كيسنجر: عملنا على منع نصر عربي على إسرائيل في حرب أكتوبر

كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
TT

كيسنجر: عملنا على منع نصر عربي على إسرائيل في حرب أكتوبر

كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك الخميس (د.ب.أ)

اعترف وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، بأنه والرئيس في ذلك الوقت، ريتشارد نيكسون، وبقية طاقمه، عملوا بشكل قوي وحثيث في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، على توفير الدعم المباشر والخدمات الحاسمة لإسرائيل، حتى لا يتحقق نصر عربي عليها. وفي الوقت نفسه، أدى ذلك ليس فقط للتأثير على سير المعارك على الأرض، بل كان له وزن كبير في المحادثات اللاحقة التي انتهت إلى اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل.

وقال كيسنجر، في مقابلة مع صحيفة «معاريف» الإسرائيلية نشرت الجمعة، إن هذا الموقف اتخذ فور وصول النبأ عن نشوب الحرب. وأضاف: «عقدنا العزم منذ اليوم الأول على منع نصر عربي في الحرب، ورأينا في نصر كهذا ضربة للولايات المتحدة نفسها؛ لأنه كان من الممكن تفسيره على أنه انتصار سوفياتي علينا؛ لذلك كنا مقتنعين منذ اللحظة الأولى بضرورة عودة القوات المصرية والسورية إلى الخطوط التي كانت معتمدة قبل اندلاع المعارك».

المجند المصري محمد عبد السلام العباسي لدى رفعه العلم المصري على خط بارليف في حرب أكتوبر عام 1973 (الشرق الأوسط)

كيسنجر، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي خلال الحرب ثم أصبح وزيراً للخارجية ويبلغ اليوم 100 عام من العمر، قال إن «صورة المعركة كانت مختلفة تماماً عن تلك التي رسمها الخبراء الأميركيون في مخيلتهم عندما نشر خبر الهجوم المصري. فقد دارت كل المناقشات حول الحرب على افتراض أن التفوق العسكري كان لصالح إسرائيل. لم نأخذ على محمل الجد أبداً إمكانية اضطرارنا للتعامل مع وضع يتمتع فيه السوفيات بميزة أو تفوق ما». ولكن تبين أن المصريين نجحوا في ضرب خط بارليف والدفع بأكثر من 100 ألف جندي ونحو 400 دبابة ووحدات كوماندوس إلى سيناء، وبناء عدة جسور فوق القناة. وفي الأيام الأولى من الحرب فقدت إسرائيل يومياً ما يقرب من 200 مقاتل. وأُسر الكثير من جنود الخط الأول الإسرائيلي على أيدي الجيش المصري. لم يكن لدى سلاح الجو الإسرائيلي رد حقيقي على أنظمة الصواريخ «6 - SA» سوفياتية الصنع. وانضم الطيارون الذين أصيبوا، وتمكنوا من الهروب بواسطة مقاعد النجاة إلى رفاقهم في الأسر.

كيسنجر مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات (عرب 48)

وتعرضت طوابير المدرعات الإسرائيلية التي كانت تتقدم في سيناء وسط حالة من الفوضى، إلى هجوم جوي مصري شديد. وفي الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، خسر سلاح الجو الإسرائيلي 49 طائرة مقاتلة، وتضررت 500 دبابة في سيناء. كان هناك نقص في ذخيرة المدفعية في مستودعات الطوارئ، وتم اكتشاف معدات قتالية صدئة جزئياً وغير صالحة للاستعمال.

وتكلم كيسنجر عن زيارة قام بها السفير الإسرائيلي لدى واشنطن حينها، سيمحا دنيتس، والملحق العسكري الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، إلى مكتبه في واشنطن، ثالث أيام الحرب، ونقلا طلباً عاجلاً من رئيسة الحكومة الإسرائيلية حينها، غولدا مائير، بتجديد إمدادات الأسلحة الأميركية والمساعدات العسكرية لصالح إسرائيل. وقال: «عندما بدأت الصورة تتضح لنا، بدأت المناقشات حول إعادة تزويد إسرائيل بالأسلحة. عارضت وزارة الدفاع (البنتاغون) بشدة تجديد توريد المعدات الأميركية؛ لذلك اقترحنا على إسرائيل أن ترسل طائرات ونقوم بتحميلها بالمعدات. كانت في الأساس معدات عالية التقنية يمكن استخدامها في الحال».

