«عروس الياسمين»... زينة «عطور الشرق» في معهد العالم العربي

جاك لانغ لـ«الشرق الأوسط»: المعرض سينتقل من باريس إلى الرياض في أقرب وقت

قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)
قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)
TT

«عروس الياسمين»... زينة «عطور الشرق» في معهد العالم العربي

قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)
قطاف الورد في أعالي جبال الأطلس في المغرب بعدسة دوني دايو (معهد العالم العربي)

للحضارات العربيّة عطرٌ يمتزج فيه العنبر بالمسك والعود والبخور، وتتفتّح من أجله أزرار الورد والياسمين وزهر الليمون. لهذا العطر يشرّع معهد العالم العربي في باريس أبوابه بين 26 سبتمبر (أيلول) الحالي و17 مارس (آذار) 2024؛ فـ«متعة العطور العربيّة هي في المشاركة»، وفق تعبير رئيس المعهد جاك لانغ.

سيكون زوّار معرض «عطور الشرق – Parfums d’Orient» على موعد مع 30 عطراً، وأكثر من 20 عارضاً وافدين من الدول العربية والعالم. تنطلق الرحلة التي تشتعل فيها كل الحواس، من الطبيعة العربية حيث يكتشف الزائر الموادّ الأساسية المستخدمة في صناعة العطور، ثم ينتقل إلى «سوق العطّارين» التقليديّة والمعروفة في معظم المدن العربية. وفي المرحلة الأخيرة من جولته، يطّلع زائر المعرض على استخدامات العطور في إطارها الأكثر حميميةً، كما في المنازل بغُرفها ومطابخها.

الملصق الرسمي لمعرض «عطور الشرق» (معهد العالم العربي)

ورد وعود وبخور

في حوار مع «الشرق الأوسط»، يقول رئيس معهد العالم العربي ووزير الثقافة الفرنسي السابق جاك لانغ، إن «المعرض يغطّي المنطقة العربية من عُمان وبخورها، إلى المغرب وأعالي الأطلس بوروده، مروراً بالمملكة العربية السعودية التي تحصد الورد وتحوّل العود إلى عطر».

بعض الصور من معرض «عطور الشرق» في باريس (معهد العالم العربي)

قليلة هي الحضارات التي تمنح مساحةً للعطور كما تفعل تلك العربية، وعلى هذا الأساس قرر المعهد تكريمها. «آن الأوان كي نمنح وقتاً لهذه الثقافة التي تعكس فن حياة»، يقول لانغ. ويضيف رئيس المعهد: «سيكتشف الزوّار أعمالاً فنية فريدة تحكي عن ثقافة عطور الشرق، وللمرة الأولى يتضمن معرضٌ من هذا النوع جزءاً مرتبطاً بحاسّة الشمّ؛ أي إن الزوّار سيتمكّنون من استنشاق الروائح الأساسية وخليط العطور».

تتعدّد في المعرض وسائط إبراز العطور الشرقيّة، من الصور واللوحات والوثائق التاريخية، إلى الأواني القديمة وتلك المعاصرة، وليس انتهاءً بالأفلام التوثيقيّة والأجهزة التي تنشر العطور في الجوّ. أما إحدى تُحَف المعرض فهي «فستان العروس» المصنوع بالكامل من زهر الياسمين الآتي من منطقة جازان السعوديّة.

فستان العروس المصنوع من الياسمين... تصميم الفنانة السعوديّة ريم الناصر (الشرق الأوسط)

عروس الياسمين

تتّجه الأنظار والأنوف في معرض «عطور الشرق» إلى فستان طالعٍ من حدائق الياسمين. تحمل الفنانة السعوديّة ريم الناصر تحفتَها العطِرة من محافظة أبو عريش في جازان، وهي منطقة تصدّر منذ القِدَم العطور إلى جميع أنحاء المملكة.

