بعد أسبوع حافل من التغيرات والعطاءات في نيويورك، حطت أوساط الموضة الرحال أمس بلندن لقضاء خمسة أيام يغرفون فيها الكثير من جنونها وفنونها، وإن كان جنونها هذه الأيام يقتصر على الشوارع وخارج أماكن العرض. فعدد الاستعراضيين يزيد كل موسم لتتحول المناطق المجاورة إلى شبه مسرح مفتوح أو سيرك، يتبارون فيه على جذب الأنظار بتبنيهم الألوان الصارخة والمتضاربة والتقليعات الغريبة. وإذا كان هدفهم هو أن تُلتقط لهم صور، سواء من قبل المدونين أو السياح، فهم دائمًا ينجحون في تحقيق هذا الهدف. في الجهة المقابلة، نجد أن المصممين روضوا الكثير من جنوحهم إلى السريالي ويحرصون على تقديم تصاميم فنية، لكن تبيع بسهولة، بعد أن تشبعوا بفكرة أن الموضة ليست لعبة، بل صناعة تقوم على استراتيجيات وحسابات، وتقدر بـ27 مليار جنيه إسترليني في بريطانيا وحدها. هذه الحسابات هي ما تجعل البعض يتحسر على أيام زمان حين كان الابتكار هو العنوان الأول والأخير لأسبوع لندن.
كل هذا يمكن أن يتغير هذا الموسم، والإشارة أتت من تغيير مقر الأسبوع الرئيسي من «سومرست هاوس» إلى مرأب سيارات «بروير ستريت» بمنطقة «سوهو». فالأماكن، على ما يبدو، لها تأثير مباشر على شخصية أصحابها، كما أكد أسبوع نيويورك. فمنذ أن انتقل من «براينت بارك» إلى مركز لنكولن تعرض لمشكلات عدة مع سكان المنطقة، كما فقد بعضًا من بريقه ما استدعى انتقاله إلى مقرين مختلفين هذا الموسم. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لنيويورك، فماذا سيكون عليه الحال بالنسبة لأسبوع لندن؟ فهذا الأخير أدخلنا سابقًا إلى أماكن تاريخية مدهشة، مثل متحف التاريخ الوطني بـ«ساوث كينغستون»، «ديوك أوف يورك سكوير» بباترسي بارك، ثم «سومرست هاوس»، والآن إلى مرأب سيارات يعود تاريخه إلى بداية القرن العشرين. والطريف أن أسبوع لندن، انطلق في الثمانينات من مركز أوليمبيا الذي شبهه الكثير من المصممين آنذاك بمرأب سيارات، لبرودته وافتقاده أي جمالية أو سحر، وهو هنا كأنه يعود إلى نقطة البداية. لكن منظمة الموضة البريطانية تدافع عن القرار والمكان الجديد بكل ما أوتيت من قوة. أقوى حجة تقدمها أن الأسبوع سيستعيد حريته وشخصيته التي كادت تغيب بسبب الجري وراء التصاميم «المضمونة» ومخاطبة الأسواق العالمية بلغة سهلة. صحيح أنه اكتسب قوة لا يستهان بها ولم يعد الحلقة الأضعف بين باقي الأسابيع العالمية، لكن الثمن كان غاليًا، تطلب التخفيف من جرعة فنونه وجنون ابتكاراته، ما أفقده تلك الخاصية القديمة التي كانت تميزه عن باقي العواصم. نذكر أن أغلب المتابعين رحبوا بالتغيير في البداية، ورأوا فيه قراءة ذكية ومواكبة لمتطلبات السوق، لكنهم سرعان ما بدأوا يحنون إلى جرأة شبابها وتمردهم على العادي، ويتغنون بأيام كان فيها الراحل ألكسندر ماكوين يعرض تصاميمه في أماكن «فقيرة» لا تخطر على البال، مثل سلالم خلفية وما شابه، بينما كانت الأزياء تشد الأنفاس وتنسيهم جغرافيا المكان. كذلك الأمر بالنسبة لجون غاليانو قبل أن تسرقه أضواء باريس وتتبناه مجموعة «إل في إم إتش» لتلفظه بعد أكثر من 14 عامًا من دار «ديور». لحسن الحظ أن لندن لا تفتقد الإبداع بفضل معاهدها الشهيرة، وكل ما في الأمر أن مصمميها تعرضوا لشبه غسيل دماغ تحت تكرار مقولة أن «السوق عايز كده»، وكانت النتيجة أن بعضهم تاهوا وتنازلوا عن الابتكار، وبعضهم الآخر نجحوا في تحقيق أهدافهم التسويقية على الأقل.
