يمنيون يواجهون الجوع برهن أمتعتهم ومقتنيات منازلهم

تحذيرات أممية من استمرار تدهور الأمن الغذائي

سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

يمنيون يواجهون الجوع برهن أمتعتهم ومقتنيات منازلهم

سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

أجبر الظرف المعيشي المتدني، ورقعة الجوع والفقر المتسعة، وانقطاع الرواتب، آلافاً من اليمنيين على رهن أمتعتهم الشخصية ومقتنيات منازلهم، لتوفير بعض احتياجاتهم وأسرهم الضرورية؛ خصوصاً بعد تدهور أوضاعهم المعيشية، بفعل انقلاب الحوثيين المستمر للسنة التاسعة.

جاء ذلك بالتزامن مع تأكيدات أممية أن تدهور الأمن الغذائي في اليمن سيستمر خلال أغسطس (آب) الجاري، وللشهر الثالث على التوالي، وأن استراتيجيات الأسر اليمنية للتعامل مع سبل العيش تدهورت بمقدار نقطة مئوية واحدة في يونيو (حزيران) المنصرم، مقارنة بأواخر الشهر السابق له.

ويؤكد «عبد القوي» وهو ضابط سابق في الجيش اليمني، أنه اضطر قبل أيام إلى رهن هويته العسكرية لدى مالك مطعم في صنعاء، مقابل منحه وجبة طعام تعادل قيمتها 5 دولارات، لسد رمقه و5 من أطفاله.

وشكا «عبد القوي» في حديثه مع «الشرق الأوسط»، من التدهور المعيشي الذي أصابه وأطفاله منذ انقطاع راتبه قبل سنوات عدة، وهو الأمر الذي دفعه غير مرة إلى الخروج طلباً للرزق؛ لكن دون جدوى؛ مشيراً إلى أن وضعه المادي كان قبل الحرب ميسوراً؛ حيث كان يتقاضى راتباً شهرياً مع بعض الحوافز يعادل 170 دولاراً، ويكفي لتغطية احتياجاته.

يمنيون في صنعاء يتناولون وجبة «السلتة» الشعبية الشهيرة في أحد المطاعم (رويترز)

ويعد «عبد القوي» واحداً من بين آلاف اليمنيين الذين عجزوا عن توفير الحد الأدنى من القوت الأساسي لذويهم، واضطروا إثر ذلك إلى رهن أمتعتهم الشخصية ومقتنيات منازلهم لدى آخرين، في سبيل مواجهة الضغوط المعيشية.

توسع الظاهرة

ومع تدهور سبل العيش، يؤكد السكان في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين، توسع ظاهرة «الرهونات» بمختلف أشكالها بمناطق متفرقة بصنعاء ومدن أخرى؛ حيث يقوم أشخاص لا يملكون المال بوضع أمتعتهم الشخصية والمنزلية لدى تجار، مقابل حصولهم على سلع أو تقديم بعض الخدمات الأساسية.

واطلعت «الشرق الأوسط» خلال جولة على محال تجارية في صنعاء، على مئات من الرهونات المختلفة، تتبع سكاناً جلهم من الموظفين المدنيين والعسكريين والأمنيين، ممن أجبرهم الوضع البائس على رهن أمتعتهم لأخذ ما يحتاجونه من طعام ومواد استهلاكية، في ظل الحالة الإنسانية المزرية التي وصل إليها اليمنيون، جراء الفقر وانعدام السيولة وانقطاع المرتبات وندرة فرص العمل.

وتتنوع الأمتعة الشخصية التي وضعها مواطنون لدى متاجر، بين: الساعات اليدوية، والنظارات، والبطاقات الشخصية والعائلية، وجوازات السفر، والهواتف الجوالة، والأسلحة النارية، والجنابي (خناجر يمنية).

توقف الرواتب دفع يمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين للعمل باعة متجولين (رويترز)

ويفسر ملاك متاجر في صنعاء هذه الظاهرة بقولهم إن معظم اليمنيين ممن كانوا ميسوري الحال، يضطرون في ظل هذه الأوضاع العصيبة إلى رهن أغراضهم من أجل سد رمق العيش لهم ولأسرهم، مؤكدين وجود آلاف الرهونات لديهم ولدى غيرهم من الباعة الآخرين، تتبع أشخاصاً ممن أجبرتهم شدة الفاقة على رهنها، ومر على بعضها فترات طويلة ولم يأتِ أصحابها لاسترجاعها.

