الرئيس الإيراني يدعو دول المنطقة للتعاون العسكري ويدافع عن «التمدد الاستراتيجي»

«الحرس الثوري» والجيش استعرضا صواريخ ومسيرات في ذكرى حرب الثمانينات مع العراق

صاروخ «فتاح» الباليستي فرط صوتي على شاحنة خلال العرض العسكري السنوي في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
صاروخ «فتاح» الباليستي فرط صوتي على شاحنة خلال العرض العسكري السنوي في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
TT

الرئيس الإيراني يدعو دول المنطقة للتعاون العسكري ويدافع عن «التمدد الاستراتيجي»

صاروخ «فتاح» الباليستي فرط صوتي على شاحنة خلال العرض العسكري السنوي في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
صاروخ «فتاح» الباليستي فرط صوتي على شاحنة خلال العرض العسكري السنوي في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

استعرضت القوات المسلحة الإيرانية، اليوم الجمعة، صواريخ باليستية وكروز فرط صوتية، وأنظمة دفاع جوي وطائرات مسيرة، في ذكرى حرب الثمانينات مع العراق، ووجه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي عدة رسائل بشأن تنامي القوة العسكرية الإيرانية، معتبراً إياها مهمة لتعزيز موقف إيران التفاوضي مع القوى الكبرى، ودعا دول المنطقة إلى التعاون العسكري، في وقت أبدى فيه تمسكاً بـ«التمدد الاستراتيجي» في المنطقة والعالم، ووجه تحذيراً شديد اللهجة بشأن أي تغييرات حدودية في إقليم كاراباخ، وتمسك بنزع أسلحة الأحزاب المعارضة في إقليم كردستان العراق.

وقدم رئيسي روايته عن تأييد الشارع الإيراني لتوسع إيران العسكري، في تأكيد لاستمرار النهج الإيراني. وقال: «ما يجبر الأعداء على التراجع ليس الاستسلام والتنازل إنما الصمود والمقاومة»، لافتاً إلى أن «حضور قواتنا في الخليج (...) والمنطقة، يتسبب في الأمن على خلاف حضور القوات الأجنبية الذي يتسبب في قلق أهل المنطقة»، على حد تعبيره.

وقال أيضاً إن حضور القوات الأجنبية «أكبر مشكلة للمنطقة». وفي رسالته إلى الدول الغربية، قال: «لقد تصوروا أن فرض العقوبات سيوقفنا، لكن قواتنا المسلحة نموذج بارز من تحويل التهديدات إلى فرص».

 

«الامتداد الاستراتيجي»

ورفع الرئيس الإيراني «شعار الوحدة بين (الحرس الثوري) والباسيج، الوحدة بين الباسيج وقوات إنفاذ القانون (الشرطة)، والوحدة بين القوات المسلحة والشعب الإيراني مع الامتداد الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية في المنطقة والعالم».

وتفاخر رئيسي بالقوات المسلحة ووصفها بـ«رأس مال كبير»، وبأنها «ذخر» إيران، شعباً وحكومة، في المفاوضات والمعادلات الإقليمية والدولية. وقرأ الرئيس الإيراني من ورقة يحملها بيده بأن «حضور القوات المسلحة ومعداتها يتضمن قوة الردع مقابل أي مخططات للاعتداء على الأراضي الإيرانية».

رئيسي يلقي كلمة خلال العرض العسكري السنوي في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

وأضاف في السياق نفسه أنه «بسبب حضور القوات المسلحة والناس لم يعد يدور الكلام عن الهجوم على إيران». وأضاف: «هذا الخيار أزيل من أدبيات الأعداء». وكانت هذه التصريحات تكراراً لما قاله المرشد الإيراني منتصف الشهر الماضي، خلال لقاء جمعه بقادة «الحرس الثوري»، حين قال إن «عبارة الخيار العسكري المطروح على الطاولة، أصبحت فاقدة للمعنى».

ومع ذلك، أصر رئيسي على ضرورة حفظ الاستعداد العسكري، قائلاً إن «توجهاً دفاعياً للأمن المستدام والردع سياسة دائمة وعملية»، وتابع: «فشل مشروع العدو لعزل الجمهورية الإسلامية وفشل مشروعه لإحباط الشعب الإيراني، لقد فشل هذان المشروعان للعدو». وعزا ذلك إلى «قوة القوات المسلحة». وقال إن حكومته ملزمة بدعم وحدات القوات المسلحة وتجهيزها.

