المسار الروماني البديل للسفن الأوكرانية في البحر الأسود

دلتا الدانوب تقدّم بديلاً خالياً من المخاطر نسبياً مقارنة مع أوديسا على البحر الأسود

صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)
صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

المسار الروماني البديل للسفن الأوكرانية في البحر الأسود

صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)
صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)

بعد مرور أكثر من أسبوعين وسط زحام مروري في البحر الأسود حيث تنتظر سفن الشحن دورها للدخول إلى دلتا نهر الدانوب لتحميل الحبوب الأوكرانية، وصل البحارة المصريون في النهاية إلى أرض صلبة نهاية الأسبوع الماضي، وجددوا مخزونهم المتناقص من المياه العذبة والأغذية.

لكن ابتهاجهم بامتلاك ما يكفي من الطعام والشراب اختلط بالانزعاج، إذ إنهم بعد وقفتهم القصيرة لتحميل المؤن في ميناء سولينا الروماني المطل على البحر الأسود، سوف يتوجهون إلى قناة سولينا، أحد فروع نهر الدانوب داخل أراضي حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ثم إلى امتداد من النهر حيث هاجمت روسيا في الأسابيع الأخيرة مرفأين نهريين أوكرانيين.

قال أحد أفراد الطاقم المصري، وهو من الإسكندرية، ولم يذكر سوى اسمه الأول، إسماعيل: «الوضع خطير للغاية هناك الآن، انفجارات في كل مكان».

عندما انسحبت روسيا من اتفاق الشهر الماضي لتوفير ممر آمن للسفن التي تحمل الحبوب في أوديسا وغيرها من الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، بدا أن دلتا الدانوب تقدّم بديلاً خالياً من المخاطر نسبياً، وإن كانت مزدحمة للغاية. لكن روسيا سعت منذ ذلك الوقت إلى نسف هذه الفكرة بقصف مرافق شحن الحبوب الأوكرانية هناك أيضاً. كما تأججت المخاوف بين البحارة يوم الأحد عندما أطلقت سفينة دورية روسية طلقات تحذيرية على سفينة شحن تبحر عبر البحر الأسود، وصعدت القوات الروسية مؤقتاً على متنها، ما يؤكد تهديد موسكو السابق بالتعامل مع أي سفن تحاول الوصول إلى أوكرانيا على أنها معادية.

كانت سفينة الشحن في طريقها إلى سولينا ثم إلى الدلتا في «إيزميل»، أحد ميناءين أوكرانيين على نهر الدانوب هاجمتهما روسيا منذ يوليو (تموز) الماضي. كما عملت أوكرانيا على تضخيم المخاوف بشأن التهديدات الموجهة إلى سفن الشحن بمهاجمة السفن الروسية في البحر الأسود.

سفينة تحمل حبوباً من أوكرانيا وراء سفينة شحن أخرى قرب إسطنبول في نوفمبر 2022 (رويترز)

لكن مع تزايد المخاطر في الممرات المائية في أوكرانيا وما حولها، حافظت قناة سولينا - وهي امتداد يبلغ 40 ميلاً من المياه يمتد من البحر الأسود إلى الموانئ الرومانية والأوكرانية والمولدوفية في دلتا نهر الدانوب - على تدفق الحبوب، لتصبح من الممرات الحيوية. وبفضل مظلة الحماية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي، فهي شريان حياة آمن حتى الآن بالنسبة لأوكرانيا.

كانت هذه القناة معروفة جيداً خارج دوائر الشحن البحري كنقطة جذب لمراقبي الطيور وغيرهم من محبي الطبيعة، لكنها صارت الآن تحظى باهتمام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كنقطة اختناق استراتيجية وحاسمة لتصدير الحبوب الأوكرانية.

بعد اجتماع عُقد يوم الجمعة بين مسؤولين أوروبيين وأميركيين في مدينة غالاتي الساحلية في رومانيا، قال جيمس أوبراين، منسق العقوبات في إدارة بايدن، إن حجم الحبوب الأوكرانية المصدّرة عبر نهر الدانوب «سوف يزيد على الضعف». لم يُحدد إطاراً زمنياً. غير أن المسؤولين ناقشوا إجراءات تهدف ليس فقط إلى إبقاء قناة سولينا مفتوحة، وإنما إلى توسيع دورها كذلك، بما في ذلك تركيب معدات ملاحية جديدة بحيث يمكن للسفن استخدامها على مدار الساعة، وليس فقط خلال ساعات النهار.

