قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

غياب لكتب الفلسفة والتاريخ والسياسة وحضور رمزي للشعر

سعدية مفرح
سعدية مفرح
TT

قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

سعدية مفرح
سعدية مفرح

بين الكتب الجديدة، وتلك التي حافظت على مكانها في الذاكرة الثقافية، يتوقف عدد من المثقفين الخليجيين في رصد قراءاتهم لعام 2025، معتبرين أن العام الذي يوشك على الانصرام منح القراء مساحة وازنة من الوقت يقضونه بين صفحات الكتب، «رغم اجتياح (معلبات) الثقافة السطحية التي تمطرها وسائل التواصل الاجتماعي»، كما يقول البعض.

وأبرز ما يلفت الانتباه في قراءات المثقفين الخليجيين لعام 2025.، غياب شبه كامل تقريباً للكتب السياسية وكتب الفلسفة والتاريخ، مع حضور رمزي للشعر:

أمين صالح

الكاتب البحريني أمين صالح: «كان رحماً منبثاً»

قرأت هذا العام العديد من الكتب المتميزة، لذلك أشعر بالحيرة في الانتقاء، لكنّ يمكنني الإشارة إلى رواية عبده خال «كان رحماً منبثاً» التي هي حقاً رواية رائعة لكاتب كبير يعرف جيداً كيف يشدّ القارئ بسرده البديع وحكاياته المثيرة وحواراته الشيقة. فمن خلال رواياته، يؤكد عبده خال براعته في سرد الكامن في أحشاء مجتمع يكاد يكون بدائياً، وتحكمه شخوص عنيفة ومتسلطة. في هذه البيئة الموبوءة بالقسوة، والمكتظة بأسرار مخيفة، لا يتسرب الضوء إلا في أحوال نادرة وسريعة الزوال. شخصيات عبده خال تقطن في هامش الحياة، وعلى حافة الموت.

الكتاب الآخر الذي توقفتُ عنده ضمن قراءاتي هذا العام، كان الكتاب الأخير لنجوم الغانم، (وهي أديبة وشاعرة ومخرجة سينمائية إماراتية)؛ «البحر والأفق في ممر ضيق»، حيث دائماً ما تدهشني الكاتبة بنصوصها الجميلة.

حمد الرشيدي

الكاتب والروائي السعودي حمد الرشيدي: «بدويٌ في أسكوتلندا»

قراءاتي تنوعت بين الكتب الصادرة هذا العام في مواضيع شتى، ما بين الأدب والبحوث والدراسات العلمية وغيرها، حيث تأتي على رأس قائمة الكتب الأدبية رواية «بدويٌ في أسكوتلندا» للكاتب عقيل العنزي، وهي عبارة عن (سيرة ذاتية) تحدث من خلالها الكاتب عن سيرة حياته، ومجتمعه الذي عاش فيه أكثر من نصف قرن، استعرضت الرواية أبرز المراحل والتحولات التي مر بها المجتمع السعودي عبر تاريخه الطويل.

أما في مجال البحوث والدراسات العلمية فقد اطلعت على كتاب (معجم الأدباء السعوديين) للباحث والكاتب خالد اليوسف، وهو كتاب ضخم يتجاوز عدد صفحاته 700 صفحة، صدر هذا العام عن «مؤسسة الانتشار العربي» في بيروت، وقد شدّني هذا الكتاب إليه لغزارة مادته وتنوعها بين التراجم والسيّر لمجموعة كبيرة من الأدباء السعوديين، وما بذله مؤلفه من مجهود علمي جبار، استمر لسنوات طويلة من البحث والتقصي، وهو مجهود يشكر عليه حقّاً.

