«اليرموك»... الغلاء يوقف العودة وآثار «مجزرة الميغ» لا تزال ماثلة

«الشرق الأوسط» تستطلع وضع مخيم اللاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق بعد 5 سنوات على «التحرير»

سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)
سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)
TT

«اليرموك»... الغلاء يوقف العودة وآثار «مجزرة الميغ» لا تزال ماثلة

سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)
سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)

تسببت موجة الغلاء الفاحش الأخيرة، في توقف شبه كامل لعودة نازحي مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين الواقع جنوب دمشق إلى منازلهم في المناطق الصالحة للسكن، نتيجة التكاليف الباهظة لإعادة الترميم، بعد الارتفاع الخيالي للأسعار، في وقت لا يزال أكثر من نصف مساحة المنطقة غارقاً في الدمار وآثار «مجزرة الميغ» ماثلة. وسط هذه الحال، تتزايد عروض يتلقاها النازحون وتجار المخيم، لبيع منازلهم ومحالهم التجارية بأسعار بخسة، تزامناً مع استمرار بطء الإجراءات الحكومية في إعادة تأهيل المنطقة، على الرغم من مضي أكثر من خمس سنوات على استعادة السيطرة عليها!. وبعد حديث نازحين من المخيم عن توقف أغلبية العائلات الحاصلة على «موافقات أمنية» بالعودة، عن عمليات ترميم منازلها بسبب ارتفاع أسعار مواد ومستلزمات الترميم عدة أضعاف، قامت «الشرق الأوسط» بجولة شملت أغلب مناطق المخيم حيث الانتشار الواسع لأصوات «تكسير» أسقف المنازل المنهارة من قبل «العفيشة» لاستخراج الحديد منها، مع مشاهدة العديد من الأشخاص في الطرقات وهم يحملون كميات من الحديد على دراجات عادية، بينما كانت شاحنات صغيرة وكبيرة متوقفة أمام مبانٍ يتم تحميل كميات الحديد المنهوب فيها.

سوق شارع لوبيا في اليرموك (الشرق الأوسط)

في مقابل ذلك، يختفي كلياً مشهد الشاحنات الصغيرة وهي محملة بمواد ومستلزمات الترميم (إسمنت، رمل، بلوك، أبواب، نوافذ...) وهي داخلة إلى المخيم. كما لوحظت ندرة سماع أصوات أصحاب مهن الترميم (بلاط، نجار، طيان...) وأصوات معداتهم، التي عادة ما تصدر من داخل الأبنية وتسمع في الطرقات. واستعاد النظام السوري السيطرة على المخيم الواقع على بُعد أكثر من سبعة كيلومترات جنوب دمشق، وتبلغ مساحته نحو كيلومترين مربعين، في مايو (أيار) 2018، عقب سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، ومن ثم «داعش» و«هيئة تحرير الشام» أواخر عام 2012. وقد تسببت المعارك التي دارت فيه بحجم دمار تتجاوز نسبته 60 في المائة من الأبنية والمؤسسات والأسواق والبنى التحتية، وألحقته محافظة دمشق بها إدارياً خلال سنوات الحرب، بعدما كانت تديره منذ ستينات القرن الماضي «لجنة محلية» بشكل مستقل. حينها، تم منع نازحي المخيم من العودة إلى منازلهم، وانتشرت عمليات نهب وسرقة (تعفيش) محتوياتها ومكوناتها، حتى باتت الشقق الصالحة للسكن من الناحية الإنشائية والمحال التجارية في حالة قيد الإنشاء نتيجة «تعفيش» محتوياتها ومكوناتها من قبل عناصر جيش النظام وميليشياته، ووصل الأمر إلى هدم أسقف أبنية صالحة للسكن من أجل نهب الحديد الذي في داخلها.