ونظراً لازدياد أعداد الأشخاص الذين يصلون إلى التجار لرهن أمتعتهم الشخصية ومقتنيات منازلهم، يقول بعض التجار في حديثهم مع «الشرق الأوسط»، إنهم وصلوا إلى مرحلة لم يعودوا فيها قادرين على استقبال أي رهونات؛ سواء من موظفين أو من غيرهم؛ خصوصاً بعد أن تعرضوا غير مرة لعجز مادي وصعوبة في توفير البضائع لمحالهم.

ويكشف مالك كافتيريا في صنعاء عن شرائه صندوقاً خاصاً بهدف وضع رهونات الناس، من وثائق وهويات وغيرها، بداخله لحفظها من الضياع والتلف، حتى يأتي الوقت الذي يتمكن فيه أصحابها من قضاء ما عليهم من ديون واسترجاعها.

ويلجأ مالك الكافتيريا في أغلب الحالات -حسب قوله- إلى قبول الرهونات من أشخاص ولو على حساب تراجع دخله اليومي، نظراً لكونهم قدموا إليه بعد تصاعد حدة معاناتهم وأسرهم.

ويقول إن أغلب الرهونات لديه تعود لموظفين حكوميين وعمال بالأجر اليومي، وهم من الفئات الأشد عوزاً ممن اضطروا نتيجة الوضع البائس إلى رهنها على مراحل، مقابل منحهم وجبات من الطعام.

رهن بغرض العلاج

في سياق ظاهرة رهن الوثائق والمقتنيات، يتحدث «أبو عبد الله»، من جهته -وهو موظف بدائرة حكومية في صنعاء- عن لجوئه قبل أسبوع إلى رهن وثيقة ملكية منزله الكائن بمنطقة الخمسين جنوب غربي صنعاء، لدى مستشفى خاص، ليتمكن نجله من تلقي العلاج بعد تعرضه لحادث مروري أدى لكسر في قدمه اليمنى.

ويؤكد «أبو عبد الله» في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن السبب الذي جعله يرهن وثيقة المنزل الذي ورثه مع إخوانه عن والدهم، هو تدني الحالة المعيشية التي زاد من حدتها استمرار انقطاع الراتب.

في غضون ذلك، أفادت مصادر طبية في صنعاء، «الشرق الأوسط»، بأن أغلب المشافي الخاصة والحكومية في العاصمة صنعاء ترفض تقديم أي خدمات علاجية، بما فيها تلك الطارئة، للمرضى الذين يصلون إليها وهم بحالة عجز تام عن الدفع نقداً.

صبي يمني يحمل مساعدات من منظمة خيرية للنازحين في ضواحي مدينة مأرب (أ.ف.ب)

وطبقاً للمصادر، فإن كثيراً من تلك الحالات المرضية تفقد حياتها وهي تتنقل من مستشفى لآخر، لغرض الحصول بشكل سريع على الرعاية الطبية، نتيجة عجزها في تلك اللحظات عن دفع المال.

وكانت الأمم المتحدة قد أكدت أن تدهور الأمن الغذائي في اليمن سيستمر خلال أغسطس الجاري، وللشهر الثالث على التوالي.

ووفق تقرير حديث لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) فإنه كان هناك تدهور نسبي في حالة الأمن الغذائي في اليمن خلال يونيو الماضي، مقارنة بشهر مايو (أيار).

ولفت التقرير إلى أن المسح المجرى للأمان الغذائي في يونيو، كشف عن أن 38 في المائة من الأسر التي شملها المسح تعاني من مستوى الأزمة وما فوقها في تصنيف انعدام الأمان الغذائي؛ موضحاً أن هذه الأسر تعاني من نقص كبير في استهلاك الطعام وسوء التغذية، مع بيانه أن 34 في المائة من الأسر اليمنية تعاني من مستوى جوع شديد.


