قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

غياب لكتب الفلسفة والتاريخ والسياسة وحضور رمزي للشعر

سعدية مفرح
سعدية مفرح
TT

قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

سعدية مفرح
سعدية مفرح

بين الكتب الجديدة، وتلك التي حافظت على مكانها في الذاكرة الثقافية، يتوقف عدد من المثقفين الخليجيين في رصد قراءاتهم لعام 2025، معتبرين أن العام الذي يوشك على الانصرام منح القراء مساحة وازنة من الوقت يقضونه بين صفحات الكتب، «رغم اجتياح (معلبات) الثقافة السطحية التي تمطرها وسائل التواصل الاجتماعي»، كما يقول البعض.

وأبرز ما يلفت الانتباه في قراءات المثقفين الخليجيين لعام 2025.، غياب شبه كامل تقريباً للكتب السياسية وكتب الفلسفة والتاريخ، مع حضور رمزي للشعر:

أمين صالح

الكاتب البحريني أمين صالح: «كان رحماً منبثاً»

قرأت هذا العام العديد من الكتب المتميزة، لذلك أشعر بالحيرة في الانتقاء، لكنّ يمكنني الإشارة إلى رواية عبده خال «كان رحماً منبثاً» التي هي حقاً رواية رائعة لكاتب كبير يعرف جيداً كيف يشدّ القارئ بسرده البديع وحكاياته المثيرة وحواراته الشيقة. فمن خلال رواياته، يؤكد عبده خال براعته في سرد الكامن في أحشاء مجتمع يكاد يكون بدائياً، وتحكمه شخوص عنيفة ومتسلطة. في هذه البيئة الموبوءة بالقسوة، والمكتظة بأسرار مخيفة، لا يتسرب الضوء إلا في أحوال نادرة وسريعة الزوال. شخصيات عبده خال تقطن في هامش الحياة، وعلى حافة الموت.

الكتاب الآخر الذي توقفتُ عنده ضمن قراءاتي هذا العام، كان الكتاب الأخير لنجوم الغانم، (وهي أديبة وشاعرة ومخرجة سينمائية إماراتية)؛ «البحر والأفق في ممر ضيق»، حيث دائماً ما تدهشني الكاتبة بنصوصها الجميلة.

حمد الرشيدي

الكاتب والروائي السعودي حمد الرشيدي: «بدويٌ في أسكوتلندا»

قراءاتي تنوعت بين الكتب الصادرة هذا العام في مواضيع شتى، ما بين الأدب والبحوث والدراسات العلمية وغيرها، حيث تأتي على رأس قائمة الكتب الأدبية رواية «بدويٌ في أسكوتلندا» للكاتب عقيل العنزي، وهي عبارة عن (سيرة ذاتية) تحدث من خلالها الكاتب عن سيرة حياته، ومجتمعه الذي عاش فيه أكثر من نصف قرن، استعرضت الرواية أبرز المراحل والتحولات التي مر بها المجتمع السعودي عبر تاريخه الطويل.

أما في مجال البحوث والدراسات العلمية فقد اطلعت على كتاب (معجم الأدباء السعوديين) للباحث والكاتب خالد اليوسف، وهو كتاب ضخم يتجاوز عدد صفحاته 700 صفحة، صدر هذا العام عن «مؤسسة الانتشار العربي» في بيروت، وقد شدّني هذا الكتاب إليه لغزارة مادته وتنوعها بين التراجم والسيّر لمجموعة كبيرة من الأدباء السعوديين، وما بذله مؤلفه من مجهود علمي جبار، استمر لسنوات طويلة من البحث والتقصي، وهو مجهود يشكر عليه حقّاً.

