بحر من الإبداع ميَّز السينما قبل خمسين سنة

تجارب رائعة... مدارس رائدة وأفلام لا تشيخ

كلينت إيستوود في «ماغنوم فورس» (وورنر)
كلينت إيستوود في «ماغنوم فورس» (وورنر)
TT

بحر من الإبداع ميَّز السينما قبل خمسين سنة

كلينت إيستوود في «ماغنوم فورس» (وورنر)
كلينت إيستوود في «ماغنوم فورس» (وورنر)

ظهر المخرج الراحل فرنسوا تروفو (1932-1984) في 21 فيلماً بينها خمسة فقط مثّل فيها فعلياً دوراً ناطقاً. معظم الأفلام الأخرى كانت ظهوراً بلا اسم في البطاقة الفنية (Uncredited). اثنان من الأفلام الخمسة كانا الأشهر: «لقاءات قريبة من النوع الثالث» لستيفن سبيلبرغ (1977) و«ليلة أميركية»، الذي حققه تروفو نفسه (1973).

هذا الثاني كان أحد أبرع ما أنجزته السينما الفرنسية وربما أفضلها ولن تجد قائمة حول أفضل أفلام ذلك العام الذي يقف على بعد خمسين سنة من اليوم، تخلو من ذكره.

سينما عن سينما

«ليلة أميركية» (أو Day for Night كما سُمّي أيضاً) فيلم جميل عن السينما. عن مخرج (تروفو) يبدأ تصوير فيلمه الجديد ومن حوله فريقه من الممثلين والفنيين ومشاكلهم. يسبر تروفو غور كل حالة بما فيها حالته هو كسينمائي يحاول (في ذلك الفيلم) حل المشكلات المتوالدة من دون أن يتأخر عن جدول العمل المحدد بسبعة أسابيع. بعض تلك المشكلات تعود لممثلين يتصرّفون كأطفال (جان - بيير ليون)، بعضهم خرج من انهيار عصبي (جاكلين بيست)، أحدهم لديه مشكلة إخفاء مثليّته (جان-بيير أومون)، إحدى الممثلات (ألكسندرا ستيوارت) تصل إلى مكان التصوير حبلى في شهرها الثالث واضعة المخرج تحت الأمر الواقع، وهناك سواهم.

يغزل المخرج تروفو طريقه في الفيلمين معاً (ذاك الذي يخرجه لنا والآخر الذي في داخله) بالنسبة إليه السينما أهم من الحياة. كل هؤلاء المحيطين به وكل مشاكلهم وسوء تصرفات بعضهم ليست أهم مما يريد هو تنفيذه.

فيلليني وموسيليني في «أماركورد» (F C Productions)

في العام نفسه وفي المحيط ذاته، إنما على بعد ملحوظ في الوقت ذاته، قدّم الإيطالي الفذ فديريكو فيلليني رائعته «أتذكر» (Amarcord). ليس عن صنع فيلم، بل عن الذكريات التي تصنع الفيلم. عن أحلام الفتية الصغار على تعددها. عن الحب والعائلة والمدينة وفصول الحياة والبحر. لا شيء يشبه هذا الفيلم حتى بالنسبة لأفلام فيلليني الأخرى، التي بدورها امتلأت بالذكريات أو بالملاحظات أو بطرق أبواب التاريخ والفن.

نفي فيلليني في أحاديثه أن الفيلم هو سيرة ذاتية، مكتفياً بالقول إن ثمة مواقف معينة قد تكون وقعت معه. على ذلك، لا يمكن تجاهل تلك العلاقة الكبيرة بين الفيلم وذات الفنان وعلى مستوى راقٍ وبديع من مستويات التعبير.

وبينما كان فيلليني يصوّر فيلمه هذا في بلدة مولده (ريميني) وفي الفناء الخامس في استوديوهات شينيشيتا، (روما) كان البريطاني نيكولاس روغ حط في مدينة فوندامنتا سان سيفيرو، في فينيسيا، مع الممثلة البريطانية جولي كريستي والأميركي (أصل كندي) دونالد سذرلاند مقتبساً حكاية لُغزية من المؤلّفة دافني دو موريير عنوانها «لا تنظر الآن» Don‪’t Look Now.