قال أوبراين إنه قبل الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا العام الماضي، كانت شحنات الدانوب تحمل 100 ألف طن من الحبوب الأوكرانية شهرياً. وفي الأشهر الـ 18 التي تلت ذلك، زاد هذا الرقم بمقدار عشرة أضعاف، ليصل إلى ما مجموعه أكثر من 20 مليون طن.

يشير المشهد الذي جرى مؤخراً على شاطئ قرب سولينا إلى أن الجهود الروسية الرامية إلى قطع طرق الشحن في دلتا نهر الدانوب - تماماً كما فعلت مع حركة المرور إلى موانئ البحر الأسود في أوكرانيا - قد فشلت في الوقت الراهن. بجانب المصطافين على الشاطئ، تنتظر مجموعة من السفن في البحر للحصول على فرصة لدخول قناة سولينا. وفي يوم الاثنين، كانت أكثر من 80 سفينة قيد الانتظار.

ولتسريع حركة المرور وتخفيف الازدحام، شرعت رومانيا في تجنيد مرشدين بحريين من الجيش يعرفون الطريق ومخاطرها لاستكمال قائمة المرشدين المدنيين الذين يرشدون السفن إلى وجهاتها من سولينا.

قالت ماجدة كوبتشينسكا، كبيرة مسؤولي النقل بالمفوضية الأوروبية، في غالاتي يوم الجمعة إنه يجري النظر أيضاً في إمكانية تصدير الحبوب الأوكرانية عبر الموانئ البولندية وموانئ بحر البلطيق والبحر الأدرياتيكي، ولكن «ثبت أن وصلة الدانوب هي الأكثر كفاءة».

صورة وزعها مركز الاتصالات الاستراتيجية على منصة «إكس» (تويتر سابقاً) لطائرة روسية خلال تفتيش سفينة شحن تركية في البحر الأسود يوم 14 أغسطس الحالي (رويترز)

مع ذلك، يقول سورين غرينديانو، وزير النقل الروماني، إنه لكي تعمل هذه الطريق بكامل طاقتها تحتاج أوكرانيا إلى تقليل اعتمادها على موانئها النهرية والبدء في شحن المزيد من الحبوب من الموانئ الرومانية على نهر الدانوب. واستشهد بميناءي غالاتي وبريلا، القريبين من الحدود الأوكرانية، ولكنهما محميان بعضوية رومانيا في حلف شمال الأطلسي. وقال الوزير غريندانو إن رومانيا «لا تحاول جني المال» من آلام أوكرانيا. لكن بعد أن استثمرت رومانيا بكثافة في البنية الأساسية لميناء الدانوب - أحد التغييرات هو خط سكة حديد في غالاتي يستخدم نفس المسارات واسعة النطاق مثل أوكرانيا - تشعر رومانيا بالحيرة لأن حركة المرور إلى موانئها عن طريق السفن التي تجمع الحبوب الأوكرانية كانت متواضعة للغاية. قال غريندانو في مقابلة في بوخارست: «لقد استثمرنا الكثير من المال في غالاتي. لكنهم لا يستخدمونها. ولا أعرف لماذا لا يستخدمونها».

لقد استثمرنا الكثير من المال في غالاتي. لكنهم لا يستخدمونها. ولا أعرف لماذا لا يستخدمونها

سورين غرينديانو، وزير النقل الروماني

جني محصول الشعير من حقل في منطقة قريبة من العاصمة الأوكرانية كييف يوم 10 أغسطس الحالي (أ.ب)

من جهته، قال وزير البنية التحتية الأوكراني، أوليكسندر كوبراكوف، في حديث أدلى به يوم الجمعة بعد اجتماعه مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين، إن الموانئ الرومانية يمكن أن تشهد «زيادة في كميات» الحبوب من بلاده في المستقبل، لكنه أضاف أن ذلك سيعتمد على المزيد من العمل لتحسين خطوط السكك الحديدية. والانتقال إلى الموانئ الرومانية يعني أن أوكرانيا سوف تخسر رسوم تحميل كبيرة وغير ذلك من العائدات.

