قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

غياب لكتب الفلسفة والتاريخ والسياسة وحضور رمزي للشعر

سعدية مفرح
سعدية مفرح
TT

قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

سعدية مفرح
سعدية مفرح

بين الكتب الجديدة، وتلك التي حافظت على مكانها في الذاكرة الثقافية، يتوقف عدد من المثقفين الخليجيين في رصد قراءاتهم لعام 2025، معتبرين أن العام الذي يوشك على الانصرام منح القراء مساحة وازنة من الوقت يقضونه بين صفحات الكتب، «رغم اجتياح (معلبات) الثقافة السطحية التي تمطرها وسائل التواصل الاجتماعي»، كما يقول البعض.

وأبرز ما يلفت الانتباه في قراءات المثقفين الخليجيين لعام 2025.، غياب شبه كامل تقريباً للكتب السياسية وكتب الفلسفة والتاريخ، مع حضور رمزي للشعر:

أمين صالح

الكاتب البحريني أمين صالح: «كان رحماً منبثاً»

قرأت هذا العام العديد من الكتب المتميزة، لذلك أشعر بالحيرة في الانتقاء، لكنّ يمكنني الإشارة إلى رواية عبده خال «كان رحماً منبثاً» التي هي حقاً رواية رائعة لكاتب كبير يعرف جيداً كيف يشدّ القارئ بسرده البديع وحكاياته المثيرة وحواراته الشيقة. فمن خلال رواياته، يؤكد عبده خال براعته في سرد الكامن في أحشاء مجتمع يكاد يكون بدائياً، وتحكمه شخوص عنيفة ومتسلطة. في هذه البيئة الموبوءة بالقسوة، والمكتظة بأسرار مخيفة، لا يتسرب الضوء إلا في أحوال نادرة وسريعة الزوال. شخصيات عبده خال تقطن في هامش الحياة، وعلى حافة الموت.

الكتاب الآخر الذي توقفتُ عنده ضمن قراءاتي هذا العام، كان الكتاب الأخير لنجوم الغانم، (وهي أديبة وشاعرة ومخرجة سينمائية إماراتية)؛ «البحر والأفق في ممر ضيق»، حيث دائماً ما تدهشني الكاتبة بنصوصها الجميلة.

حمد الرشيدي

الكاتب والروائي السعودي حمد الرشيدي: «بدويٌ في أسكوتلندا»

قراءاتي تنوعت بين الكتب الصادرة هذا العام في مواضيع شتى، ما بين الأدب والبحوث والدراسات العلمية وغيرها، حيث تأتي على رأس قائمة الكتب الأدبية رواية «بدويٌ في أسكوتلندا» للكاتب عقيل العنزي، وهي عبارة عن (سيرة ذاتية) تحدث من خلالها الكاتب عن سيرة حياته، ومجتمعه الذي عاش فيه أكثر من نصف قرن، استعرضت الرواية أبرز المراحل والتحولات التي مر بها المجتمع السعودي عبر تاريخه الطويل.

أما في مجال البحوث والدراسات العلمية فقد اطلعت على كتاب (معجم الأدباء السعوديين) للباحث والكاتب خالد اليوسف، وهو كتاب ضخم يتجاوز عدد صفحاته 700 صفحة، صدر هذا العام عن «مؤسسة الانتشار العربي» في بيروت، وقد شدّني هذا الكتاب إليه لغزارة مادته وتنوعها بين التراجم والسيّر لمجموعة كبيرة من الأدباء السعوديين، وما بذله مؤلفه من مجهود علمي جبار، استمر لسنوات طويلة من البحث والتقصي، وهو مجهود يشكر عليه حقّاً.

