محمود درويش... لِمَ لم تُطِل وقتَ زينتك؟

محمود درويش... لِمَ لم تُطِل وقتَ زينتك؟
TT

محمود درويش... لِمَ لم تُطِل وقتَ زينتك؟

محمود درويش... لِمَ لم تُطِل وقتَ زينتك؟

محمود درويش ظاهرة شعرية فريدة لا يمكن تفسير مسالكها وسُبُلها ببساطة. ومحمود درويش هو أبهى ما أعطت فلسطين من شعراء، وهو، فوق ذلك، شوط خاص في سلسلة طويلة من الشعراء الألمعيين من عيار عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وإبراهيم طوقان وسميح القاسم وهارون هاشم رشيد وراشد حسين وتوفيق زيّاد وحنا أبو حنا ومعين بسيسو وعز الدين المناصرة وغيرهم. واللافت أن الفلسطينيين لم يُجمعوا، طوال تاريخهم المعاصر، على أي أمر أو شأن أو فكرة أو زعيم مثلما أجمعوا على محمود درويش؛ فقد شغفوا به وافتنّوا بشعره فتوّجوه ملكاً على ذائقتهم ووضعوا في كفيه «أحد عشر كوكباً». وهكذا تحوّل محمود درويش قديساً للفلسطينيين، فقدّم لهم الأمل، وأنبأهم أن في إمكانهم أن ينتصروا على المنفى، وأن هناك ما يستحق الحياة على هذه الأرض. فأعاد ترميم جروحهم، وقال لهم إنكم لستم «عابرين في كلام عابر».

محمود درويش شاعر فلسطيني بالمعنى الجغرافي، أي بهوية المكان والولادة. لكنه شاعر القلق، والحائر والباحث عن يقين بالمعنى الوجودي. شعره يخاطب الكوني لا اليومي، ولا سيما حين غادر مرحلة البدايات العاصفة، وذهب إلى الوجود، ومعنى الوجود والموت والاغتراب. وفي هذا الترحل تمكَّن محمود درويش من تحويل قضية فلسطين من قضية سياسية مباشرة إلى مصاف القضايا الإنسانية الكبرى، وحوّل أغاني اللجوء ومواويل المنفى إلى ملحمة مدهشة للعودة المؤجلة. وفي هذه المكابدة صار شعره تحدياً إبداعياً لجميع الشعراء الذين عاصروه أو الذين جاءوا بعده.

ما سِرّه إذن؟

سِرّه أنه صنع في هذا الخلاء العربي أملاً، وزرع في هذا السديم منارة، وأبدع في هذا العماء وعوداً خلابة، فصارت قصائده شراعنا ومنائرنا وتاريخنا المكلوم وحاضرنا الراعب. ومع ذلك لم يكتشف كثير من الفلسطينيين أن نبياً للتيه كان بينهم ولم يعرفوه.

الشعر الصافي وتجارب الزمنقصائده مُشبعة بجماليات الإيقاع، وما انفك في جميع مراحله باحثاً عن أفق جديد لقصيدته، فلم يكن ليطمئن قط إلى أي إنجاز شعري له، لذلك كان كل ديوان جديد يمثل ذروة جديدة في مسيرته الشعرية المتواصلة. وفي غمار تلك المسيرة كانت متناقضاته الشعرية تحمل التوتر إليه في سعيه إلى الاكتشاف، وظهر ذلك في نزوعه الميتافيزيقي إلى التأمل خصوصاً بعد اختبار الموت. وكم حيّرته رحلة المتصوف الكامنة فيه مع اندفاعه الأيروسي، فأضرمت حرائقه الابداعية، واضطرم هو نفسه في ثنائيات متعاكسة كالحب والموت، الوطن والمنفى، الألم والابتسام، الجمال والكآبة، التيه والأمل، المدائن والمنافي، الحيرة واليقين، الحياة واللانهاية. تلك هي العناصر التي أشعلت في شعره عالماً من الألحان الكونية، وباتت قصائده مثل ضوع البخور الهندي في معبد منعزل عند أقاصي الأرض، أو مثل شميم المسك الجاوي في احتفال وثني في العراء.