وهناك أيضاً كتاب (بئر زمزم) لمؤلفه الدكتور عبد الله بن محمد العمري، الصادر هذا العام بطبعة منقحة مزيدة، وهو كتاب قيّم جداً، استطاع مؤلفه من خلاله أن يتبحر كثيراً في ماء زمزم، وتاريخ هذه البئر في الأرض المقدسة منذ أن وُجِدَتْ مستعرضاً جميع المراحل التاريخية التي مر بها تاريخ هذه البئر، والتركيب الكيميائي والفيزيائي لمائها وفوائده الطبية، وما عُرِفَ عنه من نواحٍ شرعية على ضوء القرآن والسنة.

أما في الشأن السياسي فقد لفت انتباهي كتاب (الخطاب السياسي السعودي المعاصر) لمؤلفه الدكتور علي بن عالي السعدوني المطيري، الذي ألقى من خلاله مؤلفه الضوء على العلاقات السعودية الخارجية، ودور المملكة العربية السعودية بوصفها دولةً لها ثقلها السياسي والأمني المعروف في العالم.

فهد الهندال

الناقد والكاتب الكويتي الدكتور فهد الهندال: «الوزير المرافق»

قرأت كتاب «الوزير المرافق»، للدكتور غازي القصيبي الذي يعد واحداً من أبرز أعماله النثرية؛ إذ يمزج بين السيرة الذاتية والمذكرات السياسية، مع لمسة أدبية لا تخلو من الذكاء والسخرية.

يتناول الكتاب تجربة القصيبي في المهمات الرسمية داخل وخارج المملكة؛ إذ كان يشغل منصب الوزير المرافق، وهو الدور الذي سمح له برؤية الأحداث عن كثب، دون أن يكون في صدارة المشهد. لم يكتب القصيبي «الوزير المرافق» ليؤرّخ، بل ليحكي. وقد فعل ذلك بأسلوبه الرشيق، المليء بالمفارقات والملاحظات الساخرة، مقدماً للقارئ شهادة غير تقليدية عن لقاءاته بكبار زعماء العالم العربي والأفريقي والآسيوي.

ينقسم الكتاب إلى فصول قصيرة وسلسة، يروي فيها القصيبي مواقف متنوعة جمعت بين الطرافة والدهشة، من لقاءاته مع شخصيات سياسية بارزة، مثل: الرئيسين الأميركيين كارتر وريغان، ورئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والمستشارين الألمانيين شميدث وكول، وملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، والرئيس الفرنسي ميتران، والرئيس الليبي معمر القذافي، والرئيس الأوغندي عيدي أمين.

قدّم القصيبي في كل فصل صورة إنسانية أو ساخرة أو نقدية لكل زعيم، بعيداً عن الرسميات والبروتوكولات، ليكشف عن الوجه الآخر للسلطة، كما رآه عن قرب.

باسمة العنزي

القاصة والروائية الكويتية باسمة العنزي: «غرباء حميمون»

على رأس قائمة الكتب التي حرصتُ على اقتنائها، إصدار الروائي عزيز محمد الجديد «غرباء حميمون»، عن «دار رشم»؛ لأسباب عدة؛ أولاً لأن عمله الأول «الحالة الحرجة للمدعو كاف» رسخ اسمه في عالم الرواية الخليجية المعاصرة بجدارة، ثانياً لأن بين العملين ثماني سنوات، وهي مدة زمنية كافية للتمهل والتقاط الأنفاس، وهو مؤشر إيجابي لتلافي انجراف عزيز محمد وراء نجاح عمله الأول وانتشاره عربيّاً.