وهناك أيضاً كتاب (بئر زمزم) لمؤلفه الدكتور عبد الله بن محمد العمري، الصادر هذا العام بطبعة منقحة مزيدة، وهو كتاب قيّم جداً، استطاع مؤلفه من خلاله أن يتبحر كثيراً في ماء زمزم، وتاريخ هذه البئر في الأرض المقدسة منذ أن وُجِدَتْ مستعرضاً جميع المراحل التاريخية التي مر بها تاريخ هذه البئر، والتركيب الكيميائي والفيزيائي لمائها وفوائده الطبية، وما عُرِفَ عنه من نواحٍ شرعية على ضوء القرآن والسنة.

أما في الشأن السياسي فقد لفت انتباهي كتاب (الخطاب السياسي السعودي المعاصر) لمؤلفه الدكتور علي بن عالي السعدوني المطيري، الذي ألقى من خلاله مؤلفه الضوء على العلاقات السعودية الخارجية، ودور المملكة العربية السعودية بوصفها دولةً لها ثقلها السياسي والأمني المعروف في العالم.

فهد الهندال

الناقد والكاتب الكويتي الدكتور فهد الهندال: «الوزير المرافق»

قرأت كتاب «الوزير المرافق»، للدكتور غازي القصيبي الذي يعد واحداً من أبرز أعماله النثرية؛ إذ يمزج بين السيرة الذاتية والمذكرات السياسية، مع لمسة أدبية لا تخلو من الذكاء والسخرية.

يتناول الكتاب تجربة القصيبي في المهمات الرسمية داخل وخارج المملكة؛ إذ كان يشغل منصب الوزير المرافق، وهو الدور الذي سمح له برؤية الأحداث عن كثب، دون أن يكون في صدارة المشهد. لم يكتب القصيبي «الوزير المرافق» ليؤرّخ، بل ليحكي. وقد فعل ذلك بأسلوبه الرشيق، المليء بالمفارقات والملاحظات الساخرة، مقدماً للقارئ شهادة غير تقليدية عن لقاءاته بكبار زعماء العالم العربي والأفريقي والآسيوي.

ينقسم الكتاب إلى فصول قصيرة وسلسة، يروي فيها القصيبي مواقف متنوعة جمعت بين الطرافة والدهشة، من لقاءاته مع شخصيات سياسية بارزة، مثل: الرئيسين الأميركيين كارتر وريغان، ورئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والمستشارين الألمانيين شميدث وكول، وملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، والرئيس الفرنسي ميتران، والرئيس الليبي معمر القذافي، والرئيس الأوغندي عيدي أمين.

قدّم القصيبي في كل فصل صورة إنسانية أو ساخرة أو نقدية لكل زعيم، بعيداً عن الرسميات والبروتوكولات، ليكشف عن الوجه الآخر للسلطة، كما رآه عن قرب.

باسمة العنزي

القاصة والروائية الكويتية باسمة العنزي: «غرباء حميمون»

على رأس قائمة الكتب التي حرصتُ على اقتنائها، إصدار الروائي عزيز محمد الجديد «غرباء حميمون»، عن «دار رشم»؛ لأسباب عدة؛ أولاً لأن عمله الأول «الحالة الحرجة للمدعو كاف» رسخ اسمه في عالم الرواية الخليجية المعاصرة بجدارة، ثانياً لأن بين العملين ثماني سنوات، وهي مدة زمنية كافية للتمهل والتقاط الأنفاس، وهو مؤشر إيجابي لتلافي انجراف عزيز محمد وراء نجاح عمله الأول وانتشاره عربيّاً.