تجربته الشعرية تمتد على أربع مراحل إذا نظرنا إليها في مسارها الزمني: ما قبل الخروج من فلسطين في سنة 1970، وفيها كتب: «عصافير بلا أجنحة»، «أوراق الزيتون»، «عاشق من فلسطين»، «آخر الليل»، «يوميات جرح فلسطيني»، «حبيبتي تنهض من نومها»، «العصافير تموت في الجليل»، «كتابة على ضوء بندقية». ثم ما قبل الخروج من بيروت في سنة 1982 وفيها كتب: «أحبك أو لا أحبك»، «محاولة رقم 7»، «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق»، «أحمد الزعتر»، «دورة الحزن واكتمال الجرح»، «أعراس»، «حصار لمدائن البحر»، «الكتاب الشجر الليل»، «مأساة النرجس ملهاة الفضة». ثم ما قبل الخروج من الموت في سنة 1998 وفيها كتب: «مديح الظل العالي»، «ورد أقل»، «أرى ما أريد»، «أحد عشر كوكباً»، «لماذا تركت الحصان وحيداً»، «هي أغنية هي أغنية». وآخر المراحل هي مرحلة ما قبل الخروج من الحياة في سنة 2008 وفيها أبدع أبهى دواوينه وهي: «سرير الغريبة»، «جدارية محمود درويش»، «حالة حصار»، «لا تعتذر عما فعلت»، «كزهر اللوز أو أبعد»، «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي».السياسي اللامع

كان محمود درويش ذا حدس سياسي ثاقب، وكانت له رؤية سياسية بارعة، وإن لم يُعرف عنه هذا الضرب من التفكير، على الرغم من أنه شارك في صوغ خطبة ياسر عرفات في الأمم المتحدة في سنة 1974، وعبارة «لا تُسقطوا غصن الزيتون من يدي» مسجلة ليراعه وحده. وهو الذي كتب إعلان الاستقلال الفلسطيني في سنة 1988، وخطبة ياسر عرفات التي ألقاها في حفل تسلمه جائزة نوبل للسلام في عام 1994، وخطبة عرفات أمام اليونيسكو في سنة 1996. وفي عام 1988، أي في معمعان الانتفاضة الأولى، نشر مقالة في جريدة «لوموند» عنوانها «سؤال إلى الضمير اليهودي»، جاء فيها: «لقد آن الأوان لنعلن من دون أن نخشى الاتهام أو الابتزاز أن شرف يهود العالم كلهم ملطخ بوحل الاحتلال الإسرائيلي، وبدم ضحاياه الفلسطينيين ما لم يعلنوا القطيعة مع هذا الاحتلال»، فقامت عليه قوائم المنظمات الصهيونية وحوافرها، ورُفعت ضده دعوى قضائية أمام المحاكم الفرنسية بتهمة إثارة الكراهية ضد اليهود. لكن محكمة الاستئناف في باريس أصدرت في 17/3/1990 حكماً بالبراءة.

مَن عرف محمود درويش من قرب أدرك أنه كان سياسياً خارق الذكاء. ففي إحدى المرات كان محمود في بيروت، واتصل بي المستشار الثقافي الإيراني وأبدى رغبته في مقابلة لأمر ثقافي مهم. ونقلتُ هذه الرغبة إليه فأبدى استعداده لاستقباله، وجرى اللقاء في فندف «كافالييه» حيث ينزل محمود درويش، وكنتُ إلى جانبه في ذلك اللقاء. وكانت الغاية دعوة محمود درويش إلى زيارة إيران. ورحب محمود بالدعوة بعد أن قدم مطالعة مدهشة في الآداب الفارسية وأثرها في الأدب العربي، وأبدى استعداده لتلبيتها، لكنه قال إنه مضطر إلى مغادرة بيروت غداً إلى عمان، وهو غير قادر الآن على تحديد الموعد الملائم للزيارة. فقال له المستشار الثقافي الإيراني: هل ثمة مانع في أن يتابع موضوع الزيارة المستشار الثقافي الإيراني في عمان، فأجابه محمود: لا مانع إطلاقاً. وهكذا اتفقا على ذلك الترتيب. وبعد خروج المستشار ومَن معه رحتُ أحبّب الزيارة لمحمود درويش، خصوصاً أنني زرت إيران مرات عدة، وأخبرته أن دواوينه مترجمة إلى الفارسية، وأن عرب إيران يعشقون شعره. فإذا بمحمود ينظر إليّ بدهشة ويقول لي: وهل تعتقد أنني سأزور إيران حقاً؟ ودُهشت بدوري وقلت له: لكنك وعدته بتلبية الزيارة؟ فقال لي باسماً: يا صقر، عليك التفكير بطريقة سياسية محسوبة. إيران تهاجم ياسر عرفات في هذه الأيام ولا تتوقف عن مهاجمته، وهم سيستغلون زيارتي للنكاية بياسر عرفات، فهل أفعل؟ لا يمكنني أن ألعب مثل هذه الألاعيب. بالطبع أود زيارة إيران لكن ليس في هذه الأحوال. وهنا جحظت عيناي وقلت له: ولكن ماذا ستفعل حين سيتصل بك المستشار في عمان؟ فأجابني: سمعنا منهم كلاماً جميلاً وأجبناهم بكلام جميل، وهذا يكفي. وأنا سأغادر حقاً إلى عمان ثم منها إلى رام الله ثم إلى تونس فباريس... ليلحقوني إذن!. هكذا هو محمود درويش السياسي الحصيف، أما قصائده فكانت، تدعونا دوماً إلى الاحتفال بانتصار الشعر على السياسة، أي إلى إزاحة القبح من درب الجمال، وإلى زحزحة الواقع ولو قليلاً أمام الحلم.