وهناك أيضاً كتاب (بئر زمزم) لمؤلفه الدكتور عبد الله بن محمد العمري، الصادر هذا العام بطبعة منقحة مزيدة، وهو كتاب قيّم جداً، استطاع مؤلفه من خلاله أن يتبحر كثيراً في ماء زمزم، وتاريخ هذه البئر في الأرض المقدسة منذ أن وُجِدَتْ مستعرضاً جميع المراحل التاريخية التي مر بها تاريخ هذه البئر، والتركيب الكيميائي والفيزيائي لمائها وفوائده الطبية، وما عُرِفَ عنه من نواحٍ شرعية على ضوء القرآن والسنة.

أما في الشأن السياسي فقد لفت انتباهي كتاب (الخطاب السياسي السعودي المعاصر) لمؤلفه الدكتور علي بن عالي السعدوني المطيري، الذي ألقى من خلاله مؤلفه الضوء على العلاقات السعودية الخارجية، ودور المملكة العربية السعودية بوصفها دولةً لها ثقلها السياسي والأمني المعروف في العالم.

فهد الهندال

الناقد والكاتب الكويتي الدكتور فهد الهندال: «الوزير المرافق»

قرأت كتاب «الوزير المرافق»، للدكتور غازي القصيبي الذي يعد واحداً من أبرز أعماله النثرية؛ إذ يمزج بين السيرة الذاتية والمذكرات السياسية، مع لمسة أدبية لا تخلو من الذكاء والسخرية.

يتناول الكتاب تجربة القصيبي في المهمات الرسمية داخل وخارج المملكة؛ إذ كان يشغل منصب الوزير المرافق، وهو الدور الذي سمح له برؤية الأحداث عن كثب، دون أن يكون في صدارة المشهد. لم يكتب القصيبي «الوزير المرافق» ليؤرّخ، بل ليحكي. وقد فعل ذلك بأسلوبه الرشيق، المليء بالمفارقات والملاحظات الساخرة، مقدماً للقارئ شهادة غير تقليدية عن لقاءاته بكبار زعماء العالم العربي والأفريقي والآسيوي.

ينقسم الكتاب إلى فصول قصيرة وسلسة، يروي فيها القصيبي مواقف متنوعة جمعت بين الطرافة والدهشة، من لقاءاته مع شخصيات سياسية بارزة، مثل: الرئيسين الأميركيين كارتر وريغان، ورئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والمستشارين الألمانيين شميدث وكول، وملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، والرئيس الفرنسي ميتران، والرئيس الليبي معمر القذافي، والرئيس الأوغندي عيدي أمين.

قدّم القصيبي في كل فصل صورة إنسانية أو ساخرة أو نقدية لكل زعيم، بعيداً عن الرسميات والبروتوكولات، ليكشف عن الوجه الآخر للسلطة، كما رآه عن قرب.

باسمة العنزي

القاصة والروائية الكويتية باسمة العنزي: «غرباء حميمون»

على رأس قائمة الكتب التي حرصتُ على اقتنائها، إصدار الروائي عزيز محمد الجديد «غرباء حميمون»، عن «دار رشم»؛ لأسباب عدة؛ أولاً لأن عمله الأول «الحالة الحرجة للمدعو كاف» رسخ اسمه في عالم الرواية الخليجية المعاصرة بجدارة، ثانياً لأن بين العملين ثماني سنوات، وهي مدة زمنية كافية للتمهل والتقاط الأنفاس، وهو مؤشر إيجابي لتلافي انجراف عزيز محمد وراء نجاح عمله الأول وانتشاره عربيّاً.

