باقات ورد وسنابل قمح تُزين «حديقة لي شوميه»

دار «شوميه» ترسم لوحات معاصرة من ماضيها

من وحي الطبيعة بورودها وأشجارها وسنابلها وُلدت حديقة غنّاء (شوميه)
من وحي الطبيعة بورودها وأشجارها وسنابلها وُلدت حديقة غنّاء (شوميه)
TT

باقات ورد وسنابل قمح تُزين «حديقة لي شوميه»

من وحي الطبيعة بورودها وأشجارها وسنابلها وُلدت حديقة غنّاء (شوميه)
من وحي الطبيعة بورودها وأشجارها وسنابلها وُلدت حديقة غنّاء (شوميه)

في عام 1780 وعندما أنشأ ماري - إتيان نيتو محترفه بباريس، بدأ التوقيع على إبداعاته بعبارة «صائغ الطبيعة». كانت رؤيته واضحة ترى كل ما حوله جميلاً ومن الطبيعة مُلهماً. ومن حينها أصبح هذا الارتباط الشاعري مرافقاً لهوية «شوميه». لهذا لم يكن غريباً أن تطرح الدار مؤخراً مجموعة بعنوان «لو جاردان دو شوميه Le Jardin de Chaumet»، أي «حديقة شوميه»، ترجمت فيها رؤية فنية تعكس ولاءها لعلاقة تمتد لأكثر من قرنين. كل قطعة فيها تصور مستويات مهمة في التراكم التاريخي والفني بأساليب مبدعة تُدخل الناظر إلى عالم الطبيعة وهي في أجمل حالاتها وتفتحها.

تمتد علاقة «شوميه» مع الطبيعة لأكثر من قرنين من الزمن (شوميه)

كان قسم التصميم والحرفيين يُدركون تماماً أن العودة إلى الإرث لم تكن تعني فقط أشكالاً وألواناً مدهشة، بل أيضاً الارتقاء بمفهوم المرونة التقنية في كل قطعة بأن تقوم بعدة وظائف وأدوار، حيث تتحول قلادة إلى بروش أو تاج أو أقراط. فليس من المعقول أن ينجح حرفيوها الأوائل في صياغتها لتكون قابلة للتفكيك بسهولة ولا يتمكنوا هم من تطوير هذه التقنيات ونقلها إلى مرحلة أكثر تطوراً. من هذا المنظور تميز كل طقم بوظائف متنوعة تلعب على أشكال أكثر ابتكاراً سواء كانت أوراق كرْم مشبعة بالتفاصيل الدقيقة، أم سنابل قمح تنتظر من يحصدها. ونظراً لعددها البالغ 68 قطعة، كان لا بد من تنسيق هذه الحديقة بشكل متناغم بتقسيمها إلى أربعة فصول، لكل فصل مصدر إلهام وأحجار كريمة خاصة.

طقم «غي» يُعبّر بدقّة عن الرمزيّة القويّة لنبات الهدّال وهو يتكوّن من 7 قطع: قلادة مكوّنة من شريط مزدوج ومتشابك من الماس (شوميه)

في الفصل الأول تبدأ الرحلة بطقم «غي» حيث تقول القصة إنه مستلهَم من غابة تغطيها شجيرات كثيفة تنمو تحت أقدامها نباتات مثل الهدّال والسراخس، وهو ما يبرز في طقم يتكوّن من سبع قطع: قلادة مكوّنة من شريط مزدوج ومتشابك من الماس والزمرد. تبدو أوراقه كأنها مرشوشة باللآلئ على مستوى خط العنق. يتزايد هذا التأثير من خلال تفاعل الضوء مع الماس واللون الأخضر لزمرد كولومبيّ يبلغ وزنه 21.59 قيراط. الخاتم بدوره قابل للتحوّل يتوسطه حجر يفوق وزنه 10 قراريط، فيما يتميّز البرعم الذي يبدو كأنه نبت على المعصم بالتدرجات المخمليّة لحجر كابوشون يبلغ وزنه 10.53 قيراط.

طقم «فوجير» المكوَّن من 8 قطع تتألق فيها أوراق السراخس في خليط من الظلال والأنوار (شوميه)

ضمن نفس الفصل، هناك طقم «فوجير» المكون من ثماني قطع تتألق فيها أوراق السراخس في خليط من الظلال والأنوار يلعب فيها الماس دور البطولة. يتميز بتعقيدات كبيرة تطلبت من الحرفيين العمل عليها بعقلية علماء النبات. قسّموا الذهب الأبيض إلى أقسام رقيقة جداً تأخذ شكل طبقات، واستعانوا بتقنيتين استثنائيتين لاستحضار فكرة ظهور قطرات الندى على الأوراق، مما أعطى انطباعاً بأن الأحجار تكاد تكون مرفوعة عن الإطار، سواء تعلق الأمر بالعقد أو التاج الذي يستقرّ على الشعر مثل جناح الطائر، أو البروش الذي يمكن استعماله كمشبك شعر. الأقراط أيضاً يمكن تفكيكها.