كيسنجر مع رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير (عرب 48)

وقال إنه في هذه المرحلة أبلغ إسرائيل بقرار الإدارة الأميركية الذي شمل تعهداً بتنظيم جسر مساعدات جوي «مدني» على الفور، وأشار إلى أنه «اعتقد أنه يمكن البدء بهذه الجهود دون تأخير من خلال منح الإذن لشركات الطيران المدنية، لإتاحة الطائرات لهذه الجهود».

وأشار كيسنجر إلى أنه عارض مناقشة طلب إسرائيلي وقف إطلاق النار بينما كانت إسرائيل قد بدأت بالتحضير للهجوم على الجولان السوري، وقال: «كنت ضد وقف إطلاق النار بشدة، بينما تستمر المكاسب المصرية في ساحة المعركة. لقد أولينا أهمية كبيرة لخطر أن يُنظر إلى الأسلحة السوفياتية على الساحة الدولية على أنها ذات جودة أعلى بسبب النجاحات التي حققها الجيش المصري. وعندما بات واضحاً لنا أن القافلة الجوية المدنية لم تكن قادرة على الإقلاع بالسرعة التي كنا نعتقدها في البداية، اقتربت من نيكسون وأخبرته بأننا بحاجة إلى مستوى آخر من الإمداد الجوي للتأثير على ساحة المعركة. أخبرته بأننا بحاجة إلى قطار جوي عسكري. وقد أمر نيكسون على الفور بتنفيذ الجسر الجوي إلى إسرائيل وبكامل القوة».

أضاف: «استغرق الأمر 3 أيام حتى يتمكن الجيش الأميركي من جمع المعدات اللازمة. ولم يكن لدينا حليف محظوظ إلى هذا الحد مثل إسرائيل. أنا لا أقبل بأي حال من الأحوال ادعاءات التأخير، لأنه حتى صباح يوم الثلاثاء كان لدينا انطباع بأن الإسرائيليين قادرون على حسم الحرب بسهولة». وروى كيسنجر قصة النشاط السياسي الذي سبق أن أعقب الحرب فقال إنه «في شهر فبراير (شباط) من تلك السنة، أي قبل نحو 8 أشهر على نشوب الحرب، أرسل الرئيس المصري، أنور السادات، مستشاره لشؤون الأمن القومي، حافظ إسماعيل، إلى واشنطن لبحث إمكانية التحرك نحو عملية سلام. لكن المبادرة كانت مبنية على وجهة النظر العربية التي تنص على انسحاب إسرائيلي إلى الحدود التي سبقت حرب 1967 في جميع القطاعات، مقابل الاعتراف العربي بإسرائيل». وأضاف: «أعتقد أنه لم يكن من الممكن منع الحرب إلا إذا كانت إسرائيل مستعدة للانسحاب إلى حدود 1967. كان ذلك مستحيلاً. كان من شأنه أن يعرض طريق تل أبيب - حيفا للهجمات. ويجب أن نتذكر أيضًا أن جميع الأطراف في إسرائيل عارضت ذلك، ولم تكن لتسمح بمثل هذا الاتفاق. والخيار الوحيد المتبقي هو فرض الاتفاق على إسرائيل. أنا عارضت ذلك بشدة. من المحتمل أنه حتى لو تراجعت إسرائيل، فإن ذلك لم يكن ليمنع الحرب؛ لأن السادات كان قد توصل بالفعل إلى استنتاج مفاده أن العالم العربي يحتاج إلى جرعة من النصر العسكري لتجنب الشعور بأن الفشل ضد إسرائيل أمر لا مفر منه».