جاءت الرواية مغايرة ومعاصرة تماماً، من غلافها إلى تفاصيل السرد فيها، متخلصة من الحس الساخر الذي تميزت به «الحالة الحرجة للمدعو كاف»، شبيهة بحداثتنا وتفاصيل أيامنا في مجتمعات تبدلت مبانيها وعاداتها، وأصبحت جزءاً من العولمة... التقاطات سينمائية متدفقة ومتأنية - رتم العمل جاء بطيئاً - تتناول العلاقات العائلية الهشة وندوب ذاكرة الطفولة، إلا أن الحكاية تبدأ من هنا ولا تتوقف، متجاوزة المتن السردي للعائلة الموصومة بالخزي والعنف الأسري نحو آفاق أخرى غير متوقعة، مؤرخة لمدينة الخبر الساحلية بعد حرب الخليج، بعمارتها ومبانيها وأهم الأحداث التي مرت عليها. «مدينة السطح الأوحد الذي تبدله كلما أوشك أن يتجذر، لا يهم كم يمر عليها مستقبلاً من زمن، ستبقى دائماً متجددة ودائمة التغير». نظر إليها البطل بعين الطفل، ثم الباحث، ثم المعماري الخبير، مدينة تواصل التمدد والامتزاج بعالم سريع التطور.

رواية كتبت بشاعرية ممزوجة بفهم عميق للمشاعر الإنسانية، ومعضلة الخروج من لحظات التعاسة، والتحرر من تجارب الطفولة السلبية، والصدمات النفسية، وانعكاس ذلك على الشعور بالأمان والثقة بالآخرين.

بدا عزيز محمد معماريّاً ماهراً، وضع الخطوط الرئيسية لعمله ثم بنى هيكل الحكاية المدعمة بكمّ من المعلومات الدقيقة عن العمارة الحديثة وعلم النفس، وأيضاً راصداً لمّاحاً لتغيرات المجتمع في السنوات الأخيرة، بالنسبة لي لم أقرأ في الأعمال الأدبية العربية خلال العقد الأخير ذكراً لموقع «لينكدإن» وطلبيات «أمازون»، وتداولات الأسهم لصغار المستثمرين، والنادي الرياضي والوجبات الصحية، ومكاتب موظفي البنوك، وأحلام أصحاب المشاريع الصغيرة! أغلب الأعمال الأدبية تدور في فضاءات مختلفة!

الشاعرة الكويتية سعدية مفرّح: «الأكسجين ليس للموتى»

يمكنني القول إن قراءاتي هذا العام تشكّلت حول ثلاثة مسارات متوازية: الذاكرة، والأسلوب، والكتابة بوصفها فعلاً إنسانياً يقاوم الفناء.

وفي هذا السياق، ورغم كثرة الكتب التي قرأتها وتعددها، جاءت أربعة كتب كان لكل منها أثره الخاص في رؤيتي للقراءة وللعالم، أريد أن أذكرها، وأذكّر بها على هذا الصعيد؛ أولها: كتاب «الذاكرة الجمعية» لموريس هالبفاكس، وهو عمل نظري كثيف أعاد ترتيب علاقتي بالذاكرة، لا باعتبارها شأناً فردياً فحسب، بل بوصفها منظومة تشكّلها الجماعة، وتعيد الجماعة إنتاجها وفق حاجاتها وقلقها وأحلامها.

شدّني في هالبفاكس إحساسه بأن الذاكرة ليست مخزناً جامداً، بل حقلاً حياً يتغير وفق ما يطرأ على الجماعة من جراح وتحولات. هذا الفهم ساعدني على قراءة المشهد العربي اليوم من زاوية مختلفة، وزاد يقيني بأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها تحفظ قدرتها على النهوض.

والثاني كتاب «تمرينات في الأسلوب» لرايمون كونو، بترجمة محمد آيت حنّا، وهو كتاب احتفائي باللعب اللغوي، يذكّر القارئ بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل فضاء لا نهائي للتجريب وابتكار الاحتمالات.

منحني (كونو) فرصة نادرة لاستعادة مرح اللغة، الحرية التي تجعل الجملة كائناً قابلاً لإعادة الخلق آلاف المرات. الكتاب كان بمثابة تذكير جميل بأن الكتابة ليست واجباً ثقيلاً، بل لعبة ذكية يمكن للمرء أن يحترفها دون أن يفقد دهشته الأولى.