مع ازدحام الدخول إلى قناة سولينا، سعت أوكرانيا إلى فتح طريق ثانية إلى الشمال عن طريق تجريف قناة بيستروي، وهو ممر مائي أوكراني متصل بفرع آخر من نهر الدانوب. لكن القناة المجروفة ضحلة للغاية وخطرة للغاية لأنها تمر عبر الأراضي الأوكرانية و«يمكن قصفها في أي لحظة»، على حد تعبير الوزير غريندانو. كما أن استخدامها، من وجهة نظر رومانيا، ينتهك أيضاً اتفاق عام 1948 بشأن إدارة المرور عبر الدلتا وحماية «الحقوق السيادية للدول المطلة على نهر الدانوب». أضاف غريندانو أن الموانئ النهرية الأوكرانية ليست عرضة للهجوم فحسب، وإنما لا تمتلك القدرة على تحميل كميات كبيرة من الحبوب.

كانت موانئ الأنهار في أوكرانيا تلعب بالفعل دوراً متزايد الأهمية حتى قبل أن تصبح مياه البحر الأسود القريبة من أوكرانيا بالغة الخطورة. وفي النصف الأول من العام الحالي، شُحن ما يقرب من 11 مليون طن من المنتجات الزراعية الأوكرانية، وهو ما يقرب من 11.5 مليون طن جرى التعامل معها عام 2022 بالكامل، الأمر الذي جذب الانتباه الروسي.

صورة وزعتها السلطات المحلية الأوكرانية في أوديسا لأضرار لحقت بمركز لتخزين الحبوب نتيجة قصف روسي اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)

قال المؤرخ الروماني قسطنطين أرديليانو إن الجهود المبذولة لإبقاء دلتا الدانوب مفتوحة تعيد مُجريات الدراما التي ظهرت للمرة الأولى بين روسيا والغرب قبل نحو 200 سنة. عندما ضمت الإمبراطورية الروسية الدلتا عام 1829، وأنشأت محطة للحجر الصحي في سولينا، وأغضبت بريطانيا والدول الغربية الأخرى المتعطشة للحبوب المنتجة في الأراضي الزراعية الغنية في المنطقة، وذلك باستحداث الفحوصات الصحية لعرقلة حركة الشحن. انتهى التعطيل بهزيمة روسيا في حرب القرم عام 1856، والتي أرغمتها على التخلي عن السيطرة على الدلتا إلى ائتلاف من البلدان الأوروبية التي شرع مهندسوها بشق قناة سولينا وتقويمها.

تقول سورين نيكولا، المديرة البارزة في هيئة نهر الدانوب السفلى، وهي وكالة حكومية رومانية مسؤولة عن إدارة حركة المرور داخل قناة سولينا وخارجها «إن سولينا أشبه بالطريق السريعة». وعلى النقيض من مياه البحر الأسود على طول الساحل الأوكراني، كانت منطقة البحر قُبالة ساحل رومانيا بالقرب من سولينا آمنة حتى الآن. وتخرج معظم السفن التي تحمل الحبوب على طول نهر الدانوب من قناة سولينا وتسافر إلى «كونستانتا»، أكبر ميناء روماني على البحر الأسود، على بعد 85 ميلاً فقط من الساحل. في كونستانتا، تُنقل شحناتها إلى سفن أكبر، تخرج بعد ذلك من البحر الأسود عبر مضيق البوسفور، ثم تُبحر إلى موانئ بعيدة.

قالت وزارة الدفاع الرومانية في رد مكتوب على أسئلة إن كونستانتا «برزت كطريق رئيسية بديلة للحبوب منذ انسحاب موسكو من صفقة الحبوب في البحر الأسود». وأضافت الوزارة أنه بُغية الحفاظ على سلامتها، فإن قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع - التي يُطلق عليها اسم «عيون السماء» التابعة لحلف شمال الأطلسي، «تنتشر على مدار الساعة فوق رومانيا ومياهها الإقليمية في البحر الأسود» في الوقت الحالي. كما أن الشواطئ المزدحمة بالقرب من الميناء، لا تدل على الذعر في سولينا، حيث هز قصف روسيا جزيرة «سنيك» (جزيرة الثعبان) الأوكرانية، التي لا تبعد سوى 25 ميلاً، نوافذ المنازل في العام الماضي.

