«فوي! فوي! فوي!» فيلم مصري يطمح للأوسكار بموضوعه الساخن عن الهجرة غير الشرعية

الممثلة السينمائية المصرية نيللي كريم خلال العرض الإقليمي الأول ﻟ«الفيلم المصري 2023» «فوي! فوي! فوي!» في سينما فوكس سيتي سنتر في بيروت في 21 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
الممثلة السينمائية المصرية نيللي كريم خلال العرض الإقليمي الأول ﻟ«الفيلم المصري 2023» «فوي! فوي! فوي!» في سينما فوكس سيتي سنتر في بيروت في 21 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

«فوي! فوي! فوي!» فيلم مصري يطمح للأوسكار بموضوعه الساخن عن الهجرة غير الشرعية

الممثلة السينمائية المصرية نيللي كريم خلال العرض الإقليمي الأول ﻟ«الفيلم المصري 2023» «فوي! فوي! فوي!» في سينما فوكس سيتي سنتر في بيروت في 21 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
الممثلة السينمائية المصرية نيللي كريم خلال العرض الإقليمي الأول ﻟ«الفيلم المصري 2023» «فوي! فوي! فوي!» في سينما فوكس سيتي سنتر في بيروت في 21 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

يطرح فيلم «فوي! فوي! فوي!» (!Voy! Voy! Voy) الذي رشحته القاهرة لجوائز الأوسكار، موضوع الساعة وهو الهجرة غير الشرعية من الشرق الأوسط وأفريقيا، وتشكّل مصر أحد منابعها، وكذلك لبنان الذي بدأت فيه عروض الشريط الخميس، حسبما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية.

وسيكون الفيلم الذي كتب حواره وأخرجه عمر هلال، ضمن الأفلام الساعية للتأهل إلى المرحلة النهائية في فئة أفضل فيلم أجنبي من بين عشرات الترشيحات من مختلف دول العالم.

ويروي الفيلم قصة حارس أمن يؤدي دوره محمد فراج، يعيش مع والدته في حي فقير، ويسعى للهجرة إلى أوروبا بحثاً عن مستقبل أفضل. ولكن ليس بالقارب نظراً إلى أن هذه الطريقة مكلِفة مادياً ومحفوفة بالمعاناة والخطر.

وما كان من الحارس لكي يتمكن من الانتقال إلى أوروبا إلاّ أن تظاهر بأنه فاقد البصر وانضم إلى فريق لكرة القدم للمكفوفين يستعد للمشاركة في بطولة كأس العالم في بولندا. وما لبث الكفيف المزيّف أن اكتشف أنه ليس وحده من اعتمد هذه الحيلة.

وشرح المخرج عمر هلال البالغ 48 عاماً، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية خلال وجوده في بيروت مع أعضاء في طاقم العمل للترويج للفيلم، ظروف ولادة فكرته، فروى أنه قرأ «منشوراً على (فيسبوك) تَداوَلَه الكثير من المتابعين، عن مجموعة من الشبان المصريين انتحلوا صفة مكفوفين ووصلوا إلى بولندا وفرّوا إلى جهات أخرى».

وقال هلال الذي نشأ في السعودية وكندا: «وجدتُ في القصة تماماً ما أبحث عنه».

وجعل هلال هذه القصة العمود الفقري لفيلمه، لكنّه بنى نصه الدرامي على «أحداث ومفارقات» من صميم أفكاره.

وأضاف: «في الخبر الحقيقي، لم يكن أعضاء الفريق لاعبي كرة قدم عادية، بل لاعبي كرة بالجرس، وهي رياضة خاصة بالمكفوفين، قريبة من كرة اليد».

و«فوي» كلمة إسبانية تعني «أنا قادم»، يقولها اللاعبون غير المبصرين حين تكون الكرة معهم للتواصل مع زملائهم.

وتؤدي نيللي كريم دور صحافية يستأثر الفريق باهتمامها. وقالت الممثلة المصرية الشهيرة لوكالة الصحافة الفرنسية عن شخصيتها في الفيلم: إنها «صحافية ملّت إعداد الموضوعات التافهة، فذهبت ذات يوم لإجراء مقابلات مع شباب في نادي الإحسان، حيث تعرفت إلى عالم جديد بالنسبة إليها، ونشأت قصة إعجاب خفيفة وصدمات».

وأضافت كريم أنها «الشخصية الوحيدة في الفيلم المتفائلة بالحياة».

