حرب ناغورنو كاراباخ... على جبهات الذهب والنفط والتجارة

صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)
صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)
TT

حرب ناغورنو كاراباخ... على جبهات الذهب والنفط والتجارة

صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)
صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)

يعيد التوتر الراهن في ناغورنو كاراباخ إلى الواجهة خلفيات الصراع بين أرمينيا وأذربيجان على الإقليم، الذي يمتد إلى عقود سابقة. إذ يعد ناغورنو كاراباخ من أبرز النقاط الساخنة في النزاعات الإقليمية في منطقة القوقاز التي تمتد على طول الحدود بين أرمينيا وأذربيجان،وشهد على مدى العقود الثلاثة الماضية نزاعات مستمرة كان للدوافع الاقتصادية الدور الأكبر في تصاعدها.

الأزمة بدأت بحرب ناغورنو كاراباخ الأولى (1988 - 1994)، عندما خسرت أذربيجان الإقليم ذا الغالبية الأرمنية والمناطق المحيطة به، ولم تنتهِ إلا بعد الحرب الأخيرة في عام 2020، التي أعقبها اتفاق سلام ضمَّ كلاً من أذربيجان وأرمينيا وتركيا وروسيا.

لكنّ المصالح الاقتصادية تلعب دوراً كبيراً في الصراع في ناغورنو كاراباخ، بل تُشكل نقطة انطلاق في توجيه مواقف الدول تجاه هذا الصراع، لا سيما في ما يتعلق بالموارد الطبيعية والمعدنية الثمينة التي تُعد مصدراً مهماً للإيرادات، فضلاً عن أن منطقة ناغورنو كاراباخ تعد ممراً حيوياً للنقل والتجارة بين أرمينيا وأذربيجان والدول المجاورة، بحيث تمر عبرها طرق حيوية تربط الدول القوقازية بروسيا وإيران وتركيا، مما يعني أن سيطرة أحد الأطراف على هذه المناطق ستؤثر على حركة البضائع والتجارة بشكل كبير، الأمر الذي يعزز دور المنطقة كعامل اقتصادي حيوي.

مكاسب اقتصادية

لطالما كان إقليم ناغورنو كاراباخ موقعاً مهماً اقتصادياً لأذربيجان بسبب موارده الطبيعية. وقد حُرمت أذربيجان من الكثير من مناجم الذهب والنحاس، بما في ذلك فيغنالي، وسويودلو، وجيزيلبولاخ، ودميرلي، وجميعها تقع في المنطقة، علماً بأنه يتم استخراج طن من الذهب من المناجم سنوياً. على سبيل المثال، احتوى منجم سويودلو، الذي يقع 76 في المائة منه في أذربيجان والباقي في أرمينيا، على 120 طناً من الذهب الخالص في عام 2010، في حين كان الحد الأدنى لمحتواه المربح 0.8 غرام للطن. وهي أرقام واردة في دراسة لمعهد أطلس للشؤون الدولية.

بالإضافة إلى ذلك، يعد بعض مناطق ناغورنو كاراباخ موطناً لكثير من مصادر المياه المهمة، إذ يتم سنوياً توليد نحو 25 في المائة من موارد المياه المحلية في أذربيجان في المنطقة. ووفقاً لوزارة الطاقة، تتمتع الأنهار الرئيسية في المنطقة (تارتارشاي، وهكاري، وبازارشاي) بإمكانات كبيرة للطاقة المائية. وتُعدّ محطة «تارتار» للطاقة الكهرومائية من المحطات الاستراتيجية في المنطقة، ويمكنها توليد 50 ميغاواط من الطاقة. وحسب التقديرات الحالية، تتمتع ناغورنو كاراباخ بإمكانات تتراوح بين 300 و500 ميغاوات من طاقة الرياح و3000 - 4000 ميغاوات من الطاقة الشمسية. كما أنها مليئة بالمياه الحرارية الأرضية واحتياطات الفحم، التي تستخدم أيضاً في توليد الطاقة، إذ تمتلك قرية شارداغلي وحدها 8.5 طن من احتياطي الفحم.