سوق شارع صفد في اليرموك (الشرق الأوسط)

ويتوزع المخيم على ثلاثة أقسام: الأول المخيم القديم، ويمتد من مدخل المخيم الشمالي (بداية شارع اليرموك الرئيسي) حتى شارع المدارس جنوباً (منتصف المخيم)، ومن شارع اليرموك الرئيسي غرباً وفلسطين شرقاً؛ والثاني يسمى منطقة غرب اليرموك ويمتد من مدخل المخيم شمالاً (دوار البطيخة) وحتى سوق السيارات جنوباً، ومن شارع اليرموك الرئيسي شرقاً حتى شارع الثلاثين غرباً. أما القسم الثالث، فيسمى منطقة التقدم، ويمتد من سوق السيارات شمالاً حتى مقبرة الشهداء جنوباً، ومن منطقة دوار فلسطين شرقاً وحتى حدود المخيم المحاذية للحجر الأسود غرباً. مع الدخول إلى شارع اليرموك الرئيسي من الجهة الشمالية، الذي تم فتحه قبل نحو أربعة أعوام مع شارعي الثلاثين وفلسطين على نفقة «منظمة التحرير الفلسطينية»، كانت هناك حركة ضعيفة للسيارات الخاصة والمارة، مع عدم ظهور علامات على تزايد عدد الشقق المسكونة في الأبنية على جانبي الطريق.

جامع عبد القادر الجزائري الذي حصلت فيه مجزرة الميغ في اليرموك (الشرق الأوسط)

توقف العودة في المخيم القديم الواقع شرقي شارع اليرموك الرئيسي، وهي المنطقة الأقل تضرراً ويتركز فيها معظم النازحين العائدين إلى منازلهم، يوضح لنا شاب وهو جالس أمام بوابة منزله أنه «لا يراد للمخيم أن يعود كما كان»، إلا أن كثيراً من العائلات وتحت وطأة الضغوط المعيشية «كانت مندفعة وتجري عمليات ترميم لمنازلها تمهيداً للعودة، ولكن الأغلبية توقفت بسبب ارتفاع ثمن المواد بشكل كبير». فيصل، وهو اسم مستعار لرب عائلة وأثناء تفقده لمنزله في المخيم القديم، ذكر أنه كان يرمم منزله للعودة إليه بعدما أرهقه بدل الإيجار، لكن ارتفاع أسعار المواد «بشكل غير معقول» أجبره على التوقف.

مدرسة الفالوجة التابعة لوكالة الغوث بعد الترميم في اليرموك (الشرق الأوسط)

يقول فيصل لـ«الشرق الأوسط»: «قبل شهرين كانت تكلفة ترميم شقتنا نحو 40 مليون ليرة، وقد استدنت جزءاً كبيراً من المبلغ من الأقارب والأصدقاء، وركّبت البوابة الخارجية للبناء والسيراميك والبلاط في الشقة، وتبقى الأبواب والنوافذ والتمديدات الصحية والكهربائية ودهان (طلاء) الجدران». ويضيف: «اليوم ومع هذه الأسعار، أحتاج لـ100 مليون على الأقل، وهذا مبلغ لا قدرة لدي على تأمينه فتوقفت، ومعظم من يرممون منازلهم توقفوا». وتشهد مناطق الحكومة السورية تسارعاً في التدهور الاقتصادي والمعيشي بعد الانهيار الكبير في سعر صرف الليرة أمام الدولار منذ أواخر يونيو (حزيران) الماضي، حيث وصل إلى نحو 16 ألف ليرة أمام الدولار الواحد، مما أدى إلى موجة ارتفاع عاتية في عموم الأسعار التي زاد بعضها مائة في المائة وبعضها 200 في المائة ووصل بعضها إلى 300 في المائة. ومما زاد الطين بلة، ترافق ذلك مع إصدار الحكومة حزمة قرارات برفع أسعار المحروقات بنسبة 150 إلى 200 في المائة، الأمر الذي زاد ارتفاع الأسعار بشكل حاد، مما أدى إلى حالة من القلق والغليان في عموم سوريا وخروج احتجاجات حاشدة في محافظة السويداء جنوب البلاد وإعلان الإضراب العام، وانضمام قرى وبلدات في درعا إليها، كما شهدت مناطق متفرقة في ريف دمشق والقلمون ودير الزور احتجاجات مماثلة.