طقم «إيكورس» مرصّع بالياقوت الأزرق والأوبال الأسترالي النادر (شوميه)

أما طقم «إيكورس» فيتألف من أربع قطع: قلادة من عدة مفاصل ومُزيّنة بالياقوت الأزرق والأوبال الأسترالي الذي يبلغ وزنه 50.61 قيراط. لا تكمن أهمية هذا النوع من الأوبال في حجمه فحسب بل في تدرجاته اللونيّة التي تجمع بين الأزرق والأخضر والأحمر، وهو ما يُعد نادراً. نفس الحجر رصَّع الخاتم وأقراط الأذن. طقم «بوبلييه» لا يقل إبداعاً وفخامة، لا سيما أنه يشهد على براعة «شوميه» في صياغة الذهب وترصيعه بأحجار الماس بقطع الماركيز مستحضراً مشهد الشمس وهي تخترق الشجيرات فيما يأتي الذهب الأبيض ليحدّد الأفق بخطوط على شكل أوردة متلألئة ومرصوفة بالماس. يتوّج هذه القطعة الاستثنائيّة حجر ماسّي باللون الأصفر.

طقم «فوجير» يجسّد قوة الدار في إضفاء الواقعية على أي تصميم (شوميه)

الفصل الثاني من هذه الملحمة الطبيعية جاء على شكل لوحة مستوحاة من حقول القمح بلونها الذهبي وصفوف الكروم التي تنتظر الحصاد، وهو ما يجسده طقم «بلي» أي القمح، الذي يتكون من خمس قطع. وتشير الدار باعتزاز إلى أنها كانت من أولى دور المجوهرات التي أدخلت أشكال سنابل القمح في تيجانها. منها تاج للإمبراطورة جوزفين وآخر للإمبراطورة ماري - لويز مرصَّع بمائة وخمسين سنبلة من الماس للإمبراطورة ماري - لويز. فالاثنتان كانتا تتفاءلان بالقمح.

من إرث الدار قُدمت نسخ تجسِّد حقولاً من القمح الناضح تحت أشعة الشمس (شوميه)

من هذا التاريخ والإرث قدمت «شوميه» نسخة تجسِّد حقلاً في فترة نضج عندما يتشقّق القمح تحت أشعة الشمس انتظاراً لحصاده. يمكن ارتداء القلادة أيضاً بثلاثة أساليب مختلفة، فقد تتحول إلى هيكل تاج بشكل حرف V مرصّع بالماس أو كعصابة للرأس تزيّنها مجموعة من سنابل القمح ترافقها أقراط وخاتم على شكل حزمة من القمح.

يعتمد طقم «فوي دو فينيو» على الياقوت الموزمبيقي ويجسد شكل كرمة قبل الحصاد (شوميه)

يتكوَن طقم «فوي دو فينيو» من أربع قطع تعتمد على الياقوت الموزمبيقي. فيه تمّ تجسيد كرمة مكتنزة بالجمال والحداثة. جسدت هذه الصورة باستعمال أحجار الياقوت متعدّد الأوجه، والتي ظهرت على قلادة تُرصِعها ثلاثمائة حجرة بأحجام مختلفة وأبعاد ثلاثية. نفس التقنيات أُدخلت على الخاتم وأقراط الأذن اللذين تأكدت فيهما واقعّية الأغصان والأوراق بفضل دمج الذهب الأبيض والماس بالإسبنيل الأسود والإسبنيل الرمادي، والياقوت الأحمر، فيما تبدو فتحات على ظهر الأوراق مخرَّمة لكي تحاكي الدانتيل.

من وحي الطبيعة بورودها وأشجارها وسنابلها وُلدت حديقة غنّاء (شوميه)

في الفصل الثالث كانت اللوحة مبنية على باقة مكونة من أزهار البانسي والتوليب والسوسن والآروم. طقم «بانسي» الذي يتألف من 12 قطعة، مثلاً، تعود قصته كما تقول الدار إلى عام 1850 مع أول تاج زهرة البانسي ابتكره جان - بابتيست فوسان. أدهش الكل بواقعيته. لهذا عندما قررت «شوميه» إعادة تقديم هذا التصميم، اعتمدت أسلوباً شاعريّاً عصرياً بتقنيات دقيقة أعطت الانطباع بوجود شبكة مرنة تشبه الحرير تكشف عن عملية تفتح قلادة على شكل زهرة بانسي. غنيٌّ عن القول: إن التاج قابل للتحول إلى بروش، وهو ما أرادته الدار أن يكون لفتة للتاج الذي ابتكره فوسان منذ زمن بعيد، والذي يمكن هنا ارتداؤه بطريقتين حسبما تُمليه المناسبة: التاج المزيّن بزهرته مناسب لحضور حفل رسمي ومن دونها لإطلالة بسيطة غير رسميّة. الخواتم وأقراط الأذن أيضاً خضعت لنفس العملية واستُعمل فيها ماس باللون الأصفر.