ومن بين شروط وقف إطلاق النار عام 2020 كانت أن توفر أرمينيا لأذربيجان ممراً إلى إقليم ناختشيفان، ذاتيّ الحكم التابع لأذربيجان والمنفصل عن بقية هذا البلد جغرافياً، ويتطلب الوصول إليه المرور إما عبر إيران وإما عبر أرمينيا. وكان من المفترض مد سكة حديد من أذربيجان إلى إقليم ناختشيفان عبر الأراضي الأرمينية وأن ينتهي بناؤه نهاية عام 2023.

وحسب معهد أطلس للشؤون الدولية، فإن لهذا المشروع فوائد كثيرة أبرزها خط سكة حديد جديد يربط بين أرمينيا وأذربيجان وتركيا، فضلاً عن تلقي ناختشيفان، التي كانت تشتري الغاز من إيران بعد عزلتها نتيجة للحرب الأولى، إمدادات غاز متواصلة مباشرة من تركيا عندما تنتهي أذربيجان وتركيا من بناء خط الأنابيب الجديد. وإلى جانب هذه الفوائد، من المتوقع أن تقوم أذربيجان بتنويع خطوط النقل الخاصة بها بسبب طرق التجارة الموسعة.

مصالح دول

نظراً لأهمية المنطقة، فإن الكثير من الدول المؤثرة والجهات الخارجية لها مصالح اقتصادية واستراتيجية في ناغورنو كاراباخ، وهو ما يعطي الصراع السائد اليوم بعداً أكثر تعقيداً. وعندما أعلنت الكثير من الدول بشكل مباشر وغير مباشر مواقفها من هذا الصراع، فإنها كشفت مصالحها الخاصة بأوجهها المتعددة. ولعلّ أبرزها وأهمها يتجلى في المصالح الاقتصادية التي شكّلت المحددات الرئيسية لهذه الدول.

تركيا

إلى جانب أرمينيا التي تستفيد من مناجم الذهب في الإقليم، فإن لتركيا مصالح استراتيجية في ناغورنو كاراباخ بسبب قربها الإقليمي من المنطقة وعلاقتها التاريخية مع أذربيجان، وهي تسعى دوماً إلى دعمها وتعزيز تأثيرها في المنطقة للحفاظ على الاستقرار وضمان وصول النفط والغاز الأذربيجانيين إلى الأسواق العالمية. وتشترك تركيا في الثقافات واللغات والمعتقدات الدينية ذاتها مع أذربيجان، إذ تنتمي كلتاهما إلى الدول التركية. وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية لدعم تركيا الصريح لها في جميع القضايا تقريباً، بما في ذلك صراع ناغورنو كاراباخ.

كما كان لدعم تركيا لأذربيجان جوانبه الاقتصادية، إذ تُمثل تركيا نحو 14 في المائة من صادرات أذربيجان و15 في المائة من وارداتها، وتُعد شريك عبور الطاقة الرئيسي إليها. وينقل خط أنابيب جنوب القوقاز الغاز من حقل «شاه دنيز» في أذربيجان إلى تركيا. ومن هناك، يُنقل إلى أوروبا بمساعدة خط أنابيب الغاز عبر الأناضول (TANAP) وخط الأنابيب عبر البحر الأدرياتيكي (TAP). كما يمر خط أنابيب «باكو - تبليسي - جيهان»، الذي يُستخدم لتصدير الجزء الأكبر من النفط المحلي الأذربيجاني، عبر تركيا، في حين يُشحن النفط المنقول عبر خط أنابيب التصدير الغربي «باكو - سوبسا» إلى أوروبا عبر مضيق البوسفور في تركيا.

وبالمثل، يربط خط السكة الحديد «باكو - تبليسي - قارس» بين البلدين وجورجيا، ومن المتوقع أن تكون لديه القدرة على نقل 17 مليون طن من البضائع. وقد اتفقت تركيا وأذربيجان بالفعل على بناء خط أنابيب جديد، وهو ما أصبح ممكناً بعد اتفاق ناغورنو كاراباخ. بالإضافة إلى ذلك، تزوّد تركيا أذربيجان بالأسلحة والمعدات العسكرية بموجب عدة اتفاقيات، بما في ذلك اتفاقية 2009.

وحسب جمعية المصدرين الأتراك، بلغت قيمة صادرات معدات الدفاع والطيران بالدولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2020 وحده 123 مليون دولار، وهو أعلى بكثير مما كان عليه في السنوات السابقة. واليوم، تعد تركيا أكبر مورّد للمعدات العسكرية إلى أذربيجان بعد إسرائيل وروسيا.

