الملك عبد العزيز نجح في فرض سلطته وأجبر بريطانيا على تغيير سياستها

القوة العظمى فشلت في تكبيله وتخلت عن حليفها بعد هزيمته من قبل المؤسس

الملك عبد العزيز وابنه الملك سعود
الملك عبد العزيز وابنه الملك سعود
TT

الملك عبد العزيز نجح في فرض سلطته وأجبر بريطانيا على تغيير سياستها

الملك عبد العزيز وابنه الملك سعود
الملك عبد العزيز وابنه الملك سعود

بعد فتح الرياض عام 1902م على يد الملك عبد العزيز وهو الحدث الأهم لقيام المملكة العربية السعودية، بدأ الملك عبد العزيز مرحلة أخرى من الكفاح لتأمين حدود دولته الناشئة من قوى كبرى تحيط بدولته من جميع الجهات، وقد تعامل الملك المؤسس مع هذه القوى بكل قوة وحكمة واستغل أحداثاً وظروفاً لصالح وطنه. «الشرق الأوسط» طرحت على الأميرة الدكتورة جواهر بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود، تساؤلات حول كل هذه الظروف التي أحاطت بالدولة الناشئة وكيف تعامل معها الملك عبد العزيز، وجاء الحوار كما يلي:

كيف كان المشهد أو الواقع عندما استرد الملك عبد العزيز الرياض اللبنة الأولى لقيام الدولة السعودية الثالثة؟

إن الإنجازات التي حققها الملك عبد العزيز خلال عقدين، بدأها باسترداده الرياض عام (1319هـ - 1902م)، ما جعله مطوقاً من الشمال والغرب بالولايات العربية العثمانية، وفي وسط الجزيرة حكم العثمانيون من خلال القوى المحلية، وفي الشرق والجنوب يكمن الوجود البريطاني، أما القبائل العربية التي ارتبط الأمن بتحركاتها، والتي إما أن تكون حربة في يد الحاكم القوي يضرب بها أعداءه ويستخدمها لتحقيق أهدافه، أو أن تكون حربة في ظهره إذا فشل في إدارتها. قُدر للملك عبد العزيز التعامل مع هذه القوى التي أثار قلقها عودة السلطة السعودية من جديد على يده خوفاً من تنامي النفوذ السعودي، كما كان حاله في عهد أسلافه في بداية القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي.

الملك عبد العزيز ويقف خلفه ابناه الملك سعود والملك فيصل (واس)

القوة الذاتية حركت الأحداث

كيف قرأ الملك عبد العزيز هذا الواقع وكيف تعامل معه؟

كان عام 1333هـ - 1915م هو العام الذي بدأت فيه بريطانيا بإجراء مراسلات سرية مع شريف مكة الحسين بن علي، التي عرفت بمراسلات الحسين – ماكماهون، تعهدت فيها بريطانيا بإقامة دولة عربية مستقلة بزعامة الشريف حسين، وتقديم الحماية الكاملة لها ضد أي تهديدات خارجية، مقابل ذلك تعهده بإعلان الثورة المسلحة ضد الأتراك العثمانيين في المناطق العربية.

كشفت مراسلات 1334 – 1335هـ - 1916م التوتر في العلاقات بين الملك عبد العزيز والحسين، الذي طلب مشاركة القوات النجدية، ولكن الملك عبد العزيز كان يسعى لصالح قضيته، فاشترط تحديد الحدود بينهما، إلا أن الشريف رفض. ورغم ذلك أعلن الملك عبد العزيز تأييده الصريح للثورة العربية، إلا أنه لم يشارك فيها رغم بغضه الشديد للأتراك العثمانيين لماضيهم الاستعماري في المنطقة العربية.

وجد الملك عبد العزيز أن العلاقات بينه وبين الشريف ستتحول في يوم ما إلى صدام مسلح، وأن الشريف لن يتردد في استغلال الثورة العربية ليعلن نفسه ملكاً على العرب، وهذا ما حدث في 2 محرم 1335هـ- 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1916م، ما أدى إلى استياء الملك عبد العزيز كما هو حال الحكام والزعماء العرب. في حين أن الحكومة البريطانية وجدت أن تصريح الحسين أمر مربك لها لوجود حكام آخرين يمارسون سلطة لا تقل عن سلطته في المنطقة؛ لهذا اقتصرت على الاعتراف به ملكاً على الحجاز.

أدرك الملك عبد العزيز أنّ القوة الذاتية هي القادرة على تحريك الأحداث المحليــة والحدّ من تأثير القــوى العالمية ومنع الانقياد وراء أهدافها على غرار ما حدث لكّل شيوخ المنطقة؛ ولذلك حاول إيجاد نوع من التوازن بين القوى الدولية والأهداف المحلية، بعكس الحكام العرب وقادة الجمعيات العربية الذين بحثوا عن حلول لقضيتهم العربية في دهاليز الخارجية البريطانيـة والفرنسية، غير مدركين لمقدرات الأمة العربية وطبيعة الأطماع الأوروبية في القرن الثالث عشر – الرابع عشر الهجري - النّصف الثاني من القرن التاسع عشـر الميلادي، وما ترتّب على ذلك من نشوء كيانات سياسية متفرّقة أخذت تُقاوم الاستعمار في مرحلة ما بين الحربين العالميتين.

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن خلال تدشينه أحد المشاريع (واس)