مقبرة الشهداء في آخر شارع التقدم في اليرموك وتظهر أن الدمار على حاله فيها (الشرق الأوسط)

بطء حكومي في إعادة الخدمات

وعلى الرغم من صدور عدة قرارات رسمية بإعادة النازحين من المخيم إلى منازلهم بعد سنوات من سيطرة النظام عليه، وتوجيهات محافظ دمشق محمد كريشاتي قبل نحو عام بـ«الإسراع بتقديم الخدمات للقاطنين في التجمعات السكنية بمخيم اليرموك»، فإن أكثر من ناشط من أهالي المخيم أكد أن عدد العائلات التي حصلت على موافقات أمنية للعودة لا يتجاوز 1600 من أصل أكثر من 6 آلاف طلب، بينما لا يتعدى عدد العائلات التي عادت إلى منازلها بشكل فعلي 600 عائلة بسبب افتقاد المنطقة للخدمات الأساسية، علماً أن عدد سكان المخيم قبل اندلاع الحرب في عام 2011، كان ما بين 500 و600 ألف نسمة بينهم أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني. ويلاحظ أن أعمال محافظة دمشق في المخيم بطيئة جداً، واقتصرت حتى الآن على ترميم شبكة مياه الشرب في المخيم القديم، بينما لا وجود لشبكات الكهرباء، مع مشاهدة عدد من الحافلات الصغيرة تعمل في نقل القاطنين من المخيم إلى خارجه والعودة بهم إليه، إضافة إلى منح المحافظة عدداً من الأشخاص رخصة «معتمد بيع خبز». وبينما بدا أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أنهت ترميم مدرسة الفالوجة في شارع المدارس شمال المخيم القديم وتواصل ترميم أخرى، لا يزال الدمار على حاله في جامع عبد القادر الجزائري شمال المخيم القديم، الذي استهدفته طائرة من طراز «ميغ» في 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 2012 وهو مليء بمئات العوائل التي نزحت إلى المخيم هرباً من القصف الذي استهدف الأحياء المجاورة له، مما أسفر حينها عن عشرات الضحايا والجرحى جلهم من الأطفال والنساء وحصول موجة النزوح الكبرى منه. وباتت تلك الضربة تعرف عند اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بـ«مجزرة الميغ» أو «مجزرة جامع عبد القادر الحسيني».

شارع العروية في حي التقدم ويظهر أن الدمار على حاله

في أسواق المخيم القديم الشهيرة وهي «سوق شارع اليرموك الرئيسي» و«سوق شارع لوبيا» و«سوق شارع صفد»، لا توجد أي علامات تشير إلى إقدام أصحاب المحال التجارية فيها على ترميم محالهم من أجل إعادة افتتاحها، بعدما كانت تلك الأسواق قبل سنوات الحرب تشهد حالات ازدحام خانقة بمتسوقين كانوا يتوافدون إليها من كل مناطق دمشق وحتى من المحافظات الأخرى.

طغيان للدمار والنهب

أما في «شارع الـ30» الرئيسي الذي تم فتحه أمام السيارات والمارة، فلا يزال مشهد الدمار طاغياً في الجهة الشرقية منه، من منازل سُويت بالأرض وأخرى متهاوية وخراب كبير لا يزال على حاله، من دون وجود أي مؤشرات على عودة الأهالي إلى المنطقة أو أية أعمال لجهات حكومية لإعادة خدمات أساسية لها. ولكن مع التعمق في الجادات شرقاً، حيث نسبة الدمار أقل، يلاحظ عودة عائلات قليلة جداً للسكن في منازلها، على الرغم من افتقاد المنطقة للخدمات. المشهد في منطقة التقدم جنوباً شبيه بمشهد الأبنية المطلة على شارع الثلاثين في منطقة «غرب اليرموك»، إذ فيما عدا فتح الطريق الرئيسية وعدد من الطرق الفرعية (شارع دير ياسين، شارع العروبة) لا يزال مشهد الدمار هو الطاغي على المنطقة الممتدة من سوق السيارات شمالاً، وحتى مقبرة الشهداء جنوباً، التي مازال الدمار فيها على حاله، مع ندرة وجود قاطنين في المنطقة بسبب الدمار الكبير الذي طال عمقها أيضاً. وبينما تراجعت عمليات نهب الحديد من أسقف المنازل المنهارة من قبل «العفيشة» في شارع الثلاثين، تنشط بشكل كبير في منطقة التقدم، إذ تشاهد أكوام الحديد أمام الأبنية ووسط الطرقات مع وجود شاحنات صغيرة وكبيرة من أجل نقلها.