جاءت الرواية مغايرة ومعاصرة تماماً، من غلافها إلى تفاصيل السرد فيها، متخلصة من الحس الساخر الذي تميزت به «الحالة الحرجة للمدعو كاف»، شبيهة بحداثتنا وتفاصيل أيامنا في مجتمعات تبدلت مبانيها وعاداتها، وأصبحت جزءاً من العولمة... التقاطات سينمائية متدفقة ومتأنية - رتم العمل جاء بطيئاً - تتناول العلاقات العائلية الهشة وندوب ذاكرة الطفولة، إلا أن الحكاية تبدأ من هنا ولا تتوقف، متجاوزة المتن السردي للعائلة الموصومة بالخزي والعنف الأسري نحو آفاق أخرى غير متوقعة، مؤرخة لمدينة الخبر الساحلية بعد حرب الخليج، بعمارتها ومبانيها وأهم الأحداث التي مرت عليها. «مدينة السطح الأوحد الذي تبدله كلما أوشك أن يتجذر، لا يهم كم يمر عليها مستقبلاً من زمن، ستبقى دائماً متجددة ودائمة التغير». نظر إليها البطل بعين الطفل، ثم الباحث، ثم المعماري الخبير، مدينة تواصل التمدد والامتزاج بعالم سريع التطور.

رواية كتبت بشاعرية ممزوجة بفهم عميق للمشاعر الإنسانية، ومعضلة الخروج من لحظات التعاسة، والتحرر من تجارب الطفولة السلبية، والصدمات النفسية، وانعكاس ذلك على الشعور بالأمان والثقة بالآخرين.

بدا عزيز محمد معماريّاً ماهراً، وضع الخطوط الرئيسية لعمله ثم بنى هيكل الحكاية المدعمة بكمّ من المعلومات الدقيقة عن العمارة الحديثة وعلم النفس، وأيضاً راصداً لمّاحاً لتغيرات المجتمع في السنوات الأخيرة، بالنسبة لي لم أقرأ في الأعمال الأدبية العربية خلال العقد الأخير ذكراً لموقع «لينكدإن» وطلبيات «أمازون»، وتداولات الأسهم لصغار المستثمرين، والنادي الرياضي والوجبات الصحية، ومكاتب موظفي البنوك، وأحلام أصحاب المشاريع الصغيرة! أغلب الأعمال الأدبية تدور في فضاءات مختلفة!

الشاعرة الكويتية سعدية مفرّح: «الأكسجين ليس للموتى»

يمكنني القول إن قراءاتي هذا العام تشكّلت حول ثلاثة مسارات متوازية: الذاكرة، والأسلوب، والكتابة بوصفها فعلاً إنسانياً يقاوم الفناء.

وفي هذا السياق، ورغم كثرة الكتب التي قرأتها وتعددها، جاءت أربعة كتب كان لكل منها أثره الخاص في رؤيتي للقراءة وللعالم، أريد أن أذكرها، وأذكّر بها على هذا الصعيد؛ أولها: كتاب «الذاكرة الجمعية» لموريس هالبفاكس، وهو عمل نظري كثيف أعاد ترتيب علاقتي بالذاكرة، لا باعتبارها شأناً فردياً فحسب، بل بوصفها منظومة تشكّلها الجماعة، وتعيد الجماعة إنتاجها وفق حاجاتها وقلقها وأحلامها.

شدّني في هالبفاكس إحساسه بأن الذاكرة ليست مخزناً جامداً، بل حقلاً حياً يتغير وفق ما يطرأ على الجماعة من جراح وتحولات. هذا الفهم ساعدني على قراءة المشهد العربي اليوم من زاوية مختلفة، وزاد يقيني بأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها تحفظ قدرتها على النهوض.

والثاني كتاب «تمرينات في الأسلوب» لرايمون كونو، بترجمة محمد آيت حنّا، وهو كتاب احتفائي باللعب اللغوي، يذكّر القارئ بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل فضاء لا نهائي للتجريب وابتكار الاحتمالات.

منحني (كونو) فرصة نادرة لاستعادة مرح اللغة، الحرية التي تجعل الجملة كائناً قابلاً لإعادة الخلق آلاف المرات. الكتاب كان بمثابة تذكير جميل بأن الكتابة ليست واجباً ثقيلاً، بل لعبة ذكية يمكن للمرء أن يحترفها دون أن يفقد دهشته الأولى.