هذا وتعمل تركيا جسراً بين آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا وتقع بالقرب من 72 و73 في المائة من احتياطات الغاز والنفط في العالم، مما يعني أنها تربط البائعين بالمشترين. ومن المزايا الأخرى لتركيا أنها تتمتع وحدها بإمكان الوصول إلى منطقة البحر الأسود، مما يعني أن وصول روسيا إلى المنطقة يعتمد عليها. وعلى الرغم من ذلك، فإن تركيا نفسها تحتاج إلى الغاز، وهي ثاني أهم سوق لروسيا بعد ألمانيا، علما بأنه يتم نقل الغاز الروسي إلى تركيا عبر خط أنابيب عبر البلقان و«بلو ستريم». بالإضافة إلى ذلك، وقّعت الدول اتفاقيات لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية والإخطار المبكر حول الحوادث النووية.

روسيا

أما روسيا، فتلعب دوراً كبيراً في المنطقة بسبب وجود قواعد عسكرية في أرمينيا وعلاقاتها الوثيقة مع الأرمن، وفي الوقت نفسه لها مصلحة في الحفاظ على التوازن بين الأطراف المتصارعة وعدم تصاعد الصراع إلى نزاع إقليمي - جيوسياسي، لا سيما أنها تخوض اليوم حرباً شرسة مع أوكرانيا.

تعد روسيا أيضاً أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لأذربيجان وأرمينيا، وهي من بين أكبر شركاء التصدير والاستيراد لكلا البلدين. لدى روسيا أيضاً شراكة عبور مع أذربيجان، بحيث ينقل خط أنابيب النفط «باكو - نوفوروسيسك» النفط من محطة «سانغاشال» القريبة من باكو إلى ميناء «نوفوروسيسك» على البحر الأسود. إلا أن أذربيجان تعد منافساً لروسيا في نظر الكثير من المحللين، إذ تكاد تكون أذربيجان هي الطريق الوحيدة أمام أوروبا للحصول على النفط والغاز في بحر قزوين دون التعامل مع روسيا. وهذا هو السبب الرئيسي وراء موافقة المفوضية الأوروبية ودعمها لمشاريع خطوط الأنابيب الجديدة في أذربيجان، وربما كان للتنافس بين الاثنين دور في موقف روسيا تجاه أذربيجان. ووفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تُعدّ روسيا المصدر الرئيسي للاستثمار الأجنبي المباشر إلى أذربيجان، حيث تستثمر روسيا في قطاعات الزراعة والخدمات وتكنولوجيا المعلومات والبناء والخدمات المصرفية وغيرها من القطاعات في أذربيجان. وبالمثل، يدرج التقرير نفسه روسيا بوصفها أحد المصادر الرئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر في أرمينيا.

تفسر العلاقات بين روسيا وكلا طرفي الصراع جزئياً السبب الذي يجعل البلاد لا تدعم أياً من الجانبين علناً، وقد تفسر أيضاً تحفّظ روسيا في أثناء الحرب الأخيرة.

الاتحاد الأوروبي

يمتلك الكثير من الدول الأوروبية مصالح في استقرار القوقاز ومنطقة ناغورنو كاراباخ، بحيث يسعى الاتحاد الأوروبي والمنظمات الإقليمية الأخرى إلى دعم حل سلمي للنزاع والمساهمة في التنمية الاقتصادية في المنطقة. ومن منظور اقتصادي، يمكن تفسير ذلك بأهمية طرفَي الصراع بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. إذ إن سياسة الجوار الأوروبية تغطي كلاً من أرمينيا وأذربيجان. كما أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق تصدير لأرمينيا، مما يعني أن علاقاتهما التجارية قد تكون عاملاً يمنع الاتحاد الأوروبي من التوجه مباشرةً ضد أرمينيا. بالإضافة إلى ذلك، لتجنب الاعتماد على النفط والغاز الروسيين، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى بناء علاقات جيدة مع أذربيجان. وربما تفسر الأهمية المتساوية تقريباً لكلا البلدين عدم قيام الاتحاد وغيره من البلدان المماثلة بدعم أو انتقاد أيٍّ من جانبَي الصراع على الفور.

