اختيار منظمة الموضة مرآب سيارات مقرًا رسميًا لأسبوع لندن يثير الجدل

موسم جديد.. موقع جديد له يؤكد أن للأماكن سحرها

TT

اختيار منظمة الموضة مرآب سيارات مقرًا رسميًا لأسبوع لندن يثير الجدل

بعد أسبوع حافل من التغيرات والعطاءات في نيويورك، حطت أوساط الموضة الرحال أمس بلندن لقضاء خمسة أيام يغرفون فيها الكثير من جنونها وفنونها، وإن كان جنونها هذه الأيام يقتصر على الشوارع وخارج أماكن العرض. فعدد الاستعراضيين يزيد كل موسم لتتحول المناطق المجاورة إلى شبه مسرح مفتوح أو سيرك، يتبارون فيه على جذب الأنظار بتبنيهم الألوان الصارخة والمتضاربة والتقليعات الغريبة. وإذا كان هدفهم هو أن تُلتقط لهم صور، سواء من قبل المدونين أو السياح، فهم دائمًا ينجحون في تحقيق هذا الهدف. في الجهة المقابلة، نجد أن المصممين روضوا الكثير من جنوحهم إلى السريالي ويحرصون على تقديم تصاميم فنية، لكن تبيع بسهولة، بعد أن تشبعوا بفكرة أن الموضة ليست لعبة، بل صناعة تقوم على استراتيجيات وحسابات، وتقدر بـ27 مليار جنيه إسترليني في بريطانيا وحدها. هذه الحسابات هي ما تجعل البعض يتحسر على أيام زمان حين كان الابتكار هو العنوان الأول والأخير لأسبوع لندن.
كل هذا يمكن أن يتغير هذا الموسم، والإشارة أتت من تغيير مقر الأسبوع الرئيسي من «سومرست هاوس» إلى مرأب سيارات «بروير ستريت» بمنطقة «سوهو». فالأماكن، على ما يبدو، لها تأثير مباشر على شخصية أصحابها، كما أكد أسبوع نيويورك. فمنذ أن انتقل من «براينت بارك» إلى مركز لنكولن تعرض لمشكلات عدة مع سكان المنطقة، كما فقد بعضًا من بريقه ما استدعى انتقاله إلى مقرين مختلفين هذا الموسم. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لنيويورك، فماذا سيكون عليه الحال بالنسبة لأسبوع لندن؟ فهذا الأخير أدخلنا سابقًا إلى أماكن تاريخية مدهشة، مثل متحف التاريخ الوطني بـ«ساوث كينغستون»، «ديوك أوف يورك سكوير» بباترسي بارك، ثم «سومرست هاوس»، والآن إلى مرأب سيارات يعود تاريخه إلى بداية القرن العشرين. والطريف أن أسبوع لندن، انطلق في الثمانينات من مركز أوليمبيا الذي شبهه الكثير من المصممين آنذاك بمرأب سيارات، لبرودته وافتقاده أي جمالية أو سحر، وهو هنا كأنه يعود إلى نقطة البداية. لكن منظمة الموضة البريطانية تدافع عن القرار والمكان الجديد بكل ما أوتيت من قوة. أقوى حجة تقدمها أن الأسبوع سيستعيد حريته وشخصيته التي كادت تغيب بسبب الجري وراء التصاميم «المضمونة» ومخاطبة الأسواق العالمية بلغة سهلة. صحيح أنه اكتسب قوة لا يستهان بها ولم يعد الحلقة الأضعف بين باقي الأسابيع العالمية، لكن الثمن كان غاليًا، تطلب التخفيف من جرعة فنونه وجنون ابتكاراته، ما أفقده تلك الخاصية القديمة التي كانت تميزه عن باقي العواصم. نذكر أن أغلب المتابعين رحبوا بالتغيير في البداية، ورأوا فيه قراءة ذكية ومواكبة لمتطلبات السوق، لكنهم سرعان ما بدأوا يحنون إلى جرأة شبابها وتمردهم على العادي، ويتغنون بأيام كان فيها الراحل ألكسندر ماكوين يعرض تصاميمه في أماكن «فقيرة» لا تخطر على البال، مثل سلالم خلفية وما شابه، بينما كانت الأزياء تشد الأنفاس وتنسيهم جغرافيا المكان. كذلك الأمر بالنسبة لجون غاليانو قبل أن تسرقه أضواء باريس وتتبناه مجموعة «إل في إم إتش» لتلفظه بعد أكثر من 14 عامًا من دار «ديور». لحسن الحظ أن لندن لا تفتقد الإبداع بفضل معاهدها الشهيرة، وكل ما في الأمر أن مصمميها تعرضوا لشبه غسيل دماغ تحت تكرار مقولة أن «السوق عايز كده»، وكانت النتيجة أن بعضهم تاهوا وتنازلوا عن الابتكار، وبعضهم الآخر نجحوا في تحقيق أهدافهم التسويقية على الأقل.