وبذلك، خلص رئيسي إلى أن بلاده تعرض «الجمهورية الإسلامية» بوصفها نموذجاً من نظام الحكم إلى العالم، وبمقدوره أن «يجمع المعنوية (الدين) مع السياسية، أو يأخذ مكانه في قلوب الناس، ويدافع عنهم ويقف بقوة في وجه الأعداء».

يأتي عرض رئيسي بعد أشهر من مطالبة ميرحسين موسوي، رئيس الوزراء الإيراني السابق، خلال 8 سنوات من الحرب الإيرانية - العراقية، بإقامة استفتاء عام لتقرير مصير نظام الحكم.

«سياسة الجوار»

وأشار رئيسي إلى سياسة «الجوار» التي تتبناها حكومته، وقال: «نحن نؤكد مرة أخرى سياسة الجوار. واحد من مظاهر سياسة الجوار، إلى جانب الاقتصاد والتجارة والعلم والمجالات المختلة، التعاون العسكري والأمني». وأعلن «استعداد القوات المسلحة للتعاون مع كل دول المنطقة على بناء الثقة». وقال إنها «ستشد على يد القوات العسكرية للمنطقة، وبهذا التعاون ستجعل الخليج (...) والمنطقة خالية من حضور القوات الأجنبية، وأن تعلن أن أمن المنطقة ستحافظ عليه القوات العسكرية في المنطقة، حضور الأجانب يتسبب في مشكلات وليس حلها».

تحذيرات

وصعّد رئيسي لهجته عندما قال إن القوات العسكرية الإيرانية مستعدة للتصدي لأي تغيير جيوستراتيجي في المنطقة، وتغيير الحدود، وأشار تحديداً إلى جارتي إيران الشماليتين، أذربيجان، وأرمنستان. وقال: «لا جدل حول عائدية كاراباخ إلى أذربيجان، لكننا نؤكد أن حفظ حقوق الأرمن ضرورة، يجب الحفاظ على أمنهم وحقوقهم في المنطقة، مع الحفاظ على أوضاع الحدود».

وتطرق أيضاً إلى الضغوط التي تمارسها إيران على بغداد وإقليم كردستان بشأن نزع أسلحة الأحزاب الإيرانية الكردية المعارضة. وقال إن «الحكومة العراقية بدأت خطوة إيجابية»، لكنه طالب رئيس الأركان الإيراني محمد باقري الذي كان يقف على يمينه، بأن يرسل وفوداً إلى إقليم كردستان للتأكد من نزع أسلحة الأحزاب الكردية «الانفصالية»، سواء في الحدود مع إيران، أو عمق الإقليم، أو أي مكان آخر.

نماذج من صاروخ كروز «باوه» خلال العرض العسكري السنوي في طهران اليوم (أرنا)

صواريخ ومسيرات

وبعد نهاية خطاب رئيسي، عرضت القوات المسلحة صواريخ باليستية وصواريخ كروز ومسيرات وأنظمة دفاعية. ومن بين الصواريخ التي حملتها شاحنات مرت أمام منصة يقف عليها رئيسي وقادة القوات المسلحة، صاروخ «فتاح» الذي وصف بأنه أول صاروخ باليستي فرط صوتي، أعلنت إيران عن إنتاجه في يونيو (حزيران) الماضي. ويبلغ مداه 1400. كما عرضت قوات «الحرس الثوري» صاروخ كروز بحرياً باسم «باوه» البالغ مداه 1650 كيلومتر، وأزيح الستار عنه في فبراير (شباط) الماضي.

ولم يحدد «الحرس الثوري» موعداً لدخول الصاروخين «فتاح» الباليستي، وكروز «باوه»، الخدمة.

وأظهرت لقطات فيديو بثها التلفزيون الرسمي أن الطائرة المسيرة «تم الكشف عنها» في العرض الذي تم بثه على الهواء مباشرة، وأن الطائرات المسيرة التي ظهرت خلال الفعالية تحمل أسماء «مهاجر»، و«شاهد 136» و«آرش» الانتحارية حسبما أوردت وكالة «رويترز».