مقالات ذات صلة

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تحليل إخباري تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)

الحوثيون ينكِّلون بسكان ريف تعز ويحتجزونهم دروعاً بشرية

الحوثيون يحاصرون سكان قرى غرب تعز، ويمنعونهم من النزوح، وسط اعتقالات ومداهمات واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، ونزوح مئات الأسر إلى مناطق أكثر أمناً.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي قوات الجيش اليمني تخوض معارك ضارية ضد الحوثيين في محاور غرب تعز (إعلام عسكري)

الجيش اليمني يوسِّع المعارك... من الجوف شرقاً إلى الساحل غرباً

وسَّع الجيش اليمني عملياته ضد الحوثيين من الجوف إلى الساحل الغربي، مع تقدم في تعز، وغارات جوية استهدفت مواقع للجماعة في البيضاء والضالع ومأرب.

«الشرق الأوسط» (عدن)
خاص الدكتور الحسن طاهر محافظ الحديدة (تسجيل مرئي متداول)

خاص محافظ الحديدة لـ«الشرق الأوسط»: قواتنا تتقدم وعازمون على تحرير كامل الساحل الغربي

كشف الدكتور الحسن طاهر، محافظ الحديدة، عن تقدم القوات الحكومية اليمنية في جميع المحاور العسكرية، خصوصاً محوري الساحل الغربي وتعز.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)

الجيش اليمني يطارد الحوثيين جنوب شرقي الحديدة

دخل التصعيد البري الذي بدأته الجماعة الحوثية في الساحل الغربي اليمني وتعز يومه الرابع، أمس، مع انتقال القوات الحكومية من احتواء الهجوم إلى ملاحقة عناصر الجماعة.

«الشرق الأوسط» (عدن)

العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
TT

العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)

يستهدف العراق الاستفادة من التجربة المصرية في مجال معالجة وإعادة استخدامات المياه؛ إذ بحث وفد فني عراقي نظم وتطبيقات الري الحديث المطبقة في مصر.

وأكد وزير الري المصري هاني سويلم، الاثنين، حرص بلاده على «إتاحة خبراتها وتجاربها للأشقاء في العراق، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه العراقي»، مضيفاً حسب إفادة لوزارة الري المصرية، أن «تبادل الخبرات يمثل أحد محاور التعاون المهمة مع بغداد».

وزار وفد فني رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية مصر، وضم ثمانية من كبار الخبراء والمهندسين العراقيين. ووفق بيان «الري المصرية»، تأتي الزيارة لـ«تعزيز التعاون الفني وتبادل الخبرات بين القاهرة وبغداد، والتعرف على التجربة المصرية في إدارة الموارد المائية والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال».

الوفد العراقي يضم ثمانية من كبار الخبراء والمهندسين (وزارة الري المصرية)

وتمتلك مصر خبرات عديدة في نظم الري الحديث، وإعادة استخدامات المياه، وفق خبراء مياه مصريين، أشاروا أيضاً إلى أن «العراق يواجه تحديات عديدة في مجال المياه خلال السنوات الأخيرة، تتعلق بعجز مائي وإشكاليات تتعلق بصعوبات في خدمات الصرف الزراعي».

وخلال الزيارة عرض مسؤولون في وزارة الري المصرية للوفد العراقي نظم وتطبيقات الري الحديث، ومشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها.

وحسب البيان المصري، زار الوفد العراقي متحف الري بالعاصمة الجديدة، والمركز القومي لبحوث المياه في القناطر الخيرية، ومحطة الدلتا الجديدة لمعالجة مياه الصرف الزراعي، ومنظومة المراقبة المركزية للتعرف على أحدث النظم المستخدمة في متابعة وتشغيل منظومات المياه.

وشدد وزير الري المصري على أن «تبادل الخبرات أحد المحاور المهمة لتعزيز التعاون» بين بلاده والعراق، وأشار إلى حرص بلاده على «إتاحة خبراتها وتجاربها الناجحة للأشقاء العرب والأفارقة، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجارب والحلول الناجحة في تطوير منظومات إدارة الموارد المائية».

وفد فني عراقي يتفقد نظم الري المصرية (وزارة الري المصرية)

ونقل البيان عن الجانب العراقي «إشادته بما حققته الدولة المصرية من نجاح كبير في مجال معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وخاصة من خلال محطات المعالجة الكبرى (الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة)»، وأكد «الرغبة في الاستفادة من هذه التجربة المصرية الناجحة ونقل الخبرات والتطبيقات المناسبة منها إلى العراق».

