أين يقف تنظيم «الإخوان» من أزمة المنقوش في ليبيا؟

سياسيون استبعدوا قطع علاقته مع رئيس حكومة «الوحدة»

أصوات مؤيدة لـ«الإخوان» حاولت تحميل المسؤولية الكاملة لاجتماع روما للوزيرة المقالة نجلاء المنقوش (أ.ف.ب)
أصوات مؤيدة لـ«الإخوان» حاولت تحميل المسؤولية الكاملة لاجتماع روما للوزيرة المقالة نجلاء المنقوش (أ.ف.ب)
TT

أين يقف تنظيم «الإخوان» من أزمة المنقوش في ليبيا؟

أصوات مؤيدة لـ«الإخوان» حاولت تحميل المسؤولية الكاملة لاجتماع روما للوزيرة المقالة نجلاء المنقوش (أ.ف.ب)
أصوات مؤيدة لـ«الإخوان» حاولت تحميل المسؤولية الكاملة لاجتماع روما للوزيرة المقالة نجلاء المنقوش (أ.ف.ب)

لا تزال ردود الفعل المنددة والغاضبة تتصاعد في الساحة الليبية، وذلك على خلفية لقاء وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين مع نظيرته بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة نجلاء المنقوش المقالة، في العاصمة الإيطالية، وسط اتهامات رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة بالموافقة الضمنية على انعقاد الاجتماع، في محاولة منه لكسب تأييد الولايات المتحدة الأميركية، بما قد يدعم فرص بقائه في السلطة.

ورغم تسارع صدور بيانات الإدانة في ليبيا، فإن التركيز الأكبر كان على بيانات ومواقف تيارات الإسلام السياسي، المعروفة بقربها من الدبيبة، ودعمها له في أغلب الأوقات، كحزب «العدالة والبناء» بقيادة عماد البناني، والصادق الغرياني مفتي ليبيا المعزول من مجلس النواب.

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (مكتب رئيس الحكومة)

وقال المحلل السياسي الليبي أحمد المهدوي إنه رغم إصدار دار الإفتاء وحزب «العدالة والبناء»، الذي يعدّه البعض الذراع السياسية لتنظيم الإخوان، بيانات رفض واستنكار لاجتماع روما، فإنهما «حاولا تحميل المسؤولية الكاملة للمنقوش، وطالبا الدبيبة بسرعة إقالتها».

ورأى المهدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنهما «فضلا سياسة إمساك العصا من المنتصف؛ حيث تضامنا مع غضب الشارع حتى لا يفقدا مزيداً من شعبيتهما، ودعما محاولة الدبيبة التنصل من أي مسؤولية عن اللقاء، وتقديم المنقوش كبش فداء للشارع، أملاً في تهدئة وامتصاص غضبه، خصوصاً مع تصاعد دعوات تطالب بإسقاط حكومته».

ليبيون يحرقون أعلام إسرائيل في العاصمة طرابلس احتجاجاً على لقاء المنقوش مع وزير الخارجية الإسرائيلي (أ.ب)

ونوه المهدوي بأن هذا التيار «ربما تغاضى عن الاجتماع لمعرفته أنه يستهدف استرضاء واشنطن». إلا أنه استبعد في المقابل إقدام الغرياني، أو حزب «العدالة والبناء»، على أي دعم للدبيبة، خاصة خلال الأيام المقبلة، موضحاً أن «الغضب الشعبي كبير والدبيبة سيواجه منفرداً، ودون دعم أي من حلفائه، سواء لوبي رجال المال والأعمال أو تيار الإسلام السياسي»، متحدثاً عن «وجود تواصل وتفاهمات مستمرة بين التنظيم الدولي لـ(الإخوان)، ودوائر صنع القرار في واشنطن».

واستنكر حزب «العدالة والبناء» اجتماع روما، وطالب الدبيبة حينها بـ«إقالة المنقوش من منصبها لإقدامها على هذا اللقاء المشبوه»، كما دعا الحكومة لتقديم توضيح في وسائل الإعلام الرسمية حيال هذه الخطوة، التي وصفها بأنها «مسيئة لمشاعر جميع الليبيين».