في طقم «أيريس» تحتفل قطعه الأربع بزهرة السوسن باستعمال حجر إسبنيل تنزانيّ باللون الوردي (شوميه)

في طقم «أيريس» تحتفل قطعه الأربع بزهرة السوسن برقّتها وحجمها. استُعمل فيها حجر إسبنيل تنزانيّ باللون الوردي زيّن عقداً قابلاً للتحويل وبصورة تحاكي لوحة مائيّة. تظهر زهرة السوسن أيضاً على ساعة سرية وخاتم غير متماثل يزيّنه حجر إسبنيل وردي يبلغ وزنه 8.14 قيراط.

لا تكتمل هذه الباقة من دون طقم «توليب» الذي يتكوّن من سبع قطع. عقده يُشبه شريطاً من الماس تتألق فيه أحجار الإسبنيل الأحمر مع العقيق البرتقالي على شكل أوراق متفتحة واكتمل جماله في خاتم يستحضر زهرة تنمو في تركيا تحمل اسم «تولباند» تيمناً بالعمامة.

طقم «آروم» يتألف من 4 قطع متحولة منها بروش يمكن أن يُزيِن طيّة سترة رجّالية (شوميه)

طقم «آروم» يتألف من أربع قطع تغلب عليها لمسة ذهبيّة تُسلط الضوء على اهتمام «شوميه» بفن الخط نظراً لانسيابيتها وانحناءاتها. هي الأخرى تقوم فيها القطعة بوظائف متنوعة. يمكن مثلاً للرجل أن يستعمل جزءاً منها كبروش لتزيين طيّة سترته، فيما يمكن للمرأة تحويل العقد إلى تاج على شكل حرف V.

طقم «أغابانت» يتكون من 5 قطع وهو احتفال بالطبيعة الأفريقية وخطوطها الهندسية (شوميه)

في الفصل الرابع والأخير، هناك دعوة صريحة لاستكشاف عوالم بعيدة. باقات بألوان وأشكال منتقاة من مختلف أنحاء العالم تجتمع فيها أزهار الآغابانت والمغنوليا والأقحوان لتخلق تناغماً مثيراً. طقم آغابانت المكون من خمس قطع مثلاً، هو احتفال بالطبيعة الأفريقية وخطوطها الهندسية، من العُقد المرصّع بالياقوت السيلاني إلى الخواتم وأقراط الأذن.

طقم «مغنوليا» يتميز بالابتكار واحترام تاريخ الدار (شوميه)

أما طقم «كريزانتيم» فيتألف من خمس قطع تمثّل اتحاد الثقافات بين منشأها في كوريا منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد مروراً بالحدائق الفارسيّة وزهرة اليابان الرسمية. بينما يتكوّن طقم «مغنوليا» من ثلاث قطع من الذهب والماس ترتكز على ذكريات من الماضي تُرجمت في تصاميم جديدة تحترم تاريخ الدار، من خلال عقد لا يعادل حجمه سوى سهولة ارتدائه رغم شكله الذي تلتفّ فيه خطوط الذهب الأصفر بشكل حلزوني. الأقحوان كان حاضراً من خلال عقد ببتلات تبدو فيه كأنها منحوتة بالعقيق الوردي، بينما استُعمل الماس لتسليط الضوء على رؤوس الزهور وحجر الياقوت السيلاني ليلقي بظلاله الزرقاء على أوراقها. تظهر بتلات الزهرة على خاتمين يتزيّن الأول بحجر من الياقوت الأزرق يبلغ وزنه 12.17 قيراط، أما الآخر فهو من الياقوت الأصفر الذهبي الذي يميل إلى البرتقالي ويزن أكثر من 15 قيراطاً. يتكرّر عدم التماثل اللوني هذا على الأقراط وعلى ساعة سريّة.


مقالات ذات صلة

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

لمسات الموضة حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

تقول هاجر نبيل إنها تحاول في هذه المجموعة أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وكشف بعض أسرار التعلق بها.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

بالنسبة لها هناك قطع مجوهرات نختارها وأخرى هي التي تختارنا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قلادة الملكة نازلي قبل سرقتها من متحف بفيينا (إكس)

سرقة قلادة الملكة نازلي تنكأ جراح كنوز الأسرة العلوية «المنهوبة»

بيعت بعض مقتنيات الأسرة العلوية في مزادات رسمية عام 1954، في حين أُودعت مقتنيات أخرى في صناديق حكومية بوصفها «أحرازاً».

منى أبو النصر (القاهرة)
لمسات الموضة اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)

«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

قد يقود اسم المجموعة، للوهلة الأولى، إلى صورة «الثريا» المعلقة في سقوف البيوت، لكنه يحيل في الواقع إلى كوكبة «الثريا»، التي اهتدى بها البحارة قديماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
TT

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

عندما قدّمت علامة «برادا» تشكيلتها لربيع وصيف 2027 خلال «أسبوع ميلانو» الأخير، أكدت مرة أخرى أنها تضع مفهومي الانضباط والتناسق تحت المجهر، وفي الوقت ذاته تُرسِّخ أفكاراً أصبحت جينات ترتبط بالدار منذ تسلمت قيادتها الفنية ميوتشيا برادا.