قالت إيوانا توميسكو، وهي مديرة متجر على رصيف الميناء يخدم السياح المهتمين بالحياة البرية والنباتية في الدلتا، إن «الناس اعتادوا هنا على الحرب كما اعتادوا على كورونا تماماً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب) p-circle

الكرملين يأمل في أن يواصل ترمب «جهود إحلال السلام» مع كييف بعد الانتخابات

الكرملين يأمل في أن يواصل ترمب «جهود إحلال السلام» مع كييف بعد الانتخابات، وأوكرانيا تهاجم مركزاً للتجارة الإلكترونية، وضرباتها تقطع الكهرباء عن «القرم»

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

بعد الانتخابات النصفية... موسكو تترقب تداعيات «السيناريو الأسوأ»

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف إن بلاده تأمل في أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي»

رائد جبر (موسكو)
أوروبا المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف (د.ب.أ)

الكرملين يأمل أن يواصل ترمب «جهود إحلال السلام» في أوكرانيا بعد الانتخابات

أعرب الكرملين الأربعاء عن أمله في أن يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب جهود الوساطة للتوصل إلى حل للنزاع في أوكرانيا

«الشرق الأوسط» (موسكو)
آسيا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ في مؤتمر صحافي يوم 9 يناير ببكين (د.ب.أ)

الصين: تجنّب استئناف الأعمال العدائية في الشرق الأوسط «أولوية قصوى»

أكدت الصين اليوم الأربعاء أن تجنّب استئناف الأعمال العدائية في الشرق الأوسط يعد «أولوية قصوى» بالنسبة لجهودها الدبلوماسية مع بلدان المنطقة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة أجريت معه الأربعاء، إنه يأمل في أن تؤدي المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة إلى توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

وذكر أنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

وأوضح: «أنا ممتن أيضاً للجمهوريين، لكن الديمقراطيين يتحدثون بمزيد من الوضوح عن دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة لها».

وأضاف: «إنهم يتحدثون عن تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا... ولذلك، هناك أمل في أن يتشكل توازن للقوى وأن نتلقى مزيداً من الدعم».

وقال زيلينسكي إن تلقي المزيد من المساعدات الأميركية ربما يكون له تأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبذل زيلينسكي جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا سيما بعد اجتماع شهد توتراً في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025، عندما اتُهم الرئيس الأوكراني «بعدم الامتنان» تجاه المساعدات الأميركية.

وفي الأسابيع الماضية، اتخذ ترمب عدة خطوات تظهر محاباة لروسيا، بما في ذلك اتفاق لاستيراد الديزل الروسي وتخفيف العقوبات.

لكن من المقرر أن تُستأنف محادثات ثلاثية تقودها الولايات المتحدة مع أوكرانيا وروسيا الأسبوع المقبل، بعد توقف دام عدة أشهر.


أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

عندما فاز دونالد ترمب بولايته الرئاسية الثانية، استقرَّت في الأوساط الأوروبية موجة من القلق الذي كان يتراكم جراء المخاوف التي تولَّدت من إقامته الأولى في البيت الأبيض، ومن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وانتهت بوضع الحليف التقليدي في خانة الخصوم، والوعيد المبطّن بتقويض المشروع الأوروبي.

وعندما ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النصفية فجر الأربعاء، وتأكدت سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، سادت في المؤسسات ومعظم العواصم الأوروبية أجواء من الارتياح الحذر؛ خرج عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يلعب بكل أوراقه في انتخابات عامة مسبقة مصيرية أواخر هذا الشهر، إذ قال: «اقترع المجتمع الأميركي، أمس، ضد السياسات التي تتسبب بالفقر، وضد الحقد والذكورية، وضد إنكار التغيُّر المناخي، وضد مزايا النخب»، ثم أضاف: «هذا ما حصل في البرازيل، والآن في الولايات المتحدة، وقريباً في إسبانيا».