المكان الجديد، كما تؤكد منظمة الأسبوع، قد يغير كل هذا ويعيد للندن روحها القديمة، لأنه بمثابة «كنفس» أبيض، يمكنهم استعماله بحرية مطلقة للتعبير عن رؤيتهم وتطلعاتهم، خصوصًا أنه «يجسد جنوح لندن للغرابة» أو هذا على الأقل ما تحاول منظمة الموضة البريطانية أن تقنعنا به. عمدة لندن، بوريس جونسون، موافق تمامًا على الموقع الجديد ومستعد لتقديم كل الدعم بمساعدة بلدة «ويستمنستر»، حتى لو تطلب الأمر إقامة مرافق جديدة ومؤقتة وتغيير إشارات المرور وتحويل اتجاهات السير حتى لا تصاب المناطق المجاورة بالازدحام والاختناق. فهو يدعم الأسبوع إدراكًا منه لأهميته الاقتصادية وتوظيفه نحو 800 ألف شخص. بدورها، صرحت منيرة ميرزا، نائبته للتعليم والثقافة بأن «مرأب بروير ستريت كان فكرة رائعة، وهو مناسب جدًا لاحتضان أسبوع موضة. فموقعه في «سوهو» القلب النابض لمنطقة ارتبطت طويلاً بالإبداع إضافة إيجابية لا محالة، وأنا متأكدة أن النقلة ستحقق المراد منها بتسليط الأضواء أكثر على قطاع يعتبر من بين أهم القطاعات الاقتصادية في العالم عمومًا وبريطانيا خصوصًا». كارولاين راش، الرئيس التنفيذي لمنظمة الموضة البريطانية أيضًا أوضحت أهمية المكان مؤكدة أن العملية ستتم بسلاسة لأن «المنظمة تعاونت بشكل مباشرة مع بلدية ويستمنستر لتحضير منطقة (سوهو) لاحتضان ضيوفها العالميين. فقد تعاونت مع مهندسين معماريين بحجم ديفيد كولينز لتغيير المكان من مجرد مرأب عادي إلى مساحة يمكنها أن تستوعب جماليات المعروضات، وفي الوقت ذاته تتمتع بمرونة تساعد المصممين على استغلالها بطريقة إيجابية».
بينما سيبقى المرأب مفتوحًا للقيام بمهمته الأساسية في الطابق السفلي، استحوذت منظمة الأسبوع على طابقين منه حتى يستوعب عروض الأزياء، وعددها 78 إلى جانب أجنحة مخصصة لنحو 150 شركة لعرض منتجاتها.
سبب هذه النقلة حسب قول كارولين راش هو «نمو سوق الموضة البريطانية. فبإمكان المصممين الآن تقديم إبداعاتهم في منطقة (سوهو) التي تشتهر بتنوعها وحيويتها في مكان واسع بسقف زجاجي يمنح ضوءًا طبيعيًا يجعل الكل يتنفس براحة». وأضافت: «ثم إنه من الناحية الجغرافية، ليس بعيدًا عن باقي شوارع الموضة المهمة مثل (بوند ستريت)، و(دوفر ستريت)، و(ماونت ستريت)، و(أكسفورد ستريت) و(ريجنت ستريت)، ما يجعل التنقل منه وإليه سهلاً».