وثالثها كتاب «رسائل إلى شاعرة» لغوستاف فلوبير، بترجمة سلمى الغزاوي، وهو كتاب يعيد إلى المراسلات مكانتها القديمة: حوار هادئ بين روحين، وورشة مفتوحة للتأمل في معنى الكتابة.

أعجبني في رسائل فلوبير انكشاف الكاتب بلا أقنعة، ذلك الصوت الحميم الذي لا نسمعه عادة في كتبه الروائية. الرسائل أضافت لي الكثير على مستوى التأمل في العلاقة المعقدة بين الكاتب وعزلته، بين الرغبة في الكمال وهشاشة الروح.

أما القراءة الأكثر إيلاماً وعمقاً فكانت رواية الشهيدة الفلسطينية هبة أبو ندى «الأكسجين ليس للموتى»، تلك الرواية التي تبدو اليوم، بعد رحيل كاتبتها تحت القصف، أقرب إلى وصية مكتوبة بالدم.

هذه الرواية كانت ضربة هبة أبو ندى الأقسى. لفتني فيها ذلك التوتر العميق بين هشاشة المرء وقوة إيمانه بالحياة، بين الخوف والرغبة في الانتصار للكرامة. الرواية أضافت لي ليس مجرد متعة قراءة، بل شعوراً بالمسؤولية تجاه سرديات الفلسطينيين، خصوصاً تلك التي تُكتب في اللحظة الأخيرة قبل أن يُطفأ الضوء.

بسام المسلم

الروائي الكويتي بسام المسلم: «رجل مختلف»

تنقسم قراءتي في العام الماضي إلى ثلاثة أقسام: مُعادة وجديدة ومتعلقة بإصداري القادم. فأحياناً أجدني أتوق إلى العودة لبعض الكتب، إما بسبب الشوق إلى أجوائها، وإما نتيجة أحداثٍ في الواقع تذكرني بكتابٍ ما، فأعود إليه. فمثلاً، كان من تبعات محاولة اغتيال دونالد ترمب في بنسلفانيا، صيف العام الماضي، أن ذكّرتني برواية «رجل في الظلام» للمؤلف الأميركي بول أوستر، التي يدورُ قسمٌ منها في واقعٍ مفترض، تعاني فيه الولايات المتحدة من حربٍ أهلية.

كان ترمب وقتئذٍ الرئيس الأميركي السابق والمرشح المفترض للحزب الجمهوري، ونجا بأعجوبة من رصاصةِ أطلقها مواطن أميركي. الحادثة المثيرة ذكّرتني بالرواية التي كانت تعبيراً عن مخاوف أوستر من انقسام الولايات المتحدة في الحاضر، واحتمال انزلاقها إلى حرب أهلية مدمرة في المستقبل. كان من المفارقات، وقوع محاولة الاغتيال بعد أقلّ من ثلاثةِ أشهر على وفاةِ أوستر، الذي عبّر عن مخاوفه في حوارٍ متلفز بعد صدورِ الكتاب في 2008 بالقول: «إن ثمة حرباً أهلية في الولايات المتحدة، نحن منقسمون والفجوة تتسع يوماً بعد آخر!».

كما وجدتني، العامَ الماضي، أتوقُ إلى أجواءِ «الحرافيش» لنجيب محفوظ، فأعدتُ قراءتها باستغراقٍ واستمتاعٍ كأني أستكشفُ شخصياتها ومساراتها لأول مرة.

وحملني رحيلُ المؤلف البيروفي ماريو بارغاس، هذا العام، على العودةِ إلى كتابه «حفلة التيس» الذي حاولَ فيه أن يشرِّح نموذج النظام الديكتاتوري، عبرَ استعادةِ ثلاثين عاماً من الحكمِ المستبدّ للجنرال رافائيل تروخييو الذي استولى على السلطة في الدومينيكان عام 1930.