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

لكن العواصم الكبرى في الاتحاد اختارت عدم التعليق مباشرة على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وكذلك فعلت المؤسسات الأوروبية، إدراكاً منها بأن الهزيمة القاسية التي أصابت النهج الترمبي هي رسالة احتجاج شديدة دوافعها محلية بامتياز: ضد غلاء المعيشة المطرد، وطرد مئات الآلاف من المهاجرين وإساءة معاملتهم، وتقليص الخدمات الصحية العامة، والفساد الجامح المتفشي في المحيط العائلي للرئيس، وأن فقدان الأغلبية في الكونغرس لن ينتقص من صلاحياته الواسعة جداً في السياسة الخارجية، لا، بل من المرجح أن يدفعه إلى التركيز عليها أكثر لاستعادة الهيبة التي فقدها داخلياً.

جميع الأوساط الأوروبية التي استمزجتها «الشرق الأوسط» بعد صدور النتائج النهائية للانتخابات النصفية تميل إلى الاعتقاد أن الهزيمة ستحفِّز الرئيس الأميركي على مضاعفة جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفتح الأبواب أمام أسرته وشركائه لمزيد من الصفقات المجزية في روسيا قبل خروجه من البيت الأبيض.

ويخشى الأوروبيون أنه لن يتردَّد في استخدام الوسائل والأدوات التي في متناوله لدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مزيد من التنازلات الاستسلامية، مثل المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تزوِّد بها واشنطن القوات المسلحة الأوكرانية، وخدمة «ستارلينك» الساتلية، والأسلحة التي منذ فترة تبيعها الولايات المتحدة لكييف.

ويستبعد الأوروبيون أن ينجح الكونغرس الأميركي الجديد في دفع ترمب نحو تغيير سياسته من حرب أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق منها بالعقوبات المفروضة على روسيا والتي رفع كثيراً منها مؤخراً، ما لم يخرج من صفوف النواب الجمهوريين العدد الكافي من الرافضين لهذه السياسة، وينضموا إلى الأغلبية الديمقراطية الجديدة التي تعارض التخلي عن أوكرانيا في أحرج مراحل الحرب.

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس صرَّح مؤخراً بأن روسيا خسرت في الشهر الماضي وحده 52 ألف جندي بين قتيل وجريح، وأن هذا «عدد غير قابل للاحتمال».

على الجبهة الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون مزيداً من الصدمات والمفاجآت بعد فصول الضغط الأخيرة التي تعرَّضوا لها لزيادة الإنفاق العسكري والتَّوصُّل إلى اتفاق جديد مع الدنمارك حول غرونلاند.

لكن يخشى البعض، في حال تجدُّد الهجمات ضد إيران، أن يلجأ ترمب إلى التصعيد في وجه الدول التي امتنعت، في السابق، عن فتح مجالها الجوي، أو استخدام قواعدها المشتركة، أمام المقاتلات الحربية الأميركية.

لكن أكثر ما يبعث على الارتياح في الأوساط التي تخشى من عواقب صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة على المشروع الأوروبي، وتماهيها مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي من بينها دعم المقاومة لهذا المشروع، أن دائرة الذين يجنحون نحو الخروج من تحت المظلة الترمبية مرشحة للاتساع في المعسكر اليميني المتطرف، خصوصاً بعد سقوط أوربان في المجر، وبولسونارو في البرازيل، وبعد أن كانت أحزاب يمينية متطرفة وازنة في أوروبا، مثل «التجمع من أجل الجمهورية» في فرنسا، و«إخوان إيطاليا»، قد سلكت هذا الطريق، علماً بأن أحزاباً أخرى مثل «فوكس» الإسباني و «البديل من أجل ألمانيا» ما زالت على ولائها للرئيس الأميركي.

