نهر الفرات... متنفس السوريين من ضغوط الحياة ولهيب الحر

TT

نهر الفرات... متنفس السوريين من ضغوط الحياة ولهيب الحر

زحمة على ضفة الفرات (الشرق الأوسط)
زحمة على ضفة الفرات (الشرق الأوسط)

يقصد سكان مدينة الرقة شمالي سوريا ضفتي نهر الفرات لتبريد أجسامهم والترفيه عن أنفسهم وممارسة هواية صيد الأسماك وتدريباتهم الرياضية، وسط ارتفاع درجات الحرارة لأكثر من 40 درجة مئوية وانقطاع التيار الكهربائي، ليعود هذا النهر بعد سنوات من سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي مقصداً للكثير من الزوار والباحثين عن متنفس يخلصهم من درجات الحرارة غير المسبوقة هذا العام، مع توقف العمليات القتالية وعودة الحياة إلى طبيعتها.

تقول ساجدة ذات الـ45 عاماً التي كانت جالسة بجانب زوجها على ضفة النهر يحتسيان الشاي المغلي على أعواد الحطب، إن الفرات بالنسبة لعائلتهما ولكثير من أبناء المدينة شيء عظيم.

جسر الرقة القديم (الشرق الأوسط)

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «الفرات هو كل شيء، إذا ما في فرات ما في حياة، نأتي يومياً إلى هنا بالصيف للاستمتاع بقضاء وقت مريح بجانب مياه النهر». وأضافت أن الكهرباء تبقى مقطوعة طوال ساعات النهار مع ارتفاع درجات الحرارة لمعدلات قياسية، وأكدت أنها «عندما يأتي الصيف أتعقد من التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة، لذلك نأتي يومياً لقضاء فسحة من الوقت بجانب برودة هذه المياه».

فوق جسر الرقة القديم الذي يوصل شمالي المدينة بجنوبها، يتسلّق فتية وشبان السلالم للصعود إلى أعلى نقطة مرتفعة ثم يلقون بأنفسهم إلى النهر للتمتع برياضة السباحة، وتحت الجسر يلتقط الزائرون صوراً تذكارية قرب مياه النهر، بينما تكتظ ضفاف الفرات الرملية بالرواد والزائرين من داخل المدينة وخارجها.

وقرر عبد الجليل القادم من بلدة الحزيمة التابعة لريف الرقة اصطحاب ضيوفه القادمين من مدينة حلب شمالي سوريا، بجولة على نهر الفرات وإعداد الطعام بعيداً عن ازدحام المدينة ودرجاتها المرتفعة. وقال: «الفرات معلم سياحي لمدينة الرقة، نأتي لقضاء وقت ممتع هنا حتى ترتاح نفسيتنا من ضغوط الحياة ولهيب شدة الحر». ولم يخف هذا الشاب فرحته بعودة الحياة لمدينته بعد سنوات من الحروب الدائرة في مسقط رأسه والمناطق المحيطة، وأشار إلى أن الجسر القديم تعرض للدمار خلال سنوات سيطرة «داعش» وبعد ترميمه بجهود «الإدارة الذاتية» ومنظمات إنسانية: «عندما عاد الجسر للعمل شعرنا أن الحياة عادت للرقة، وعند مشاهدة الناس وهم يتنقلون بين ضفتيه تغيرت الحياة 180 درجة نحو الأفضل».

نزهة نهرية عصراً (الشرق الأوسط)

ولطالما حظي الريفيون وسكان القرى المجاورة لضفاف هذا النهر بسقاية زراعتهم والتمتع بالصيد الوفير من الأسماك النهرية. وشدد الصياد محمود (55 سنة) على أن نهر الفرات «لا نبدله بكل دول العالم ومدنه الحديثة وأنهاره وبحيراته، نقضي أوقاتا هنا للتنفس والاستمتاع ببرودة مياهه لأنها مريحة نفسياً وجسدياً». وعلى الرغم من تدهور الأوضاع المعيشية وتدهور الليرة السورية أمام الدولار بعدما سجلت 14 ألفاً، «يبقى الفرات كريماً على صياديه، فمنذ كان عمري 17 عاماً وأنا صياد هاو لأكلنا اليومي»، على حد تعبيره.