إسرائيل

تهتم بتعزيز العلاقات مع أذربيجان بسبب العلاقات الثنائية في مجال الأمن والتكنولوجيا والتعاون في مجال الطاقة، واحتمال تصدير النفط والغاز الأذربيجاني إلى الأسواق العالمية. فمنذ حرب كاراباخ الأولى، بقيت إسرائيل تدعم أذربيجان، على الرغم من أنها لم تُعرب عن دعمها رسمياً. وقد وجد الكثيرون ذلك مفاجئاً للغاية نظراً إلى أن البلدين ظهرا غير مرتبطين وكانت لهما تركيبات عرقية ودينية مختلفة. ومع ذلك، لإسرائيل مصالح اقتصادية وسياسية في أذربيجان أولها بيع إسرائيل الأسلحة إلى أذربيجان. ووفقاً لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، استحوذت إسرائيل على 61 في المائة من واردات الأسلحة الأذربيجانية في الفترة 2015 – 2019، أي ضعف الأرقام في الفترة 2013 – 2017، وفور انتهاء الحرب الأخيرة، أرسلت إسرائيل مساعدات إنسانية إلى أذربيجان.

ويتمتع البلدان بعلاقات تجارية جيدة أيضاً، إذ بلغ حجم الصادرات من أذربيجان أكثر من 1.3 مليار دولار عام 2019، كما يتمتع البلدان بعلاقات تجارية جيدة، حيث وصل حجم الصادرات من أذربيجان إلى أكثر من 1.3 مليار دولار في عام 2019.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد «شيفرون» تصدر حالياً نحو 50 في المائة فقط من إنتاجها من النفط في فنزويلا وتورد الباقي للحكومة الفنزويلية كرسوم امتياز وضرائب (إكس)

«شيفرون» الأميركية لتسويق وبيع النفط الفنزويلي

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الولايات المتحدة تتحرك بأسرع ما يمكن لتوسيع إطار الترخيص الممنوح ​لشركة «شيفرون» لإنتاج النفط في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد إيلون ماسك يحضر مراسم تأبين الناشط المحافظ تشارلي كيرك في سبتمبر الماضي (أ.ب)

ماسك يطالب «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» بـ134 مليار دولار تعويضات

بدأ الملياردير إيلون ماسك فصلاً جديداً وأكثر حدة في صراعه القضائي ضد شركة «أوبن إيه آي» وشريكتها الاستراتيجية «مايكروسوفت».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عامل نظافة في أحد الشوارع أمام الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو (أ.ف.ب)

الصين وروسيا تجريان محادثات بعد توقف إمدادات الطاقة

ذكرت صحيفة «كوميرسانت»، يوم الجمعة، أن الصين أوقفت استيراد إمدادات الطاقة الكهربائية من روسيا، بينما أعلنت روسيا استعدادها لاستئناف المبيعات وأن المحادثات جارية

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين يوم الجمعة (د.ب.أ)

«اتفاق تاريخي» لإزالة حواجز التجارة والسياحة بين كندا والصين

اتفق رئيس الوزراء الكندي والرئيس الصيني يوم الجمعة على حزمة من الإجراءات تشمل التجارة والسياحة

«الشرق الأوسط» (بكين)

مستويات قياسية للأسهم الكورية بدعم من طفرة السيارات والذكاء الاصطناعي

تعرض شاشة البيانات المالية أداء مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
تعرض شاشة البيانات المالية أداء مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
TT

مستويات قياسية للأسهم الكورية بدعم من طفرة السيارات والذكاء الاصطناعي

تعرض شاشة البيانات المالية أداء مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
تعرض شاشة البيانات المالية أداء مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

سجلت الأسهم الكورية الجنوبية مستويات قياسية جديدة، خلال تعاملات يوم الاثنين، مدفوعة بارتفاع قوي في أسهم شركات صناعة السيارات، وسط تنامي التفاؤل بإمكانات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الروبوتات، إلى جانب زيادة صافي مشتريات المستثمرين الأجانب وتحسن أداء العملة المحلية.