الخرمة وتربة في قلب الأحداث

توتر العلاقات بين السعوديين والأشراف كيف تعاملت معها بريطانيا؟

كان على بريطانيا التعامل مع أزمة توتر العلاقات بين الشريف والملك عبد العزيز، التي تعود بجذورها إلى الصراع الذي كان قائماً بين أئمة الدولة السعودية الأولى والأشراف، والذي تجدد في قضية الخرمة، تلك القرية الصغيرة التي لم تدخل حيز التاريخ إلا بعد أن تنافس على سيادتها الملك عبد العزيز والشريف حسين. وكانت الشرارة التي فتحت باب الخصومة بينهما عام 1327 – 1328هـ - 1910م، بعد أسر الأمير سعد بن عبد الرحمن شقيق الملك عبد العزيز الأصغر من قبل الشريف حسين في أثناء تأديته لإحدى المهام، ورفض الشريف تسليمه إلا مقابل أمرين، الاعتراف بالحكم العثماني بالقصيم ودفع الضريبة السنوية له التي توقف الملك عبد العزيز عن دفعها منذ ثلاث سنوات، وقَبِل الملك عبد العزيز تلك الشروط مقابل تخليص شقيقه، تلا ذلك هدوء بين الطرفين بسبب انشغال الملك عبد العزيز في ترتيب بيته الداخلي. عاد الشريف ليمارس عمليات استفزازية بقصد إثارة الملك عبد العزيز، وتلاها بهجمات فاشلة على الخرمة، رغم إرسال بريطانيا تعليمات للشريف حسين بالكف عن استفزاز الملك عبد العزيز. وفي الوقت نفسه تم إبلاغ الملك عبد العزيز باستياء الحكومة البريطانية لتحديه للحسين وضرورة إيقاف العمليات العسكرية ضد الهاشميين والتخلي عن الخرمة. إلا أن الملك عبد العزيز لم يصغ لهذه التهديدات، وصمم على تصديه لتجاوزات الحسين على أراضيه، وأظهر استياءه من تجاوزات الحسين واللهجة التي استخدمتها السلطات البريطانية في تهديده، ما دفع بريطانيا إلى عقد مؤتمر دوائر الشرق الأوسط الأول في لندن في 7 جمادى الآخرة 1337هـ - 10 مارس (آذار) 1919م، بهدف إعادة النظر في السياسة البريطانية تجاه المنطقة العربية، وتحديد موقفها تجاه النزاع بين الحسين والملك عبد العزيز. وقد ظهر أن الخلاف بينهما قد انتقل إلى الدوائر السياسية البريطانية، بعد أن انعكس على علاقة الإدارتين اللتين يتم الاتصال بهما، فالسيد ريجنالد وينغيت والكرنل لورنس يدافعان عن ادعاءات الحسين، بينما تحظى ادعاءات الملك عبد العزيز بتأييد الكرنل ويلسن والمستر فيلبي. وقد اتضح ذلك في مرئيات المؤتمر الذي تفاوتت توقعاته، فرأى البعض أن الملك عبد العزيز لن يصمد أمام قوات الحسين النظامية التي تم تدريبها من قبل خبراء وعسكريين بريطانيين وتم تزويدها بأسلحة بريطانية متطورة ولها خبرة قتالية معروفة، والبعض الآخر ذكر أن قوة جيش الملك عبد العزيز وحسن تدريبه سيؤديان إلى تحقيق انتصاره على الهاشميين وشاركهم الرأي ضباط وزارة الحرب الذين بينوا شكوكهم بإمكان تغلب القوات الحجازية على النجدية. وخرجت القرارات الختامية للمؤتمر بتمكين الحسين من واحة الخرمة، وإبلاغ الملك عبد العزيز وتحذيره من مغبة القيام بأي أعمال عدائية ضد الحسين، وتوجيه إنذار للملك عبد العزيز بأن الحكومة البريطانية ستعمل على حرمانه من الامتيازات في حال رفضه. إلا أن الملك عبد العزيز الذي كان يعتمد في مطالبه في الخرمة على مسوغات دينية وإقليمية وتاريخية وإدارية وعشائرية، تجاهل التحذيرات البريطانية وواصل حشد قواته للدفاع عن الخرمة ومنع أي اضطرابات، ما سيترتب عليه نشوب مواجهة جديدة بينه وبين الحسين. في الوقت الذي طالب فيه الحسين من الحكومة البريطانية بتزويده بالدبابات والطائرات لمواجهة الملك عبد العزيز في الخرمة.

تجاهل الحسين مرة أخرى النصائح البريطانية، وأمر ابنه الشريف عبد الله بمهاجمة تربة والتوغل في الأراضي النجدية، ما أدى إلى إرسال الملك عبد العزيز قواته إلى تربة وإلحاق هزيمة ساحقة بقوات الحسين نجا منها عبد الله بن الحسين بأعجوبة. وقد ذكر غارنلد في مذكراته بتاريخ 5 رمضان 1337هـ - 4 يونيو (حزيران) 1919ه أن الحقيقة المؤسفة هي أن قوات الشريف حسين اندحرت اندحاراً سيئاً، وأنه أخفق في تحقيق توقعات الضباط البريطانيين بعد خبرة سنتين ونصف، وأخفق جيش عبد الله النظامي المجهز بالمدافع والرشاشات في الانتصار على جيش غير مدرب اقتصر تسليحه على البنادق فقط. سارع الشريف حسين بحثّ الحكومة البريطانية بالضغط على الملك عبد العزيز حتى وصلت إلى تهديدات بقطع العلاقات ونقض اتفاقية 1334هـ - 1915م. ونتيجة للمخاوف البريطانية من تقدم الملك عبد العزيز تجاه الأراضي الحجازية، سارعت بريطانيا لعقد مؤتمر دوائر الشرق الأوسط الثاني في لندن في ذي الحجة 1337هـ - سبتمبر (أيلول) 1919م، وانتهى المؤتمر بقطع الامتيازات عن الملك عبد العزيز، وإرسال ست طائرات حربية إلى جدة لدعم الحسين، وإرسال مبعوث إلى الملك عبد العزيز، وطلب الانسحاب حتى تتم المفاوضات بين الطرفين، وأنه في حال عدم التزامه ستعد اتفاقية 1334هـ- 1915م ملغاة.

وافق الملك عبد العزيز على انتظار المفاوضات، أما الحسين فقد رفض التعامل مع الملك عبد العزيز. واستمرت بريطانيا في دعم الحسين والتضييق على الملك عبد العزيز، وقد كشفت تلك الأحداث الأخيرة ما بين عامي 1336هـ – 1338هـ - 1918 – 1919م عن التحيز البريطاني في هذه الأزمة للحسين ومدى قوة الملك عبد العزيز العسكرية والضعف الذي تعانيه القوات الهاشمية؛ ما دفع بريطانيا لإعادة نظرتها لمكانة وإمكانيات الملك عبد العزيز العسكرية ومدى نفوذه.

وجه وزير المستعمرات ونستون تشرشل دعوة إلى السياسيين والعسكريين البريطانيين لحضور مؤتمر القاهرة رجب 1339هـ - مارس 1921م، بهدف انتهاج سياسة جديدة لإعطاء استقلال اسمي للمناطق التابعة لبريطانيا في محاولة لإثبات صدق نياتها حول الوعود باستقلال العرب، ومن ذلك إقامة حكم ملكي في العراق، ورغم ورود اسم الملك عبد العزيز بصفته أحد المرشحين، فإنه تم استبعاده للحفاظ على مبدأ التوازن السياسي في الجزيرة العربية وعدم قيام اتحاد عربي.