منذ البداية، تُسوّق المصممة لفكرة أنه ليست للجمال قاعدة واحدة يجب التقيد بها. شريكها الفني، راف سيمونز يتفق معها في هذه الرؤية، التي تقول إنه من الفوضى يولد الإبداع، ومن تحت عباءة «القبح» وعدم التناسق يولد جمال، قد لا يكون تقليدياً بالضرورة، لكنه ينجح في فتح نقاشات فكرية وفنية مثيرة.

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

63 تنورة

من بين الجينات التي تعود إليها الدار في كل موسم، التنورة. فهي حاضرة في كل مجموعة مهما تبدّلت توجهات الموضة وتغيّرت نزعاتها. في الموسم المقبل، ستطغى على باقي القطع. فهي بطلة قصتها لربيع وصيف 2027 دون منازع، حيث اكتسحت العرض من خلال نحو 63 إطلالة. ولا يستغرب متابعو مسيرة الدار وأسلوب ميوتشيا الشخصي هذا العدد؛ لأنه ينسجم مع قناعة راسخة ومستديمة لدى ميوتشيا برادا بأهمية هذه القطعة ومكانتها في خزانة المرأة.

ففي مقابلة أجرتها معها إحدى المجلات في عام 2006 قالت: «بالنسبة إليّ، تُشبه التنورة القميص؛ يمكن تنسيقها بسهولة لتناسب مختلف المناسبات. لهذا أضع في كل مجموعة، وفي كل موسم، كل أفكاري فيها». وتابعت: «حتى عندما تبدو غريبة أو مُفرطة في الجرأة، فإن هذه الصفات لا تُؤثر على الإطلالة العامة لصاحبتها؛ لأنها بكل بساطة تقع في الجزء السفلي من الجسم».

ظهرت أيضاً مع جاكيتات من اللون والخامة نفسيهما (أ.ف.ب)

بعد 20 عاماً على هذه المقولة، جاءت ترجمتها في مجموعتها لربيع وصيف 2027 عبر أشكال وألوان تتراوح بين القصات الكلاسيكية ذات الطيات والثنيات الجانبية، والتصاميم العصرية المنسدلة، إلى جانب مزيج من الأقمشة المترفة والمواد الحديثة التي تزيّنت بالكريستال والأشرطة، وترافقت مع طبقات شفافة.

ورغم أنه ليس من السهل أن تُبنى تشكيلة بالكامل على قطعة واحدة، فإن ميوتشيا برادا وراف سيمونز تداركا الأمر بحرصهما على التنويع في تصاميمها وتفاصيلها. لكن مما ساعد على تماسك العرض في المقام الأول، ولم يُصب الناظر بالملل فعلياً، أن برادا وسيمونز لم يتعاملا معها على أنها قطعة ثابتة وأساسية فحسب، بل استخدماها مساحةً للتجريب وإعادة التفكير في الشكل والخامة وطريقة التنسيق، لتخدم في النهاية المرأة.

الفني والجريء

افتٌتح العرض بإطلالة مكونة من قميص داخلي من الدانتيل الأسود وتنورة بلون أحمر زاهٍ. المثير فيها أنها تنورة منخفضة الخصر تكشف جزءاً واضحاً من البطن. لم تكن الإطلالة الثانية أقل إثارة. كانت هي الأخرى تنورة بفتحة عالية جداً، في حين ظهرت العارضة الثالثة مرتدية حمالة صدر مع تنورة ذات طيات وكشاكش جانبية مبتكرة. وهكذا تكرر المشهد وتوالت الإطلالات بتناسبات تسمح لهذه القطعة بالانحدار نحو الوركين بدلاً من أن تستقر عند الخصر كما هو متعارف عليه أو تغطي الركبة ولا تتعداها كثيراً. وربما كان طولها هو القاسم المشترك بينها؛ لأنها جاءت تلامس الركبة أو بالكاد تُغطيها، باستثناء قطع قليلة جداً لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

جرأة التنسيق لم تمحُ جمال التنورة ومرونتها (أ.ب)

اختبار الأفكار

تجدر الإشارة هنا إلى أن الحالة التجريبية التي خضعت لها التنورة هذا الموسم، ليست جديدة على مصممة تتعامل مع الأنوثة بوصفها أكثر من مجرد مظهر خارجي، وتأخذنا إلى خلفيتها الثقافية وميولها الفكرية اليسارية، بما في ذلك، علاقتها الطويلة بقضايا المرأة وتحريرها من القوالب الجاهزة، التي كانت التنورة طرفاً فيها إلى حد ما.

