت عبد الرازق إلى أن الفيلم صُوّر بشكل غير رسمي، مستدلاً بظهور الممثلات بشعرهن المكشوف، وهو أمر غير مسموح به في إيران، وبالاعتماد على المشاهد الداخلية والتصوير داخل السيارات، مع مشاهد محدودة في الشوارع. ويشير إلى أن محدودية الميزانية واضحة على المستوى الإنتاجي، لكن المخرج استطاع تقديم صورة واقعية من دون مبالغات أو صور أرشيفية.

ويتوقّف عبد الرازق عند المشهد الختامي الذي تغنّي فيه والدة الطبيب وأشقاؤه ويرقصون، متسائلاً: «هل تُحلّ أزمة الطبيب الوجودية العنيفة، وشعوره بالانسحاق الإنساني أمام النفوذ السلطوي، بمجرّد رقصة؟».

لكن الناقدة صفاء الليثي ترى أن مشهد النهاية، الذي يرقص فيه أفراد الأسرة وينضم إليهم «أراش» بعد عشاء دافئ جمعهم، يؤكد للبطل أهمية وجوده بينهم، وحاجتهم إليه مثلما يحتاج إليهم، بما يشير إلى تراجعه عن فكرة الانتحار وتمسّكه بالنور القليل الذي يقوده إلى الأمل. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «إنه فيلم بسيط مليء بالجمال، وعمل رائع يستحق أكثر من جائزة».

ونجح علي أصغري في ترسيخ مكانته في السينما العالمية مخرجاً وكاتب سيناريو ومنتجاً إيرانياً؛ إذ حصدت أفلامه نحو مائتي جائزة دولية، وعُرف بتناوله المؤثر للصمود الإنساني في مواجهة الضغوط السياسية والاجتماعية. وقد عُرض فيلمه الأول «اختفاء» (2017) في مهرجان «كان» السينمائي. ورغم الحظر الإبداعي الذي فرضته عليه السلطات الإيرانية، واصل مسيرته الإخراجية بين الأفلام الطويلة والقصيرة، واختير عضواً في إحدى لجان تحكيم مسابقات الأوسكار.