لهذا تم ترشيح فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، وعبد الله بن الحسين ملكاً على شرق الأردن بعد طلبه في ظل الدعم البريطاني. وبهذا قسمت بريطانيا عرشي العراق وشرقي الأردن على أبناء الحسين بن علي، أما الملك عبد العزيز فقد وجد نفسه محاصرا بالعروش الهاشمية، ولم يعد أمامه سوى الاستمرار في تثبيت أقدامه ومد نفوذه وتحقيق أهدافه لمواجهة هذا التكتل الهاشمي المدعوم من بريطانيا.

كان الملك عبد العزيز العقبة الحقيقية التي وقفت في وجه المخططات البريطانية لتقسيم الجزيرة العربية لكيانات صغيرة متنابذة يسهل السيطرة عليها، خاصة بعد وضع وزير المستعمرات ونستون تشرشل خريطة سياسية للجزيرة العربية أبقى فيها على جميع الكيانات السياسية ما عدا حكومة الملك عبد العزيز فلم يكن مرحباً ببقائها؛ خوفاً من تنامي سلطته وأنه قد يعمل على توحيد عرب الجزيرة وأوصى بضرورة الحد من تفوقه على جيرانه. وصدق حدس ونستون تشرشل، فلم يلتزم الملك عبد العزيز ببنود اتفاقية دارين نتيجة لازدياد نفوذه، خاصة بعد فشل مؤتمر الكويت عام 1342هـ- 1923 – 1924م، الذي اشترط فيه الملك عبد العزيز شرطاً ينم عن دهاء وفطنة، وهو أن يقتصر كل وفد على تمثيل مصالح بلده، بهدف ألا يصبح ممثلو الحجاز وشرقي الأردن والعراق كتلة ضده. ورغم الدعم السياسي والعسكري الذي تلقاه الحسين من الحكومة البريطانية، فإنها لم تقف عائقاً أمام ضم الملك عبد العزيز للحجاز، بعد أن خيب توقعات رجالات السياسة البريطانيين والعسكريين، الذين كانوا يتوقعون حصول قوات الحسين على انتصار سهل، إلا أن الملك عبد العزيز قد حيرهم حيرة أذهلت الجميع بدخول قواته مكة المكرمة واسترداد الحجاز عام 1344هـ - 1925م ثم عسير. عندها أدركت الحكومة البريطانية أنه لا بد من إيقاف طموح الملك عبد العزيز خوفاً من مواصلة تطلعاته التي قد تصل إلى العراق وشرقي الأردن؛ ما عجل تحرك الحكومة البريطانية بعد أن ثبت أن معاهدة دارين مع الملك عبد العزيز لم تعد فاعلة كأساس لعلاقتها معه نظراً للقوة والمكانة والتأثير على محيطه الإقليمي، لهذا كانت الحكومة البريطانية بحاجة إلى وضع أسس ثابتة لعلاقاته بالدول المحيطة بغرض حمايتها.

وبذلك اتجهت بريطانيا نحو توطيد الصداقة المحايدة، بعد فشلها في تكبيله بمعاهدات مشابهة لتلك التي فرضتها على حكام وشيوخ المنطقة، فكانت «معاهدة جدة» في 18 من ذي القعدة 1345هـ- 20 مايو (أيار) 1927، التي نجح فيها الملك عبد العزيز في فرض سلطته حاكماً مستقلاً، وذلك يعد تحولاً كبيراً في السياسة البريطانية في المنطقة، فلم تكن مطالبه تقاس فقط بما يقدمه من التزامات، ولكن أيضاً بمدى النفوذ الذي يمارسه هذا الكيان القوي الذي فرض على بريطانيا تغيير سياستها في المنطقة واضطرارها ولأول مرة لتقديم تنازلات لنجاح المفاوضات والتوصل إلى معاهدة معه.

كان الملك عبد العزيز العقبة الحقيقية التي وقفت في وجه المخططات البريطانية لتقسيم الجزيرة العربية (واس)

مخاوف بريطانية من النفوذ السعودي القادم

هل امتدت المخاوف البريطانية من الملك عبد العزيز إلى الخليج؟

لم تنته المخاوف البريطانية بتوقيع معاهدة جدة، فما زالت تخشى على مشيخاتها في الخليج العربي وعلى قاعدتها الاستراتيجية في عدن، خاصة بعد أن أرسل المقيم البريطاني في الخليج العربي (1345 – 1347هـ) - (1927 – 1928م) إلى وزارة الهند ما يفيد بقلقه الشديد من ازدياد نفوذ الملك عبد العزيز في شبه الجزيرة العربية وخشيته على القواعد الجوية البريطانية في ساحلها الشرقي نتيجة لتدخل الملك عبد العزيز في شؤون مشيخات ساحل عُمان.

كما أكدت الوثائق البريطانية أن نشاط جباة أمير الأحساء داخل قطر دفعها إلى تقديم شكوى إلى بريطانيا بتاريخ 11 صفر 1342هـ - 21 سبـتمبر 1923م، وأدّى ذلك إلى إرسال تحذير إلى الملك عبد العزيز في 1 ربيع الآخـر عام 1343هـ - 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1923م. وكانت الإدارة البريطانية متخوفــة من صلاحيات أمير الأحساء، الذي أثار نشاطه من خلال عملية جباية الزكاة وبعض العمليات التأديبية للقبائل القنصل البريطاني في بوشهر الذي توقع «... أن يكون الهدف هو احتواء ساحل عمان المهادن وعمان المستقل، وأنَ ابن جلوي قد يستخــدم حماية القبائل الساكنة فيه. كما أنه قد يعمل على ضم جزء كبير من سلطنة عمان المناوئة للملك عبد العزيز، وكذلك شرق الضفرة والمناطق الساحلية التابعة لإمارة أبوظبي. وفي هذه الحالة سيبحث شيوخ المهادن عن أنسب الحلول مع الملك عبد العزيز ويعرضون الانضمام لنجد خاصة إذا حصلوا على اعتراف بحكمهم الوراثي لمناطقهم...». وعلى هذا نبّهت القنصلية البريطانية إلى ضرورة زيادة النفوذ السياسي البريطاني في الساحل المهادن للحد من الضغـط الذي يستخدمه ابن جلوي على حدود الساحل. وتجددت مخاوف المقيم السياسي في الخليج العربي في تقريره إلى سكرتير دولة المستعمرات بتاريخ 4 من ذي الحجة 1344هـ - 14 يونيو 1926م حول نشاط ابن جلوي في عمان.