إشارات استفهام وتعجب

وبعدما يلفت أحد النشطاء إلى أن كثيراً من المناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها عاد الأهالي إلى منازلهم، وتمت إعادة الخدمات الأساسية إليها، ومنها في ريف العاصمة القريب من المخيم، يرى أن «هناك إشارات استفهام وتعجب» إزاء إهمال المحافظة لمسألة إعادة الخدمات الأساسية للمخيم وترافق هذا الأمر مع «عروض كثيرة يتلقاها نازحو وتجار المخيم من أشخاص غير معروفين لبيع منازلهم ومحالهم التجارية بأسعار لا تذكر، قياساً بالأسعار الرائجة حالياً». وتمت اللبنات الأولى لإقامة مخيم اليرموك عام 1957، ومع توسع دمشق أصبح جزءاً أساسياً من مكوناتها الجغرافية والديموغرافية. وبات مخيم اليرموك أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في كل من سوريا ولبنان والأردن، ورمزاً لـ«حق العودة». كما يُعرف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني» لأنه يضم 36 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، البالغ عددهم قبل الحرب أكثر من 450 ألف لاجئ.


مقالات ذات صلة

العراق يعزز أمن الحدود مع سوريا... ويعتقل متسللاً «داعشياً»

المشرق العربي جندي عراقي يراقب الأوضاع بالقرب من الحدود العراقية - السورية عند معبر «البوكمال - القائم» الحدودي (أرشيفية - رويترز)

العراق يعزز أمن الحدود مع سوريا... ويعتقل متسللاً «داعشياً»

تواصل السلطات الأمنية في العراق ما تقول إنها حالة تأهب وجهود لتأمين حدود البلاد، في ظل التطورات السياسية والأمنية الأخيرة الجارية في سوريا.

فاضل النشمي (بغداد)
آسيا المطعم الصيني الذي وقع فيه الانفجار بكابل (إ.ب.أ)

«داعش» يتبنى هجوم كابل... والصين تحذّر مواطنيها من السفر إلى أفغانستان

حثّت الصين مواطنيها على تجنّب السفر إلى أفغانستان، بعد وقوع انفجار دموي في مطعم صيني بوسط العاصمة الأفغانية كابل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
المشرق العربي عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

أكدت وزارة الداخلية السورية اليوم الاثنين جاهزيتها الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم «داعش» في محافظة الحسكة بشمال شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نيجيريا: القضاء على عشرات الإرهابيين بقصف جوي

نفذ سلاح الجو النيجيري ضربات جوية ضد معاقل تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 إرهابياً.

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي عنصران من القوات الحكومية السورية في الرقة الأحد (أ.ف.ب)

تضم 8950 مقاتلاً... ماذا نعرف عن سجون عناصر «داعش» في سوريا؟

بعد هزيمة تنظيم «داعش» ميدانياً عام 2019، لم يختفِ التنظيم؛ بل أعاد تنظيم صفوفه سراً في شمال شرقي سوريا، بحسب تقرير للحكومة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء يذكّر أحزاباً بأيام «عجاف» في العراق

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)
رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)
TT

ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء يذكّر أحزاباً بأيام «عجاف» في العراق

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)
رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)

في غمرة انشغال رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بإقناع حلفائه داخل «الإطار التنسيقي» بحسم أمره مرشحاً وحيداً لمنصب رئاسة الوزراء في الحكومة الجديدة، تُظهر إشارات عن القوى السنية، أن طموحاته تواجه عقبات جدية تحول دون ظفره بالولاية الثالثة، بعد أن كان قد شغل المنصب لدورتين متتاليتين بين 2005 و2014.