ويرى خبير المياه المصري ضياء القوصي أن «الخبرات المصرية يمكنها أن تساعد في مواجهة تحديات المياه التي يواجهها العراق خلال السنوات الأخيرة»، وأشار إلى أن «الجانب العراقي يبحث عن حلول لتحلية المياه وإعادة استخدامها، واستصلاح الأراضي الصحراوية في ظل إشكاليات العجز المائي».

وأوضح القوصي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر لديها خبرات في إدارة الموارد المائية، والصرف الزراعي، وإعادة استخدامات المياه»، إلى جانب «تجربة تحلية المياه واستخدامها في الزراعة»، وقال إن «الجانب العراقي في حاجة إلى أنظمة ومعدات الري الحديث إلى جانب الدعم الفني في مجال المياه، وكلها جوانب يمكن أن توفرها الخبرات المصرية».

وزار الوفد العراقي إحدى المزارع النموذجية التي تعتمد على الري الحديث، حسب «الري المصرية».

وتتشابه التحديات المائية لدى العراق مع مصر، من حيث العجز في الموارد المائية، مع وجود خلافات على منابع نهرَي دجلة والفرات، بسبب مشروعات تركية على النهرين، وفق أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي، الذي قال إن «الحكومة العراقية تريد التعرف على التجربة المصرية في التعامل مع هذه التحديات».

وأوضح شراقي أن «هناك تعاوناً قائماً بين القاهرة وبغداد في مجال المياه»، وأشار إلى أن «مصر حققت نقلات في جوانب الإدارة الذكية للمياه، ومعالجة مياه الصرف الزراعي، وتحلية مياه البحر، واستخدامها في الزراعة»، وقال إن «هذه التجارب يمكن تصديرها للجانب العراقي».


البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
TT

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

​في قلب الخريطة اليمنية، وبعيداً عن جبهات مأرب وتعز والساحل الغربي التي استحوذت طوال سنوات على الاهتمام العسكري والسياسي، تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

وتشير دراسة استراتيجية أعدَّها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» إلى أن أهمية البيضاء لا تنبع من ثقل اقتصادي ولا سكاني استثنائي، وإنما من موقعها الذي يجعلها «عقدة وصل عملياتية واجتماعية» بين مناطق شمال اليمن وشرقه وجنوبه.

العميد الركن ياسر صالح، المحلل العسكري والاستراتيجي، يرى أن الأهمية الكبرى لمحافظة البيضاء تكمن في أنها تحولت إلى منصة لاستهداف الملاحة الدولية في خليج عدن والبحر العربي.

وقال صالح في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «نحو 90 في المائة من الهجمات الحوثية باتجاه البحر العربي كانت من البيضاء، مستغلة الطبيعة الجغرافية، وبالتالي استماتة (الحرس الثوري) الإيراني على تحصين هذه المحافظة لاستمرار تهديد الملاحة الدولية في البحر العربي وخليج عدن».

وتجاور البيضاء محافظات مأرب وشبوة وأبين ولحج والضالع وإب وذمار وصنعاء، وهو وضع جغرافي نادر يجعل السيطرة عليها قادرة على التأثير في شبكة واسعة من الجبهات وخطوط الإمداد والمناورة.

ومع ارتفاع منسوب التوتر العسكري أخيراً، وعودة الحديث عن جاهزية الجبهات الحكومية لأي تصعيد محتمل، تطرح الدراسة سؤالاً يتجاوز حدود المحافظة: هل يمكن أن تصبح البيضاء إحدى ساحات الاختبار الرئيسية لأي انتقال من حالة الاستنزاف الراهنة إلى مواجهة أوسع مع الحوثيين؟

«عقدة وصل» بين 8 محافظات

حسب دراسة «مركز عناوين»، لا ينبغي النظر إلى البيضاء بوصفها مساحة جغرافية واحدة مركزها مدينة البيضاء، وإنما شبكة من المرتفعات والأودية والعقبات والطرق التي تتجه نحو محاور مختلفة.

فشمال المحافظة وشمالها الغربي يرتبطان برداع وقيفة وصولاً إلى ذمار وصنعاء، بينما يتصل شمالها الشرقي بردمان وناطع ونعمان، وصولاً إلى جنوب مأرب وبيحان في شبوة.