كما نَبّه القنصل البريطانـي فـي بوشهر إلى أنّه في حالة حرص حكومته على حفظ استقـلال شيوخ المهادن وحماية مسقط من نشاط ابن جلوي، فلا بُدّ من مساءلة حاكم نجد للضغط عليه لقصـر نشاطه عن شيوخ المهادن والمحافظة على الحدود المتفق عليها في عام 1348هـ - 1929م.

واجهت بريطانيا مشكلة جديدة مع الملك عبد العزيز بعد تقدمه بشكوى في شعبان 1334هـ- يونيـــو 1916م حول تهريب البضائع من الكويت إلى نجد، ووصلت إلى فرضه حصارا اقتصاديا على الكويت بعد تعنت شيخها.

أكدت التقارير البريطانية أن الحصار التجاري لم يكن برياً فحسب، بل امتد إلى عمليات بحرية بإيعاز من ابن جلوي. وقد تزايدت المخاوف البريطانية حول مصير الكويت التي قد يؤدي التطويق الاقتصادي النجدي إلى إذابتها ضمن الحدود النجدية، وهذا ما دفع حكومة بريطانيا إلى إعطاء حاكم الكويت وعداً بتسوية مرضية والدفاع عن مصالح الكويت.

لهذا وجهت الحكومة البريطانية تحذيرا للملك عبد العزيز الذي أكّد بدوره أنه يحرص في المقام الأول على حفظ أمن حدوده، وأنّه ليس لديه نيات للتدخل فـي شؤون الكـويت، وأنّه لن يتنـــازل عن مطالبه خصوصاً بعد الخسائر الاقتصادية الفادحة التي تعرّض لها بسبب تهريب البضائع.

لم تقبل بريطانيا موقف الملك عبد العزيز الذي قد ينعكس سلباً على ثقلها السياسي في مشيخات الخليج العربي؛ خصوصاً أن منع التبادل التجاري بين السعودية والكويت قد يكون موجهاً ضد بريطانيا، ولكن عملياً ليس مخالفاً للقانون الدولي الذي يعطي أي دولة الحقّ في تنظيم وارداتها واستيفاء الرسوم الجمركية. ورغم الضغــوط التي مارستها الحكومة البريطانية على الملك عبد العزيز، فإنّها كانت تُدرك الفرق بين الصّداقــة معه وسياستها تجــاه محمياتها في الخليج، كما أنها لا ترغب في تأزّم جديد في علاقاتها بالملك عبد العزيز بعد إدراكها مدى تشدده، ما دفعها إلى تغيير سياستها بغية إيجاد تسوية مرضية للطرفين. وبقي الملك عبد العزيز حجر عثرة في طريق المخططات البريطانية في المنطقة.


مقالات ذات صلة

«مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

عالم الاعمال «مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

«مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

اختتمت مجموعة «أباريل»، الشركة العالمية الرائدة في مجال التجزئة، حملتها الحصرية احتفالاً باليوم الوطني السعودي في «بارك أفنيو مول».

الخليج حضور تمثل بمسؤولين ودبلوماسيين وشخصيات فاعلة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً (واس)

احتفال سعودي باليوم الوطني يجتذب اهتمام الباريسيين

اجتذب الاحتفال السعودي باليوم الوطني الـ95 اهتمام الباريسيين والسياح، حيث صدحت الموسيقى التقليدية في مقر الحدث وجواره، واستمتع الضيوف والمارة برقصة «العرضة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة سعودية احتفالات متنوعة أقامها القادسية بمناسبة اليوم الوطني (نادي القادسية)

بيسغروف: مجتمع الخبر هو القلب النابض لتراث القادسية

أكّد الأسكوتلندي جيمس بيسغروف، الرئيس التنفيذي للقادسية، أن اليوم الوطني الـ95 يمثل مناسبة استثنائية للمملكة بشكل عام، ولناديه بشكل خاص.

سعد السبيعي
رياضة سعودية النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو قائد فريق النصر (الشرق الأوسط)

رونالدو وفينالدوم ورينارد يشاركون السعوديين احتفالات اليوم الوطني الـ95

تفاعلت الأندية السعودية ولاعبوها المحترفون الأجانب مع احتفالات المملكة باليوم الوطني الـ95، حيث امتلأت منصات التواصل الاجتماعي ورسائل التهاني بأجواء الفخر.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
يوميات الشرق ‏الدرعية تحتفل باليوم الوطني السعودي الـ95‬ (واس) p-circle 02:02

السعوديون يحتفلون باليوم الوطني الـ95 ويستذكرون لحظة التوحيد واستئناف التاريخ

احتفل السعوديون باليوم الوطني الـ95، الذي يوافق 23 من سبتمبر (أيلول) من كل عام، واكتست جميع المدن السعودية، باللون الأخضر؛ تعبيراً عن الفرح، واستذكاراً للحظة

عمر البدوي (الرياض)

ختم الدولة السعودية الأولى... اعتراف رسمي وتوثيق إداري

فارس المشرافي (الشرق الأوسط)
فارس المشرافي (الشرق الأوسط)
TT

ختم الدولة السعودية الأولى... اعتراف رسمي وتوثيق إداري

فارس المشرافي (الشرق الأوسط)
فارس المشرافي (الشرق الأوسط)

أكد الدكتور فارس بن متعب المشرافي، رئيس قسم التاريخ في جامعة الملك سعود، أنه في يوم التأسيس لا تقتصر الكتابة التاريخية الرصينة على استعادة الحدث أو تمجيد البدايات، بل تتجه إلى تفكيك أدوات الدولة؛ تلك العلامات الصغيرة التي تكشف كيف فكَّرت السلطة، وكيف عرَّفت نفسها، وكيف مارست حضورها السياسي والإداري. ومن بين هذه الأدوات، يبرز الخَتْم بوصفه وثيقة مادية مكثّفة الدلالة، تختصر مفهوم الدولة في أثر واحد.

وأوضح المشرافي لـ«الشرق الأوسط» بالقول: ولأن الختم لا يُقرأ بمعزل عن سياقه السياسي والإداري، فإن الوقوف عند بنيته وصيغته يفتح باباً لفهم أعمق لطبيعة الدولة التي تنتجه. الختم المنسوب إلى الإمام سعود بن عبد العزيز (ت. 1229هـ/1814م)، ثالث أئمة الدولة السعودية الأولى، استُخدم لتوثيق المكاتبات الرسمية، ومنها رسالة موجّهة إلى والي الشام في العقد الأول من القرن الثالث عشر الهجري. يحمل الختم نصّاً مركزياً هو: «عبده سعود بن عبد العزيز»، ويتضمّن تاريخاً (1223هـ)، مع صياغة كتابية محاطة بإطار دائري يوحي بالاكتمال والضبط، كما لا يُنشأ الختم للزينة، بل للاعتراف الرسمي، فوجوده يعني أن هناك سلطة مركزية تحتاج إلى توثيق قراراتها ومراسلاتها، وإدارة واعية بالتمثيل؛ إذ إن كل رسالة مختومة تقول ضمناً: هذه دولة تتكلم باسمها، ونظام للشرعية؛ فلا تُكتسب الرسالة قوتها من مضمونها فقط، بل من الأثر المطبوع عليها.