أول الاعتراضات العلنية على ترشيح المالكي صدر من رئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي الذي يمتلك نحو 35 مقعداً برلمانياً، ويمثل الجهة الأقوى داخل «المجلس السياسي الوطني» الذي يضم معظم القوى السنية في البرلمان.

في تدوينه عبر منصة «إكس» وجه الحلبوسي نداءً إلى قادة «الإطار التنسيقي» المؤهلة لطرح مرشحها لرئاسة الوزراء، طالبها فيها ضمناً، بحسب فهم معظم المراقبين، بالتخلي عن فكرة ترشيح المالكي وإن لم يذكر اسمه بشكل محدد.

وقال الحلبوسي :«ننتظر ما سيصل إليه الإخوة قادة الإطار التنسيقي بترشيح اسم المكلَّف لرئاسة الحكومة المقبلة، ونتمنَّى حرصهم على وحدة وتماسك مكونات العراق بأكمله، بنفس حرصهم وأكثر على وحدة الإطار».

ورأى الحلبوسي أن ذلك يأتي «من خلال مراعاتهم للقبول الوطني اللازم لتمرير المكلَّف، وتشكيل حكومة قوية مدعومة من كلِّ مكوّنات الشعب المتطلّع لمستقبل أفضل، دون العودة لأيام عجاف مؤلمة من الأزمات والاضطرابات والفتن، التي ما زالت عالقة بأذهان العراقيين وآثارها قائمة لم تجد حلولاً رغم المحاولات لعلاجها».

وتفهم عبارة «الأيام العجاف» على أنها إشارة إلى ما تعرضت له البلاد من اضطرابات أمنية وسياسية واجتماعية خلال الولاية الثانية لرئاسة نوري المالكي للوزراء، وانتهت بصعود تنظيم «داعش» وسيطرته على نحو ثلث الأراضي العراقية عام 2014.

رئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي (موقع الحزب)

«فيتو» سني

ويؤكد مصدر قيادي في «المجلس السياسي الوطني» أن معظم القيادات السياسية السنية في هذا المجلس ترفض تولي المالكي منصب رئاسة الوزراء، والمواقف الجديدة للقوى السنية ناجمة من شعورهم بإمكانية حصول المالكي على ولاية جديدة بضوء المؤشرات التي تصدر عن قوى «الإطار التنسيقي».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن «بعض القيادات تضع (فيتو) حقيقياً على المالكي، وهنا شبه قاعدة وإجماع داخل المجلس السياسي على رفض ترشيحه، لكن مثنى السامرائي رئيس تحالف (عزم) يشذ وحده عن هذا الإجماع».

ويشير إلى أن المالكي يجري اتصالات مكثفة مع قادة المجلس السياسي لإقناعهم بقبول ترشيحه، ويسعى إلى التلويح بإرضاء جميع الأطراف من خلال منحهم مناصب في الحكومة الجديدة من خلال توسيع «قاعدة المشاركة في الحكومة واستحداث مناصب ووزارات جديدة».

لكن المصدر يؤكد تمسك قادة المجلس برفض ولاية المالكي، وهو «رفض غير مرتبط بمناورات سياسية بهدف الحصول على مغانم ومناصب حكومية أكثر، إنما مرتبط بمشاعر الجمهور في المحافظات والمناطق السنية التي سبق أن احتلت من قبل (داعش)، وتعرض سكانها لصنوف التحديات والمصاعب».

ويلفت المصدر إلى أن «الأحداث الأخيرة في سوريا أعادت إلى الأذهان في المحافظات السنية ما جرى في عهد المالكي عام 2014، وربما عزز من ترجع فرصه في رئاسة الوزراء، حتى لو لم يتأثر العراق بتلك الأحداث، لكن سكان تلك المحافظات صاروا متخوفين جداً من تكرار سيناريو التهجير والحرب، وهم عادوا بصعوبة لديارهم من جديد، وأنفقوا كل ما يملكون لتعمير منازلهم التي دمرتها الحرب ضد (داعش)».