ونشرت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» قائمة طويلة من الأسلحة التي استعرضها وحدات الجيش الإيراني والوحدات الموازية في «الحرس الثوري».

وأعلنت إيران، الشهر الماضي، أنها صنعت طائرة مسيرة متقدمة تحمل اسم «مهاجر - 10» بتحسينات في مدى وفترة التحليق، مع القدرة على نقل حمولة أكبر. وذكرت وسائل إعلام رسمية في ذلك الوقت أن مدى الطائرة يصل إلى ألفي كيلومتر، ويمكنها الطيران لمدة تصل إلى 24 ساعة، مضيفة أن حمولتها يمكن أن تصل إلى 300 كيلوغرام، أي مثلي الحمولة التي يمكن للطائرة المسيرة «مهاجر - 6» نقلها.

وشمل عرض المسيرات، طائرات «شاهد 136» الانتحارية التي تطلق من منصات ثابتة. وتقول إيران إن مداها يصل إلى ألفي كيلومتر، ويبلغ وزنها 200 كيلوغرام. ويبلغ طولها 3.5 متر، وتحمل أجنحة بطول 2.5 متر.

مسيرات انتحارية من طراز «شاهد 136» خلال العرض العسكري السنوي في طهران اليوم (تسنيم)

تتهم الولايات المتحدة إيران بإمداد روسيا بطائرات مسيرة من طراز «شاهد 136» و«مهاجر - 6» من بين وحدات جوية أخرى غير مأهولة من أجل الحرب على أوكرانيا. وفرضت واشنطن، يوم الثلاثاء، المزيد من العقوبات المرتبطة بإيران، عازية ذلك إلى نشر طهران «المستمر والمتعمد» للوحدات الجوية غير المأهولة التي تساهم في تمكين روسيا ووكلاء لها في الشرق الأوسط وأطراف أخرى تزعزع الاستقرار.

ورغم الأدلة، تنفي إيران إمداد روسيا بطائرات مسيرة من أجل استخدامها في الحرب في أوكرانيا.

وقال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال العرض العسكري الذي أقيم اليوم في طهران: «تضمن قواتنا الأمن في المنطقة والخليج... يمكننا أن نعلم شعوب المنطقة أن الصمود هو السبيل اليوم. ما يجبر العدو على التراجع ليس الخضوع والتردد، بل المقاومة».

اندلعت الحرب العراقية - الإيرانية في سبتمبر (أيلول) 1980، عندما غزت قوات في عهد الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين إيران بعد أشهر من المناوشات الحدودية المتقطعة والتلاسن بين مسؤولي البلدين.

وانتهى الصراع، الذي كان مدمراً اقتصادياً وخلّف ما لا يقل عن نصف مليون قتيل، إلى طريق مسدود في أغسطس (آب) 1988.


مقالات ذات صلة

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

شؤون إقليمية فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

قال نائب الرئيس الأميركي إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران بيد الرئيس دونالد ترمب حصراً، في وقت تصاعد الجدل حول مسار التعامل مع ملف إيران.

هبة القدسي ( واشنطن)
الولايات المتحدة​ الولايات المتحدة تصدر إرشادات جديدة للسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أميركا تصدر إرشادات جديدة للسفن العابرة لمضيق هرمز

أصدرت الولايات المتحدة اليوم الاثنين إرشادات جديدة للسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز مع تزايد التوتر بين واشنطن وطهران بشأن برنامج إيران النووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

خامنئي يحذر من حرب إقليمية ويدعو للتماسك الداخلي

دعا المرشد الإيراني علي خامنئي، يوم الاثنين، الإيرانيين إلى إظهار التماسك الداخلي في ذكرى انتصار ثورة 1979، معتبراً أن التهديدات الأميركية بالحرب «ليست جديدة».

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من حضور وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي في جلسة مغلقة حول المحادثات والتوترات الاثنين

عراقجي يُطلع البرلمان على المحادثات... ولاريجاني يزور عُمان غداً

أعلن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، أنه سيتوجه، الثلاثاء، على رأس وفد إلى سلطنة عُمان التي تتوسط بين طهران وواشنطن في المفاوضات النووية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.