طغراء السلطان سليمان القانوني (حكم 1520 - 1566) مكتوبة بالحبرين الذهبي والأزرق

وأشار إلى أن صيغة «عبده سعود» تتجاوز بُعدها الشخصي لتدخل في لغة الشرعية السياسية، فاختيار لفظ «عبده» يعكس تصوراً للسلطة لا ينفصل عن المرجعية الدينية؛ حيث تُقدَّم القيادة بوصفها تكليفاً أخلاقياً قبل أن تكون امتيازاً سياسياً. هذه اللغة ليست عفوية، بل تعبير عن نموذج حكم يرى أن القوة السياسية لا تكتمل إلا بشرعية قيمية، وأن الدولة لا تعلو على منظومة الاعتقاد، بل تعمل داخلها.

الختم ووظائف الدولة: الداخل والخارج

يشدد رئيس قسم التاريخ بجامعة الملك سعود على أن أهمية الختم تتضاعف حين نعلم أنه استُخدم في مراسلة خارج المجال المحلي؛ إلى والي الشام. هنا يُصبح الختم أداة علاقات سياسية خارجية، يعبّر عن وعي الدولة السعودية الأولى بنفسها بوصفها فاعلاً سياسياً يتواصل، ويخاطب، ويُعرّف ذاته بلغة رسمية معترف بها في عالم المكاتبات السياسية آنذاك. وبذلك، لم يكن الختم موجّهاً للداخل فقط، بل أدّى وظيفة سيادية تجاه الخارج.

وفي الوقت نفسه، فإن وجود التاريخ الهجري على الختم ليس تفصيلاً شكلياً، بل مؤشر على «زمننة» العمل الإداري، فالدولة التي تؤرّخ وثائقها دولة تدرك أهمية التسلسل، والأسبقية، والحجّة، وتعي أن الفعل السياسي لا يكتمل دون ضبطه في الزمن. وهنا تبرز ملامح مبكرة لما يمكن تسميته بالعقل الإداري للدولة السعودية الأولى.

وتحدّث المشرافي عن الختم في سياقه الإقليمي المعاصر، موضحاً أن دلالة ختم الإمام سعود بن عبد العزيز تتضح على نحو أدق عند مقارنته بأختام دول إسلامية معاصرة له في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. ففي الدولة العثمانية، كانت الطغراء السلطانية تُستخدم بوصفها توقيعاً سيادياً مركّباً، يحمل اسم السلطان وألقابه بصياغة بصرية كثيفة، ويؤدي وظيفة رمزية عالية تُبرز المقام الإمبراطوري والتراتبية السلطانية قبل أي بُعد إجرائي، بحيث يغدو الختم بيان سيادة بصرياً - بلغة ذلك العصر - بقدر ما هو أداة توثيق. كذلك في إيران القاجارية، تظهر الأختام الرسمية مرتبطة باسم الشاه وألقابه، مع حضور واضح للوسم الشخصي والشرعية الملكية، بما يجعل الختم امتداداً لهيبة الحاكم وتمثيله الرمزي للدولة، أكثر من كونه أداة ضبط إداري محايدة.

وفي مصر في عهد محمد علي باشا، ورغم ملامح التحديث الإداري المبكر، ظل الختم الرسمي يعمل داخل لغة سلطة ومقام لا تُستمد من صيغة الختم وحدها، بل من البنية السيادية التي ينتمي إليها الحاكم بوصفه والياً عثمانياً. فحتى حين استخدم محمد علي صيغة «عبده محمد علي»، فإن هذه العبارة لا تؤدي وظيفة تعريف تأسيسي للشرعية، بل تعمل بوصفها صيغة تهذيب إجرائية ضمن تقاليد الكتابة العثمانية، تُخفَّف بها نبرة المقام داخل الختم، على أن تُستعاد كاملة خارجه عبر منظومة الألقاب والرتب الرسمية التي تُحدد موقع الحاكم ووظيفته، من قبيل لقبه «باشا» بوصفه رتبة عليا في الهرم الإداري والعسكري العثماني، و«والي مصر» باعتباره اللقب القانوني والسيادي المعترف به، إضافة إلى الصياغات البروتوكولية من نوع «والي مصر المحروسة». وعليه، فإن الختم في الحالة المصرية يظل إعلاناً للمقام السياسي بقدر ما هو أداة توثيق، ولا ينفصل عن منظومة سلطة أعلى يتحدد داخلها موقع الحاكم ووظيفته.

وشدد بالقول في مقابل هذه النماذج، يقدّم الختم السعودي صيغة مختلفة؛ إذ تكتفي عبارة «عبده سعود بن عبد العزيز» المقترنة بالتأريخ الهجري بأداء وظيفة الاعتراف الرسمي والتوثيق الإداري، دون استعراض رمزي أو تضخيم للألقاب، ودون إحالة إلى سيادة أعلى خارج إطار الدولة نفسها. هنا تتقدّم وظيفة الختم بوصفه أداة دولة على كونه بيان مقام، ويبرز نموذج سيادي يقوم على الاقتصاد في الرموز، والوضوح في التمثيل، والضبط الإداري، وهو فارق دالّ في فهم طبيعة الدولة السعودية الأولى ومنطق تشكّلها المبكر، بوصفها دولة تُعرّف نفسها من خلال وظيفتها وممارستها، لا عبر فخامة الرمز وحدها.

طغراء السلطان عبد العزيز (حكم 1861 - 1978)

الختم ووظيفة الدولة السعودية الناشئة

يُشير المشرافي إلى أنه، وفي ضوء هذه المقارنة الإقليمية، لا يمكن قراءة ختم الإمام سعود بن عبد العزيز بوصفه مجرد أداة توثيق إدارية معزولة، بل ينبغي فهمه في سياق وظيفة الدولة السعودية الناشئة آنذاك. فهذه دولة لم تتشكّل بوصفها كياناً احتفالياً أو رمزياً، بل بوصفها سلطة معنية بالضبط، وتنفيذ الأحكام، وتأمين المجال، وتنظيم العلاقة بين الداخل والخارج. وفي هذا السياق، يغدو الختم انعكاساً مباشراً لوظيفة الدولة نفسها: أداة لإقرار القرار، وتثبيت المراسلة، وضبط الفعل السياسي ضمن إطار شرعي واضح.