جانب من أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

وحول موقف محمد الحلبوسي المعلن من المالكي، يقول المصدر، إن «الحلبوسي يعرف أنه ربما يتضرر في مسار تشكيل الحكومة، خصوصاً أن المالكي لا ينسى خصومه بسهولة، لكن يعرف أيضاً أن من العسير تجاهل مشاعر جمهوره».

ويعتقد المصدر أن «الممانعة السنية إلى جانب الكردية وما نعرفه من ممانعة أطراف داخل الإطار التنسيقي، عوامل ربما تستبعد وبشكل نهائي عودة المالكي إلى السلطة».

ويتوقع أن تعقد قوى «الإطار التنسيقي» اجتماعاً، السبت المقبل، وتشير بعض المصادر الصحافية إلى أن جدول أعمال الاجتماع سيتضمن «الإعلان عن المرشح أو تغيير الآليات». وفي ذلك إشارة إلى إمكانية قلب موازين اللعبة التي قد تطيح بطموحات المالكي.


فيروس تنفسي يحصد وفيات يومية في غزة... ولا مقومات لتحديده

فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

فيروس تنفسي يحصد وفيات يومية في غزة... ولا مقومات لتحديده

فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب)

مرت الغزية يسرى الحجار (32 عاماً) بأوقات عصيبة عندما فوجئت بارتفاع كبير في درجة حرارة رضيعها نضال البالغ 5 أشهر، ونقلته إلى عيادة مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة بعد تفاقم أوضاعه.

لم تُفلح الفحوصات الطبية الأولية التي أجراها الفريق الطبي للرضيع في تحديد الأسباب الدقيقة لمرضه، الأمر الذي اضطرهم إلى البحث عن حلول بسيطة مثل المحلول وخافض الحرارة وغيره، لمحاولة إيقاف الأعراض، وهو ما حدث فعلاً بعد ساعات.

تقول الحجار لـ«الشرق الأوسط»: «غادرنا العيادة بحالة أفضل، لكن بعد أقل من يوم أعدناه إلى العيادة بعد (تدهور جديد)»، مضيفة: «حتى الآن (صباح الثلاثاء) مرت 5 أيام على مرض رضيعي، وما زلت أحاول بالطرق البدائية تبليل رأسه بالمياه الباردة وبعض الأدوية لخفض الحرارة ووقف القيء والهزلان، ولم يستطع الأطباء تحديد الأسباب».

وحالة الرضيع السابق ليست وحدها؛ فسكان قطاع غزة باتوا يكابدون خلال الأسابيع الماضية الأخيرة، «انتشاراً واسعاً لأعراض مرضية متطابقة خصوصاً بين كبار السن والأطفال»، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» مدير مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية.

أطفال فلسطينيون حديثو الولادة في حضانة واحدة بمستشفى بمدينة غزة بسبب أزمة الوقود (رويترز)

وشرح أبو سلمية أنه «منذ أقل من شهر، وبشكل شبه يومي تسجل حالات وفاة جديدة بسبب انتشار فيروس خطير وفتاك»، مبيناً أنه «يتسبب في التهابات رئوية شديدة للغاية، ما يؤدي إلى وقوع حالات وفاة في صفوف الحالات الهشة ذات المناعة الضعيفة بشكل أساسي، وبشكل ثانوي لدى حالات مناعتها أفضل حالاً مثل بعض الشباب الذين سجلت حالات وفيات في صفوفهم خلال الأيام الماضية».

لا توجد مقومات للفحص

وشرح أبو سلمية أن «المنظومة الصحية في غزة، لا تمتلك أدنى مقومات الفحوصات المخبرية التي يمكن أن تكشف عن هذا الفيروس»، مرجحاً أن يكون متحوراً جديداً من فيروس كورونا، بعد نشاطات جديدة في دول العالم للفيروس.

وتوفيت صباح الثلاثاء، الطفلة الرضيعة شذا أبو جراد (7 أشهر)، بسبب البرد القارس ونقص أدوات الإيواء والتدفئة اللازمة، ليرتفع عدد الوفيات إلى نحو 10 في صفوف الأطفال نتيجة الظروف ذاتها.