المخرج السينمائي المصري عمر هلال والممثلة نيللي كريم خلال العرض الإقليمي الأول ﻟ«الفيلم المصري 2023» «فوي! فوي! فوي!» في سينما فوكس سيتي سنتر في بيروت في 21 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

«ضياع وخوف»

وأشار هلال الذي درس الإعلام في الجامعة الأميركية في القاهرة، إلى أن حوادث الفيلم «تدور عام 2013، أي في مرحلة ضياع وخوف وقلق» تَلَت ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 التي أطاحت الرئيس المصري السابق حسني مبارك.

وأضاف: «لم يحتمل أحد الحكم الجديد آنذاك برئاسة (محمد) مرسي...، فالحياة في ظل حكم الإخوان (المسلمين) كانت لا تُطاق، وكان يوجد خوف على المستقبل... ورغبة جامحة في الخروج».

ومع أن القضية التي يطرحها الفيلم مأساوية، شاء هلال أن يعالجها «بأسلوب كوميدي طريف، خلافاً للسائد في الأفلام التي تتناول الهجرة غير الشرعية عادة».

ولم يعتمد الفيلم على «النحيب والبكاء»، بل تكمن قوته بحسب هلال في «الفرادة في طريقة رواية القصة».

وأبدى الناقد السينمائي اللبناني إلياس دُمَّر بعد حضوره العرض الأول في بيروت إعجابه باختيار «نهاية سعيدة لفيلم عن مأساة الهجرة غير الشرعية».

ولا يحبّذ المخرج الذي يعمل أساساً في مجال الإعلانات الهجرة غير الشرعية. وقال في هذا الصدد: «حين يصل المهاجر إلى الجهة الأخرى، قد لا تكون حياته أفضل». وشدد على ضرورة «تحسين أوضاع الشباب ليبقوا في بلدهم ولا يغامروا بحياتهم؛ فالهجرة غير الشرعية قد تقتلهم».

وكان عدد من المصريين في يونيو (حزيران) الماضي بين العشرات من المهاجرين الذين قضوا في غرق قارب صيد قديم قبالة سواحل اليونان، في واحد من أكبر حوادث غرق مراكب الهجرة إلى أوروبا.

أما نيللي كريم، فلاحظت أن «الهجرة غير الشرعية موضوع مهم حالياً. فالناس يتوقون إلى السفر... ليحققوا آمالهم، لكن... ليس بمجرد السفر إلى الخارج تصبح ظروف الحياة أفضل».

الممثلة السينمائية المصرية نيللي كريم تتحدث خلال العرض الإقليمي الأول ﻟ«الفيلم المصري 2023» «فوي! فوي! فوي!» في سينما فوكس سيتي سنتر في بيروت في 21 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

العين على الأوسكار

وأمل المخرج في أن يجذب «فوي فوي فوي» القيّمين على الأوسكار. وقال: «كان طموحي أن أصل إلى العالمية. وأثناء إدارتي الممثلين طلبت منهم أن يبذلوا جهداً إضافياً في أداء أدوارهم لأننا نريد أن نصل إلى الأوسكار».

ومن المقرر الكشف عن الأفلام الـ15 المتأهلة إلى التصفية ما قبل النهائية للفوز بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي في 21 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، على أن تُعلن قائمة الأفلام الخمسة المتأهلة إلى المنافسة النهائية في هذه الفئة في 23 يناير 2024؛ تمهيداً لحفلة توزيع جوائز الأوسكار في العاشر من مارس (آذار) في لوس أنجليس.

وتتمحور أفلام أخرى ضمن هذه الفئة حول موضوع الهجرة غير الشرعية، منها الإيطالي «إيو كابيتانو» للمخرج ماتيو غاروني.

وبات موضوع الهجرة حاضراً بقوة في أعمال الشاشة الكبيرة، ومنها فيلم «غرين بوردر» للمخرجة البولندية أنييشكا هولاند الذي حصل أخيراً على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية السينمائي.

وتصاعدت المخاوف أخيراً في أوروبا جراء تدفّق المهاجرين بكثافة إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية الصغيرة. وشددت روما إجراءاتها لمواجهة هذه الظاهرة، في حين اقترحت المفوضية الأوروبية خطة لمساعدتها.

وتُعدّ مصر أحد مصادر الهجرة غير النظامية، ويُقبل عدد متزايد من المصريين الشباب على الانتقال إلى أوروبا بواسطة قوارب صيد. ومثّل المصريون العام الماضي واحداً من كل خمسة مهاجرين وافدين إلى إيطاليا بهذه الطريقة، بحسب بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء. وأطلقت القاهرة استراتيجية 2016- 2026 لـ«تجفيف منابع الهجرة غير الشرعية».


مقالات ذات صلة

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.