ومن الجنوب، يمتد محور مكيراس وعقبة ثرة باتجاه لودر في أبين، بينما يتصل جنوبها الغربي بالزاهر ويافع ولحج والضالع.

هذه الجغرافيا -وفق الدراسة- تمنح البيضاء قيمة تفوق وزنها الاقتصادي؛ إذ تستطيع القوة المسيطرة عليها تحريك الضغط العسكري بين جبهات عدة، أو منع خصومها من استخدام تلك المسارات.

ماذا تعني خسارتها للحوثيين؟

من منظور الحوثيين، توفر البيضاء عمقاً دفاعياً يحمي المداخل الجنوبية باتجاه ذمار وصنعاء، كما تسمح بنقل القوات والمعدات، والمناورة بين جبهات مأرب وشبوة والضالع وإب.

ويشير «مركز عناوين» إلى أن السيطرة على المرتفعات في ناطع ونعمان والزاهر ومكيراس تمنح الحوثيين أيضاً قدرة على الضغط على الوديان والمناطق المنخفضة المجاورة.

قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري خلال زيارة حديثة لمحور تعز العسكري (القوات المسلحة)

ولذلك ترجح الدراسة ألا يتعامل الحوثيون مع أي تهديد جدي للبيضاء بوصفه معركة محلية؛ بل قد يلجأون إلى دفاع متعدد الطبقات، مع إمكانية فتح جبهات أخرى لتشتيت خصومهم ومنعهم من تركيز قوتهم في محور واحد.

بدوره، يعتقد العميد ياسر صالح أن أي عمليات عسكرية في البيضاء من شأنها «ليس فقط تشتيت الضغط على جبهات الجماعة الحوثية؛ بل تستطيع أن تعزل المحافظات الوسطى في البلاد بالسيطرة عليها والتقدم إلى محافظة ذمار، وقد تُسقط كل ما تبقى من أيدي الجماعة في محافظة الضالع، ومحافظتي تعز وإب، دون الحاجة لعمليات عسكرية واسعة؛ لأن ذلك يقطع خطوط الإمداد تماماً»، على حد تعبيره.

وأضاف: «كذلك تؤمن المحافظات الشرقية والجنوبية والجنوبية الشرقية لمحافظة البيضاء ومأرب، إلى جانب فتح الطرق وخطوط الإمداد باتجاه شبوة وحضرموت».

ويمكن لاستعادة البيضاء -حسب الدراسة- أن تمنح القوات الحكومية مجموعة من المكاسب المتزامنة، من بينها تأمين بيحان وشمال أبين وأجزاء من الضالع، وإبعاد جزء من الضغط عن جنوب مأرب، وتهديد خطوط الحوثيين باتجاه ذمار وإب.

والأهم أن فتح جبهة فاعلة في البيضاء قد يجبر الحوثيين على توزيع قواتهم على نطاق أوسع، بدلاً من حشدها في جبهة رئيسية واحدة.

لكن الدراسة تحذِّر من أن وجود قوات متعددة بقيادات متوازية، أو ضعف التنسيق والإمداد والاستخبارات المحلية، يمكن أن يعيد إنتاج إخفاقات مراحل سابقة، عندما حققت القوات المناهضة للحوثيين تقدماً في أطراف المحافظة، من دون القدرة على تحويله إلى مكسب استراتيجي دائم.

نجاح أي عملية في البيضاء

وتخلص الدراسة إلى أن نجاح أي عملية محتملة في البيضاء لن يقاس بعدد المديريات التي يمكن السيطرة عليها، وإنما بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض، وتأمين خطوط الإمداد، وإيجاد قيادة عمليات موحدة، وبناء تفاهمات مع القوى المحلية، ثم إدارة المناطق وتوفير الخدمات بعد انتهاء المعارك.

تؤكد الدراسة أن نجاح أي عملية في البيضاء تقاس بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض وتأمين خطوط الإمداد وإيجاد قيادة عمليات موحدة (القوات المسلحة اليمنية)

وبذلك، قد لا تكون البيضاء «المفتاح السحري» لإنهاء الحرب، ولكنها تبقى إحدى أكثر قطع الخريطة اليمنية قدرة على تغيير اتجاهها.

وتصفها الدراسة بأنها «عقدة وصل وميزان»؛ السيطرة عليها لا تحسم الحرب وحدها، ولكنها يمكن أن تعيد توزيع الضغط على 8 محافظات، وتفرض على أطراف الصراع حسابات عسكرية مختلفة تماماً.