المكان الجديد، كما تؤكد منظمة الأسبوع، قد يغير كل هذا ويعيد للندن روحها القديمة، لأنه بمثابة «كنفس» أبيض، يمكنهم استعماله بحرية مطلقة للتعبير عن رؤيتهم وتطلعاتهم، خصوصًا أنه «يجسد جنوح لندن للغرابة» أو هذا على الأقل ما تحاول منظمة الموضة البريطانية أن تقنعنا به. عمدة لندن، بوريس جونسون، موافق تمامًا على الموقع الجديد ومستعد لتقديم كل الدعم بمساعدة بلدة «ويستمنستر»، حتى لو تطلب الأمر إقامة مرافق جديدة ومؤقتة وتغيير إشارات المرور وتحويل اتجاهات السير حتى لا تصاب المناطق المجاورة بالازدحام والاختناق. فهو يدعم الأسبوع إدراكًا منه لأهميته الاقتصادية وتوظيفه نحو 800 ألف شخص. بدورها، صرحت منيرة ميرزا، نائبته للتعليم والثقافة بأن «مرأب بروير ستريت كان فكرة رائعة، وهو مناسب جدًا لاحتضان أسبوع موضة. فموقعه في «سوهو» القلب النابض لمنطقة ارتبطت طويلاً بالإبداع إضافة إيجابية لا محالة، وأنا متأكدة أن النقلة ستحقق المراد منها بتسليط الأضواء أكثر على قطاع يعتبر من بين أهم القطاعات الاقتصادية في العالم عمومًا وبريطانيا خصوصًا». كارولاين راش، الرئيس التنفيذي لمنظمة الموضة البريطانية أيضًا أوضحت أهمية المكان مؤكدة أن العملية ستتم بسلاسة لأن «المنظمة تعاونت بشكل مباشرة مع بلدية ويستمنستر لتحضير منطقة (سوهو) لاحتضان ضيوفها العالميين. فقد تعاونت مع مهندسين معماريين بحجم ديفيد كولينز لتغيير المكان من مجرد مرأب عادي إلى مساحة يمكنها أن تستوعب جماليات المعروضات، وفي الوقت ذاته تتمتع بمرونة تساعد المصممين على استغلالها بطريقة إيجابية».
بينما سيبقى المرأب مفتوحًا للقيام بمهمته الأساسية في الطابق السفلي، استحوذت منظمة الأسبوع على طابقين منه حتى يستوعب عروض الأزياء، وعددها 78 إلى جانب أجنحة مخصصة لنحو 150 شركة لعرض منتجاتها.
سبب هذه النقلة حسب قول كارولين راش هو «نمو سوق الموضة البريطانية. فبإمكان المصممين الآن تقديم إبداعاتهم في منطقة (سوهو) التي تشتهر بتنوعها وحيويتها في مكان واسع بسقف زجاجي يمنح ضوءًا طبيعيًا يجعل الكل يتنفس براحة». وأضافت: «ثم إنه من الناحية الجغرافية، ليس بعيدًا عن باقي شوارع الموضة المهمة مثل (بوند ستريت)، و(دوفر ستريت)، و(ماونت ستريت)، و(أكسفورد ستريت) و(ريجنت ستريت)، ما يجعل التنقل منه وإليه سهلاً».
رغم أن عروض أزياء في مرأب سيارات ليس أول ما يتبادر إلى الذهن، فإنه لا بد من الإشارة إلى أن «بروير ستريت» ليس عاديًا. فهو يتمتع بتاريخ مهم يجعله يخدم، إلى حد ما، الصورة التي تتوخاها أوساط الموضة من أسبوع لندن كمركز للإبداع وخلية ابتكار تضج بالديناميكية. فقد شيد بطراز الآرت ديكو في عام 1929 على يد المعماري المعروف جي جي جاس. وبفضل موقعه، في منطقة «سوهو» المعروفة بفنونها، بدأ يشد انتباه الفنانين في السنوات الأخيرة، وأقيمت فيه معارض مهمة، نذكر منها معرض «ذي إنكلايف» لريتشارد موس، و«ذي فراكتشورد أند ذي فيلين» للفنان كوينتين جونز وكان الديكور من تصميم روبرت ستوري، فضلاً عن عدة فعاليات موسيقية وغيرها. كما سبق لمنظمة الموضة البريطانية أن استعملته في العام الماضي لعرض أعمال أكثر من 110 مصممين صاعدين من 30 بلدًا، وكأنها كانت تجس النبض في مدى عمليته وملاءمته كبيت رسمي لها. وتؤكد كارولين راش، على هذه النقطة بقولها إن المكان «يمنح المصممين حرية أكبر للتعبير عن أنفسهم، لأن مساحته الشاسعة تسمح لهم بتغيير ديكوراته وأجوائه بالشكل الذي يعكس شخصيتهم ورؤيتهم». من جهتهم، أظهر معظم المصممين تحمسهم للمكان، خصوصًا أنهم كانوا يعانون من ضيق مساحة الخيمة التي كانت تنصب في ساحة «سومرست هاوس» ما كان يقيدهم من ناحية الديكور وعدد المدعوين.