إن بساطة صيغة الختم، واقتصاده في الألقاب، وحضوره المقترن بالتأريخ الهجري، كلها عناصر تُشير إلى دولة ترى في السلطة ممارسة مسؤولة قبل أن تكون استعراضاً سيادياً. فالدولة التي تُكثّف رموزها إلى الحد الأدنى هي دولة تُقدّم الفعل على الخطاب، والتنظيم على الزخرفة، والوظيفة على التمثيل. ومن هنا، لا يُقرأ الختم بوصفه علامة شخص الإمام، بقدر ما يُقرأ بوصفه أداة دولة تعمل، وتخاطب، وتُلزم، وتُؤرّخ.

بهذا المعنى، يُصبح ختم الإمام سعود بن عبد العزيز شاهداً على طبيعة الدولة السعودية الأولى بوصفها دولة ممارسة، تُعرّف نفسها من خلال ما تنفّذه، لا من خلال ما تستعرضه، وتُثبّت حضورها عبر الضبط الإداري والشرعي، لا عبر الفخامة الرمزية وحدها.

وخلص المشرافي إلى القول: يعلّمنا ختم الإمام سعود بن عبد العزيز أن الدولة لا تُقرأ فقط في المعارك أو الاتفاقيات الكبرى، بل في تفاصيلها الصامتة: ختم، وتوقيع، وصيغة لغوية. وفي يوم التأسيس، فإن استحضار هذا الختم ليس احتفاءً بأثر قديم، بل قراءة واعية للحظة تُشكّل الدولة السعودية بوصفها كياناً منظماً، ذا شرعية ووعي بالتمثيل السياسي. هكذا، يصبح الختم شهادة تاريخية تقول: هنا دولة، وهنا سلطة تعرف نفسها، وتعرف كيف تُثبت حضورها.


الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
TT

الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)

أكدت الدكتورة هالة بنت ذياب المطيري، الأمين العام للجمعية التاريخية السعودية، أن تجربة الإمام محمد بن سعود أظهرت أن النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها، لافتة إلى أن الاستقرار الأمني كان له أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعي الذي شكل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة الأولى.

وقالت المطيري لـ«الشرق الأوسط»، قامت الدولة السعودية الأولى في وسط شبه الجزيرة العربية خلال مرحلة تاريخية اتسمت بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حيث كانت منطقة نجد قبل قيام الدولة تعاني من التفكّك السياسيّ وتعدّد الكيانات المحلّية، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض الأمن وحماية المصالح العامّة. وقد أدّى هذا الوضع غير المستقرّ إلى تراجع النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ، إذ تضرّرت الزراعة والتجارة بسبب كثرة النزاعات وانتشار أعمال السلب وقطع الطرق، ممّا جعل القوافل التجارية عُرضة للخطر، كما أضعف حركة التبادل التجاري بين مناطق نجد والمناطق المجاورة، متّسماً آنذاك بالبساطة والعشوائية، حتى اعتمد السكان على الجهود الفردية المحدودة في تأمين معيشتهم، مع ضعف الموارد المالية وغياب أيّ تنظيم اقتصاديّ شامل.

وأضافت: عندما تولّى الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الحكم في الدرعية، أدرك منذ البداية أنّ بناء دولة قوية مستقرّة لا يتحقّق إلّا من خلال الأمن وتنظيم الموارد الاقتصادية، فالأمن يُعدّ الأساس الذي تقوم عليه أيّ نهضة اقتصادية حقيقية. ولذلك عمل الإمام على توحيد الجهود وبسط النفوذ في المناطق المحيطة، وتأمين الطرق التجارية وطرق الحجاج، وحماية القوافل من الاعتداءات، حتى أسهم هذا الاستقرار الأمني في إعادة الثقة إلى طرق نجد التجارية، بعد أن كانت مهجورة أو محفوفة بالمخاطر، مما شجّع التّجار على معاودة استخدامها، فتحقّق تنشيط حركة التجارة الداخلية والخارجية، وزيادة التبادل التجاري بين نجد وبقيّة مناطق شبه الجزيرة العربية.

الازدهار وليد الاستقرار

كان للاستقرار الأمني أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعيّ، الذي شكّل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة السعودية الأولى، فقد شهدت منطقة الدرعية ووادي حنيفة توسّعاً ملحوظاً في الزراعة، نتيجة توفُّر الأمن والاستقرار السياسيّ. وأسهم ذلك في زيادة إنتاج المحاصيل الأساسية، مثل الحبوب والتمور والخضراوات، التي كانت تشكّل الغذاء الرئيسي للسكان. كما شجّع المزارعين على استصلاح الأراضي والعناية بها، وتحسين أساليب الريّ والزراعة، فتحقّق قَدْرٌ من الاكتفاء الذاتي، وقَلّ الاعتماد على الواردات من المناطق المجاورة. وأسهم الفائض الزراعي في دعْم الأسواق المحلّية وتزويد القوافل التجارية بالمؤن، الأمر الذي عزّز الروابط الاقتصادية بين سكان الحاضرة والقبائل المجاورة.

الدكتورة هالة المطيري

وفي ظِلّ هذا النشاط الزراعيّ المتنامي، تؤكد المطيري أن أسواق الدرعية شهدت ازدهاراً كبيراً، حتى أصبحت من أهم المراكز التجارية في نجد، فقد جذبت هذه الأسواق التّجار من مختلف المناطق، ووفّرت بيئة مناسبة لتبادل السلع والمنتجات. وتنوّعت البضائع المعروضة في الأسواق بين المنتجات الزراعية المحلّية، والحِرَف اليدويّة، والسلع المستوردة التي كانت تصل عبر القوافل التجارية، كما نشطت الحِرَف والمِهَن، مثل النجارة والحدادة وصناعة الأدوات الزراعية، فتوفّرت فرصُ عملٍ جديدة، وتحسّنت مستويات المعيشة لدى السكان.

ولم يقتصر دور الأسواق على الجانب الاقتصادي فقط، بل كانت -أيضاً- مراكز للتفاعل الاجتماعيّ وتبادل الخبرات والمعارف، مما عزّز من مكانة الدرعية بصفتها مركزاً حضاريّاً واقتصاديّاً مهمّاً.