وفق ما تخبر «الشرق الأوسط»، تطمح الناصر إلى «توثيق التطوّر الحاصل» في منطقتها، من خلال عرض مجموعة من الأزياء النسائية الاحتفالية بالزواج، وكلّها مصنوع من زهور الياسمين. زهرةً زهرة، طرّزت الناصر وفريقُ مساعديها الفستان وتوابعه قبل أيام من المعرض، كي لا تفقد الزهور نضارتها.

تستلهم الناصر أعمالها الفنية المتعدّدة الوسائط، من رصدها السلوكيّات الاجتماعيّة والثقافيّة في بلادها، وتحوّلاتها عبر السنوات. وهي توضح أنّ «فستان العروس من زهرة الياسمين هو تعبير رمزيّ اجتماعيّ مستخدم في الأفراح، كما أنه رصدٌ سلوكيّ لكيفيّة تحوّل حرفة زهرة الياسمين وانتقالها من شكلها القديم إلى شكلها الحاليّ».

تاج العروس المصنوع من الياسمين من تصميم الفنانة السعوديّة ريم الناصر (معهد العالم العربي)

بهذه التحفة التي تسافر معها من السعوديّة إلى باريس، تحيي ريم الناصر تقليداً اجتماعياً قديماً لم يُذبل مرورُ الوقت ياسمينَه. وكما يترك الزمن أثرَه على الزهور والبشر، ستعبر شهور المعرض الستّة على فستان الياسمين. يصل إلى باريس مرصوفاً بمئات أزرار الياسمين، لتتفتّح لاحقاً وتصبح أزهاراً خلال العرض، ثم تحلّ مرحلة الذبول من دون أن تخدش سحر الفستان.

توضح الناصر في هذا الإطار أن «العمل يعكس مفهوم الزمن، والتحوّل العطريّ جزء أساسيّ من ذلك». تكمل الفنانة السعودية: «في الأسبوع الأول، تكون الزهرة حديثة القطف والتركيب، ومع مرور الأيام والأسابيع يحدث الذبول، وهذا جزء من التجربة العطريّة».

الفنانة السعودية ريم الناصر ترتدي زيّاً تقليدياً وتاجاً من النبات العطري (الشرق الأوسط)

معروضات نادرة

إلى جانب فستان الياسمين، تعدّد مفوّضة المعرض آنييس كارايون مجموعةً من المعروضات الاستثنائيّة والنادرة. تتحدّث عن نظام ابتكره الفنان المغربي هشام برادة، وهو يعمل على الإضاءة جاعلاً نبتات «مسك الليل» تنمو أمام عيون الزوّار ناشرةً عطرها في المكان.

في معرض «عطور الشرق» كذلك، بساطٌ كبير من الأزهار، وعلى رأسها ورود المغرب. وللصور حصةٌ وازنة من بينها مجموعة من عُمان عن قطاف الورود في منطقة الجبل الأخضر، وأخرى لمحلّات العطّارين في مسقط وصلالة، بعدسة المصوّر اللبناني - الفرنسي فلاديمير أنطاكي.

من سوق العطّارين في مسقط بعدسة فلاديمير أنطاكي (معهد العالم العربي)

من متحف «اللوفر» الباريسي، استعار معهد العالم العربي أعمالاً تعكس أهمية العطر في الإطار الديني. وتلفت كارايون إلى «العلاقة الوثيقة بين العطور العربية والتقاليد الإيمانيّة، منذ أيام الفراعنة والرومان، وصولاً إلى الديانات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة».

يعود بعض الأعمال المستعارة من «اللوفر» إلى حقبة الفراعنة، وهي تجسّد قطاف النساء في مصر القديمة للزهور وتحويلها إلى عطور. ومن بين المخطوطات الأثريّة، ما يتحدّث عن تقنيات التقطير التي ابتكرها العلماء العرب خلال القرن الرابع عشر.

وعلى قائمة المعروضات المميّزة، سجّادة بطول 40 متراً، وهي مصنوعةٌ بالكامل من البهار الأبيض والكركم والصعتر والسمّاق والزنجبيل.