فحتى في شبابها وهي ناشطة في «الحزب الشيوعي الإيطالي»؛ أي في وقت لم تكن فيه التنورة جزءاً من الثقافة اليسارية مثل الجينز، تبنّتها ميوتشيا برادا زيّاً خاصاً بها، في مفارقة تعكس استقلالها وعدم ميلها إلى التقيد بالقواعد الجمالية والاجتماعية السائدة. مع الوقت؛ أصبحت واحدة من المفردات التي تستعملها وسيلةً للتعبير عن التناقض والاستقلال؛ وليست فقط رمزاً للأناقة كما يراها المجتمع.

وجه الاختلاف بينها وبين بعض النسويات، اللاتي رفضنها، أنها لم تُعانقها بصورتها الأنثوية المُغرية أو الرومانسية. اختارت في المقابل اتجاهاً ثالثاً يتعامل معها بوصفها قطعة أساسية تعتمد على طُرق تنسيقها للحصول على المظهر الذي تتوخاه المرأة، وهكذا تُثبت أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

إذا كانت بتصميمها المستقيم والضيق تناسب امرأة تريد إبراز أنوثتها، مثل كيم كاردشيان، وبشكلها المستدير تخاطب امرأة رومانسية، فإنها بالشكل الذي تقترحه دائماً، تفرض نفسها بجدية تُركّز على الفني والمريح بدل الأنثوي وحده. وهذا يعني أنها لا تعانق الجسم بقدر ما تلاعبه وتتراقص معه، وهنا تكمن عمليتها وجاذبيتها.

نُسقت مع كنزات وسترات لخلق تنوع يُدخلها كل المناسبات (أ.ف.ب)

وربما هذا ما شفع لهذه المجموعة وأنقذها من إصابة المتابع بالتخمة. فهي تُقدم احتمالات لا تنتهي للقطعة الواحدة، وفق طريقة تنسيقها. عندما تنسَّق مع سترات مستوحاة من خزانة الرجل، فإنها تعطي تأثيراً مختلفاً عن تنسيقها مع قمصان مع حمالات صدر. الأمر ذاته ينطبق على التنوع في الخامات، التي تتراوح بين النايلون والأقمشة الصناعية والقطن والجلد، لتلعب على ازدواجية القوة والنعومة. وفي كل الإطلالات تقريباً، تبدو إطاراً تُسقط عليه الدار الأفكار الجديدة، وتستعمل الخامات المتنوعة والتفاصيل المبتكرة لخلق شخصيات مختلفة تتراوح بين البساطة والتعقيد.

طريقة تنسيقها تحدد مكانتها والمناسبة (إ.ب.أ)

توظيف الفكري بأدوات تجارية

من يتابع مسيرة ميوتشيا برادا منذ عقود، يعرف أن وراء اختياراتها الجمالية والفنية، فكرة تتجاوز الشكل وحده. فهي تعشق إثارة النقاشات الفكرية من خلال الموضة، وهو ما وجدته أيضاً في شريكها الفني راف سيمونز. بينهما انسجام كبير في القناعات والرؤى، ورغبة مشتركة في طرح الأسئلة أكبر من تقديم ابالإنجدلإجابات الجاهزة.

ومن خلال محاولتهما كسر القوالب المألوفة والتقاليد الراسخة، فهما لا يختبران فقط حدود الموضة أو قولبتها، بل يقدمان تصوراً أوسع شمولية للجمال. هذا التصور يفتح مساحة تتسع لكل الاحتمالات؛ للرومانسية والشاعرية وللجدية والعملية، ولما هو جريء وغير متوقع تبعاً لشخصية المرأة التي ترتديه.

ويبقى اللافت أنه، حتى في أعلى اقتراحاتهما جرأة، تظل هناك قدرة عجيبة على مخاطبة سوق واسعة تعرف «برادا» جيداً كيف تصل إليها. فقد سبق للدار أن قدمت تصاميم بدت، عند ظهورها أول مرة، غير مألوفة أو حتى صادمة، قبل أن تجد طريقها تدريجياً إلى خزانة المرأة وتتحول اختياراتٍ ناجحةً تجارياً. وهذه ربما من أشد نقاط قوة «برادا»: قدرتها على دفع حدود المألوف، من دون أن تفقد صلتها بالمرأة أو بالسوق.

لعبت على النعومة والقوة عبر الجمع بين الحرير والجلد (إ.ب.أ)

وهذه القدرة على دفع حدود المألوف، من دون فقدان الصلة بالسوق، تتجلى بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها ميوتشيا مع التنورة. فهي ودار «برادا» عموما تدركان أن عالم الأعمال لا يكتفي بالأفكار الفلسفية والفنية أو بالمشاعر، بل لا بد في نهاية المطاف من ترجمتها أرقاماً؛ لذلك تصوغ المصممة التنورة بأشكال مفعمة بالأناقة والجمال تلائم مناسبات متعددة، وتجمع في الوقت نفسه بين العملية والمرونة، بما يتيح للمرأة حرية أكبر في الحركة. والأهم؛ أنها لا تَفرض على الجسد، مهما اختلفت مقاييسه وأبعاده، نموذجاً واحداً أو صورةً محددة للأنوثة.