وعلى ضفاف النهر، ينفث شبان دخان نارجيلتهم وتفترش عائلات رمال النهر واضعة أطعمة وفواكه وعصائر، ويلهو أطفال قربها بالسباحة واللعب بالمياه الباردة بينما تصدح أصوات الموسيقى في الأرجاء من فرقة موسيقية متنقلة، ويعقد الزائرون مجموعات من الدبكات المحلية على أصوات أغانٍ شعبية متداولة بين أهالي الرقة.

وفي الطرف الثاني من النهر، تنافس فتيان على القفز من أعلى صخرة إلى المياه للسباحة، ويذكر سليمان البالغ من العمر 22 عاماً كيف يعيش بالقرب من نهر الفرات أباً عن جد، حيث تمتلك عائلته أرضاً زراعية بالقرب من ضفافه. وقال: «نقصد الفرات أنا وأصدقائي للتسلية والشعور بالبرود وأعود أحياناً لمنزلنا بعد منتصف الليل، فلا كهرباء عندنا لذلك أبقى هنا حتى نتنفس ونستريح من ضغوط الحياة». وفي كل صيف تتكرر معاناة هذا الشاب كحال غالبية المناطق السورية حيث يصل انقطاع التيار الكهرباء اليومي إلى أكثر من 12 ساعة، وترافق هذا العام مع ارتفاع درجات الحرارة متجاوزة 40 درجة، ليضيف: «لولا نهر الفرات لكنا متنا من لهيب حرارة الصيف، وجوده نعمة كبيرة في حياتنا».

ومن مدينة منبج الواقعة أقصى شرقي محافظة حلب، قصد عماد برفقة زوجته وأطفاله النهر في رحلة استغرقت أكثر من 3 ساعات بالسيارة، تجاوباً مع رغبة العائلة في تمضية ساعات غروب الشمس والليل على سرير نهر الفرات. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتينا من منبج إلى النهر للسباحة والترفيه وتمضية ساعات الليل هنا، نشكر الله لهذه السعادة ورؤية الناس بالعودة لحياتهم الطبيعة».


مقالات ذات صلة

سويسرا: عملية الطعن في محطة القطارات «هجوم إرهابي»

أوروبا ركاب يمرون بسيارة شرطة متوقفة أمام محطة القطار المركزية حيث قام رجل بإصابة ثلاثة أشخاص بسلاح أبيض في وينترتور بالقرب من زيوريخ يوم 28 مايو 2026 (أ.ف.ب)

سويسرا: عملية الطعن في محطة القطارات «هجوم إرهابي»

وصفت السلطات السويسرية عملية الطعن التي أسفرت عن إصابة ثلاثة أشخاص، الخميس، في محطة قطارات وينترتور بالقرب من زيوريخ بأنها «هجوم إرهابي».

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
العالم امرأتان وطفلة من عوائل «داعش» بعد وصولهن إلى مطار ملبورن من سوريا (أ.ب)

أستراليا توجه اتهامات بالإرهاب لامرأة على صلة بتنظيم «داعش»

تصل إلى السجن 10 سنوات العقوبةُ القصوى لتهمتَي «الانتماء إلى جماعة إرهابية» و«دخول منطقة نزاع محظورة»...

«الشرق الأوسط» (سيدني)
العالم امرأة وطفل مرتبطان بتنظيم «داعش» لدى وصولهما إلى مطار ملبورن في أستراليا (أ.ب)

أستراليا توجِّه اتهامات بالإرهاب لامرأة على صلة بتنظيم «داعش»

وجَّهت الشرطة الأسترالية، اليوم (الخميس)، اتهامات إلى امرأة يُشتبه بارتباطها بتنظيم «داعش»، تشمل الانتماء إلى جماعة إرهابية، والدخول إلى منطقة نزاع معروفة.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)
أوروبا شموع وزهور موضوعة في موقع الحادث الذي أودى بحياة فتى يبلغ من العمر 14 عاماً وأسفر عن إصابة آخرين بجروح في هجوم طعن في مدينة فيلاخ النمساوية يوم 16 فبراير 2025 (رويترز)

النمسا تحكم على «داعشي» بالسجن مدى الحياة لارتكابه هجوم طعن

قضت محكمة نمساوية، الأربعاء، على لاجئ سوري كردي عمره 24 عاماً بالسجن مدى الحياة لارتكابه هجوماً بسكين ​أسفر عن مقتل شخص في مدينة جنوبية العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
العالم طائرة تابعة للخطوط الجوية القطرية تقل نساءً وأطفالاً أستراليِّين عائدِين من مخيمات اللاجئين بسوريا حيث يقيمون منذ زوال تنظيم «داعش» تصل إلى مطار ملبورن (أ.ف.ب)

وصول طائرة تقل أستراليين مرتبطين بتنظيم «داعش» إلى وطنهم

هبطت في مدينة ملبورن، اليوم (الثلاثاء)، طائرة ركاب تقل مجموعة من النساء والأطفال الأستراليِّين المرتبطين بتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (ملبورن )

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

أعلن ​الاتحاد الأوروبي، اليوم (الجمعة)، فرض عقوبات إضافية على حركتي ‌«حماس» ​و«الجهاد ‌الإسلامي» ⁠في ​فلسطين.

وجاء في بيان للاتحاد: «قرّر ⁠الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق إجراءاته التقييدية ⁠المتعلقة بـ(حماس) ‌وحركة (الجهاد ‌الإسلامي) ​في ‌فلسطين ‌لتشمل أيضاً أعضاء المكتب السياسي لـ(حماس)، الذين ‌يروجون لأعمال العنف ويدافعون عنها ⁠ويبررونها».

ويأتي ⁠هذا الإجراء بعد يوم من فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على بعض ​المستوطنين ​الإسرائيليين.


إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)

أحبطت إسرائيل مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان، الذي انطلق في واشنطن الجمعة، بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مشارف الأراضي اللبنانية المحتلة، توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان، وعبور قواته نهر الليطاني، فيما قال رئيس الأركان إيال زمير إن «الخط الأصفر لا يقيّدنا»، وإن جيشه سيعمل «في كل مكان نرصد فيه تهديداً».

وبالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة الجمعة، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله عرض للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة. وأكد الرئيس عون، خلال الاتصال، ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.

وقالت الرئاسة اللبنانية إن الوزير روبيو «جدّد التزام الإدارة الأميركية بالاستمرار في مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، كما دعمها استقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقّه الطبيعي والكامل في تقرير مصيره».

نتنياهو

وفيما كانت الجلسة تُعقد في واشنطن، بمطلب لبناني حاسم بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو خلال زيارة للفرقة 36 على الحدود الشمالية إن «القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها ضد (حزب الله) في جنوب لبنان والبقاع ومحيط بيروت»، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي «يعمل دون توقف على مختلف الجبهات».

وأضاف أن القوات الإسرائيلية «عبرت نهر الليطاني وتجاوزته»، مشيراً إلى أن الجيش يواصل تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله» ضمن ما وصفه بمنع التهديدات التي تستهدف المستوطنات الشمالية.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير خلال زيارته جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

تخطي الخط الأصفر

بالموازاة، قام رئيس الأركان، الجنرال إيال زمير، بزيارة إلى الفرقة 210، حيث أجرى تقييماً للوضع من موقع رصد في المواقع المتقدمة في هار دوف (مزارع شبعا المحتلة) داخل الأراضي اللبنانية، المطلة على وادي عيون وعلى السلاسل الجبلية المسيطرة شمالاً وغرباً في جنوب لبنان، وذلك إلى جانب القادة في الميدان. كما شاهد تشغيل النيران من قبل القوات الإسرائيلية في الميدان، حسبما قال الجيش الإسرائيلي، في بيان.

وقال زمير: «هناك ضربات تراكمية وغير مسبوقة ضد (حزب الله)، من آلاف المخربين حتى قادة كبار وطبقات قيادية متوسطة. لا يوجد مكان يشكل حصناً لـ(حزب الله)، ولا يوجد مكان يتمتع فيه بالحصانة». وتابع: «الخط الأصفر لا يقيّدنا، في كل مكان نرصد فيه تهديداً وفي كل مكان نحتاج فيه إلى إزالة تهديد، سنعمل، وفي كل مكان توجد فيه حاجة عملياتية للمناورة، سنناور. كل ضربة لـ(حزب الله) هي أيضاً ضربة للمحور الإيراني والاستثمار الإيراني في المنطقة. نحن مستعدون لأي تطور، ونحافظ على جاهزية عالية أيضاً في مواجهة إيران».

وقال زمير إن «هدفنا واضح، تعميق ضرب (حزب الله)، وإبعاد التهديد، وتعزيز الدفاع عن بلدات الشمال. هذا هو الهدف المركزي الذي يوجّه كل عمل وكل قرار. حتى في هذه اللحظات قواتنا تتقدم وتعمل. كل إنجاز إضافي على الأرض يعزز أمن السكان ويساهم في خلق ظروف أفضل لترتيبات أمنية مستقبلية محسّنة من موقع قوة».

وإذ أعلن عن قتل 7500 مقاتل في «حزب الله»، بينهم 2500 منذ بدء الحرب الحالية، قال إن «تهديد الطائرات المسيّرة هو تحدٍ، لكننا سننتصر عليه. ساحة المعركة ليست نظيفة، ولن تكون كذلك، لكننا نستثمر فيها أفضل الموارد والعقول والقدرات في جيش الدفاع»، لافتاً الى «حلول عملياتية وتكنولوجية في مراحل التطوير والتطبيق، وسنواصل إدخالها إلى ساحة المعركة بسرعة».

قلق بريطاني

ويثير التصعيد الإسرائيلي قلقاً دولياً. وقال السفير البريطاني لدى لبنان هاميش كول: «نحن قلقون جداً إزاء الوضع في جنوب لبنان»، لافتاً إلى مقتل مدنيين، بينهم مسعفون، وهدم القرى والبنى التحتية المدنية والمخاطر التي تهدد مواقع التراث الثقافي ذات الأهمية العالمية.

وقال، في تصريح: «هناك حاجة ماسة إلى خفض التصعيد، كما على الأطراف جميعهم احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالقانون الدولي الإنساني».

وتابع: «تُشكل المحادثات بقيادة الولايات المتحدة فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق تفاوضي، وهو السبيل الوحيد الذي يُمكّن المجتمعات على جانبي الحدود من العودة بثقة إلى العيش بسلام. وستعمل المملكة المتحدة مع شركائها على دعم إنهاء هذا الصراع غير المرغوب فيه وغير الضروري بشكل دائم».

تداعيات إنسانية

ومع توسع الحرب، رفع منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، عمران ريزا، مستوى التحذير من التداعيات الإنسانية للتصعيد، معتبراً أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر للأعمال العدائية وأوامر التهجير.

وقال ريزا إن أوامر الإخلاء الواسعة وغير الواضحة في صور والنبطية ومناطق جنوب الزهراني تسببت بحالة واسعة من الذعر والمعاناة، وأجبرت أعداداً كبيرة من العائلات على النزوح مجدداً بحثاً عن الأمان.

وأشار إلى أن القطاع الصحي يتعرض لضغوط غير مسبوقة، موضحاً أن 182 هجوماً استهدفت مرافق وعاملين صحيين منذ الثاني من مارس (آذار)، وأسفرت عن مقتل 125 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 311 آخرين.

وأضاف أن مراكز الإيواء بلغت طاقتها القصوى، فيما لا تزال المدارس تُستخدم لاستضافة النازحين، ما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم.

صورة مركبة لغارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بالتوازي مع التحذيرات الإنسانية، حذّر وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة من المخاطر التي تهدد مواقع أثرية أساسية في لبنان نتيجة الغارات الإسرائيلية.

ودعا سلامة منظمة «اليونيسكو» إلى تعيين مفوض خاص، وإرسال لجنة تحقيق لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، فور التوصل إلى هدنة، مشيراً إلى أن لبنان وضع إشارات الحماية الدولية الخاصة بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، إلا أن القصف استمر رغم ذلك.


مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
TT

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بإطلاق يده لتصعيد أكبر في لبنان، خرج البروفسور إيال زيسر، الذي يعدّ اليوم عميد أحزاب اليمين، بموقف سياسي علني ضده؛ يشير فيه إلى أن العمليات الحربية في لبنان باتت خطأ استراتيجياً يلحق أضراراً جسيمة في المصالح الإسرائيلية، ويظهر إخفاقاً شديداً في إدارة الحرب.