وقال الدبلوماسي الأميركي إن أي إدارة أميركية مغايرة كانت ستسعى لفرض اتفاق كهذا على إسرائيل، عبر إجبارها على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في 1967، مقابل الحصول على اعتراف الدول العربية بإسرائيل، «لكن الرئيس نيكسون وبدعمي الثابت عارضها تماماً». وأضاف أن وزراء الخارجية العرب زاروا واشنطن خلال الحرب، وطالبوا بانسحاب إسرائيل، وعرضوا مجدداً اعترافاً عربياً شاملاً بإسرائيل مقابل الانسحاب. وأوضح أنه «يجب التأكيد بوضوح على أننا لم نفكر قط في انسحاب إسرائيلي كامل إلى حدود 1967، وبالتالي لم نقم بمثل هذه المفاوضات، وكان طموحنا هو إقناع الطرف الآخر بالموافقة على انسحاب جزئي مقابل تفاهمات سياسية من شأنها أن تعزز أن مكانة إسرائيل».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أوروبا أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

قال نائب وزير الدفاع البولندي سيزاري تومتشيك، الاثنين، إنه سيصبح في إمكان المقاتلات والمروحيات البولندية إسقاط الطائرات الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
تحليل إخباري جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

تحليل إخباري أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً، فحرب أوكرانيا غيّرت كل شيء وخطر المواجهة الأكبر أصبح أكثر جدية.

أنطوان الحاج
الاقتصاد أنابيب في محطة لضغط الغاز في مالنو - ألمانيا (رويترز)

أوروبا تحشد الدعم والضرائب لاحتواء صدمة أسعار الوقود

تدفع الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا حكومات أوروبية إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات، تشمل الدعم المالي والضرائب وتعديل السياسات، في محاولة لحماية اقتصاداتها.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تحليل إخباري عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز) p-circle

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

يسرّع الذكاء الاصطناعي القرارات العسكرية، لكنه يثير مخاوف من أخطاء وسوء تقدير قد يقودان إلى تصعيد غير مقصود بين الدول المتنافسة.

شادي عبد الساتر (بيروت)
تحليل إخباري دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل؛ فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية...

أنطوان الحاج

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
TT

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)

نجا ما لا يقل عن مائة راكب كانوا على متن طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» الإماراتية المتجهة إلى تل أبيب، أمس، من حادث ناجم - حسب إفادات أولية - عن مشادة بين طاقهما، وتسبب في هبوطها بشكل طارئ في مطار تبوك السعودي.

وبدت الدوافع بشأن الحادث متباينة؛ إذ أفادت الشركة الإماراتية بأن الأسباب «لا تزال غير معروفة في هذه المرحلة الأولية» وقيد التحقيق، فيما عدّ مسؤولون إسرائيليون رسميون الحادث «إرهابياً».

وأوضح متحدث باسم «فلاي دبي» في بيان، أن مشادة وقعت داخل قمرة القيادة. وأصدر مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز بمدينة تبوك، بياناً، جاء فيه أن مركز المراقبة الجوية تلقى نداء استغاثة من الرحلة، تطلب فيه تنفيذ هبوط اضطراري، وسُمح بهبوطها، مع تقديم الجهات المعنية الرعاية اللازمة للركاب في صالة المسافرين.

وأكد المطار التزامه بالأنظمة والتعليمات الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بسلامة الملاحة الجوية والركاب وأطقم الضيافة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن ركاب الطائرة «نجحوا في تحييد المهاجم، ومنعه من التسبب في (كارثة كبرى)». غير أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، جزم بأن الحادث كان «محاولة هجوم جهادي»، على حد قوله. وأضاف: «‌المهاجم كان لديه هدف ⁠واحد ⁠هو تحطيم الطائرة».


سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
TT

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

وأسفر الهجوم أيضا عن إصابة أربعة أشخاص. وكان مصدر أمني، طلب عدم كشف هويته، قال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن هجوما استهدف حافلة لنقل موظفين في شركة للكهرباء في محافظة حمص بوسط سوريا، موضحاً أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالاً في شركة كهرباء خاصة».

وأشارت «سانا» إلى أن قوى الأمن باشرت التحقيقات لتحديد المتورطين في استهداف الحافلة.

وأوضح المصدر الأمني أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالا في شركة كهرباء خاصة».

قبيل الهجوم، طاول انفجار خطا للغاز بالقرب من إحدى أهم محطات توليد الطاقة الكهربائية في ريف دمشق، وفقا لما أوردت وسائل الإعلام الرسمية، بعد يومين مما وُصف بـ«عمل تخريبي» استهدف خطا آخر في شرق سوريا.

منذ الإطاحة بحكم بشار الأسد في أواخر 2024، تواجه السلطات السورية الجديدة تحديات أمنية كبرى، لا سيما في دمشق ومحيطها.

في 22 أغسطس (آب) أسفر انفجار حافلة تابعة لقوى الأمن الداخلي قرب دمشق عن عدد من الإصابات في صفوف عناصرها.

وفي مطلع ذاك الشهر، أصيب 14 شخصا في تفجير استهدف حافلة نقل ركاب في مدينة جرمانا قرب دمشق.

وجرمانا ضاحية مكتظة جنوب شرق دمشق، تقطنها غالبية درزية وتضم كذلك مسيحيين وسكانا من محافظات عدة. وشهدت في أبريل (نيسان) 2025 اشتباكات دامية على خلفية طائفية أوقعت عشرات القتلى من الدروز.

وفي يوليو (تموز)، استهدف تفجيران متزامنان بعبوتين ناسفتين، محيط فندق أقام فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة أجراها إلى دمشق. وقالت السلطات السورية إن الخلية المتورطة بالتفجيرين تتبع تنظيم «داعش».


فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
TT

فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)

احتفى العراقيون برحيل القوات الأميركية، اليوم الأربعاء، بعد أكثر من عقدين من الحرب، لكن كثيرين يخشون أن يؤدي أي فراغ أمني إلى زيادة نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران أو يتيح فرصة لعودة تنظيم «داعش».

وبانسحاب آخر القوات -الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان شبه المستقل- تنتهي أكبر حرب خاضتها الولايات المتحدة هذا القرن، التي تسببت في دمار وفوضى على نطاق واسع لم يتعافَ منهما العراق تماماً بعد.

وترى إيران، التي رسخت نفوذها في العراق من خلال جماعات مسلحة متحالفة معها وتصمم على طرد جميع القوات الأميركية من الشرق الأوسط، أن الانسحاب الأميركي انتصار لما تسميه «محور المقاومة» من جماعات مسلحة حليفة في أنحاء المنطقة.

وانطلقت قوات عراقية في قافلة بالسيارات عبر شوارع بغداد ومدينة النجف التي تحظى بمكانة دينية لدى الشيعة احتفالاً بالانسحاب.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال أحمد صلاح، أحد سكان بغداد، إن الانسحاب «يملأ قلوبنا فرحاً». وأضاف أنه يشعر كأنه وُلِد من جديد في سن السبعين. لكنه أشار أيضاً ‌إلى أن الوقت قد ‌حان الآن لكي تسلم الفصائل المسلحة القوية أسلحتها، قائلاً: «دع الحكومة تكون الجهة المسؤولة عن حماية كلينا، أنا ‌وأنت، ⁠براً وجواً وفي ⁠المياه».

وجرت الموافقة على الانسحاب في 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وتنفذه إدارة الرئيس دونالد ترمب حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران المجاورة.

وكانت قوات بقيادة الولايات المتحدة غزت العراق في عام 2003 للإطاحة بصدام حسين، ما أثار في ذلك الوقت اضطرابات وفوضى. وغادرت القوات الأميركية في البداية في آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ثلاث سنوات لمساعدة القوات العراقية بعد أن استولى مقاتلو تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق وفرضوا حكماً قائماً على العنف.