أما القسم الثاني من قراءتي فتمثل في كتبٍ أقرؤها للمرة الأولى، مثل كتابِ الأديبة الكويتية ليلى العثمان، بعنوان «رجل مختلف»، وهو أحدث مجموعتها القصصية. حرصتُ على قراءتها لعدةِ أسبابٍ؛ منها اهتمامي بأدبِ العثمان عموماً؛ إذ هي مؤثر أساسي في تكويني الأدبي، ومنها محاولة الالتزام بمتابعةِ فنّ القصة الآخذِ بالانحسارِ إصداراً وقراءةً.

أما القسم الثالث من القراءة، فكان متعلّقاً بعملي قيد الكتاب، ومنه كتاب الفنان التشكيلي الكويتي الراحل أيوب حسين الأيوب، بعنوان «حولّي قرية الأنس والتسلّي: من حصيلة الذكريات قبل الخمسينات» الصادر في 1987، وهو كتاب قيّم يوثّق فيه المؤلف ملامح قرية حَوَلِّي الكويتية قبل أن تبتلعها المدينة بمظاهرها الحديثة.

صالحة عبيد

الروائية الإماراتية صالحة عبيد: «زمن الغضب»

فيما يتعلق بقراءات هذا العام (2025)، فإن الأبرز منها كان الآتي: «زمن الغضب - تأريخ الحاضر» لبانكاج ميشرا، وهو كتاب مثير للاهتمام يحلل في الآثار المترسخة للغضب العالمي اليوم والآتي من محاولات فرض نموذج اجتماعي سياسي اقتصادي موحد قسراً على بلاد ما بعد الاستعمار. هذا الكتاب يجعلك تفهم فورات اليوم العالمية بشكل مفصل... مع شعورك الفادح بالتأسي في نفس الوقت يقاربه في المستوى التحليلي كتاب «الفجوة» الصادر عن «منشورات وسم» لجيسون هيكيل، والذي يحلل خرافة الفقر العالمية، وكيف بدأت، ومن يسوّقها، وكيف تصنع في عالم اليوم قنابل اقتصادية موقوتة على مستوى السرد.

وضمن الحصة الأكبر نسبياً ضمن قائمة قراءاتي، تأتي «أغنيات للعتمة» لإيمان حميدان عن «دار الساقي»، ففيها سرد أصيل وحقيقي وبعيد عن الافتعال، مع اختزال المجتمع والسياسة والجغرافيا في معاناة إنسانية حقيقية، توازيها في الصدق الإنساني رواية «لونجا القاهرة نويبع» عن «منشورات وزيز» لجنة عادل، وسؤال متسع عن الذات والهرب منها إليها في اشتباكات العائلة. وهناك أيضاً تجريب سردي جميل في «تمارين معجمية» لعلي المجنوني، من منشورات «تكوين» كتحية للغة والكلمة، وقدرتها على التشظي والإبهار، وأحمد الحقيل في «الحافة المطلة على العالم» عن كلمات للنشر، مستعرضاً تجربة هجينة بين المتخيل والذاتي بلغة أصيلة جداً.

أخيراً يتبقى لديّ الشعر... زاد الروح الضروري، وأختار منه مجموعة «فم مزموم» للشاعر الإماراتي أحمد عبيد عن منشورات «غاف»، حيث «الألفة بعظامها الأنيقة تعصر الضوضاء بهدوء أمام الليل، أمام الساحل الذي مزّق صخب عباراتنا الأولى، قبل رحيلنا الأنيق، كمهرج، كل واحد منا اختار موقفاً يؤدي إلى ذاكرته المحروقة».

وكتاب آخر عن الشعر، لخزعل الماجدي، بعنوان «العقل الشعري» عن منشورات «الرافدين»، وفيه تحليل العقل الإنساني باعتباره سؤال الشعر الممتد، لتتكون الحضارة منه وتتماهى فيه وتستمر، وهو كتاب بديع جداً.


مقالات ذات صلة

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل. لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم…

لطفية الدليمي
ثقافة وفنون «رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران

محمد أمير ناشر النعم

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.