وقال زيسر، في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية، إن هذه العمليات التي تستهدف بالأساس البيئة الشيعية في لبنان، لن تعود بأي نتيجة إيجابية لإسرائيل، مثلها كمثل المساس بالمواطنين في قطاع غزة؛ فلا هذه أثرت على قيادة «حماس»، ولا تلك أثرت على قيادة «حزب الله». كلاهما عمق الشعور بأنهما ضحية. وهي تؤدي إلى التفاف جماهيري حول «حزب الله» يسهم في إنقاذه من السقوط، بعدما تلقى ضربات قاسية، وتعدّ أيضاً نجاحاً للحزب في جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف غبية لاصطياد جنودها. ويكلف احتلال الأراضي اللبنانية إسرائيل ثمناً باهظاً؛ فقْدها جنودها وأخْذها إلى أماكن بعيدة عن مصالحه.

انتقادات في الجبهة الإيرانية

انتقد زيسر الأداءين الأميركي والإسرائيلي في الجبهة الإيرانية أيضاً، لأنه لم يأخذ في الحسبان مفاهيم وعقائد النظام هناك؛ فقد وضعا هدفاً هو إسقاط النظام، وما دامت الحرب ستنتهي من دون إسقاطه، فإنه سيظهر لشعبه أنه صمد. وهذا الصمود بحد ذاته خطير لأنه يعيد للنظام ثقته بنفسه، رغم كل ما تعرض له من تصفيات وتدمير.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه جاء مناقضاً بشكل صدامي مع قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تتهم الحكومة بتقييد أيديها ومنعها من إكمال مهامها، وتطالب بمنحها فرصة القصف الجارف في بيروت، وعدم اقتصار العمليات على الاغتيالات. وينطلق الجيش في هذا الموقف من ردود الفعل التي تتسم بالنقد الحاد في الشارع الإسرائيلي، حيث يُتهم بالفشل في توفير الأمن لسكان الشمال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نادي مارالاغو ببالم بيتش فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

التزام برؤية ترمب

يزعج هذا الموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنه يعارض التصعيد الأكبر؛ ليس بإرادته بل نتيجة لالتزامه بإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو يقول إن هذا الرئيس، الأفضل لإسرائيل، الذي أثبت أنه يدعمها أكثر من أي رئيس قبله، ويحتاجه نتنياهو لدعمه شخصياً في معركة البقاء التي يخوضها حتى على صعيد معركته القضائية في محاكمة الفساد.

ويدل خروج البروفسور زيسر بهذا الموقف الحاد ضد خطط الجيش، على أن نتنياهو بدأ يمهد لوقف الحرب؛ ليس لأنه يريد وقفها، فهو أكثر من يريد استمرار الحرب؛ لكنه مقتنع بأن الإدارة الأميركية حسمت أمرها لوقف الحرب، على الأقل في هذه المرحلة، عشية افتتاح المونديال والاحتفالات المقبلة في يوليو (تموز) لمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة. وهو لا يريد إحراج الرئيس ترمب، الذي يتعرض لحملة في الشارع الأميركي تتهمه بأنه يندفع لهذه الحرب بتأثير نتنياهو، ويفكر في الالتزام بما يريده الرئيس الآن، و«يثق في أن غرور القيادة الإيرانية سيجعلها تخرب أي اتفاق يتم التوصل إليه، وعندها تنفجر الحرب من جديد بسببها، وليس بسبب إسرائيل».

وفي هذه الأثناء، عاد نتنياهو إلى «عقيدة الشك» ليتهم الجيش والدولة العميقة بالتآمر عليه ومحاولة إسقاطه في الانتخابات القريبة، التي ستجري في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويرى أنه في هذا الوقت يجب التركيز على الإنجازات التي تحققت في الحرب على كل الجبهات، وليس التورط في مزيد من العمليات الحربية. وراح يستخدم تعابير يستخدمها اليسار الراديكالي في العادة؛ مثل «توسع الحرب يورط إسرائيل في حرب استنزاف»، و«لا يحقق أهداف الحرب». ويتحدث عن ضرورة وجود نفس طويل في إسرائيل، فالمعركة طويلة ولا تحسم بضربة واحدة، وغير ذلك من المواقف غير المألوفة بقاموس نتنياهو.