سجّادة البهارات من ابتكار الفنان الفرنسي لوران ماريشال (معهد العالم العربي)

من باريس إلى الرياض

في جعبة معهد العالم العربي سنواتٌ من الخبرة في مجال المعارض والأبحاث، إلا أنه واجه تحدياً في هذا المعرض بالذات. تخبر كارايون أن «التحدّي الأكبر كان في إبراز الروائح المختلفة وابتكار مسارٍ للزائر قائمٍ على حاسّة الشمّ، من دون أن يتحوّل الأمر إلى مزيج عشوائي من العطور»؛ لذلك جرى اللجوء إلى أجهزة متطوّرة لبثّ العطور، منها ما هو مخبّأ ومنها ما هو مرئي متخذاً هيئة مجسّمات للزهور الأساسية في صناعة العطور العربية.

ستكون للزوّار محطّة على «طاولة العطّار»، حيث يكتشفون بطريقة مسلّية ومبسّطة كيف يعمل العطّارون على تركيب عطورهم. ومن بين القطع التي تزيّن المعرض، قوارير قديمة وأخرى عصريّة، إضافةً إلى مجموعة من المباخر الآتية كذلك من «اللوفر».

مباخر شرقيّة قديمة من مجموعة متحف «اللوفر» (معهد العالم العربي)

قريباً، يمتدّ الياسمين والعود والعنبر جسراً بين باريس والرياض. يكشف جاك لانغ في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن انتقال المعرض إلى العاصمة السعوديّة، «أمرٌ متّفق عليه بالتنسيق مع لجنة الثقافة والآثار في مجلس الشورى السعودي بشخص السيدة منى خزندار». ما هي إلّا شهور إذاً حتى تحطّ «عطور الشرق» رحالَها في المتحف الوطني في الرياض.


مقالات ذات صلة

لبان ظُفار من الشجرة إلى الزجاجة في وادي دوكة

لمسات الموضة بالنسبة للعمانيين فإن ذِكر «أمواج» واللبان أصبح مرادفاً لعُمان (أمواج)

لبان ظُفار من الشجرة إلى الزجاجة في وادي دوكة

يدار وادي دوكة بأسلوبٍ حديثٍ ومستدام، بتحديد مواقع آلاف أشجار اللبان، واستخدام تقنية التتبُّع الجغرافي، ليُصبح أول غابة ذكية في منطقة الخليج.

جميلة حلفيشي (صلالة - عُمان)
يوميات الشرق أحدث طراز أحذية رياضية من توقيع ترمب (متجر ترمب الإلكتروني)

منتَجات «ترمب»... أحذية وعطور وشموع وأكواب وهواتف للبيع

دونالد ترمب لا يهدي العطور فحسب، إنما يبيعها. وفي متجره الإلكتروني أكثر من مجرّد عطور، فالسلع كثيرة وأسعارها تناسب الجميع.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة تتميز عطور الخريف عموما بالدفء (كريد)

أفضل 5 عطور لهذا الخريف

تهبّ أولى نسمات الخريف فنتهيَّأ له باستقبال كل ما هو دافئ، بدءاً من الأقمشة الصوفية الناعمة والألوان الترابية وأخرى بدرجات مطفية، وصولاً إلى عطور تتراقص على…

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك استخدام نوع معين من العطور يمكن أن يعزز قوة الدماغ (رويترز)

عطرك قد يحميك من الإصابة بالخرف

كشفت دراسة علمية جديدة عن أن استخدام نوع معين من العطور يمكن أن يعزز قوة الدماغ ويحميها من الخرف عن طريق زيادة حجم المادة الرمادية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
لمسات الموضة قدم الحفل تجربة حسية وتفاعلية مثيرة (إيف سان لوران)

عطر «إيف سان لوران» الجديد يجمع نجوم مصر في الساحل

لم يكن الساحل الشمالي في مصر هذا العام مجرد وجهة لمعانقة الشمس والرقص على أنغام عمرو دياب أو روبي وغيرهما بل كان أيضاً وجهة عشاق الفن والجمال على حد سواء، إذ…

«الشرق الأوسط» (لندن)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.