فالتصميم يَترك مساحة للمرأة كي تمنحه شخصيتها الخاصة، بدل أن يَفرض عليها نمطاً جاهزاً ومكرراً. ولعل هذا ما يجعل التنورة في هذا العرض أكبر من مجرد قطعة متكررة على المنصة أكثر من 60 مرة. فمع نهاية العرض، يتضح أن كل تصميم قُدِّم تأكيدٌ جديدٌ على أن التنورة ستكون الزي الرسمي لامرأة «برادا» في الموسم المقبل.


مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
TT

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

هناك جروح لا تأتي من الفراق نفسه، وإنما من الطريقة التي يحدث بها الفراق وما يتركه من فراغ، عندما تنتهي علاقة عمرها سنوات في لحظة واحدة، ينتقل فيها الطرف الآخر إلى الصفحة التالية بسهولة وباحتفالية، بينما تبقى أنت عالقاً تبحث عن تفسير لكي تضع نقطة النهاية.

جُرح التخلي والإحساس بالفقد لا يخصان العلاقات العاطفية وحدها، بل يمكن أن يحدثا في العمل أيضاً. وربما يكونا أكثر قسوة عندما يكون هذا العمل هو الذي بنيت فيه جزءاً كبيراً من هويتك وحياتك. وهذا بالضبط ما تكشفه تجربة مصممة «شانيل» السابقة فيرجيني فيارد في كتاب بعنوان «نظرة: حياة في دار شانيل» Un regard: Une vie chez Chanel نشرته مؤخراً ليتزامن صدوره مع أسبوع باريس لربيع وصيف 2027.

فيرجيني فيار تحيي الحضور بعد انتهاء عرضها لربيع وصيف 2024 (أ.ف.ب)

فالمصممة التي قضت أكثر من ثلاثين عاماً في الدار الفرنسية، وعملت إلى جانب كارل لاغرفيلد لعقود، ثم أصبحت المديرة الإبداعية للدار بعد وفاته، تفتح للمرة الأولى تقريباً هذا الباب المغلق منذ خروجها في عام 2024: باب الألم.

فيار لا تتحدث في الكتاب عن الملابس والعروض والنجاحات والإخفاقات فقط، بل تفتح أيضاً الباب أمام مشاعر نادراً ما نراها خلف بريق عالم الموضة: غضبها وحزنها من الطريقة التي انتهت بها علاقتها بـ«شانيل»، والأكثر من ذلك، ألمها من شعورها بأن ما قدمته للدار لم يحظَ بالاعتراف الذي كانت تتوقعه.

لذلك، فإن كتابها Un regard: Une vie chez Chanel، ليس مجرد مذكرات عن الموضة، بل حكاية مصممة تحاول أن تستعيد مكانها في قصة أمضت أكثر من ثلاثة عقود في صناعتها. مصممة لا تحاول فقط أن تتذكر ما كان، بل أن تعرف أيضاً ماذا بقي منها بعد أن أغلقت «شانيل» الباب خلفها.

في الكتاب، كما في تصريحاتها الإعلامية، لا تتساءل لماذا تخلَت عني «شانيل»، بقدر ما تتساءل: كيف لا أُذكر، وكأنني لم أكن هناك أو أترك أثراً؟ وكيف يمكن أن تُطوى السنوات التي قضيتها فيها بهذه السهولة كما لم تكن؟.

ماذا فعل بها الرحيل؟

تؤكد فيارد في مقابلاتها التلفزيونية أنها متحدثة غير جيدة. فقد كانت دائماً تتجنَب الأضواء مفضلة أن تتحدث أعمالها عنها، ورغم ذلك نجحت إلى حد كبير في أن تنقل إلى المشاهد والقارئ، شيئاً من حزنها وألمها في كونها اختُزلت إلى مجرد «فاصل» في قصة «شانيل»، بين كارل لاغرفيلد وماثيو بلازي.

 

ظلت وفيَّة لأسلوبها الهادئ في كل تشكيلاتها (صورة أرشيفية)

دخلت المصممة «شانيل» عام 1986، وهي في الرابعة والعشرين من عمرها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءاً من الدار، وإن بقيت طويلاً بعيداً عن الأضواء. كانت المرأة التي تعمل خلف الكواليس، تعرف تفاصيل الملابس، وتتابع الحرفيين وفرق العمل، وتحوّل أفكار كارل لاغرفيلد إلى مجموعات حقيقية. كانت، كما تقول عن نفسها: «مترجمة جيدة جداً لأفكاره». وهنا تبدأ قصة علاقة طويلة ومعقدة مع لاغرفيلد.