الاشتراكيون الأوروبيون كانوا الأكثر احتفالاً بالنصر الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأميركية، إذ صرَّحت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، إيراتشي غارسي، بقولها: «إنها الموجة الزرقاء، وهي بداية نهاية حروب ترمب، والرسوم الجمركية غير القانونية، والاعتداءات على النظام الديمقراطي». أما الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، فقد اكتفت بتصريح مقتضب جاء فيه: «نتيجة هذه الانتخابات كانت واضحة، والاتحاد الأوروبي جاهز للتعاون مع الكونغرس الجديد، بجناحيه، الديمقراطي والجمهوري».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

العبرة الرئيسية التي يخرج بها المحللون الأوروبيون من هذه الهزيمة المدوية التي مُني بها الجمهوريون وترمب في الانتخابات النصفية الأميركية، هي أن الديمقراطية ما زالت حيّة في الدولة التي احتفلت هذه السنة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، وأن النظام الديمقراطي قادر دائماً على احتواء الشطط التوتاليتاري ومنع تفشيه أو رسوخه. لكن ثمة مَن يحذِّر من أن هذه الهزيمة قد تؤجِّج عند الرئيس الجريح نزعته الانتقامية المتأصلة، وتدفعه نحو مزيد من التصعيد على أكثر من جبهة.


الكرملين يأمل في أن يواصل ترمب «جهود إحلال السلام» مع كييف بعد الانتخابات

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

الكرملين يأمل في أن يواصل ترمب «جهود إحلال السلام» مع كييف بعد الانتخابات

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

أعرب الكرملين، الأربعاء، عن أمله في أن يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب جهود الوساطة للتوصل إلى حل للنزاع في أوكرانيا، وذلك عقب فوز خصومه الديمقراطيين في انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة.

وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف «لا يزال الرئيس ترمب يزاول مهامه، ونأمل بصدق أن يواصل أيضاً جهوده لإحلال السلام»، وذلك بحسب مقطع مصوّر نشره الصحافي الروسي المقرب من الكرملين ألكسندر يوناشيف.

بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)

فيما أبدى وزير ​الخارجية الألماني يوهان فاديفول تفاؤله باستمرار الدعم لأوكرانيا داخل ‌الولايات ‌المتحدة، ​بعد ‌أن ⁠سيطر الديمقراطيون ​على مجلسي الشيوخ ⁠والنواب في الانتخابات.

وقال فاديفول للصحافيين في ⁠برلين: «فيما يتعلق ‌بأوكرانيا، أشعر ببعض ‌التفاؤل ​بأنه ‌سيكون هناك ‌الآن المزيد من المناقشات في الكونغرس، بما في ‌ذلك بين الحزبين، حول ما يمكن ⁠التعاون ⁠فيه لدعم أوكرانيا. أعتقد أنهم كانوا يتحفظون بشأن هذه المسألة منذ فترة طويلة خلال الحملة الانتخابية».

بوتين مستقبلاً مبعوثَي ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين بموسكو يوم 5 سبتمبر (رويترز)

وقبل أسبوع من الموعد المقرر لاستئناف محادثات السلام الثلاثية التي توسطت فيها الولايات المتحدة وتستضيفها أبوظبي، استمرت الاستهدافات المتبادلة للبنى التحتية بين طرفي النزاع. وقال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الاثنين، إن الولايات المتحدة ستجمع وفدين من أوكرانيا وروسيا في ​أبوظبي يومي 10 و11 نوفمبر (​تشرين الثاني) لمناقشة إنهاء الصراع، واتفاقات الأمن بعد الحرب، وتخفيف حدة التوتر.

وقالت السلطات الروسية، الأربعاء، إنها تعمل على إعادة التيار الكهربائي في شبه جزيرة القرم، بعدما أدّت ضربات أوكرانية إلى انقطاعه. وتستهدف أوكرانيا القرم التي ضمّتها موسكو في عام 2014، بانتظام بهجمات جوية تقول كييف إنها تأتي ردّا على الهجوم الروسي على أراضيها.

وقالت وزارة الطاقة الروسية، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن أوكرانيا «شنّت ضربات على منشآت للبنية التحتية للطاقة» خلال الليل، ما أدّى إلى انقطاع الكهرباء عن سكان القرم. وقالت على «تلغرام»: «اعتمدنا جداول لقطع التيار مؤقتاً بهدف معالجة آثار الهجوم في أسرع وقت وإعادة الكهرباء تدريجياً».