أعمال تخريب وحرق إطارات سيارات خلال احتجاجات سكان طرابلس على اجتماع المنقوش بالمسؤول الإسرائيلي (رويترز)

من جهته، قال المحلل السياسي الليبي عبد الله الكبير إن رد فعل تيار الإسلام السياسي، خصوصاً دار الإفتاء تجاه الاجتماع «جاء متناسباً مع حساسية اللحظة الراهنة التي تمر بها ليبيا». وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لو لم يكن هذا التيار قريباً من الدبيبة لكان سقف مطالبه قد ارتفع، وطالب بإقالة الحكومة، ولكن هم يدركون وجود أهداف من أطراف متعددة في الساحة تعمل على إسقاط حكومة الدبيبة لإيجاد أخرى جديدة، تمدد عبرها المرحلة الانتقالية، وترحيل الانتخابات لأجل غير معلوم».

وتابع الكبير موضحاً: «بالطبع هم لا يريدون تصعيد الموقف بما يصب في صالح القوى التي تسعى لتوظيف الغضب الشعبي على هذا اللقاء لتحقيق أهداف سياسية خاصة بهم... ومن المستبعد لهذا التيار قطع العلاقة مع الدبيية؛ ليس حباً فيه أو تمسكاً به، ولكن بدافع الحرص على عدم تمديد المرحلة الانتقالية».

من جهته، رأى عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب، بيان دار الإفتاء من أقوى البيانات التي نددت باللقاء ورفضته، ورفض أي تقارب مع الكيان الإسرائيلي، مقارنة ببيانات أخرى صدرت عن مؤسسات بالدولة. وتوقع معزب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تؤدي هذه الواقعة «لفقدان حكومة الدبيبة الكثير من أنصارها، بل وقد تؤثر على بقائها أيضاً»، محملاً «الحزب الديمقراطي»، برئاسة محمد صوان، الرئيس السابق لحزب العدالة والبناء، المسؤولية الكاملة عن اجتماع روما للدبيبة، وليس للمنقوش فقط.

المحلل السياسي محمد محفوظ استبعد وجود انتفاضة للتشكيلات المسلحة المتمركزة بالعاصمة ضد الدبيبة (رويترز)

في المقابل، توسّط المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، الآراء السابقة، بالقول إنه من «المبكر الحديث عن إمكانية توقف دعم القوى القريبة من دار الإفتاء، سواء كانت شخصيات وأحزاباً كتيار (يا بلادي) عن دعم الدبيبة من عدمه خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً أن «القضية بالنسبة لهم لا تتعلق ببقاء الدبيبة على رأس السلطة التنفيذية خلال هذه المرحلة الراهنة أو رحيله، لكنهم يركزون بدرجة أكبر على الخريطة السياسية، التي من المفترض أن تمهد لإجراء الانتخابات، وهذه قناعة آخرين غيرهم بالساحة... وإذا وجدوا أن الخريطة التي سيتم التفاوض عليها في الفترة المقبلة لا تتعارض ورؤيتهم للحل، فقد لا يمانعون في وجود بديل للدبيبة».

واستبعد محفوظ ما يردده البعض عن وجود انتفاضة للتشكيلات المسلحة المتمركزة بالعاصمة ضد الدبيبة، بمن فيهم التشكيلات المؤدلجة، قائلاً: «هذه ليست قضيتهم، هؤلاء يبحثون عن مصلحتهم أولاً».


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا العلم البريطاني خارج إحدى محاكم لندن (رويترز-أرشيفية)

محاكمة سمسارَي أسلحة في بريطانيا أبرما صفقات مع ليبيا وجنوب السودان

أبلغ مدعون بريطانيون محكمة في لندن، اليوم الثلاثاء، أن اثنين من سماسرة الأسلحة رتبا صفقات غير قانونية لتزويد ليبيا وجنوب السودان بأسلحة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.