معايشة الموت

قبل خمس عشرة سنة طوى محمود درويش آخر أوراقه، وأدار لنا ظهره، ومضى إلى حيث «رأى ما لا يريد». لم يتحرر من منفاه البتة، ولم يشعر أنه في وطنه حتى حين عاد إلى رام الله. في البدايات كان «مقيماً» في وطنه من دون «مواطنة»، أي بلا جواز سفر. وحين أمسى خارج بلاده ظل يحمل وطنه في منفاه. وبعد عودته صار يحمل المنفى في وطنه. قبل الموت كان خائفاً وَجِلاً من أن تُثقب شرايينه في أي لحظة. ومع ذلك عاش مثل قصبة ثقبتها الريح فصار ناياً شجيّاً.

كان شجاعاً لكن بقلب راعش. غير أنه زهق من معايشة الموت والنوم معه في سرير واحد فصرخ: وداعاً لشعر الألم، ثم رمى زهر النرد من يده ومضى إلى إغفاءته الأخيرة بعيداً عن خبز أمه. ولو كان بيننا الآن لاحتفلنا بميلاده الثاني والثمانين، لكنه مضى كقصيدة أخيرة من دون أن ينظر خلفه، لأنه لو التفت قليلاً إلى الوراء ما كان ليرى غير مناديل تلوّح له بلوعة، وحناجر تصيح به: لمَ لم تُطِل وقتَ زينتك أيها الشاعر البهي؟

* كاتب لبناني


مقالات ذات صلة

عودة تاريخية لـ«نسيج بايو» إلى إنجلترا بعد أكثر من 900 عام

يوميات الشرق في الخيوط عُمر لم تستطع 9 قرون أن تطويه (أ.ف.ب)

عودة تاريخية لـ«نسيج بايو» إلى إنجلترا بعد أكثر من 900 عام

لا شيء يرمز إلى التاريخ المُشترك والفريد بين بريطانيا وفرنسا أكثر من «نسيج بايو».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)

إسبانيا تفتح مراوحها في وجه الحرّ القياسي

تُفتح مروحة اليد الإسبانية التقليدية، التي تتميّز بصغر حجمها بما يكفي لحملها في حقيبة صغيرة، على شكل نصف دائرة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق مبادرة «أرواح في المدينة» أبرزت جوانب عدة من كواليس حياة «كوكب الشرق» (حساب التميمي على «فيسبوك»)

«أرواح في المدينة» تُنقب عن الذاكرة والهوية المصرية

تسعى مبادرة «أرواح في المدينة» إلى حفظ الذاكرة الوطنية المصرية، واستعادة حكايات الشخصيات التي تركت أثراً في القاهرة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق للجدار ذاكرة لا يغطّيها الطلاء بسهولة (إنستغرام)

صاحب مقهى يستعين بالسكان لإعادة رسم جدارية عمرها 30 عاماً

لأكثر من 3 عقود، زيَّنت أعمال فنية زاهية الألوان جانب حانة «بريدج بار» السابقة في شارع بريدج بمدينة بانبوري، في مقاطعة أوكسفوردشاير الإنجليزية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. 

 


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.