جولي كريستي في «لا تنظر الآن» (كايسي برودكشنز)

تشويق تقع أحداثه بين فناءات المباني التاريخية والأزقّة المائية حول رجل وزوجته يقابلان امرأة تدّعي أنها تستطيع التواصل مع روح ابن الزوجة. هي تصدّق وزوجها يعاني، وسريعاً ما يدلف الفيلم لإشباع نهم المشاهد من الأحداث. معالجة المخرج للقصّة تتضمن تصوير فينيسيا على نحو غير رومانسي (كما فعل بول شرايدر سنة 1990 في فيلمه الجيد «راحة الغرباء» The Comfort of Strangers).

أسماء لامعة

في ذلك العام، وفي الولايات المتحدة كان مارتن شين وسيسي سبايسك يتحوّلان من عاشقين يريدان السعادة إلى قاتلين يسعيان لحماية تلك السعادة التي تحوّلت إلى فخ محكم في فيلم ترنس مالك الأول «بادلاندز».

إليوت غولد كان تحرياً خاصّاً يحقق في حادثتين معاً تبدوان منفصلتين في اقتباس حر من أعمال الكاتب البوليسي رايموند تشاندلر. في الوقت ذاته كان آل باتشينو يؤدي دور التحري الحقيقي فرانك سربيكو في فيلم سيدني لومِت Serpico.

كان «سربيكو» أحد فيلمين ظهرا لباتشينو في ذلك العام. الآخر كان «فزاعة» (Scarecrow) للمخرج الجيد النائي بنفسه عن العالم جيري تشاتزبيرغ (عمره الآن 96 سنة). «فزّاعة» كان دراما اجتماعية عن لقاء بين رجلين، شاب (باتشينو) وآخر أكبر سناً وأكثر خبرة (جين هاكمن). كلاهما بعيد في عالمه عن الآخر لكن الصداقة تربطهما حتى عندما يدخلان إصلاحية. في محيطهما الاجتماعي فراغ كبير لن يعرفا كيف يملآنه.

روبرت ردفورد وكلينت إيستوود كانا أكبر نجمين آنذاك. والمفارقة أنهما لم يلتقيا لا في السياسة ولا في السينما.

ردفورد (86 سنة حالياً) كان يساري التوجه يؤمن بأميركا للجميع لكنه في «كيف كنا» (The Way We Were) لعب دوراً مناوئاً أمام باربرا سترايسند. هو شخص محافظ سياسياً وهي متحررة وضعف الفيلم كمن في أنه لكي ينجز فكرته المؤيدة لها، كان عليه أن يفتعل لشخصية ردفورد مواقف غير مقنعة. هذا لم يكن من بين أفضل أعمال المخرج سيدني بولاك.

روبرت ردفورد في «كيف كنا» (The Way We Were) (آي إم دي بي)

فيلم ثانٍ لردفورد في العام ذاته كان «اللدغة» (The Sting)، ثاني فيلم يتقاسم بطولته مع بول نيومن. المخرج هو جورج روي هِل الذي كان أخرج لهما «بوتش كاسيدي وصندانس كِد» سنة 1969. في كليهما (وقبل سنة في «هوت روك» لبيتر ياتس) لعب ردفورد دور اللص الظريف. لم لا ولديه شعبية تلائم وسامته؟

كلينت إيستوود مسألة أخرى

فيلماه في ذلك العام كانا «ماغنوم فورس» للمخرج تد بوست و«شريد السهول العالية» (High Plains Drifter). هذا كان «وسترن» من إخراجه. بعضه مسحوب، إلى حد، من فيلم جورج ستيفنز Shane قبل 20 سنة. هنا يصل هذا «الشريد» إلى بلدة صغيرة يحاول سكانها التنقيب عن الذهب لكن أحد كبار البلدة القريبة يستأجر قتلة لترويعهم. فيلم جيد لا يجب أن يفوت هاوي أفلام الوسترن.

أما «ماغنوم فورس» فهو ثاني أفلام سلسلة إيستوود المعروفة بـ«ديرتي هاري». هنا ينقلب على جماعة من رجال البوليس الذين سمحوا لأنفسهم بقتل المواطنين حين يطلق القانون سراحهم لعدم توفر الأدلة. كان هذا الفيلم نوعاً من الرد على من اتهم إيستوود بالتعصب اليميني عندما مثّل، تحت إدارة دون سيغل، الحلقة الأولى من هذا المسلسل تحت عنوان Dirty Harry سنة 1971.