الحوثيون ينكِّلون بسكان ريف تعز ويحتجزونهم دروعاً بشرية

آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينكِّلون بسكان ريف تعز ويحتجزونهم دروعاً بشرية

آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)

​واصلت الجماعة الحوثية حملات الاعتقال والاستجواب بحق سكان قرى في مديرية مقبنة غرب محافظة تعز اليمنية، بالتزامن مع منع من تبقى من السكان في مديريات مقبنة وجبل حبشي والمعافر من مغادرة مناطقهم، واستخدام بعضهم دروعاً بشرية، بينما لا تزال مئات الأسر النازحة تفترش العراء بعد فرارها من مناطق المواجهات.

وقالت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات تلقت شكاوى من سكان وصلوا إلى مناطق سيطرة الحكومة، أفادوا بتعرض مدنيين لعمليات انتقامية على خلفية مساندتهم الحكومة المعترف بها دولياً، أو نتيجة وشايات من خصومهم، إلى جانب نهب منازل وممتلكات من قبل عناصر حوثية، بينهم أشخاص على خلافات سابقة مع بعض السكان والتحقوا بالتشكيلات المسلحة للجماعة.

مداهمات واعتقالات حوثية غرب تعز دفعت العائلات إلى الهروب من قراها (إعلام حكومي)

وأضافت المصادر أن الحوثيين استحدثوا نقاط تفتيش عند مداخل عدد من القرى والتجمعات السكانية، بحجة البحث عن منتسبين للقوات الحكومية، ويمنعون السكان من العبور ما لم يبرزوا وثائق إثبات شخصية، وهي وثائق لا يحرص كثير من سكان الأرياف على حملها؛ خصوصاً كبار السن والمزارعين الذين نادراً ما يغادرون مناطقهم.

تفتيش وملاحقة

وحسب المصادر، شملت أساليب التضييق على المدنيين الذين حاولوا مغادرة القرى تفتيش هواتفهم المحمولة، واعتقال من يعثر عناصر الجماعة في هاتفه على رسائل أو مقاطع مصورة مؤيدة للحكومة، في حين جرى تكليف عناصر نسائية بتفتيش النساء الفارات من مناطق المواجهات.

وفي مديريتي جبل حبشي والمعافر، قال ناشطون لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين لم يكتفوا بتشريد آلاف السكان من القرى التي اقتحموها وتحويلها إلى مواقع عسكرية؛ بل أبقوا على من تبقى من المدنيين واستخدموهم دروعاً بشرية، بالتزامن مع بدء القوات الحكومية عملية عسكرية مشتركة، لتطهير المواقع التي تمركزت فيها الجماعة.

القرويون في غرب تعز جمعوا ما استطاعوا حمله للفرار من بطش الحوثيين (إعلام حكومي)

وقال ناشطون وعاملون في القطاع الإنساني، إن الحوثيين المتمركزين في قرى الطوير وشبيه بمديرية مقبنة، والرحبة والأشروح والهفار والجنان والعذير والنويهة في جبل حبشي، والحصب والكدحة والعفيرة في المعافر، فرضوا حصاراً على السكان ومنعوهم من الحركة أو فتح ممرات إنسانية.

وأضافوا أن الجماعة منعت كذلك التعامل بالطبعة الجديدة من العملة الوطنية المتداولة في مناطق سيطرة الحكومة، في وقت بدأت فيه المؤن والمواد الغذائية بالنفاد من المتاجر المحلية.

مئات الأسر بلا مأوى

ووجهت السلطة المحلية في مديرية مقبنة نداءً عاجلاً لمساعدة النازحين قسراً من المديرية، محذرة من أوضاع إنسانية بالغة القسوة نتيجة موجة النزوح الجماعي التي طالت قرى وعزلاً بأكملها، إثر تصاعد الممارسات التعسفية والاعتقالات، ما أجبر مئات الأسر على الفرار بأطفالها وترك منازلها وممتلكاتها.

وقالت السلطة المحلية إن النازحين يعيشون حالة من الضياع والشتات بعد فقدان المأوى والأمان، وإن معظمهم توجهوا إلى مدينة تعز ومناطق البيرين والنشمة وجبل حبشي، إضافة إلى قرى وأماكن آمنة داخل نطاق المديرية.