ورأت أن النظام الماليّ في الدولة السعودية الأولى، تميّز بالبساطة والتنظيم، والالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية. واعتمدت الدولة في مواردها المالية على الزكاة والصدقات، التي كانت تُجمَع وتُدار بطريقة منظّمة، بالإضافة إلى عوائد الأسواق والتجارة من الرسوم البسيطة على السلع، دون إثقال كاهل التجّار أو السّكان. كما شملت الموارد المالية الإنتاج الزراعي والسلع الفائضة المتداولة في الأسواق، بالإضافة إلى موارد المناطق التي خضعت لسلطة الدولة، بما في ذلك بعض الغنائم الناتجة عن توسيع النفوذ. وقد مكّن هذا النظام المالي الدولة من تسيير شؤونها الإدارية والعسكرية، ودعْم الأمْن، وتحقيق قدْرٍ من الاستقرار الماليّ، فتعزّزت ثقة السكان بالدولة وسلطتها.

خفض النزاعات

شددت هالة المطيري على أن الاستقرار الماليّ أسهم في تمكين الإمام محمد بن سعود من تنفيذ عدد من المشروعات التي دعّمت البنية التحتية، مثل تحسين الطرق وتأمينها، وتطوير الأسواق، ودعْم الأنشطة الزراعية، وهو ما انعكس إيجاباً على الاقتصاد والمجتمع. كما أتاح هذا الاستقرار المالي تحقيق توازن بين متطلبات التوسّع السياسيّ والحفاظ على قوة الاقتصاد المحليّ، دون الإضرار بمصالح السكان أو استنزاف مواردهم، وقد انعكس هذا الازدهار الاقتصادي على المجتمع بشكل إيجابي، إذ ساعد في تحسين مستوى المعيشة، وتقليل النزاعات على الموارد، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين القبائل وسكان الدرعية. كما أسهم في ترسيخ السلطة السياسية، حيث أتاح للإمام محمد بن سعود إدارة الدولة بكفاءة، وتوسيع نفوذها تدريجياً، دون الاعتماد الكامل على القوة العسكرية. وبذلك، أصبح الاقتصاد أداة استراتيجية في بناء الدولة وتعزيز استقرارها السياسيّ والاجتماعيّ.

ورأت أن تجربة الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها بشكل وثيق. فكلّما ازدهرت الزراعة وتوسّعت الأسواق، تحسّن مستوى المعيشة، وازدادت الروابط الاجتماعية قوةً، مما عزّز الولاء للدولة، وساعد على تحقيق الاستقرار الداخلي. وقد مكّن هذا الترابط بين الاقتصاد والسياسة الإمام محمد بن سعود من التركيز على بناء مؤسّسات الدولة وتوسيع نفوذها، مع الحفاظ على تماسك المجتمع وقوة اقتصاده، كما تُبرِز هذه التجربة أهمية الموقع الجغرافي للدرعية، على وادي حنيفة، حيث استُخدم هذا الموقع الاستراتيجي لدعْم النشاطَين الزراعيّ والتجاريّ، وربْط الأسواق الداخلية بالقوافل التجارية الإقليمية. وقد أسهم ذلك في تدفّق السلع ورؤوس الأموال، وزيادة فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، فتعزّزت مكانة الدرعية بصفتها مركزاً اقتصاديّاً حيويّاً في شبه الجزيرة العربية.

الثقة بين الدولة والمجتمع

تقول الدكتورة هالة المطيري، إن دراسة النواحي الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ الاقتصاد كان عنصراً أساسياً في بناء الدولة واستقرارها، فقد أسهم تحقيق الأمن، وتنشيط الزراعة، وازدهار الأسواق، وتنظيم الموارد المالية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وجعل الدولة السعودية الأولى نموذجاً مبكراً لإدارة الموارد الاقتصادية بوعْي وحِكمة. وتُعدّ هذه التجربة مصدراً مهماً للدراسة والبحث، لما تحمله من دروس في كيفية توظيف الاقتصاد لدعم قيام الدول وتحقيق التنمية المستدامة، حتى في البيئات التي تتسم بالصعوبات والتحدّيات، كما ساعدت السياسة الاقتصادية المتوازنة التي انتهجها الإمام محمد بن سعود -طيّب الله ثراه- على خلْق حالة من الاستقرار طويل المدى، إذ لم تقتصر جهوده على معالجة المشكلات الاقتصادية الآنية، بل سعى إلى وضْع أسس تضمن استدامة النشاط الاقتصاديّ. فقد شجّع ترسيخ قِيَم العمل والإنتاج، وربَط الاستقرار الاقتصادي بالعاملَيْن الدينيّ والأخلاقيّ، فانضبطت المعاملات التجارية، وقلّ الغش والاحتكار، و بُنِيت ثقةٌ متبادلة بين التجار والمجتمع والدولة. كما أدّى انتظام جباية الزكاة وتوزيعها العادل إلى تحقيق نوْع من التكافل الاجتماعيّ، فقد دعَمت الفئاتُ القادرةُ الفقراءَ والمحتاجين، فقلّت الفوارق الاجتماعية والتوترات داخل المجتمع. وأسهم هذا التكافل في تعزيز الشعور بالانتماء للدولة، وجعل السكان أكثر استعداداً لدعمها والمحافظة على استقرارها. بالإضافة إلى ذلك، فإن وضوح النظام الاقتصادي وبساطته شجّعا السكان على الانخراط في الأنشطة الإنتاجية المختلفة دون خوف من التعسّف أو الظلم، فتوسّعت القاعدة الاقتصادية للدولة.

وشددت على أنه يمكن القول إنّ هذه السياسات الاقتصادية لم تكن مجرّد وسائل لزيادة الموارد، بل أدوات فعّالة لبناء مجتمع متماسك واقتصاد قادر على الاستمرار، وهو ما شكّل دعامة أساسية في نجاح الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود.


التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
TT

التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

يضع الدكتور عبد الرحمن الشقير، الباحث وعالم الاجتماع، تجربة تأسيس الدولة السعودية داخل إطار تفسيري غير مسبوق، إذ يتعامل مع التاريخ بوصفه نظاماً تحكمه علاقات معقدة قابلة للقياس بين السكان والموارد والنخب، بعد أن كان يدرس بوصفه سلسلة وقائع معزولة، موضحاً أن هذا المنظور يعتمد على مقاربات علم التعقيد ونظرية الكليو-دايناميكس (قوانين التاريخ)، لفهم كيف تتولّد الدول وتنمو ثم تدخل مراحل الضغط بسبب تضخم النخب، ما يولد الأزمة فالذروة، ثم تبرز شخصية قيادية تُعيد إنتاج الاستقرار.