وقفات أخيرة

باتشينو وردفورد وإيستوود كانوا في عز الشباب ومن جيل متقارب تلوا ممثلين قدامى سطعوا نجوماً في الخمسينات والستينات. وفي السبعينات كانوا في غمار «الوقفة الأخيرة» قبل الغروب.

أحد هؤلاء هو روبرت ميتشوم الذي كلما كبر في السن ازداد إثارة للإعجاب. في عام 1973 أعاد النقاد اكتشاف جوهره في «أصدقاء إيدي كويل» لبيتر ياتس: رجل ذو سوابق يجد نفسه مطحوناً بين عصابة وبين رجل أمن يريده أن يعمل مخبراً لديه. أحد أفضل الأفلام البوليسية في ذلك العقد.

لي مارفن، أحد كبار ممثلي الفترة السابقة للسبعينات، ظهر تحت إدارة روبرت ألدريتش في 1973 أيضاً، الفيلم المنسي «إمبراطور القطب الشمالي» (Emperor of North Pole): تحد قوّة بينه وبين الممثل أرنست بورغنين فوق قطار. بينما وجد جيمس كوبرن ضالته في أفضل فيلم وسترن للعام وهو «بات غارِت وبيلي ذَ كِد» لسام بكنباه.

إلى الجوار هناك اثنان قررا الانتقال من الكوميديا إلى الدراما. ليس للمرّة الأولى، لكن من بعد عشرات الأفلام التي كادت تحاصرهما في أدوار خفيفة. ممثلان لعبا بعض تلك الأدوار الكوميدية معاً هما وولتر ماثاو وجاك ليمون.

تحت إدارة الخبير دون سيغل لعب ماثاو دور البطولة في «تشارلي فاريك»، لص سطا وصديق له على مصرف. المصرف يغسل أموال عصابة. العصابة ترسل في أثره قاتلاً محترفاً (جو دون بايكر) في حبكة تستحق المشاهدة مراراً.

جاك ليمون أدّى دوراً ممتازاً في «انقذ النمر» (Save the Tiger) (آي إم دي بي)

جاك ليمون أدّى دوراً ممتازاً في «انقذ النمر» (Save the Tiger) لجون ج. أفيلدسن: صاحب شركة تقترب من الإفلاس يفكر في حرقها لكي يحصل على التأمين.

جون دون بايكر كان ممثلاً ناشئاً ومجسّداً لشخصياته جيداً. في ذلك العام ظهر أيضاً في فيلمين آخرين «السير بفخر» (Walking Tall) لفل كارلسن لاعباً شخصية شريف يعمد إلى العصا في مواجهة العصابة و«المنظّمة» (The Outfit) مؤدياً شخصية أحد لصّين صديقين يسرقان من المنظمّة. فيلم رائع لجون فلِن. اللص الآخر كان روبرت دوفال، الذي كانت لديه ثلاثة أفلام في ذلك العام (ومباشرة بعد «العرّاب») «المنظّمة» كان أهمّها.

أرقام وتواريخ

* تربع The Exorcist على قمّة الإيرادات العالمية لسنة 1973 بـ441 مليون دولار

* انتقل بروس لي من النجاح الإقليمي إلى النجاح العالمي عبر فيلم Enter the Dragon لروبرت كلاوز

* توفي بروس لي قبيل بدء عرض الفيلم في صيف 1973

* من بين أهم أفلام الرعب لعام 1973:

1- «مسرح الدم» (Theatre of Blood) لدوغلاس هيكوكس.

2- «لا تنظر الآن» (Don‪’t Look Now) لنيكولاس روغ

3- «ذَ ويكر مان» (The Wicker Man) لروبن هاردي.

 


مقالات ذات صلة

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)

«الفراشة»... رحلة لتتبع ميراث الأم تعيد اكتشاف معنى الحياة

في فيلمها الروائي الطويل الثاني «الفراشة» تواصل المخرجة النرويجية إيتونجي سويمر غوتورمسن تفكيك العلاقات الإنسانية من الداخل، بوصفها مساحات مشوشة من المشاعر.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أجرى الأطباء تدخلات طارئة للمصابين (الشركة المنتجة)

«أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة

يرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» American Doctor الحرب على غزة من داخل واحدة من أكثر مساحاتها هشاشة وخطورة، وهي المستشفيات.

أحمد عدلي (القاهرة)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.