جاءت الرواية مغايرة ومعاصرة تماماً، من غلافها إلى تفاصيل السرد فيها، متخلصة من الحس الساخر الذي تميزت به «الحالة الحرجة للمدعو كاف»، شبيهة بحداثتنا وتفاصيل أيامنا في مجتمعات تبدلت مبانيها وعاداتها، وأصبحت جزءاً من العولمة... التقاطات سينمائية متدفقة ومتأنية - رتم العمل جاء بطيئاً - تتناول العلاقات العائلية الهشة وندوب ذاكرة الطفولة، إلا أن الحكاية تبدأ من هنا ولا تتوقف، متجاوزة المتن السردي للعائلة الموصومة بالخزي والعنف الأسري نحو آفاق أخرى غير متوقعة، مؤرخة لمدينة الخبر الساحلية بعد حرب الخليج، بعمارتها ومبانيها وأهم الأحداث التي مرت عليها. «مدينة السطح الأوحد الذي تبدله كلما أوشك أن يتجذر، لا يهم كم يمر عليها مستقبلاً من زمن، ستبقى دائماً متجددة ودائمة التغير». نظر إليها البطل بعين الطفل، ثم الباحث، ثم المعماري الخبير، مدينة تواصل التمدد والامتزاج بعالم سريع التطور.

رواية كتبت بشاعرية ممزوجة بفهم عميق للمشاعر الإنسانية، ومعضلة الخروج من لحظات التعاسة، والتحرر من تجارب الطفولة السلبية، والصدمات النفسية، وانعكاس ذلك على الشعور بالأمان والثقة بالآخرين.

بدا عزيز محمد معماريّاً ماهراً، وضع الخطوط الرئيسية لعمله ثم بنى هيكل الحكاية المدعمة بكمّ من المعلومات الدقيقة عن العمارة الحديثة وعلم النفس، وأيضاً راصداً لمّاحاً لتغيرات المجتمع في السنوات الأخيرة، بالنسبة لي لم أقرأ في الأعمال الأدبية العربية خلال العقد الأخير ذكراً لموقع «لينكدإن» وطلبيات «أمازون»، وتداولات الأسهم لصغار المستثمرين، والنادي الرياضي والوجبات الصحية، ومكاتب موظفي البنوك، وأحلام أصحاب المشاريع الصغيرة! أغلب الأعمال الأدبية تدور في فضاءات مختلفة!

الشاعرة الكويتية سعدية مفرّح: «الأكسجين ليس للموتى»

يمكنني القول إن قراءاتي هذا العام تشكّلت حول ثلاثة مسارات متوازية: الذاكرة، والأسلوب، والكتابة بوصفها فعلاً إنسانياً يقاوم الفناء.

وفي هذا السياق، ورغم كثرة الكتب التي قرأتها وتعددها، جاءت أربعة كتب كان لكل منها أثره الخاص في رؤيتي للقراءة وللعالم، أريد أن أذكرها، وأذكّر بها على هذا الصعيد؛ أولها: كتاب «الذاكرة الجمعية» لموريس هالبفاكس، وهو عمل نظري كثيف أعاد ترتيب علاقتي بالذاكرة، لا باعتبارها شأناً فردياً فحسب، بل بوصفها منظومة تشكّلها الجماعة، وتعيد الجماعة إنتاجها وفق حاجاتها وقلقها وأحلامها.

شدّني في هالبفاكس إحساسه بأن الذاكرة ليست مخزناً جامداً، بل حقلاً حياً يتغير وفق ما يطرأ على الجماعة من جراح وتحولات. هذا الفهم ساعدني على قراءة المشهد العربي اليوم من زاوية مختلفة، وزاد يقيني بأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها تحفظ قدرتها على النهوض.

والثاني كتاب «تمرينات في الأسلوب» لرايمون كونو، بترجمة محمد آيت حنّا، وهو كتاب احتفائي باللعب اللغوي، يذكّر القارئ بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل فضاء لا نهائي للتجريب وابتكار الاحتمالات.

منحني (كونو) فرصة نادرة لاستعادة مرح اللغة، الحرية التي تجعل الجملة كائناً قابلاً لإعادة الخلق آلاف المرات. الكتاب كان بمثابة تذكير جميل بأن الكتابة ليست واجباً ثقيلاً، بل لعبة ذكية يمكن للمرء أن يحترفها دون أن يفقد دهشته الأولى.