ولقي أكثر من 4500 جندي أميركي حتفهم في العراق، وهو ما يبلغ مثلي عدد قتلاها في حرب متزامنة في أفغانستان. ويشير مشروع «ضحايا حرب العراق» إلى مقتل أكثر من 200 ألف مدني عراقي.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا رسمياً عملية العزم الصلب، ⁠مضيفة أن واشنطن ستواصل تقديم التدريب والدعم المخابراتي الموجّه للشركاء العراقيين.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات شعبية بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية وقوات التحالف من العراق في بغداد اليوم (إ.ب.أ)

ومن المتوقع أن يقود العراقيون جهود تأمين بلدهم، ‌الحليف لكل من واشنطن وطهران، والإبقاء على فلول تنظيم «داعش» تحت السيطرة.

وقال رئيس الوزراء ‌العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن ‌أمنه واستقراره».

«الفراغ الأمني يمكن أن يكون بالغ الخطورة»

رغم أن الانسحاب يحظى بتأييد واسع بين العراقيين، يشعر البعض بالقلق من أن قوات الأمن التي ‌دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة على حماية البلد.

وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

وقال عادل سلمان (45 عاماً)، وهو مدرس لغة إنجليزية في مدرسة ثانوية، إن العراقيين يجب ألا يتسرعوا في الاحتفال بالانسحاب.

وأضاف: «لا تزال الميليشيات تعمل خارج سيطرة الدولة، كما أن تنظيم (داعش) لم يختفِ بعد... أشعر بالقلق من أن يؤدي الانسحاب الأميركي إلى فترة جديدة من عدم الاستقرار. وفي نهاية ‌المطاف، سيحكم الناس على هذا القرار من خلال أمر واحد فقط: ما إذا كان الأمن سيظل مستقراً خلال السنوات المقبلة».

وتجمع مئات من أنصار الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران في بغداد للاحتفال بالانسحاب، مرددين ⁠هتافات «الموت لأميركا».

وحمل المحتفلون صور المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، وابنه مجتبى الذي خلفه، والجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني الذي قُتل في ضربة جوية أميركية استهدفت موكبه ببغداد في 2020.

ومع وجود القوات الأميركية جنباً إلى جنب مع الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران، انخرط العراق في حرب إيران هذا العام.

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق سبعة من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم منذ أن أطلق ترمب عملية «ملحمة الغضب» إلى جانب إسرائيل في فبراير (شباط). آخرهم جندي برتبة سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير مُحكم لطائرة مسيّرة في قاعدة قرب أربيل في يوليو (تموز).

عناصر من الأمن العراقي يرفعون شارات النصر خلال مشاركتهم في قافلة احتفالاً بالانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال المحلل السياسي أحمد يونس المقيم في بغداد إن الانسحاب يثير «احتمال أن تشعر الجماعات التي تنشط بالوكالة عن إيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول هذه الجماعات توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».

ويقول بعض المسؤولين الأمنيين العراقيين إن الانسحاب الأميركي ينطوي أيضاً على خطر منح مقاتلي تنظيم «داعش» فرصة جديدة للنشاط، إذ ما زالوا يحتفظون بشبكة من الخلايا النائمة رغم هزيمة الخلافة التي أعلنها التنظيم قبل نحو 10 سنوات.

وفي المرة السابقة التي انسحبت فيها القوات الأميركية أظهر الجيش العراقي أنه لا يقوى على مواجهة تنظيم «داعش»، إذ خلع الجنود زيهم العسكري وفروا عندما استولى التنظيم على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، في عام 2014.

وقال الجنرال المتقاعد في الجيش العراقي محمد الجبوري، الذي قاد لواء في الحرب على التنظيم: «السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية قد أعدت خطة بديلة قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد التحالف».