وثالثها كتاب «رسائل إلى شاعرة» لغوستاف فلوبير، بترجمة سلمى الغزاوي، وهو كتاب يعيد إلى المراسلات مكانتها القديمة: حوار هادئ بين روحين، وورشة مفتوحة للتأمل في معنى الكتابة.

أعجبني في رسائل فلوبير انكشاف الكاتب بلا أقنعة، ذلك الصوت الحميم الذي لا نسمعه عادة في كتبه الروائية. الرسائل أضافت لي الكثير على مستوى التأمل في العلاقة المعقدة بين الكاتب وعزلته، بين الرغبة في الكمال وهشاشة الروح.

أما القراءة الأكثر إيلاماً وعمقاً فكانت رواية الشهيدة الفلسطينية هبة أبو ندى «الأكسجين ليس للموتى»، تلك الرواية التي تبدو اليوم، بعد رحيل كاتبتها تحت القصف، أقرب إلى وصية مكتوبة بالدم.

هذه الرواية كانت ضربة هبة أبو ندى الأقسى. لفتني فيها ذلك التوتر العميق بين هشاشة المرء وقوة إيمانه بالحياة، بين الخوف والرغبة في الانتصار للكرامة. الرواية أضافت لي ليس مجرد متعة قراءة، بل شعوراً بالمسؤولية تجاه سرديات الفلسطينيين، خصوصاً تلك التي تُكتب في اللحظة الأخيرة قبل أن يُطفأ الضوء.

بسام المسلم

الروائي الكويتي بسام المسلم: «رجل مختلف»

تنقسم قراءتي في العام الماضي إلى ثلاثة أقسام: مُعادة وجديدة ومتعلقة بإصداري القادم. فأحياناً أجدني أتوق إلى العودة لبعض الكتب، إما بسبب الشوق إلى أجوائها، وإما نتيجة أحداثٍ في الواقع تذكرني بكتابٍ ما، فأعود إليه. فمثلاً، كان من تبعات محاولة اغتيال دونالد ترمب في بنسلفانيا، صيف العام الماضي، أن ذكّرتني برواية «رجل في الظلام» للمؤلف الأميركي بول أوستر، التي يدورُ قسمٌ منها في واقعٍ مفترض، تعاني فيه الولايات المتحدة من حربٍ أهلية.

كان ترمب وقتئذٍ الرئيس الأميركي السابق والمرشح المفترض للحزب الجمهوري، ونجا بأعجوبة من رصاصةِ أطلقها مواطن أميركي. الحادثة المثيرة ذكّرتني بالرواية التي كانت تعبيراً عن مخاوف أوستر من انقسام الولايات المتحدة في الحاضر، واحتمال انزلاقها إلى حرب أهلية مدمرة في المستقبل. كان من المفارقات، وقوع محاولة الاغتيال بعد أقلّ من ثلاثةِ أشهر على وفاةِ أوستر، الذي عبّر عن مخاوفه في حوارٍ متلفز بعد صدورِ الكتاب في 2008 بالقول: «إن ثمة حرباً أهلية في الولايات المتحدة، نحن منقسمون والفجوة تتسع يوماً بعد آخر!».

كما وجدتني، العامَ الماضي، أتوقُ إلى أجواءِ «الحرافيش» لنجيب محفوظ، فأعدتُ قراءتها باستغراقٍ واستمتاعٍ كأني أستكشفُ شخصياتها ومساراتها لأول مرة.

وحملني رحيلُ المؤلف البيروفي ماريو بارغاس، هذا العام، على العودةِ إلى كتابه «حفلة التيس» الذي حاولَ فيه أن يشرِّح نموذج النظام الديكتاتوري، عبرَ استعادةِ ثلاثين عاماً من الحكمِ المستبدّ للجنرال رافائيل تروخييو الذي استولى على السلطة في الدومينيكان عام 1930.