وحذَّرت من فاجعة إنسانية وصحية وشيكة، في ظل بلوغ قدرة الأسر المستضيفة على استقبال النازحين أقصى حدودها، مشيرة إلى أن بعض المنازل تستضيف ما يصل إلى 6 أسر نازحة، الأمر الذي يضاعف الأعباء المعيشية والنفسية على الأسر المستضيفة والنازحة في ظل نقص الاحتياجات الأساسية.

امرأة يمنية تحمل أمتعتها غرب تعز خلال هروبها من بطش الحوثيين (أ.ف.ب)

وطالبت السلطة المحلية بالتدخل العاجل لتغطية تكاليف النقل والنزوح الطارئة، وتأمين الإيجارات والمستلزمات الأساسية ومواد الإيواء، بما يحد من التكدس داخل منازل الأسر المستضيفة، ويحفظ للنازحين الحد الأدنى من ظروف العيش الكريم.

وفي مديرية المعافر، عقدت القوى السياسية والشخصيات الاجتماعية اجتماعاً دعت إليه قيادة السلطة المحلية، لمناقشة التطورات الميدانية عقب تسلل الحوثيين إلى بعض مناطق المديرية. وأقر الاجتماع مساندة السلطة المحلية، وحشد الجهود لمواجهة ما وصفه بـ«الغزو»، إلى جانب دعوة السكان إلى دعم الجبهات وتعزيز صمود القوات الحكومية.

ومع ازدياد أعداد النازحين ومحدودية أماكن الإيواء، أقر الاجتماع توفير الإمكانات اللازمة لاستيعاب الأسر التي فرت من مناطقها بعد اقتحام الحوثيين لها، وتحويلها إلى مواقع عسكرية تستخدم لاستهداف القوات الحكومية.

مسعى لدعم أممي

في سياق التحركات الرامية إلى التعامل مع تداعيات التصعيد، بحث محافظ تعز نبيل شمسان، مع الممثل والمنسق المقيم للشؤون الإنسانية في اليمن لوران باكيرا، الأوضاع الإنسانية الناجمة عن التصعيد الحوثي في مديريات مقبنة وجبل حبشي والمخا، وما أسفر عنه من نزوح مئات السكان وتضرر الأسر والمجتمعات المحلية.

وذكر الإعلام الرسمي أنه خلال لقاء عبر الاتصال المرئي، استعرض شمسان التطورات الميدانية والإنسانية؛ مشيراً إلى تضرر أعيان مدنية ومنشآت خدمية، بينها أحياء سكنية في مدينة تعز وكلية الطب، إلى جانب مناطق وأحياء مدنية في مدينة المخا، الأمر الذي أدى -وفق السلطة المحلية- إلى زيادة الاحتياجات الإنسانية، والضغط على الخدمات الأساسية والمجتمعات المستضيفة.

صورة تُظهر يمنياً نازحاً داخلياً بسبب تصعيد الحوثيين في غرب تعز (أ.ف.ب)

وطالب المحافظ باستجابة عاجلة ومنسَّقة من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لتوفير الاحتياجات الأساسية للنازحين والمتضررين؛ خصوصاً في مجالات الإيواء والغذاء والمياه والصحة والحماية، إلى جانب مساندة الأسر والمجتمعات التي تستضيف النازحين.

وناقش الجانبان مقترح تشكيل فريق مشترك بين السلطة المحلية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لتنسيق إيصال المساعدات وتحديد الأولويات وحشد التمويل والموارد اللازمة للاستجابة للأزمة.

من جهته، شدد باكيرا -وفق المصادر الرسمية- على ضرورة تسريع وصول المساعدات إلى النازحين والمتضررين، وتعزيز التنسيق بين الجهات المحلية والأممية والمنظمات الإنسانية، بما يتناسب مع حجم الاحتياجات الناجمة عن التصعيد والنزوح.

وقدَّمت السلطة المحلية عرضاً أولياً حول أعداد الأسر النازحة والمناطق المتضررة، مؤكدة أنها تعمل على استكمال حصر الأضرار والاحتياجات، وإعداد تقرير متكامل لمشاركته مع الأمم المتحدة والجهات المانحة، بهدف توجيه التدخلات وفق الأولويات الفعلية.