ويقول أبو سلمية إن الأجواء الباردة حالياً، ولدت نشاط الفيروس الحالي، الذي تسبب في أعداد كبيرة من الوفيات، نتيجة الظروف الصعبة والقاسية التي يعيشها السكان في قطاع غزة، إثر الحرب الإسرائيلية، وما نتج عنها من ظروف بيئية وصحية قاسية جداً.

وأكد أبو سلمية وجود رابط بين الحرب التي تسببت في حالة مناعة ضعيفة لدى سكان غزة الذين تعرضوا لمجاعات عدة، إلى جانب تلوث المياه، مبيناً أن «كل ذلك يأتي في ظل نقص الأدوية والإمكانات اللازمة لدى الجهات الصحية لتستطيع توفير استجابة لازمة ومضادة وسريعة للتعامل مع الحالة الصحية القائمة حالياً».

طفل يعاني من سوء تغذية حاد يأكل من يد أمه في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة - 16 ديسمبر 2025 (رويترز)

وقالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في تغريدة لها عبر منصة «إكس»، إنه «في ظل انهيار النظام الصحي في غزة، نواصل تقديم الرعاية الصحية الأولية لآلاف الأشخاص يومياً، لكنّ هناك نقصاً حاداً في الأدوية».

واتهمت «الأونروا» إسرائيل بمنع إمدادات «الأونروا» العالقة في مستودعات الأردن ومصر، من الدخول إلى القطاع منذ 2 مارس (آذار) الماضي، مشددةً على ضرورة إدخال مساعداتها إلى القطاع في ظل الحاجة الملحة إليها.

وأكدت أن ظروف الشتاء القاسية تفاقم معاناة العائلات في غزة، التي أنهكتها الحرب والنزوح المتكرر، داعيةً للسماح بإدخال المساعدات على نطاق واسع.

وحذر المتحدث باسم «الدفاع المدني» في غزة، محمود بصل، من تزايد أعداد الوفيات، لا سيما بين الأطفال الصغار، جراء موجة البرد الشديدة بالتزامن مع تدهور الوضع الإنساني في القطاع، مؤكداً أن الأوضاع الميدانية والصحية قاسية للغاية، خصوصاً بالنسبة للأطفال الرضع والمرضى وكبار السن، في ظل أن غالبية العائلات تعيش في خيام متهالكة لا توفر الحماية من البرد أو الأمطار والظروف البيئية القاسية المحيطة بهم.


الأحزاب الكردية في تركيا تعلن تضامنها مع أكراد سوريا

مدنيون أكراد يتجمعون بأسلحتهم في مدينة القامشلي (أ.ف.ب)
مدنيون أكراد يتجمعون بأسلحتهم في مدينة القامشلي (أ.ف.ب)
TT

الأحزاب الكردية في تركيا تعلن تضامنها مع أكراد سوريا

مدنيون أكراد يتجمعون بأسلحتهم في مدينة القامشلي (أ.ف.ب)
مدنيون أكراد يتجمعون بأسلحتهم في مدينة القامشلي (أ.ف.ب)

أعلنت الحركات والأحزاب الكردية في تركيا تضامنها مع «إخوتها» في سوريا، في مواجهة هجوم القوات السورية، في خطوة قد تُعرقل مسار السلام مع مقاتلي حزب «العمال الكردستاني».

وتعهَّد حزب «العمال الكردستاني» الذي أعلن العام الماضي حلَّ نفسه، وإلقاء السلاح استجابة لدعوة زعيمه التاريخي عبد الله أوجلان، الثلاثاء، بأنه لن «يتخلى أبداً» عن أكراد سوريا.

وقال القيادي في التنظيم مراد كارايلان لوكالة «فرات» للأنباء، المقربة من حزب «العمال»: «مهما كان الثمن، لن نترككم وحدكم أبداً. نحن الشعب الكردي كله، والحركة، سنفعل كل ما يلزم».

وفي الوقت نفسه، دعا حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» المؤيد للأكراد، وثالث أكبر كتلة برلمانية تركية، والوسيط في المسار الذي أطلقته الحكومة التركية مع حزب «العمال الكردستاني»، إلى تنظيم تجمعات احتجاجية عدة، اليوم (الثلاثاء)، بينها تجمع عند الحدود السورية في مدينة نصيبين المقابلة لبلدة القامشلي السورية، شمال شرقي البلاد؛ حيث تتعرض المنطقة لضغوط من دمشق.

ومن المقرر تنظيم مظاهرات أخرى في وقت لاحق أمام القنصليات السورية في أنقرة وإسطنبول.

ولكن وزير الداخلية علي يرلي كايا حذَّر من أنه لن يتسامح مع «أي استفزاز» من جانب هذه الحركات. وقال للصحافيين: «نحن نتابع من كثب، وبأقصى درجات الانتباه، التطورات الأخيرة في سوريا، وكل الأنشطة على طول حدودنا (...) وأؤكد مجدداً أننا لن نتسامح مع أي محاولة أو استفزاز أو عملية تلاعب بالرأي العام تهدف إلى تعكير سلام بلدنا».

ويشكل الأكراد في تركيا نحو 20 في المائة من السكان. وكانت الشرطة قد تدخلت سريعاً لفضِّ كافة التجمعات، الاثنين، ولا سيما في ديار بكر، كبرى المدن ذات الغالبية الكردية في جنوب شرقي البلاد.

توقيف صحافي فرنسي

أوقِف صحافي فرنسي يعمل لوسائل إعلام عدة، بينها «كورييه إنترناسيونال» و«ويست فرنس»، يدعى رافاييل بوكاندورا، في أحد أحياء إسطنبول؛ حيث كان يغطي مظاهرة لحزب «المساواة وديمقراطية الشعوب». وقالت منظمة «مراسلون بلا حدود» إنها كانت على اتصال بمحاميه، مشيرة إلى أنه لا يزال موقوفاً صباح الثلاثاء. وأفاد حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» بأن عدداً من أعضائه أوقفوا أيضاً.

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الحليف القريب للقيادة السورية الجديدة التي أطاحت الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، قد أشاد، الاثنين، بـ«إدارة الجيش السوري الحكيمة لهذه العملية الحساسة» ضد المقاتلين الأكراد في سوريا «رغم الاستفزازات»، وبـ«حساسيتها اللافتة تجاه أمن المدنيين».

وأكد أن سوريا «انتهزت فرصة تاريخية. وبصفتنا أشقاء وأصدقاء للشعب السوري، لن نسمح بأي محاولة تخريب. إن مبدأ الدولة الواحدة والجيش الواحد شرط أساسي لاستقرار أي بلد. وتدعم تركيا بشكل كامل كل الإجراءات المتخذة لتحقيق ذلك».

وانتشر الجيش السوري، الاثنين، في المناطق التي انسحبت منها القوات الكردية في شمال سوريا وشرقها، بموجب اتفاق لوقف إطلاق النار شكَّل ضربة قوية للأكراد الذين كانوا يأملون في الحفاظ على حُكمهم الذاتي.

وكان إردوغان قد اتصل، الأحد، بالرئيس السوري أحمد الشرع، مؤكداً له دعم تركيا. وشدد على أن «تركيا تولي أهمية كبيرة لوحدة الأراضي (...) ووحدة سوريا واستقرارها وأمنها»، علماً بأن البلدين يتشاركان حدوداً بطول 900 كيلومتر.

ويشكل هجوم دمشق ضربة قوية لآمال السكان الأكراد في الحصول على حكم ذاتي، كما يهدد أيضاً آفاق السلام في تركيا بين مقاتلي حزب «العمال الكردستاني» والسلطات. وبدأت عملية السلام هذه في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بمبادرة من الحركة القومية الحليفة للرئيس التركي، وتهدف إلى وضع حد لأكثر من 4 عقود من المواجهات التي خلَّفت 50 ألف قتيل.

وبدعوة من زعيم الحزب ومؤسسه، عبد الله أوجلان، المسجون منذ عام 1999، أعلن حزب «العمال الكردستاني» حلَّ نفسه في مايو (أيار)، وبدأ إلقاء السلاح في يوليو (تموز). ولكن أوجلان وحزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» نددا خلال نهاية الأسبوع بـ«محاولة تخريب» لمسار السلام.