أما القسم الثاني من قراءتي فتمثل في كتبٍ أقرؤها للمرة الأولى، مثل كتابِ الأديبة الكويتية ليلى العثمان، بعنوان «رجل مختلف»، وهو أحدث مجموعتها القصصية. حرصتُ على قراءتها لعدةِ أسبابٍ؛ منها اهتمامي بأدبِ العثمان عموماً؛ إذ هي مؤثر أساسي في تكويني الأدبي، ومنها محاولة الالتزام بمتابعةِ فنّ القصة الآخذِ بالانحسارِ إصداراً وقراءةً.

أما القسم الثالث من القراءة، فكان متعلّقاً بعملي قيد الكتاب، ومنه كتاب الفنان التشكيلي الكويتي الراحل أيوب حسين الأيوب، بعنوان «حولّي قرية الأنس والتسلّي: من حصيلة الذكريات قبل الخمسينات» الصادر في 1987، وهو كتاب قيّم يوثّق فيه المؤلف ملامح قرية حَوَلِّي الكويتية قبل أن تبتلعها المدينة بمظاهرها الحديثة.

صالحة عبيد

الروائية الإماراتية صالحة عبيد: «زمن الغضب»

فيما يتعلق بقراءات هذا العام (2025)، فإن الأبرز منها كان الآتي: «زمن الغضب - تأريخ الحاضر» لبانكاج ميشرا، وهو كتاب مثير للاهتمام يحلل في الآثار المترسخة للغضب العالمي اليوم والآتي من محاولات فرض نموذج اجتماعي سياسي اقتصادي موحد قسراً على بلاد ما بعد الاستعمار. هذا الكتاب يجعلك تفهم فورات اليوم العالمية بشكل مفصل... مع شعورك الفادح بالتأسي في نفس الوقت يقاربه في المستوى التحليلي كتاب «الفجوة» الصادر عن «منشورات وسم» لجيسون هيكيل، والذي يحلل خرافة الفقر العالمية، وكيف بدأت، ومن يسوّقها، وكيف تصنع في عالم اليوم قنابل اقتصادية موقوتة على مستوى السرد.

وضمن الحصة الأكبر نسبياً ضمن قائمة قراءاتي، تأتي «أغنيات للعتمة» لإيمان حميدان عن «دار الساقي»، ففيها سرد أصيل وحقيقي وبعيد عن الافتعال، مع اختزال المجتمع والسياسة والجغرافيا في معاناة إنسانية حقيقية، توازيها في الصدق الإنساني رواية «لونجا القاهرة نويبع» عن «منشورات وزيز» لجنة عادل، وسؤال متسع عن الذات والهرب منها إليها في اشتباكات العائلة. وهناك أيضاً تجريب سردي جميل في «تمارين معجمية» لعلي المجنوني، من منشورات «تكوين» كتحية للغة والكلمة، وقدرتها على التشظي والإبهار، وأحمد الحقيل في «الحافة المطلة على العالم» عن كلمات للنشر، مستعرضاً تجربة هجينة بين المتخيل والذاتي بلغة أصيلة جداً.

أخيراً يتبقى لديّ الشعر... زاد الروح الضروري، وأختار منه مجموعة «فم مزموم» للشاعر الإماراتي أحمد عبيد عن منشورات «غاف»، حيث «الألفة بعظامها الأنيقة تعصر الضوضاء بهدوء أمام الليل، أمام الساحل الذي مزّق صخب عباراتنا الأولى، قبل رحيلنا الأنيق، كمهرج، كل واحد منا اختار موقفاً يؤدي إلى ذاكرته المحروقة».

وكتاب آخر عن الشعر، لخزعل الماجدي، بعنوان «العقل الشعري» عن منشورات «الرافدين»، وفيه تحليل العقل الإنساني باعتباره سؤال الشعر الممتد، لتتكون الحضارة منه وتتماهى فيه وتستمر، وهو كتاب بديع جداً.


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون محمد سليمان

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي

عمر شهريار (القاهرة)

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»