وأنهى مؤشر «كوسبي» القياسي جلسة التداول مرتفعاً بمقدار 63.92 نقطة، أو ما يعادل 1.32 في المائة، ليغلق عند 4904.66 نقطة، وهو أعلى مستوى إغلاق له على الإطلاق، مواصلاً مكاسبه، للجلسة الثانية عشرة على التوالي، وفق «رويترز».

وقادت أسهم شركات السيارات هذا الصعود، حيث قفز سهم «هيونداي موتور» بنسبة 16.22 في المائة مسجلاً أعلى مستوى له على الإطلاق، وأكبر ارتفاع يومي منذ يناير (كانون الثاني) 2021، في حين ارتفع سهم «كيا كورب»، الشركة الشقيقة، بنسبة 12.18 في المائة.

وقال لي كيونغ مين، المحلل لدى شركة «دايشين» للأوراق المالية، إن أسهم شركات صناعة السيارات وشركة «إل جي إلكترونيكس» ارتفعت بدافع الآمال المتعلقة بتطور ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي المادي وتطبيقاته المستقبلية. بدوره، صعد سهم «إل جي إلكترونيكس»، المتخصصة في الأجهزة المنزلية، بنسبة 8.64 في المائة.

ومِن بين 929 سهماً جرى تداولها في السوق، ارتفعت أسعار 398 سهماً، مقابل تراجع 489 سهماً، ما يعكس تبايناً في الأداء، رغم الاتجاه الصعودي العام.

وعلى صعيد تدفقات الاستثمار، بلغ صافي مشتريات المستثمرين الأجانب 552.3 مليار وون (نحو 374.82 مليون دولار)؛ في إشارة إلى تنامي الثقة في السوق الكورية.

وفي سوق العملات، جرى تداول الوون الكوري عند مستوى 1473.7 وون للدولار الأميركي على منصة التسوية المحلية، مرتفعاً بنسبة طفيفة بلغت 0.01 في المائة، مقارنة بسعر الإغلاق السابق.

أما في أسواق السندات، فقد انخفضت العقود الآجلة لسندات الخزانة لأجل ثلاث سنوات، والمستحقة في مارس (آذار)، بمقدار 0.12 نقطة لتصل إلى 104.97 نقطة. وفي المقابل، ارتفع عائد سندات الخزانة الكورية الأكثر تداولاً لأجل ثلاث سنوات بمقدار 4.1 نقطة أساس إلى 3.116 في المائة، بينما صعد العائد القياسي لأجل عشر سنوات بمقدار 7.4 نقطة أساس ليصل إلى 3.560 في المائة.


تراجع العقود الآجلة الأميركية مع تهديدات ترمب بفرض رسوم على أوروبا

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

تراجع العقود الآجلة الأميركية مع تهديدات ترمب بفرض رسوم على أوروبا

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية، خلال تعاملات يوم الاثنين، عقب تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 في المائة على واردات ثماني دول أوروبية، على خلفية معارضتها رغبته في السيطرة على غرينلاند، ما أثار مخاوف متجددة بشأن تصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية.

جاء هذا التراجع في ظل ردود فعل أوروبية غاضبة، حيث انتقدت الدول المستهدَفة تهديدات ترمب بشدة، وعَدَّت أنها تُقوض العلاقات عبر «الأطلسي» وتُنذر بانزلاق خطير نحو مزيد من التدهور. وصدر بيان مشترك قوي، بشكل غير معتاد، عن كل من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا، عُدّ أشد توبيخ من الحلفاء الأوروبيين منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض قبل نحو عام، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة، في حين تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 0.7 في المائة، مع ازدياد حذر المستثمرين من تداعيات أي تصعيد تجاري جديد.

وقال ستيفن إينس، من شركة «إس بي آي» لإدارة الأصول، في تعليق له، إن تحركات ترمب تختبر التوافق الاستراتيجي والثقة المؤسسية التي يقوم عليها الدعم الأوروبي للولايات المتحدة، باعتبار أوروبا أكبر شريك تجاري ومصدر تمويل لها. وأضاف: «في عالمٍ لم يعد فيه التماسك الجيوسياسي داخل التحالف الغربي أمراً مُسلّماً به، أصبحت الرغبة في إعادة استثمار رؤوس الأموال في الأصول الأميركية بشكل دائم أقل تلقائية. هذه ليست قصة تصفية قصيرة الأجل، بل هي قصة إعادة توازن تدريجية، وهذه الأخيرة أكثر أهمية بكثير».