وأوضح الشقير لـ«الشرق الأوسط»، أنه من خلال هذا الإطار نفهم أن الدرعية قبل الإمام محمد بن سعود كانت نظاماً محلياً بلغ حد التشبع النخبوي والاضطراب البنيوي، فتُفسر لحظة صعود الإمام محمد بن سعود بوصفها لحظة إعادة ضبط تاريخية، أعادت تشكيل مركز الحكم، وأطلقت دورة سياسية جديدة.

علم التعقيد

وذكر الشقير أن علم التعقيد، وهو دراسة الأنظمة التي تتكون من أجزاء كثيرة مترابطة، مثل المجتمعات أو الاقتصاد؛ حيث يؤثر كل جزء صغير في الآخر، وتنتج من كثافة التفاعل أنماط وسلوكيات جديدة لا يمكن فهمها بمجرد دراسة كل جزء وحده، ومن ثم فهو يهتم بكيفية نشوء الاستقرار أو الفوضى أو التغير الكبير نتيجة تراكم تفاعلات صغيرة عبر الزمن.

الدورة الخماسية لتحول الدول

وعرج الشقير إلى الحديث عن الدورة الخماسية لتحول الدول، موضحاً أن تحولات الدول تخضع لديناميات يمكن قياسها وتوقع اتجاهاتها العامة؛ إذ تتحرك المجتمعات في هذا الإطار عبر دورة خماسية تتشكل كما يلي:

  • مرحلة النمو، وهي طور تتسع فيه الموارد وترتفع قدرة الدولة على الضبط، ويتزامن ذلك مع زيادة سكانية وتكاثر في النخب، وتقاس هذه المرحلة بمعرفة تقريبية للسكان والموارد الاقتصادية والتنبؤ بها وفق مؤشرات، دون الحاجة إلى نصوص مؤرخين.
  • مرحلة الضغط حين تتراجع وفرة الموارد نسبياً، ويزداد عدد الطامحين إلى المناصب وتمسك النخب القديمة بمناصبها، بما يفوق قدرة الدولة على استيعاب الجميع؛ وذلك لأن زيادة السكان تزيد من ظهور النخب السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية، فيكون عدد النخب أكثر من المناصب المتاحة.
  • مرحلة الأزمة التي تتصدع فيها وحدة النخب، وتبدأ فيها الصراعات الكامنة بالتحول إلى مواجهات مفتوحة.
  • مرحلة الذروة، وهي قمة الأزمة واللااستقرار التي تتفكك عندها التحالفات، وتتسارع فيها الإقصاءات والانشقاقات.
  • مرحلة الاستقرار، حيث تتمكن قيادة جديدة أو منظومة حكم معدّلة من إعادة ضبط العلاقة بين السكان والموارد والنخب بما يتلاءم مع روح المجتمع الجديد؛ حيث تبدأ دورة جديدة أشد تماسكاً من سابقتها.

تنافس غير قابل للاحتواء

ذكر الشقير أن مرحلة الذروة ظهرت في السنوات القريبة من 1139هـ، عندما بلغ التنافس بين الفروع الحاكمة مستوى غير قابل للاحتواء، وتسارعت وتيرة الانشقاقات داخل النخب حالات إمارة لمدد قصيرة لبعض الشخصيات، وتقلّبت الولاءات بصورة كشفت عن انهيار القدرة على إدارة التوازن الداخلي. وفي هذا الوضع بلغ النظام السياسي حدَّه الأقصى؛ إذ أصبح عدد الطامحين يفوق قدرة الإمارة على تنظيم السلطة، ما جعل الذروة لحظة تفكك بنيوي كامل مهّد لظهور قيادة قادرة على إعادة التأسيس.

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

جاء صعود محمد بن سعود بوصفه نتيجة لاكتمال شروط الاستقرار داخل الدرعية، عقب بلوغ تضخم النخب حدّاً أعجز منظومة الحكم القديمة عن الاستمرار، فبرزت لحظة تاريخية تطلبت قائداً يقرأ ما تعجز عنه النخب المتصارعة، فجسّد انتقال السلطة إليه إعادة ضبط لتوازن القوى داخل الدرعية، واستعاد عبرها النظام المحلي قدرته على الاستقرار البنيوي.

بناء مركز الحكم

تمكن الإمام محمد بن سعود من تأسيس حي الطريف في الدرعية لبداية نمو جديد، وجعلها مقر الحكم، بعد أن كان أمراء الدرعية يقيمون في غصيبة أو المليبيد، وأعاد بناء مركز الحكم عبر توزيع النخب السياسية والدينية والعسكرية على مؤسسات الدولة الجديدة، وتنظيم هياكل السلطة داخل الدرعية، وتقليص فائض النخب، وضبط العلاقات بين الفروع المتنافسة. وأسفر هذا الضبط البنيوي عن استعادة قدرة الإمارة على إدارة السكان والموارد والنخب ضمن إطار موحد، الأمر الذي مهّد لانطلاق دورة تأسيس جديدة أصبحت نواة الدولة السعودية الأولى.

وعدّ الشقير بأن هذه القراءة الجديدة تفتح أفقاً بحثياً يفسر نشأة الدول في جزيرة العرب عبر دورات بنيوية تحكمها علاقة السكان والموارد والنخب، مع تباين آليات الضبط تبعاً لاختلاف البيئات المحلية، ويجعل بناء إحصاءات سكانية ومالية تقريبية مدخلاً لازماً لتحويل التاريخ إلى مادة قابلة للاختبار والمقارنة، ما يتطلب ضرورة تجميع البيانات وتوليد فرضيات قابلة للفحص عن تاريخ المنطقة، بما يدعم بناء نموذج تفسيري عربي طويل المدى أعلى دقة وأشد استقلالاً عن السرديات الجزئية.

وتظهر الكتابة عن الإمام محمد بن سعود محدودة في بُعدها السردي التحليلي؛ حيث لا سيرة تاريخية تشرح منطق الفعل التأسيسي، ولا تمدنا المدونات التاريخية بما يُسهم في معرفة ما حدث قبل وأثناء التأسيس؛ لذا تفرض هذه الفجوة مساراً بحثياً يعيد تركيب حياة الإمام من داخل بنية الأحداث عبر قراءة القرارات والتحالفات والصراعات بوصفها نظاماً دلالياً يكشف تصور الحكم وشروط الدولة، فتتشكل سيرة تاريخية مستخرجة من حركة الواقع، وتنتج تفسيراً لمسار المشروع السياسي.