المصممة المخضرمة زاندرا رودس، التي ستشارك هذا الموسم في البرنامج الرسمي بعد غياب نحو عشر سنوات، تقول إنها متحمسة لمنطقة سوهو لكنها غير متأكدة من استعمال مرأب سيارات «فيما عدا ذلك فهو واسع، وأعتقد أنه سيخدم المصممين من الناحية العملية».
والحقيقة أنه بعد افتتاح الأسبوع يوم أمس، تأكد للجميع أن المقولة «الكتاب يُقرأ من عنوانه» لا تنطبق على المكان الجديد. فقد يبدو مملاً وغير جذاب من الخارج، لكن منظمة الموضة نجحت في تحويله من الداخل إلى خلية أنيقة تلبي احتياجات زوارها الذين تعودوا على الترف. ولعل المعارض المتراصة في الطابق الثاني من المرأب خير دليل على حسن الاختيار، لأنه يمكن الاستمتاع بها أكثر واكتشافها بسهولة. في «سومرست هاوس» وعلى الرغم من جمالياته، كانت الشركات العارضة لا تأخذ نصيبها من الاهتمام لأن القاعات لم تكن مفتوحة ما يجعل الزوار يعزفون عن اكتشاف أكثر من ثلاثة أو أربعة.
وربما ما سيثلج صدور المصممين أن المساحة الخارجية للمرأب ضيقة وعبارة عن شارع لا يسمح بالاستعراض.
فرغم أن النرجسيين والاستعراضيين يشكلون جزءًا مهمًا من شخصية أسبوع لندن إلى حد يصعب تصوره من دونهم، فإنه يضايق بعض المصممين ويثير حفيظتهم «كونه يسرق الأضواء من الأزياء» حسب قول المصممة بولا جيربيز، مؤسسة ماركة «1205» التي تشارك في الأسبوع لأول مرة بشكل رسمي. اعتراضها ينصب في أن «بعض الناس يستمتعون بهذا السيرك أكثر مما يستمتعون بالأزياء». ورغم أن رأيها فيه بعض الصحة فإن هذا الجانب يبقى جزءًا من كل، يثير التفكه وربما اهتمام بعض الباباراتزي والمدونين الذين يتسابقون لنشر صورهم على «الإنستغرام»، لكنه لا يمكن أن يثير اهتمام وسائل الإعلام الجادة، خصوصًا ممن تعودوا على هذه الظاهرة وأصبحت لا تحرك لهم ساكنًا. بولا جيربيز، وهي مصممة شابة تبلغ 33 عامًا من العمر، تخرجت في معهد سانترال سانت مارتن وتدربت على يد خياطي سافيل لسنوات قبل أن تطلق ماركتها في عام 2010 رافعة شعار البساطة والقطع الكلاسيكية الأساسية بألوان مثل الرمادي والأزرق الداكن، غير عابئة بتغيرات الموضة وصرعاتها. ليس في تصاميمها أي لمسة جنون أو حتى فنون، إلا أنها تعوض على ذلك بالتفصيل المتقن الذي يتجسد في أزياء مريحة تخاطب امرأة عاملة تريد أزياء تخدمها وليس العكس.
اختيار منظمة الموضة مرآب سيارات مقرًا رسميًا لأسبوع لندن يثير الجدل
موسم جديد.. موقع جديد له يؤكد أن للأماكن سحرها
اختيار منظمة الموضة مرآب سيارات مقرًا رسميًا لأسبوع لندن يثير الجدل
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