وفي آسيا، تباين أداء أسواق الأسهم، بعد إعلان الصين أن اقتصادها نما بمعدل 5 في المائة على أساس سنوي خلال عام 2025، رغم تباطؤ النمو في الربع الأخير من العام. وأسهمت الصادرات القوية، على الرغم من زيادة الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات الصينية، في تعويض ضعف الطلب المحلي نسبياً، في حين سجلت أسعار النفط ارتفاعاً طفيفاً.

وانخفض مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 26.614.76 نقطة، بينما ارتفع مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة 0.3 في المائة إلى 4.113.86 نقطة.

وفي طوكيو، تراجع مؤشر «نيكي 225» بنسبة 0.8 في المائة إلى 53.523.92 نقطة، في وقتٍ كان من المقرر أن تعقد فيه رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، مؤتمراً صحافياً، في وقت لاحق من يوم الاثنين؛ تمهيداً لحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة الشهر المقبل.

وفي بقية أنحاء آسيا، واصل مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي مكاسبه، وقفز بنسبة 1.4 في المائة ليصل إلى 4.906.58 نقطة، مسجلاً مزيداً من الارتفاع القياسي، بدعم من المكاسب القوية في أسهم شركات التكنولوجيا. وارتفع سهم شركة «إس كيه هاينكس»، المتخصصة في صناعة رقائق الكمبيوتر، بنسبة 1.9 في المائة.

كما ارتفع مؤشر «تايكس» التايواني بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع مؤشر «سينسكس» الهندي بنسبة 0.6 في المائة.

كانت الأسهم الأميركية قد أنهت تعاملات يوم الجمعة على انخفاض طفيف، مع اختتام الأسبوع الأول من موسم إعلان نتائج أعمال الشركات، حيث تداولت المؤشرات قرب مستويات قياسية. وتراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.1 في المائة، وخسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 0.2 في المائة، بينما انخفض مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 0.1 في المائة. وسجلت المؤشرات الثلاثة خسائر أسبوعية، في حين كان أداء أسهم الشركات الصغيرة أفضل، إذ حقق مؤشر «راسل 2000» مكاسب طفيفة بنسبة 0.1 في المائة.

وشكلت أسهم شركات التكنولوجيا المحرك الرئيسي لتحركات السوق خلال معظم الجلسة، إذ حقق عدد من أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى مكاسب قوية ساعدت في تعويض الخسائر المسجَّلة في قطاعات أخرى.

ومن المتوقع أن تتيح تحديثات الأرباح للمستثمرين فهماً أوضح لكيفية إنفاق المستهلكين أموالهم، ومدى قدرة الشركات على التعامل مع استمرار التضخم وارتفاع الرسوم الجمركية. كما يخضع أداء قطاع التكنولوجيا لمراقبة دقيقة من المستثمرين؛ في محاولة لتحديد ما إذا كانت التقييمات المرتفعة للأسهم، التي غذّتها طفرة الذكاء الاصطناعي، مبرَّرة.

ويشهد هذا الأسبوع صدور مجموعة متنوعة من نتائج أعمال شركات الطيران والشركات الصناعية وشركات التكنولوجيا، حيث من المقرر أن تعلن كل من «يونايتد إيرلاينز»، و«إم 3»، و«إنتل» نتائجها الفصلية.

كما يترقب المستثمرون، هذا الأسبوع، صدور مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس التضخم المفضَّل لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، للحصول على قراءة جديدة حول مسار التضخم بالولايات المتحدة.

ويعقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه المقبل للسياسة النقدية بعد أسبوعين، ومن المتوقع أن يُبقي على سعر الفائدة القياسي دون تغيير؛ في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين تباطؤ سوق العمل واستمرار التضخم، الذي لا يزال أعلى من مُستهدفه البالغ 2 في المائة.


حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)
نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)
TT

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)
نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)

دخلت العلاقات التاريخية عبر الأطلسي في نفق مظلم هو الأخطر منذ عقود، مع تسارع وتيرة المواجهة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والاتحاد الأوروبي. وفيما بدأ سفراء الاتحاد في بروكسل صياغة حزمة عقوبات انتقامية ضخمة تناهز 108 مليارات دولار، أعلنت العواصم الأوروبية رفضها القاطع لما وصفته بـ«سياسة الابتزاز» الأميركية، وسط احتجاجات عارمة في القطب الشمالي وتأهب قلق في الأسواق العالمية.

رسوم مقابل «السيادة»

بدأت فصول هذه الأزمة المتصاعدة يوم السبت الماضي، حين أعلن الرئيس ترمب عبر منصات التواصل الاجتماعي عن خطة لفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 في المائة اعتباراً من مطلع فبراير (شباط) المقبل، تستهدف ثماني دول أوروبية هي الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، وفنلندا. وبرر ترمب هذا الإجراء برفض هذه الدول المساعي الأميركية لشراء جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، مهدداً برفع هذه الرسوم إلى 25 في المائة بحلول يونيو (حزيران) المقبل إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يسمح للولايات المتحدة بضم الجزيرة القطبية الشاسعة.

وفي معرض دفاعه عن هذا التوجه، اعتبر ترمب أن الصين وروسيا تطمعان في الجزيرة، زاعماً أن الدنمارك لا تملك القدرة العسكرية الكافية لحمايتها، ومؤكداً أن الولايات المتحدة تحت قيادته هي الوحيدة القادرة على حسم هذا الملف الاستراتيجي. هذا الخطاب أثار موجة من الغضب في القارة العجوز، حيث اعتبر الدبلوماسيون الأوروبيون أن ربط التجارة الدولية بمطامع إقليمية يمثل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.

جبهة موحدة ضد «الابتزاز»

في المقابل، جاء الرد الأوروبي سريعاً وحازماً؛ حيث أعلنت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميت فريدريكسن، في خطاب حظي بتأييد واسع أن «أوروبا لن تخضع للابتزاز»، وهي التصريحات التي ترددت أصداؤها في برلين وباريس ولندن. وبناءً عليه، عقد سفراء الاتحاد الأوروبي اجتماعاً طارئاً يوم الأحد للاتفاق على إجراءات مضادة، شملت الاستعداد لفرض رسوم انتقامية بقيمة 107.7 مليار دولار على السلع الأميركية، في خطوة تهدف لردع واشنطن عن المضي قدماً في خطتها.

ولم يقتصر التوتر على الجانب الدبلوماسي، بل امتد ليشمل الشارع في القطب الشمالي؛ حيث شهدت «نوك»، عاصمة غرينلاند، مظاهرات حاشدة رفع خلالها المحتجون شعارات تؤكد هويتهم المحلية ورفضهم لأن تصبح جزيرتهم «سلعة» في سوق المقايضات السياسية. ومن جانبه، انتقد الأمين العام السابق لحلف الناتو، أندرس فوغ راسموسن، نهج الإدارة الأميركية، واصفاً تصريحات ترمب بأنها تشبه «أساليب العصابات» وتهدف لتشتيت الانتباه عن قضايا دولية أكثر إلحاحاً.

صراع القضاء الأميركي وتحولات التحالفات

وفي واشنطن، تتجه الأنظار إلى المحكمة العليا الأميركية، حيث يعيش البيت الأبيض حالة من الترقب قبل صدور حكم مرتقب بشأن شرعية فرض الرسوم الجمركية بموجب قوانين الطوارئ الوطنية. وقد عبَّر ترمب عن قلقه البالغ من احتمال تقييد صلاحياته، معتبراً أن خسارة هذه «المعركة القانونية» ستمثل ضربة قاصمة للأمن القومي الأميركي وقدرته على التفاوض مع الشركاء التجاريين.

وفي خضم هذا الانقسام الغربي، بدأت ملامح تحالفات جديدة تلوح في الأفق؛ حيث فاجأت كندا الأسواق بإبرام اتفاق مع الصين لخفض الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية مقابل تسهيلات للمنتجات الزراعية الكندية. هذه الخطوة، التي قادها رئيس الوزراء مارك كارني، تُفسر على أنها محاولة من أوتاوا للنأي بنفسها عن التوترات المتصاعدة بين واشنطن وحلفائها التقليديين، مما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل شاملة لخريطة التجارة العالمية والتحالفات السياسية في عام 2026.