رغم أن عروض أزياء في مرأب سيارات ليس أول ما يتبادر إلى الذهن، فإنه لا بد من الإشارة إلى أن «بروير ستريت» ليس عاديًا. فهو يتمتع بتاريخ مهم يجعله يخدم، إلى حد ما، الصورة التي تتوخاها أوساط الموضة من أسبوع لندن كمركز للإبداع وخلية ابتكار تضج بالديناميكية. فقد شيد بطراز الآرت ديكو في عام 1929 على يد المعماري المعروف جي جي جاس. وبفضل موقعه، في منطقة «سوهو» المعروفة بفنونها، بدأ يشد انتباه الفنانين في السنوات الأخيرة، وأقيمت فيه معارض مهمة، نذكر منها معرض «ذي إنكلايف» لريتشارد موس، و«ذي فراكتشورد أند ذي فيلين» للفنان كوينتين جونز وكان الديكور من تصميم روبرت ستوري، فضلاً عن عدة فعاليات موسيقية وغيرها. كما سبق لمنظمة الموضة البريطانية أن استعملته في العام الماضي لعرض أعمال أكثر من 110 مصممين صاعدين من 30 بلدًا، وكأنها كانت تجس النبض في مدى عمليته وملاءمته كبيت رسمي لها. وتؤكد كارولين راش، على هذه النقطة بقولها إن المكان «يمنح المصممين حرية أكبر للتعبير عن أنفسهم، لأن مساحته الشاسعة تسمح لهم بتغيير ديكوراته وأجوائه بالشكل الذي يعكس شخصيتهم ورؤيتهم». من جهتهم، أظهر معظم المصممين تحمسهم للمكان، خصوصًا أنهم كانوا يعانون من ضيق مساحة الخيمة التي كانت تنصب في ساحة «سومرست هاوس» ما كان يقيدهم من ناحية الديكور وعدد المدعوين.
المصممة المخضرمة زاندرا رودس، التي ستشارك هذا الموسم في البرنامج الرسمي بعد غياب نحو عشر سنوات، تقول إنها متحمسة لمنطقة سوهو لكنها غير متأكدة من استعمال مرأب سيارات «فيما عدا ذلك فهو واسع، وأعتقد أنه سيخدم المصممين من الناحية العملية».
والحقيقة أنه بعد افتتاح الأسبوع يوم أمس، تأكد للجميع أن المقولة «الكتاب يُقرأ من عنوانه» لا تنطبق على المكان الجديد. فقد يبدو مملاً وغير جذاب من الخارج، لكن منظمة الموضة نجحت في تحويله من الداخل إلى خلية أنيقة تلبي احتياجات زوارها الذين تعودوا على الترف. ولعل المعارض المتراصة في الطابق الثاني من المرأب خير دليل على حسن الاختيار، لأنه يمكن الاستمتاع بها أكثر واكتشافها بسهولة. في «سومرست هاوس» وعلى الرغم من جمالياته، كانت الشركات العارضة لا تأخذ نصيبها من الاهتمام لأن القاعات لم تكن مفتوحة ما يجعل الزوار يعزفون عن اكتشاف أكثر من ثلاثة أو أربعة.
وربما ما سيثلج صدور المصممين أن المساحة الخارجية للمرأب ضيقة وعبارة عن شارع لا يسمح بالاستعراض.
فرغم أن النرجسيين والاستعراضيين يشكلون جزءًا مهمًا من شخصية أسبوع لندن إلى حد يصعب تصوره من دونهم، فإنه يضايق بعض المصممين ويثير حفيظتهم «كونه يسرق الأضواء من الأزياء» حسب قول المصممة بولا جيربيز، مؤسسة ماركة «1205» التي تشارك في الأسبوع لأول مرة بشكل رسمي. اعتراضها ينصب في أن «بعض الناس يستمتعون بهذا السيرك أكثر مما يستمتعون بالأزياء». ورغم أن رأيها فيه بعض الصحة فإن هذا الجانب يبقى جزءًا من كل، يثير التفكه وربما اهتمام بعض الباباراتزي والمدونين الذين يتسابقون لنشر صورهم على «الإنستغرام»، لكنه لا يمكن أن يثير اهتمام وسائل الإعلام الجادة، خصوصًا ممن تعودوا على هذه الظاهرة وأصبحت لا تحرك لهم ساكنًا. بولا جيربيز، وهي مصممة شابة تبلغ 33 عامًا من العمر، تخرجت في معهد سانترال سانت مارتن وتدربت على يد خياطي سافيل لسنوات قبل أن تطلق ماركتها في عام 2010 رافعة شعار البساطة والقطع الكلاسيكية الأساسية بألوان مثل الرمادي والأزرق الداكن، غير عابئة بتغيرات الموضة وصرعاتها. ليس في تصاميمها أي لمسة جنون أو حتى فنون، إلا أنها تعوض على ذلك بالتفصيل المتقن الذي يتجسد في أزياء مريحة تخاطب امرأة عاملة تريد أزياء تخدمها وليس العكس.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».