وقالت ‌السلطات ​في منطقة ‌بيلغورود ⁠الروسية، ​التي تقع ⁠على الحدود ⁠مع ‌أوكرانيا، ‌الأربعاء، ​إن ‌ثلاثة ‌أشخاص ‌قتلوا في هجمات ⁠بطائرات مسيرة ⁠أوكرانية على المنطقة.

كما أفادت السلطات المحلية بمقتل شخصين على الأقل في هجوم روسي على منطقة زابوريجيا الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا. وقال حاكم منطقة زابوريجيا، ميخايلو سيميكين، في منشور على تطبيق «تلغرام»، صباح الأربعاء، إن روسيا هاجمت بلدة فيلنيانسك مرتين. وأدى الهجوم إلى مقتل امرأة تبلغ من العمر 52 عاماً ورجل يبلغ 63 عاماً، كما أُصيب رجل آخر يبلغ من العمر 59 عاماً. ولم يقدم سيميكين تفاصيل عن طبيعة الهجوم، فيما أفادت تقارير بتضرر عدد من المباني السكنية.

من جهتها، تندّد كييف بالقصف الروسي الذي يستهدف شبكة الطاقة في أوكرانيا ويحرم السكان في أنحاء البلاد من الكهرباء، في وقت تنخفض فيه درجات الحرارة مع اقتراب الشتاء.

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

وتنفي كل من ‌روسيا وأوكرانيا استهداف المدنيين عمداً. وجاء الهجوم بعد يوم واحد من انتهاء وقف ⁠إطلاق ⁠النار الذي استمر ستة أيام بهدف إجلاء المدنيين من بلدة أوليشكي الواقعة في جنوب أوكرانيا وتسيطر عليها القوات الروسية.

وأظهر مرسوم صادر في أوكرانيا، ونشر الأربعاء، أن الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي منح ميلانيا ترمب السيدة الأولى في الولايات المتحدة وسام شرف رسمياً؛ تقديراً لدورها في المساعدة على تنظيم عملية إجلاء مدنيين من إحدى المدن الواقعة ‌على جبهة ‌القتال الأسبوع ​الماضي. وأشار ‌المرسوم، ⁠المؤرخ ​في الثاني ⁠من نوفمبر، إلى «مساهمتها الشخصية الكبيرة» في الدعم الإنساني لأوكرانيا وعملها لمساعدة الأطفال الأوكرانيين، بما شمل مَن تم ترحيلهم أو نقلهم ⁠قسراً من مناطق تحتلها روسيا.

وأفادت وكالة الأنباء الروسية الرسمية «تاس» بأن أوكرانيا هاجمت مجدداً خلال الليل منشأة تابعة لإحدى كبرى شركات البيع بالتجزئة عبر الإنترنت في روسيا. وقالت شركة «أوزون» الروسية العملاقة للتجارة الإلكترونية، الأربعاء، إن أحد مستودعاتها في جنوب البلاد تعرض لهجوم بطائرة مسيّرة.

واستهدفت كييف سلسلة من المواقع اللوجستية في أنحاء روسيا، بما فيها شركة «أوزون» ومنافستها «وايلدبيريز»، وهي أكبر شركة تجزئة عبر الإنترنت في البلاد، والتي تزعم أوكرانيا أنها زودت مكونات للجيش الروسي.

وتُعد «أوزون» ثاني أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في روسيا، وتنتشر نقاط التسلم وخزائن التسليم التابعة لها عبر البلاد. وأفادت الشركة بأن حريقاً اندلع في مستودعها في مدينة أديغيسك في جنوب روسيا، ما استدعى إخلاء الموظفين، مشيرة عبر «تلغرام» إلى أن أحداً لم يصب في الهجوم.

وألحقت ضربات سابقة أضراراً بمركز تابع لشركة «أوزون» في سامارا في جنوب روسيا وبمراكز لوجستية في محج قلعة الواقعة أيضاً في جنوب روسيا، بالإضافة إلى منشأة تابعة للشركة في ضواحي سان بطرسبورغ. وتسببت الهجمات على المستودعات الروسية في تكبيد الجانب الروسي خسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

وأدى تصاعد القتال بين أوكرانيا وروسيا إلى تضاؤل الآمال في تحقيق تقدم في المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة والمقرر عقدها الأسبوع المقبل.

من جانب آخر، اتهمت السلطات الأوكرانية يوليا مندل، المتحدثة الأولى باسم الرئيس زيلينسكي، بالخيانة بعد أن وجهت انتقادات للرئيس.

ويزعم جهاز الأمن والاستخبارات الداخلية في أوكرانيا أن مندل تمارس «أنشطة إعلامية وتخريبية ضد أوكرانيا». وبعد تحليل ظهورها العلني وتصريحاتها، خلص مكتب المدعي العام وجهاز الأمن الأوكراني إلى أن مندل تضر بسمعة بلادها على الساحة الدولية، وتبرر ممارسات «نظام الكرملين» والحرب الروسية ضد أوكرانيا.

وأشار مكتب المدعي العام إلى مقابلة أجرتها مندل مع المعلق الأميركي المحافظ تاكر كارلسون، كأساس للاشتباه فيها. وتم استخدام تصريحات لمندل، مثل «أعتقد أن أوكرانيا على وشك الاختفاء»، و«انظر، بلادي تشهد تراجعاً»، في الدعاية الروسية.

كما فتحت السلطات الأوكرانية، الثلاثاء، تحقيقاً غداة صدامات اندلعت على خلفية تقارير عن احتجاز عسكريين فارّين من الخدمة في منطقة كييف، واتهامات بتعرّضهم للتعذيب. وتجمّع عشرات الأشخاص أمام مبنى في ضواحي كييف إثر تداول معلومات تفيد باحتجاز أشخاص فيه رغماً عنهم وتعرّضهم للعنف. وشهد التجمّع صدامات مع الشرطة.

وأظهرت مقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي شبّاناً يحاولون قلب حافلة للشرطة ويرشقون عناصرها بالبيض، فيما دوّت طلقات تحذيرية. وأظهرت مقاطع أخرى عدداً من الأشخاص يغادرون المبنى باتجاه سيارة إسعاف، بعضهم بوجوه متورّمة أو إصابات ظاهرة، فيما بدا آخرون في حالة صدمة. وندّد رئيس الإدارة الرئاسية كيريلو بودانوف، الذي توجّه إلى المكان ليلاً بـ«أحداث غير مقبولة» تهدف إلى «تقسيم الأوكرانيين»، مؤكداً أنها ما كانت لتحدث «من دون تأثير خارجي»، في إشارة ضمنية إلى روسيا.

وقال المحقّقون في بيان: «بعد تداول معلومات على مواقع التواصل الاجتماعي عن احتجاز عسكريين بصورة يُشتبه أنها غير قانونية (داخل منزل)، تجمّع مواطنون قرب المنزل. وتطوّر الحادث إلى مواجهات أُطلقت خلالها أعيرة نارية وتضرّرت مركبات تابعة للشرطة». وأضافوا أن التحقيق سيركّز على تحديد «ظروف وشروط إقامة العسكريين» في منزل يُستخدم «سكناً مؤقتاً» لهم، والتحقّق ممّا إذا كانوا محتجزين فيه بالفعل رغماً عنهم.

من جهته، أعلن جهاز الأمن الأوكراني «إس بي يو» تحديد هويات «أكثر من مائة شخص» شاركوا في الصدامات، مؤكداً أن المبنى المعني «منشأة تابعة للحرس الوطني».

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وطالب مفوّض حقوق الإنسان دميترو لوبينيتس بكشف «المهام التي كان العسكريون وممثّلو الحرس الوطني» يؤدّونها في المكان، والتحقّق «ممّا إذا كانت أحكام القانون قد روعيت». كما دان «اعتداء مدنيين على عسكريين». ويعكس الحادث التوترات المرتبطة بالتعبئة العسكرية التي تلقى معارضة واسعة في أوكرانيا. وفي يوليو (تموز)، اندلعت صدامات شارك فيها نحو مائتي شخص في لفيف، كبرى مدن غرب أوكرانيا، بعدما جنّد عسكريون شاباً.