وثالثها كتاب «رسائل إلى شاعرة» لغوستاف فلوبير، بترجمة سلمى الغزاوي، وهو كتاب يعيد إلى المراسلات مكانتها القديمة: حوار هادئ بين روحين، وورشة مفتوحة للتأمل في معنى الكتابة.

أعجبني في رسائل فلوبير انكشاف الكاتب بلا أقنعة، ذلك الصوت الحميم الذي لا نسمعه عادة في كتبه الروائية. الرسائل أضافت لي الكثير على مستوى التأمل في العلاقة المعقدة بين الكاتب وعزلته، بين الرغبة في الكمال وهشاشة الروح.

أما القراءة الأكثر إيلاماً وعمقاً فكانت رواية الشهيدة الفلسطينية هبة أبو ندى «الأكسجين ليس للموتى»، تلك الرواية التي تبدو اليوم، بعد رحيل كاتبتها تحت القصف، أقرب إلى وصية مكتوبة بالدم.

هذه الرواية كانت ضربة هبة أبو ندى الأقسى. لفتني فيها ذلك التوتر العميق بين هشاشة المرء وقوة إيمانه بالحياة، بين الخوف والرغبة في الانتصار للكرامة. الرواية أضافت لي ليس مجرد متعة قراءة، بل شعوراً بالمسؤولية تجاه سرديات الفلسطينيين، خصوصاً تلك التي تُكتب في اللحظة الأخيرة قبل أن يُطفأ الضوء.

بسام المسلم

الروائي الكويتي بسام المسلم: «رجل مختلف»

تنقسم قراءتي في العام الماضي إلى ثلاثة أقسام: مُعادة وجديدة ومتعلقة بإصداري القادم. فأحياناً أجدني أتوق إلى العودة لبعض الكتب، إما بسبب الشوق إلى أجوائها، وإما نتيجة أحداثٍ في الواقع تذكرني بكتابٍ ما، فأعود إليه. فمثلاً، كان من تبعات محاولة اغتيال دونالد ترمب في بنسلفانيا، صيف العام الماضي، أن ذكّرتني برواية «رجل في الظلام» للمؤلف الأميركي بول أوستر، التي يدورُ قسمٌ منها في واقعٍ مفترض، تعاني فيه الولايات المتحدة من حربٍ أهلية.

كان ترمب وقتئذٍ الرئيس الأميركي السابق والمرشح المفترض للحزب الجمهوري، ونجا بأعجوبة من رصاصةِ أطلقها مواطن أميركي. الحادثة المثيرة ذكّرتني بالرواية التي كانت تعبيراً عن مخاوف أوستر من انقسام الولايات المتحدة في الحاضر، واحتمال انزلاقها إلى حرب أهلية مدمرة في المستقبل. كان من المفارقات، وقوع محاولة الاغتيال بعد أقلّ من ثلاثةِ أشهر على وفاةِ أوستر، الذي عبّر عن مخاوفه في حوارٍ متلفز بعد صدورِ الكتاب في 2008 بالقول: «إن ثمة حرباً أهلية في الولايات المتحدة، نحن منقسمون والفجوة تتسع يوماً بعد آخر!».

كما وجدتني، العامَ الماضي، أتوقُ إلى أجواءِ «الحرافيش» لنجيب محفوظ، فأعدتُ قراءتها باستغراقٍ واستمتاعٍ كأني أستكشفُ شخصياتها ومساراتها لأول مرة.

وحملني رحيلُ المؤلف البيروفي ماريو بارغاس، هذا العام، على العودةِ إلى كتابه «حفلة التيس» الذي حاولَ فيه أن يشرِّح نموذج النظام الديكتاتوري، عبرَ استعادةِ ثلاثين عاماً من الحكمِ المستبدّ للجنرال رافائيل تروخييو الذي استولى على السلطة في الدومينيكان عام 1930.