كان هو الشخصية الطاغية، صاحب الحضور الإعلامي والشخصية الاستعراضية، بينما كانت هي أكثر تحفظاً وهدوءاً. أمضيا معاً عقوداً، كان فيها لاغرفيلد معلماً وصديقاً ورئيساً وشخصاً اكتشف موهبتها، لكنه كان أيضاً شخصية كبيرة إلى درجة جعلت من الصعب عليها أن تجد لنفسها مساحة مستقلة. ظلت في عيون متابعي الموضة تحت جلبابه حتى بعد وفاته.

تكتب فيارد في نهاية كتابها رسالة إلى لاغرفيلد، وتقول له: «ألومك قليلاً... لأنك كنت الوحيد الذي رآني حقاً». هذه الجملة ربما تلخص امتناناً عميقاً لرجل ساعدها على اكتشاف نفسها، وفي الوقت نفسه كان قربها منه بمثابة نقمة لأنه جعلها تعيش دائماً في ظله.

فبعد وفاته في عام 2019، أصبحت فيارد المديرة الإبداعية لـ«شانيل». لم يكن الأمر سهلاً. فهي لم ترث المنصب فقط؛ ورثت المقارنة معه. كان عليها أن تثبت قدرتها على قيادة «شانيل» من دون أن تحاول أن تكون كارل لاغرفيلد جديداً.

ظلت فيرجيني وفية لأسلوب الدار وتلعب على المضمون والجينات المتوارثة (إ.ب.أ)

جاء أسلوبها أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً تركز فيه على الحرفية أكثر من خلال تصاميم يمكن أن تعيش معها المرأة لزمن طويل، ولا تعتمد على الإبهار الذي تصنعه عروض الأزياء الضخمة. وخلال خمس سنوات على رأس الدار، قدمت لحظات مهمة، من بينها عرض «متييه داغ» Métiers d’Art في داكار عام 2022، الذي تعتبره من أكثر أعمالها فخراً. وتُذكّر بأن الدار حققت خلال إدارتها نتائج تجارية قوية، حتى لو لم تلقَ مجموعاتها دائماً الترحيب نفسه في الصحافة وفي أوساط الموضة.

لكن تجربتها لم تكن خالية من الأخطاء. وهنا تبدو فيارد صريحة مع نفسها. فهي تعترف بأنها كانت شديدة التحفظ، وأنها لم تأخذ الوقت الكافي لاختيار «ذراع يمنى» يساعدها كما كانت هي مع كارل لاغرفيلد، ترى الآن أن ذلك جعلها أكثر هشاشة. كما تعترف بأن عرض مارسيليا في مايو 2024 لم يكن ناجحاً كما كانت تتمنى.

من عرضها على نهر السين لخريف وشتاء 2024 (صورة أرشيفية)

ثم جاء الخامس من يونيو 2024، حين أبلغها آلان فيرتهايمر، أحد مالكي «شانيل»، بأن العلاقة ستنتهي. لم تكن تتوقع القرار. ولم تحصل، بحسب روايتها، على تفسير واضح. وبعد الغداء وقعت الأوراق، ودَعت فريقها، وفي اليوم التالي وصلت صناديق أغراضها إلى منزلها. كان كل شيء سريعاً بشكل مؤلم.

وفي مقابلتها التلفزيونية الأخيرة مع برنامج Quotidien، التي عُرضت في 2 أكتوبر 2026، عادت فيارد إلى تلك اللحظة للمرة الأولى، عندما سُئلت عن سبب إقالتها، وردّت ببساطة إنها لم تحصل على تفسير شاف، وإنها حتى اليوم لا تعرف تماماً لماذا حدث ذلك. وأضافت أن هذا تحديداً أحد الأسباب التي دفعتها إلى تأليف الكتاب: «كنت أريد أن أفهم».

الأصعب، كما قالت، لم يكن فقط إنهاء العقد، وبأن الأمر كان سيصبح أقل إيلاماً لو قيل لها ببساطة: «انتهى الأمر، لكن السنوات التي قضيتها معنا كانت جميلة». فهذا بالنسبة إليها، كان سيجعل النهاية أكثر إنسانية.

رفض النسيان

ثم جاء الجرح الأكبر من الذاكرة عندما غادرت الدار، حيث شعرت أن اسمها بدأ يختفي من رواية تاريخ «شانيل». كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد مرحلة انتقالية بين اسمين، أو حسب قولها «مجرد فاصل».

تقول في واحدة من أكثر العبارات حزناً في الكتاب، إنها عندما تنظر اليوم إلى مجموعاتها تتساءل كيف استطاعت أن تكون «قوية إلى هذا الحد وقليلة الحضور في الذاكرة الجماعية بهذا الشكل وكأن مجموعاتها عبرت العالم في صمت»، وكانت هي موجودة «خلف زجاج».


«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
TT

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

لم تتغير صورة المرأة في عرض «كارولينا هيريرا لربيع وصيف 2027»؛ فهي لا تزال مفعمة بالأنوثة والجمال والفخامة. لم يتغير أيضاً مصدر إلهامها: نيويورك، المدينة التي قدمت فيها كارولينا هيريرا أول عرض لها في عام 1981.

تقول الدار في بيانها الصحافي إن المجموعة تعود إلى العالم الذي ابتكرته كارولينا في نيويورك عام 1981، من خلال لوحة ألوان تتباين بين الأسود والأبيض وأحمر هيريرا والأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك، كما تستمدّ بعض تفاصيلها الأخرى، الوحي من بسكويت نيويورك الشهير بلونيه الأسود والأبيض.

الأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك سيحضر بقوة في الموسم المقبل (كارولينا هيريرا)

يستمد هذا العالم أيضاً إلهامه من أيقونات موضة أسهمن في رسم ملامحه، مثل سي. زي. غِست، سيدة مجتمع معروفة في نيويورك، وديانا فريلاند، التي ترأست مجلة «فوغ» الأميركية و«هاربر بازار» سابقاً، ولي رادزويل، الشقيقة الصغرى لجاكلين كينيدي أوناسيس. وفي هذا السياق، يقول غوردون ويس، مصمم الدار الحالي: «أردتُ أن أتخيّل كيف تبدو تلك المرأة الراقية اليوم». ترجم هذه الفكرة في أزياء تغطي احتياجات امرأة لا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

تباينت اقتراحات الدار بين أزياء للنهار وأخرى للمساء والسهرة (كارولينا هيريرا)

فهذه المرأة دائمة الحركة؛ قد تتنزه في بارك أفينيو أو تُلبِي دعوة غذاء، أو تضطر للركض لتستوقف سيّارة أجرة للحاق باجتماع عمل، وبالتالي تحتاج لكل هذه التحركات أزياء مناسبة.

لبَى غوردون ويس هذه الرغبات أو المتطلبات، واقترح مجموعة تنتقل من النهار إلى المساء بانسيابية وفخامة، من خلال سترات ذات قصّات طويلة، وتنانير واسعة وفساتين مستقيمة ومرنة في الوقت نفسه. تعتمد للنهار على أقمشة التويد والبوبلين القطني والغاباردين والدنيم للنهار، وللمساء والسهرة على الشيفون والأورغانزا والدانتيل المعدني وقماش الغزار.

تعود الدار إلى القيم التي رسمت هويّة الدار منذ انطلاقتها في عام 1981 (كارولينا هيريرا)

وبما أن مصمم الدار، غوردن ويس، لا يعترف بالحلول الوسطى، ويعشق الألوان الصارخة والنقشات الواضحة، فإن المجموعة طرحت أزياء كثيرة بنقشات البولكا، إحدى بصمات الدار، بألوان متنوعة طالت الإكسسوارات أيضاً، إلى جانب أخرى متفتحة بالورود والأزهار.

شراكات استثنائية

بورتريه السيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول (كارولينا هيريرا)

وتروي المجموعة حكاية هيريرا مع نيويورك عبر ثلاث شراكات، تستحضر كلّ منها محطّة من تاريخ الدار في المدينة.

في الأولى، تتعاون مع مؤسسة آندي وارهول للفنون البصرية لتقديم بورتريه للسيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول. وتظهر الصورة، التي يُرخَّص استخدامها للمرّة الأولى، على مجموعة مختارة من القطع، من بينها فستان قصير مطرّز وحقيبة «جاكلين». ويستحضر البورتريه الصداقة التي جمعت وارهول بالسيدة هيريرا والعالم الإبداعي الذي جمعهما في نيويورك.

تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية (كارولينا هيريرا)

في الثانية، تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية. وفي إطار هذه الشراكة، يُعيد فستان وقطع منفصلة أخرى مطرّزة، إحياء غلاف العدد الذي وصل إلى أكشاك الصحف في 27 أبريل (نيسان) 1981، وهو اليوم نفسه الذي قدّمت فيه كارولينا هيريرا أوّل عرض أزياء لها في نادي متروبوليتان. رسمت الفنانة لوني سو جونسون الغلاف الأصلي، فيما أعاد مشغل هيريرا تجسيد أفق مانهاتن الظاهر فيه بالتطريز اليدوي.

تطريزات غنية مستوحاة من علاقة الدار بشركة «تافين» للمجوهرات (كارولينا هيريرا)

أمّا الشراكة الثالثة، فتجمع كارولينا هيريرا بدار المجوهرات الراقية Taffin، التي أسّسها «جايمس دي جيفنشي». وتعود الحكاية إلى عنوان جمع الدارَين يوماً: 954 ماديسون أفينيو. فقد كان المبنى يحتضن متجراً لـ«جيفنشي»، ثم افتتحت «تافين» أول صالة عرض لها في طابقه الثالث. وحين استحوذت كارولينا هيريرا على المبنى لاحقاً، بقيت «تافين» فيه لسنوات عدّة، كذلك العلاقة التي تربطهما ببعض.