أما القسم الثاني من قراءتي فتمثل في كتبٍ أقرؤها للمرة الأولى، مثل كتابِ الأديبة الكويتية ليلى العثمان، بعنوان «رجل مختلف»، وهو أحدث مجموعتها القصصية. حرصتُ على قراءتها لعدةِ أسبابٍ؛ منها اهتمامي بأدبِ العثمان عموماً؛ إذ هي مؤثر أساسي في تكويني الأدبي، ومنها محاولة الالتزام بمتابعةِ فنّ القصة الآخذِ بالانحسارِ إصداراً وقراءةً.

أما القسم الثالث من القراءة، فكان متعلّقاً بعملي قيد الكتاب، ومنه كتاب الفنان التشكيلي الكويتي الراحل أيوب حسين الأيوب، بعنوان «حولّي قرية الأنس والتسلّي: من حصيلة الذكريات قبل الخمسينات» الصادر في 1987، وهو كتاب قيّم يوثّق فيه المؤلف ملامح قرية حَوَلِّي الكويتية قبل أن تبتلعها المدينة بمظاهرها الحديثة.

صالحة عبيد

الروائية الإماراتية صالحة عبيد: «زمن الغضب»

فيما يتعلق بقراءات هذا العام (2025)، فإن الأبرز منها كان الآتي: «زمن الغضب - تأريخ الحاضر» لبانكاج ميشرا، وهو كتاب مثير للاهتمام يحلل في الآثار المترسخة للغضب العالمي اليوم والآتي من محاولات فرض نموذج اجتماعي سياسي اقتصادي موحد قسراً على بلاد ما بعد الاستعمار. هذا الكتاب يجعلك تفهم فورات اليوم العالمية بشكل مفصل... مع شعورك الفادح بالتأسي في نفس الوقت يقاربه في المستوى التحليلي كتاب «الفجوة» الصادر عن «منشورات وسم» لجيسون هيكيل، والذي يحلل خرافة الفقر العالمية، وكيف بدأت، ومن يسوّقها، وكيف تصنع في عالم اليوم قنابل اقتصادية موقوتة على مستوى السرد.

وضمن الحصة الأكبر نسبياً ضمن قائمة قراءاتي، تأتي «أغنيات للعتمة» لإيمان حميدان عن «دار الساقي»، ففيها سرد أصيل وحقيقي وبعيد عن الافتعال، مع اختزال المجتمع والسياسة والجغرافيا في معاناة إنسانية حقيقية، توازيها في الصدق الإنساني رواية «لونجا القاهرة نويبع» عن «منشورات وزيز» لجنة عادل، وسؤال متسع عن الذات والهرب منها إليها في اشتباكات العائلة. وهناك أيضاً تجريب سردي جميل في «تمارين معجمية» لعلي المجنوني، من منشورات «تكوين» كتحية للغة والكلمة، وقدرتها على التشظي والإبهار، وأحمد الحقيل في «الحافة المطلة على العالم» عن كلمات للنشر، مستعرضاً تجربة هجينة بين المتخيل والذاتي بلغة أصيلة جداً.

أخيراً يتبقى لديّ الشعر... زاد الروح الضروري، وأختار منه مجموعة «فم مزموم» للشاعر الإماراتي أحمد عبيد عن منشورات «غاف»، حيث «الألفة بعظامها الأنيقة تعصر الضوضاء بهدوء أمام الليل، أمام الساحل الذي مزّق صخب عباراتنا الأولى، قبل رحيلنا الأنيق، كمهرج، كل واحد منا اختار موقفاً يؤدي إلى ذاكرته المحروقة».

وكتاب آخر عن الشعر، لخزعل الماجدي، بعنوان «العقل الشعري» عن منشورات «الرافدين»، وفيه تحليل العقل الإنساني باعتباره سؤال الشعر الممتد، لتتكون الحضارة منه وتتماهى فيه وتستمر، وهو كتاب بديع جداً.


مقالات ذات صلة

الكتابة في زمن الحرب

ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي

خالد الغنامي
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي