«الجولة الكبرى» بعيون «فان كليف أند آربلز»

مجوهرات رفيعة تعيد صياغة أمجاد التاريخ

لوحة زيتية للانسلوت - تيودور توربان دو كريسيه، يظهر فيها «بونتي فيكيو» بفلورنسا (فوتو غوس)
لوحة زيتية للانسلوت - تيودور توربان دو كريسيه، يظهر فيها «بونتي فيكيو» بفلورنسا (فوتو غوس)
TT

«الجولة الكبرى» بعيون «فان كليف أند آربلز»

لوحة زيتية للانسلوت - تيودور توربان دو كريسيه، يظهر فيها «بونتي فيكيو» بفلورنسا (فوتو غوس)
لوحة زيتية للانسلوت - تيودور توربان دو كريسيه، يظهر فيها «بونتي فيكيو» بفلورنسا (فوتو غوس)

هل تُصدق أن مفهوم السياحة كما نعرفه الآن وُلد في القرن السادس عشر؟ وهل يمكن أن يخطر ببالك ولو من بعيد أن من زرع بذرة التقاط صور «سيلفي» وأطلق شرارتها هم نخبة من الطبقات الأرستقراطية الإنجليزية في ذلك الوقت؟ هذا ما أكدته لنا دار «فان كليف أند آربلز» بالدليل القاطع في مجموعتها الأخيرة من المجوهرات الرفيعة في باريس. عنوانها «لو غران توغ برواية فان كليف أند آربلز (Le. Grand Tour raconté par Van Cleef & Arpels)» وهي مجموعة تستعير الكثير من الإرث الذي تركه هؤلاء الأرستقراطيون المغامرون، مسجلاً عبر لوحات فنية ووثائق وروايات.

تكتشف سريعاً أن الفرق بين مفهوم «السيلفي» آنذاك واليوم مثل الفرق بين السماء والأرض. هدف هؤلاء حين كانوا يُكلّفون رسامين لتسجيل حضورهم في لوحات تُظهرهم أمام مآثر أو أعمال فنية عظيمة، لم يكن استعراضاً بقدر ما كان توثيقاً لتحولات ثقافية وفنية واجتماعية. كانوا سابقين لأوانهم، وكان لهم الفضل في نشر ثقافات الغير. هم أيضاً من كان وراء بناء متاحف مثل المتحف البريطاني في لندن، عام 1753، و«لو ميزيم» في باريس عام 1793، الذي أعيدت تسميته لاحقاً بـ«متحف اللوفر»، وفتحها للعموم في وقت كانت فيه الأعمال الفنية الأوروبية سجينة القصور وبيوت الأثرياء.

دار «فان كليف أند آربلز» انطلقت من هذه الظاهرة التي اشتهرت بـ«الجولة الكبرى» وأصبحت تقليداً تمارسه الطبقات المخملية بشغف. كانت تنطلق من لندن باتجاه إيطاليا مروراً بباريس وألمانيا وجبال الألب.

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حظيت هذه الجولات بشعبية أكبر، بحيث جذبت عدداً أكبر من الشباب الأرستقراطي بدأوا يعدونها جزءاً من تكوينهم الشخصي والاجتماعي على حد سواء. فمن جانب تصقل شخصيتهم وتوسع عقولهم، ومن جانب آخر تضمن دخولهم إلى المجتمع الراقي بخطى واثقة. كانت تستغرق ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام وتتطلب المرور بجبال الألب بكل ما تعنيه من وعورة وخطورة. فوسائل النقل لم تكن قد تطورت بعد. ومع ذلك عدُّوها مغامرة حضارية وملحمةً شخصيةً في الوقت ذاته. كانوا يعودون بلوحات يظهرون فيها بأزياء أنيقة تعكس ثقافة البلد الذي رسمت فيه اللوحة، أو أمام معالم مروا منها لإثبات قيامهم بهذه الجولة. مع الوقت لم تعد قصراً على النخبة. دخل غمارها فنانون ومثقفون رغم تكلفتها العالية، ومع تطوّر وسائل النقل والاتصالات تطور مفهومها السياحي إلى ما هو عليه اليوم.

لوحة زيتية لنيكولا جان باتيست راغنيه تجسد مشهداً لبون نوف ومضخة ساماريتين 2023© فوتو سكالا، فلورنسا (فان كليف أند آربلز)

بالنسبة لـ«فان كليف أند آربلز» فإن Le Grand Tour أو الجولة الكبرى، وضع أسس ثقافة جديدة ساهمت من بين أشياء كثيرة، في نشر الذوق الرفيع، أو ما يعرف بـ«Grand Goût (2)» في مختلف أرجاء أوروبا، كما في نشوء الكلاسيكية الجديدة على حساب أسلوب الروكوكو الذي كان سائداً حينذاك. روعة الطبيعة وتنوعها كما ساهم هؤلاء في تصويرها ساهما أيضاً في تطوير نظرياتٍ وحركات فنية جديدة منها السامية Sublime، ثم الحركة الرومانسية.

من كل هذا استلهمت دار «فان كليف أند آربلز» مجموعتها الجديدة. وظَفت فيها كل الأساليب الفنية، من «النيو كلاسيكية» والروكوكو والرومانسية إلى تقنيات الفسيفساء وغيرها. حتى اختيارها لعنوان «لو غران توغ برواية فان كليف أند آربلز» (Le Grand Tour raconté par Van Cleef & Arpels) كان لتكريم الإرث الحضاري والإنساني، الذي خلَفته هذه الجولات.

لوحة لكاناليتو (أنطونيو كانال)، المولو، كما يمكن مشاهدته من باشينو دي سان ماركو بالبندقية (فان كليف أند آربلز)

تعرفت الدار الفرنسية على هذه الظاهرة أول مرة، بعد أربع سنوات من تأسيسها في عام 1910، عندما نشر الشاعر والكاتب الفرنسي أندريه سواريز رواية بعنوان Le Voyage du Condottière وصف فيها رحلته عبر المراكز الثقافية في البندقية وفلورنسا ونابولي، وخرج منها ببحث استطلاعيّ عن عظماء النهضة مثل ليوناردو دافنشي وبوتيتشيلي ومايكل أنجلو، وغيرهم. لخَص سواريز «الجولة الكبرى» بأنها عمل فني قائم بذاته، وهو ما فتح شهية الدار على المزيد من الاستكشاف، ليصل أوجه هذا العام. قلادات تحاكي المنحوتات وأقراط أذن تجسد لوحات من عصر النهضة؛ في حين أعادت أساور عريضة تفسير مشاهد لمواقع معروفة في روما القديمة، بأسلوب الفسيفساء العتيقة.

سوار إسكال ساكريه (فان كليف أند آربلز)

سبعون إبداعاً تُمثِل فيه كل قطعة دعوةً لاكتشاف قدرة الدار على الابتكار ومدى ارتباطها بالفنون. لا تخفي «فان كليف أند آربلز» أن المجموعة تتكئ على إرث خلفه هؤلاء الأرستقراطيون، بل تُعلن ذلك بصوت عالٍ، مؤكدةً أن له فضلاً كبيراً في تحفيز حرفييها على الخوض في تقنيات جديدة. وتضيف أن أقل ما يمكن أن يقال عنها، إنها أتاحت لهم الفرصة للسفر عبر الخيال والتاريخ لصياغة قطع تحاكي بتفاصيلها وألوانها ودقتها أعمال الفنانين الكبار.

فوياج ميستيك: بروش من الأوبال تختتم به الرحلة إلى وسط مدينة بادن بادن (فان كليف أند آربلز)

تشعر وأنت تتجول بين هذه القطع أنك تقرأ صفحات من التاريخ والجغرافيا يلتقي فيها الماضي بالحاضر. قطع تشهد على عهد الملك لويس الرابع عشر، وأخرى على كلاسيكية تستمدّ إلهامها من العصور القديمة، أو من عصر النهضة، وأخرى عادت إلى المنبع، مدينتيْ هيركولانيوم وبومبي، اللتين دفنهما ثوران بركان جبل فيزوف، لتغرف منها أفكاراً وزخرفات.

قسمتها «فان كليف أند آربلز» إلى خمس مجموعات، أو بالأحرى خمس وجهات وأزمنة. تبدأ من لندن التي كان ينطلق منها هؤلاء المستكشفون متجهة نحو باريس ومنها إلى إيطاليا مروراً ببادن بادن وجبال الألب.

عقد جوزياه: مكون من عقد وأقراط مع قلادات قابلة للفصل (تصوير غويدو فوس)

كانت الجولة الكبرى تبدأ دائماً من لندن. وبما أنها اشتهرت بصناعة خزف ويدجوود، غلب على عقد «جوزياه» اللونان الأزرق والأبيض. يتكوّن العقد من دورين من الماس، أحدهما بماسات مستديرة والآخر بماساتٍ بقطع الباغيت، يفصل بينهما صفّ من الماس بقطع الباغيت. تمّ تنفيذ صفوف الماس لتعانق منحنى خط العنق تتدلى منه كشرائط من الحرير بالنظر إلى اهتمام الدار بالموضة. بعدها تتشابك خطوط الماس لتحضن حجريَّ سافير بيضاويين يزنان 25.10 و21.78 قيراط. ما يزيد من قيمة العقد أن حجريَّ السافير قابلان للفصل ليتسنّى لصاحبته أن تزيّن بهما الأقراط

إيتوال دي غلاسييه ذهب أبيض وذهب أصفر وسافير وماسات بيضاء وصفراء (فان كليف أند آربلز)

من مشهد تغنت فيه جورج ساند في عام 1881 بجمال جبال الألب استلهم هذا البروش. فمع رحيل فصل الشتاء، تتفتح أشجار الصنوبر والبنفسج مؤذنةً بموعد تجدّد الطبيعة. في تلك اللحظات، تستفيق زهرة الذنيان الجبلية برقة في أولى الأيام الدافئة الجميلة. من هذه الصورة يأتي بروش «إيتوال دي غلاسييه» ليتغنى بجمال هذه النبتة البرية النادرة التي تتفتح براعمها في المرتفعات العالية، وتزهر كلّ سنة بشكل بتلات بيضاء مخملية جسدها حجر الماس. شُغل كلّ عنصر من عناصر هذه القطعة بدقة وعناية بالاعتماد على الماس الأبيض والأصفر والسافير الأزرق، مما زاد من بريق الانعكاسات الضوئية.

ريجينا مونتيوم: قلادة قابلة للفصل بالذهب الأبيض وحجر التورمالين الأزرق المائل للأخضر (ماركو دي غروت وغويدو فوس)

من وحي جبال الألب، يتألّق عقد «ريجينا مونتيوم» بحجرين في وسطه. الأول عبارة عن حجر تورمالين بقطع الوسادة، يتخذ موقعه في قلب عقد التشوكر، فوق حجر تورمالين آخر بالقصة البيضاوية، ويستكمل قلادةً قابلة للفصل. يتلاعب الحجران على اللونين الأخضر والأزرق، يعزّزهما بريق الماس ودرجات من الأزرق والبنفسجي لأحجار السافير والأكوامارين والتنزانيت. يستحضر الطقم كاملاً الشاعرية التي تصحب المناظر الطبيعية الجبلية الثلجية - مثل تلك الموجودة في بحيرة لاك دي كاتر كانتون التي يمكن مشاهدتها من مون ريجي في سويسرا، التي وصفها ليو تولستوي على النحو التالي في قصته القصيرة لوسرن (1857):

«عندما صعدت إلى غرفتي، وفتحت النافذة المواجهة للبحيرة، أبهرني جمال مياهها والجبال والسماء منذ اللحظة الأولى وُذهلت لما رأيت... تمتدّ البحيرة بين السواحل التي تتميّز بدرجات متفاوتة من اللون الأخضر... وفي الخلفية، بدت مرتفعاتها المبنية من الصخور وقممها الشاحبة المغطاة بالثلوج. وبدا المشهد غارقاً في أجواء زرقاء سماوية منعشة وشفافة... ».

سوار إسكال أو باليه (فان كليف أند آربلز)

بعد عبور جبال الألب، تصل «فان كليف أند آربلز» إلى إيطاليا. تزور البندقية وروما وفلورنسا ونابولي، ومن كل واحدة تستمد الخطوط الهندسية والألوان البراقة التي ظهرت في أربعة أساور، يحتفل كلّ منها بمعالم مدينة. تضيف الدار أنها استلهمتها من أساور الرباط أو bandeaux التي كانت رائجةً في العشرينات من القرن الماضي. هنا يستعيد شكلها الخارجي تركيبات على طراز الفسيفساء، تُجسِد معالم إيطالية شهيرة أو مناظر استعمل في تزيينها وتجسيدها الياقوت والزمرّد وأحجار السافير الملون والإسبنيل والعقيق والتورمالين. وتكشف الأقسام الخلفية منها هياكل مخرَمة تتيح انعكاسات الضوء عليها.

كابريتشيو: مكون من عقد وأقراط ذات قلادات قابلة للفصل (فان كليف أند آربلز)

من روما القديمة وآثارها التاريخية يستمد عقد «كابريتشيو» بأقراطه توهجه وتصميمه. يتميز بدورين من الماس، يستعيدان قبب الماضي المعماري العريق للمدينة، ويعزّزهما صفّ من الذهب الأصفر، وخمسة أحجار من الزمرّد من زامبيا صممت على شكل البندلوك. وتماشياً مع تقليد الدار في ابتكارها للمجوهرات القابلة للتحويل، يمكن إزالة أحجار الزمرد لتزيين زوج من الأقراط المطابقة، أو ارتداؤها على سلسلة مرصّعة بالماس تعرف باسم ميروار دو. لا يختلف القسم الخلفي للعقد عن الخارجي. فهو أيضاً يتميز بوفرة من الأحجار ذات أحجام مختلفة صاغها الحرفيون على شكل أوراق شجر غنية

بياتزا ديفينا: عقد مع قلادات قابلة للتعديل (تصوير مارك دي غروت)

يمثّل عقد «بياتزا ديفينا» دعوةً للسفر إلى بوابات روما، وتحديداً ساحة القديس بطرس، التي تشتهر بمعمارها الباروكي. منها يستعير هذا العقد شكله ومنحنياته، حيث تجتمع حلقات من الذهب الأبيض المرصعة بالماس، والمزينة بأحجار الزمرّد والسافير، لتتشكّل بنيته بانسيابية تامّة. وتتخلّل هذه البنية المتشابكة أربع عشرة حلية بشكل بندلوك من الذهب الوردي والماس، بالتناوب مع الزخارف التي يجمع كل منها بين ماسة بقطع الإجاصة وحجر زمرّد. وفي وسط العقد، تستعرض الميدالية حجر زمرد بيضاوي من إثيوبيا محاط بماسات مستديرة. ويتيح الهيكل الرقيق للإطار الذهبي معاينة اللون الأخضر المتوهج، مع العلم أنه يمكن استبدال بالميدالية، وفق مزاج من ترتديها، ميدالية ثانية مرصّعة بالماس في وسطها، تتناغم مع الأقراط.


مقالات ذات صلة

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

لمسات الموضة حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

تقول هاجر نبيل إنها تحاول في هذه المجموعة أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وكشف بعض أسرار التعلق بها.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

بالنسبة لها هناك قطع مجوهرات نختارها وأخرى هي التي تختارنا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قلادة الملكة نازلي قبل سرقتها من متحف بفيينا (إكس)

سرقة قلادة الملكة نازلي تنكأ جراح كنوز الأسرة العلوية «المنهوبة»

بيعت بعض مقتنيات الأسرة العلوية في مزادات رسمية عام 1954، في حين أُودعت مقتنيات أخرى في صناديق حكومية بوصفها «أحرازاً».

منى أبو النصر (القاهرة)
لمسات الموضة اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)

«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

قد يقود اسم المجموعة، للوهلة الأولى، إلى صورة «الثريا» المعلقة في سقوف البيوت، لكنه يحيل في الواقع إلى كوكبة «الثريا»، التي اهتدى بها البحارة قديماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
TT

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

عندما قدّمت علامة «برادا» تشكيلتها لربيع وصيف 2027 خلال «أسبوع ميلانو» الأخير، أكدت مرة أخرى أنها تضع مفهومي الانضباط والتناسق تحت المجهر، وفي الوقت ذاته تُرسِّخ أفكاراً أصبحت جينات ترتبط بالدار منذ تسلمت قيادتها الفنية ميوتشيا برادا.

منذ البداية، تُسوّق المصممة لفكرة أنه ليست للجمال قاعدة واحدة يجب التقيد بها. شريكها الفني، راف سيمونز يتفق معها في هذه الرؤية، التي تقول إنه من الفوضى يولد الإبداع، ومن تحت عباءة «القبح» وعدم التناسق يولد جمال، قد لا يكون تقليدياً بالضرورة، لكنه ينجح في فتح نقاشات فكرية وفنية مثيرة.

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

63 تنورة

من بين الجينات التي تعود إليها الدار في كل موسم، التنورة. فهي حاضرة في كل مجموعة مهما تبدّلت توجهات الموضة وتغيّرت نزعاتها. في الموسم المقبل، ستطغى على باقي القطع. فهي بطلة قصتها لربيع وصيف 2027 دون منازع، حيث اكتسحت العرض من خلال نحو 63 إطلالة. ولا يستغرب متابعو مسيرة الدار وأسلوب ميوتشيا الشخصي هذا العدد؛ لأنه ينسجم مع قناعة راسخة ومستديمة لدى ميوتشيا برادا بأهمية هذه القطعة ومكانتها في خزانة المرأة.

ففي مقابلة أجرتها معها إحدى المجلات في عام 2006 قالت: «بالنسبة إليّ، تُشبه التنورة القميص؛ يمكن تنسيقها بسهولة لتناسب مختلف المناسبات. لهذا أضع في كل مجموعة، وفي كل موسم، كل أفكاري فيها». وتابعت: «حتى عندما تبدو غريبة أو مُفرطة في الجرأة، فإن هذه الصفات لا تُؤثر على الإطلالة العامة لصاحبتها؛ لأنها بكل بساطة تقع في الجزء السفلي من الجسم».

ظهرت أيضاً مع جاكيتات من اللون والخامة نفسيهما (أ.ف.ب)

بعد 20 عاماً على هذه المقولة، جاءت ترجمتها في مجموعتها لربيع وصيف 2027 عبر أشكال وألوان تتراوح بين القصات الكلاسيكية ذات الطيات والثنيات الجانبية، والتصاميم العصرية المنسدلة، إلى جانب مزيج من الأقمشة المترفة والمواد الحديثة التي تزيّنت بالكريستال والأشرطة، وترافقت مع طبقات شفافة.

ورغم أنه ليس من السهل أن تُبنى تشكيلة بالكامل على قطعة واحدة، فإن ميوتشيا برادا وراف سيمونز تداركا الأمر بحرصهما على التنويع في تصاميمها وتفاصيلها. لكن مما ساعد على تماسك العرض في المقام الأول، ولم يُصب الناظر بالملل فعلياً، أن برادا وسيمونز لم يتعاملا معها على أنها قطعة ثابتة وأساسية فحسب، بل استخدماها مساحةً للتجريب وإعادة التفكير في الشكل والخامة وطريقة التنسيق، لتخدم في النهاية المرأة.

الفني والجريء

افتٌتح العرض بإطلالة مكونة من قميص داخلي من الدانتيل الأسود وتنورة بلون أحمر زاهٍ. المثير فيها أنها تنورة منخفضة الخصر تكشف جزءاً واضحاً من البطن. لم تكن الإطلالة الثانية أقل إثارة. كانت هي الأخرى تنورة بفتحة عالية جداً، في حين ظهرت العارضة الثالثة مرتدية حمالة صدر مع تنورة ذات طيات وكشاكش جانبية مبتكرة. وهكذا تكرر المشهد وتوالت الإطلالات بتناسبات تسمح لهذه القطعة بالانحدار نحو الوركين بدلاً من أن تستقر عند الخصر كما هو متعارف عليه أو تغطي الركبة ولا تتعداها كثيراً. وربما كان طولها هو القاسم المشترك بينها؛ لأنها جاءت تلامس الركبة أو بالكاد تُغطيها، باستثناء قطع قليلة جداً لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

جرأة التنسيق لم تمحُ جمال التنورة ومرونتها (أ.ب)

اختبار الأفكار

تجدر الإشارة هنا إلى أن الحالة التجريبية التي خضعت لها التنورة هذا الموسم، ليست جديدة على مصممة تتعامل مع الأنوثة بوصفها أكثر من مجرد مظهر خارجي، وتأخذنا إلى خلفيتها الثقافية وميولها الفكرية اليسارية، بما في ذلك، علاقتها الطويلة بقضايا المرأة وتحريرها من القوالب الجاهزة، التي كانت التنورة طرفاً فيها إلى حد ما.

فحتى في شبابها وهي ناشطة في «الحزب الشيوعي الإيطالي»؛ أي في وقت لم تكن فيه التنورة جزءاً من الثقافة اليسارية مثل الجينز، تبنّتها ميوتشيا برادا زيّاً خاصاً بها، في مفارقة تعكس استقلالها وعدم ميلها إلى التقيد بالقواعد الجمالية والاجتماعية السائدة. مع الوقت؛ أصبحت واحدة من المفردات التي تستعملها وسيلةً للتعبير عن التناقض والاستقلال؛ وليست فقط رمزاً للأناقة كما يراها المجتمع.

وجه الاختلاف بينها وبين بعض النسويات، اللاتي رفضنها، أنها لم تُعانقها بصورتها الأنثوية المُغرية أو الرومانسية. اختارت في المقابل اتجاهاً ثالثاً يتعامل معها بوصفها قطعة أساسية تعتمد على طُرق تنسيقها للحصول على المظهر الذي تتوخاه المرأة، وهكذا تُثبت أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

إذا كانت بتصميمها المستقيم والضيق تناسب امرأة تريد إبراز أنوثتها، مثل كيم كاردشيان، وبشكلها المستدير تخاطب امرأة رومانسية، فإنها بالشكل الذي تقترحه دائماً، تفرض نفسها بجدية تُركّز على الفني والمريح بدل الأنثوي وحده. وهذا يعني أنها لا تعانق الجسم بقدر ما تلاعبه وتتراقص معه، وهنا تكمن عمليتها وجاذبيتها.

نُسقت مع كنزات وسترات لخلق تنوع يُدخلها كل المناسبات (أ.ف.ب)

وربما هذا ما شفع لهذه المجموعة وأنقذها من إصابة المتابع بالتخمة. فهي تُقدم احتمالات لا تنتهي للقطعة الواحدة، وفق طريقة تنسيقها. عندما تنسَّق مع سترات مستوحاة من خزانة الرجل، فإنها تعطي تأثيراً مختلفاً عن تنسيقها مع قمصان مع حمالات صدر. الأمر ذاته ينطبق على التنوع في الخامات، التي تتراوح بين النايلون والأقمشة الصناعية والقطن والجلد، لتلعب على ازدواجية القوة والنعومة. وفي كل الإطلالات تقريباً، تبدو إطاراً تُسقط عليه الدار الأفكار الجديدة، وتستعمل الخامات المتنوعة والتفاصيل المبتكرة لخلق شخصيات مختلفة تتراوح بين البساطة والتعقيد.

طريقة تنسيقها تحدد مكانتها والمناسبة (إ.ب.أ)

توظيف الفكري بأدوات تجارية

من يتابع مسيرة ميوتشيا برادا منذ عقود، يعرف أن وراء اختياراتها الجمالية والفنية، فكرة تتجاوز الشكل وحده. فهي تعشق إثارة النقاشات الفكرية من خلال الموضة، وهو ما وجدته أيضاً في شريكها الفني راف سيمونز. بينهما انسجام كبير في القناعات والرؤى، ورغبة مشتركة في طرح الأسئلة أكبر من تقديم ابالإنجدلإجابات الجاهزة.

ومن خلال محاولتهما كسر القوالب المألوفة والتقاليد الراسخة، فهما لا يختبران فقط حدود الموضة أو قولبتها، بل يقدمان تصوراً أوسع شمولية للجمال. هذا التصور يفتح مساحة تتسع لكل الاحتمالات؛ للرومانسية والشاعرية وللجدية والعملية، ولما هو جريء وغير متوقع تبعاً لشخصية المرأة التي ترتديه.

ويبقى اللافت أنه، حتى في أعلى اقتراحاتهما جرأة، تظل هناك قدرة عجيبة على مخاطبة سوق واسعة تعرف «برادا» جيداً كيف تصل إليها. فقد سبق للدار أن قدمت تصاميم بدت، عند ظهورها أول مرة، غير مألوفة أو حتى صادمة، قبل أن تجد طريقها تدريجياً إلى خزانة المرأة وتتحول اختياراتٍ ناجحةً تجارياً. وهذه ربما من أشد نقاط قوة «برادا»: قدرتها على دفع حدود المألوف، من دون أن تفقد صلتها بالمرأة أو بالسوق.

لعبت على النعومة والقوة عبر الجمع بين الحرير والجلد (إ.ب.أ)

وهذه القدرة على دفع حدود المألوف، من دون فقدان الصلة بالسوق، تتجلى بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها ميوتشيا مع التنورة. فهي ودار «برادا» عموما تدركان أن عالم الأعمال لا يكتفي بالأفكار الفلسفية والفنية أو بالمشاعر، بل لا بد في نهاية المطاف من ترجمتها أرقاماً؛ لذلك تصوغ المصممة التنورة بأشكال مفعمة بالأناقة والجمال تلائم مناسبات متعددة، وتجمع في الوقت نفسه بين العملية والمرونة، بما يتيح للمرأة حرية أكبر في الحركة. والأهم؛ أنها لا تَفرض على الجسد، مهما اختلفت مقاييسه وأبعاده، نموذجاً واحداً أو صورةً محددة للأنوثة.

فالتصميم يَترك مساحة للمرأة كي تمنحه شخصيتها الخاصة، بدل أن يَفرض عليها نمطاً جاهزاً ومكرراً. ولعل هذا ما يجعل التنورة في هذا العرض أكبر من مجرد قطعة متكررة على المنصة أكثر من 60 مرة. فمع نهاية العرض، يتضح أن كل تصميم قُدِّم تأكيدٌ جديدٌ على أن التنورة ستكون الزي الرسمي لامرأة «برادا» في الموسم المقبل.


مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
TT

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

هناك جروح لا تأتي من الفراق نفسه، وإنما من الطريقة التي يحدث بها الفراق وما يتركه من فراغ، عندما تنتهي علاقة عمرها سنوات في لحظة واحدة، ينتقل فيها الطرف الآخر إلى الصفحة التالية بسهولة وباحتفالية، بينما تبقى أنت عالقاً تبحث عن تفسير لكي تضع نقطة النهاية.

جُرح التخلي والإحساس بالفقد لا يخصان العلاقات العاطفية وحدها، بل يمكن أن يحدثا في العمل أيضاً. وربما يكونا أكثر قسوة عندما يكون هذا العمل هو الذي بنيت فيه جزءاً كبيراً من هويتك وحياتك. وهذا بالضبط ما تكشفه تجربة مصممة «شانيل» السابقة فيرجيني فيارد في كتاب بعنوان «نظرة: حياة في دار شانيل» Un regard: Une vie chez Chanel نشرته مؤخراً ليتزامن صدوره مع أسبوع باريس لربيع وصيف 2027.

فيرجيني فيار تحيي الحضور بعد انتهاء عرضها لربيع وصيف 2024 (أ.ف.ب)

فالمصممة التي قضت أكثر من ثلاثين عاماً في الدار الفرنسية، وعملت إلى جانب كارل لاغرفيلد لعقود، ثم أصبحت المديرة الإبداعية للدار بعد وفاته، تفتح للمرة الأولى تقريباً هذا الباب المغلق منذ خروجها في عام 2024: باب الألم.

فيار لا تتحدث في الكتاب عن الملابس والعروض والنجاحات والإخفاقات فقط، بل تفتح أيضاً الباب أمام مشاعر نادراً ما نراها خلف بريق عالم الموضة: غضبها وحزنها من الطريقة التي انتهت بها علاقتها بـ«شانيل»، والأكثر من ذلك، ألمها من شعورها بأن ما قدمته للدار لم يحظَ بالاعتراف الذي كانت تتوقعه.

لذلك، فإن كتابها Un regard: Une vie chez Chanel، ليس مجرد مذكرات عن الموضة، بل حكاية مصممة تحاول أن تستعيد مكانها في قصة أمضت أكثر من ثلاثة عقود في صناعتها. مصممة لا تحاول فقط أن تتذكر ما كان، بل أن تعرف أيضاً ماذا بقي منها بعد أن أغلقت «شانيل» الباب خلفها.

في الكتاب، كما في تصريحاتها الإعلامية، لا تتساءل لماذا تخلَت عني «شانيل»، بقدر ما تتساءل: كيف لا أُذكر، وكأنني لم أكن هناك أو أترك أثراً؟ وكيف يمكن أن تُطوى السنوات التي قضيتها فيها بهذه السهولة كما لم تكن؟.

ماذا فعل بها الرحيل؟

تؤكد فيارد في مقابلاتها التلفزيونية أنها متحدثة غير جيدة. فقد كانت دائماً تتجنَب الأضواء مفضلة أن تتحدث أعمالها عنها، ورغم ذلك نجحت إلى حد كبير في أن تنقل إلى المشاهد والقارئ، شيئاً من حزنها وألمها في كونها اختُزلت إلى مجرد «فاصل» في قصة «شانيل»، بين كارل لاغرفيلد وماثيو بلازي.

 

ظلت وفيَّة لأسلوبها الهادئ في كل تشكيلاتها (صورة أرشيفية)

دخلت المصممة «شانيل» عام 1986، وهي في الرابعة والعشرين من عمرها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءاً من الدار، وإن بقيت طويلاً بعيداً عن الأضواء. كانت المرأة التي تعمل خلف الكواليس، تعرف تفاصيل الملابس، وتتابع الحرفيين وفرق العمل، وتحوّل أفكار كارل لاغرفيلد إلى مجموعات حقيقية. كانت، كما تقول عن نفسها: «مترجمة جيدة جداً لأفكاره». وهنا تبدأ قصة علاقة طويلة ومعقدة مع لاغرفيلد.

كان هو الشخصية الطاغية، صاحب الحضور الإعلامي والشخصية الاستعراضية، بينما كانت هي أكثر تحفظاً وهدوءاً. أمضيا معاً عقوداً، كان فيها لاغرفيلد معلماً وصديقاً ورئيساً وشخصاً اكتشف موهبتها، لكنه كان أيضاً شخصية كبيرة إلى درجة جعلت من الصعب عليها أن تجد لنفسها مساحة مستقلة. ظلت في عيون متابعي الموضة تحت جلبابه حتى بعد وفاته.

تكتب فيارد في نهاية كتابها رسالة إلى لاغرفيلد، وتقول له: «ألومك قليلاً... لأنك كنت الوحيد الذي رآني حقاً». هذه الجملة ربما تلخص امتناناً عميقاً لرجل ساعدها على اكتشاف نفسها، وفي الوقت نفسه كان قربها منه بمثابة نقمة لأنه جعلها تعيش دائماً في ظله.

فبعد وفاته في عام 2019، أصبحت فيارد المديرة الإبداعية لـ«شانيل». لم يكن الأمر سهلاً. فهي لم ترث المنصب فقط؛ ورثت المقارنة معه. كان عليها أن تثبت قدرتها على قيادة «شانيل» من دون أن تحاول أن تكون كارل لاغرفيلد جديداً.

ظلت فيرجيني وفية لأسلوب الدار وتلعب على المضمون والجينات المتوارثة (إ.ب.أ)

جاء أسلوبها أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً تركز فيه على الحرفية أكثر من خلال تصاميم يمكن أن تعيش معها المرأة لزمن طويل، ولا تعتمد على الإبهار الذي تصنعه عروض الأزياء الضخمة. وخلال خمس سنوات على رأس الدار، قدمت لحظات مهمة، من بينها عرض «متييه داغ» Métiers d’Art في داكار عام 2022، الذي تعتبره من أكثر أعمالها فخراً. وتُذكّر بأن الدار حققت خلال إدارتها نتائج تجارية قوية، حتى لو لم تلقَ مجموعاتها دائماً الترحيب نفسه في الصحافة وفي أوساط الموضة.

لكن تجربتها لم تكن خالية من الأخطاء. وهنا تبدو فيارد صريحة مع نفسها. فهي تعترف بأنها كانت شديدة التحفظ، وأنها لم تأخذ الوقت الكافي لاختيار «ذراع يمنى» يساعدها كما كانت هي مع كارل لاغرفيلد، ترى الآن أن ذلك جعلها أكثر هشاشة. كما تعترف بأن عرض مارسيليا في مايو 2024 لم يكن ناجحاً كما كانت تتمنى.

من عرضها على نهر السين لخريف وشتاء 2024 (صورة أرشيفية)

ثم جاء الخامس من يونيو 2024، حين أبلغها آلان فيرتهايمر، أحد مالكي «شانيل»، بأن العلاقة ستنتهي. لم تكن تتوقع القرار. ولم تحصل، بحسب روايتها، على تفسير واضح. وبعد الغداء وقعت الأوراق، ودَعت فريقها، وفي اليوم التالي وصلت صناديق أغراضها إلى منزلها. كان كل شيء سريعاً بشكل مؤلم.

وفي مقابلتها التلفزيونية الأخيرة مع برنامج Quotidien، التي عُرضت في 2 أكتوبر 2026، عادت فيارد إلى تلك اللحظة للمرة الأولى، عندما سُئلت عن سبب إقالتها، وردّت ببساطة إنها لم تحصل على تفسير شاف، وإنها حتى اليوم لا تعرف تماماً لماذا حدث ذلك. وأضافت أن هذا تحديداً أحد الأسباب التي دفعتها إلى تأليف الكتاب: «كنت أريد أن أفهم».

الأصعب، كما قالت، لم يكن فقط إنهاء العقد، وبأن الأمر كان سيصبح أقل إيلاماً لو قيل لها ببساطة: «انتهى الأمر، لكن السنوات التي قضيتها معنا كانت جميلة». فهذا بالنسبة إليها، كان سيجعل النهاية أكثر إنسانية.

رفض النسيان

ثم جاء الجرح الأكبر من الذاكرة عندما غادرت الدار، حيث شعرت أن اسمها بدأ يختفي من رواية تاريخ «شانيل». كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد مرحلة انتقالية بين اسمين، أو حسب قولها «مجرد فاصل».

تقول في واحدة من أكثر العبارات حزناً في الكتاب، إنها عندما تنظر اليوم إلى مجموعاتها تتساءل كيف استطاعت أن تكون «قوية إلى هذا الحد وقليلة الحضور في الذاكرة الجماعية بهذا الشكل وكأن مجموعاتها عبرت العالم في صمت»، وكانت هي موجودة «خلف زجاج».


«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
TT

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

لم تتغير صورة المرأة في عرض «كارولينا هيريرا لربيع وصيف 2027»؛ فهي لا تزال مفعمة بالأنوثة والجمال والفخامة. لم يتغير أيضاً مصدر إلهامها: نيويورك، المدينة التي قدمت فيها كارولينا هيريرا أول عرض لها في عام 1981.

تقول الدار في بيانها الصحافي إن المجموعة تعود إلى العالم الذي ابتكرته كارولينا في نيويورك عام 1981، من خلال لوحة ألوان تتباين بين الأسود والأبيض وأحمر هيريرا والأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك، كما تستمدّ بعض تفاصيلها الأخرى، الوحي من بسكويت نيويورك الشهير بلونيه الأسود والأبيض.

الأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك سيحضر بقوة في الموسم المقبل (كارولينا هيريرا)

يستمد هذا العالم أيضاً إلهامه من أيقونات موضة أسهمن في رسم ملامحه، مثل سي. زي. غِست، سيدة مجتمع معروفة في نيويورك، وديانا فريلاند، التي ترأست مجلة «فوغ» الأميركية و«هاربر بازار» سابقاً، ولي رادزويل، الشقيقة الصغرى لجاكلين كينيدي أوناسيس. وفي هذا السياق، يقول غوردون ويس، مصمم الدار الحالي: «أردتُ أن أتخيّل كيف تبدو تلك المرأة الراقية اليوم». ترجم هذه الفكرة في أزياء تغطي احتياجات امرأة لا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

تباينت اقتراحات الدار بين أزياء للنهار وأخرى للمساء والسهرة (كارولينا هيريرا)

فهذه المرأة دائمة الحركة؛ قد تتنزه في بارك أفينيو أو تُلبِي دعوة غذاء، أو تضطر للركض لتستوقف سيّارة أجرة للحاق باجتماع عمل، وبالتالي تحتاج لكل هذه التحركات أزياء مناسبة.

لبَى غوردون ويس هذه الرغبات أو المتطلبات، واقترح مجموعة تنتقل من النهار إلى المساء بانسيابية وفخامة، من خلال سترات ذات قصّات طويلة، وتنانير واسعة وفساتين مستقيمة ومرنة في الوقت نفسه. تعتمد للنهار على أقمشة التويد والبوبلين القطني والغاباردين والدنيم للنهار، وللمساء والسهرة على الشيفون والأورغانزا والدانتيل المعدني وقماش الغزار.

تعود الدار إلى القيم التي رسمت هويّة الدار منذ انطلاقتها في عام 1981 (كارولينا هيريرا)

وبما أن مصمم الدار، غوردن ويس، لا يعترف بالحلول الوسطى، ويعشق الألوان الصارخة والنقشات الواضحة، فإن المجموعة طرحت أزياء كثيرة بنقشات البولكا، إحدى بصمات الدار، بألوان متنوعة طالت الإكسسوارات أيضاً، إلى جانب أخرى متفتحة بالورود والأزهار.

شراكات استثنائية

بورتريه السيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول (كارولينا هيريرا)

وتروي المجموعة حكاية هيريرا مع نيويورك عبر ثلاث شراكات، تستحضر كلّ منها محطّة من تاريخ الدار في المدينة.

في الأولى، تتعاون مع مؤسسة آندي وارهول للفنون البصرية لتقديم بورتريه للسيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول. وتظهر الصورة، التي يُرخَّص استخدامها للمرّة الأولى، على مجموعة مختارة من القطع، من بينها فستان قصير مطرّز وحقيبة «جاكلين». ويستحضر البورتريه الصداقة التي جمعت وارهول بالسيدة هيريرا والعالم الإبداعي الذي جمعهما في نيويورك.

تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية (كارولينا هيريرا)

في الثانية، تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية. وفي إطار هذه الشراكة، يُعيد فستان وقطع منفصلة أخرى مطرّزة، إحياء غلاف العدد الذي وصل إلى أكشاك الصحف في 27 أبريل (نيسان) 1981، وهو اليوم نفسه الذي قدّمت فيه كارولينا هيريرا أوّل عرض أزياء لها في نادي متروبوليتان. رسمت الفنانة لوني سو جونسون الغلاف الأصلي، فيما أعاد مشغل هيريرا تجسيد أفق مانهاتن الظاهر فيه بالتطريز اليدوي.

تطريزات غنية مستوحاة من علاقة الدار بشركة «تافين» للمجوهرات (كارولينا هيريرا)

أمّا الشراكة الثالثة، فتجمع كارولينا هيريرا بدار المجوهرات الراقية Taffin، التي أسّسها «جايمس دي جيفنشي». وتعود الحكاية إلى عنوان جمع الدارَين يوماً: 954 ماديسون أفينيو. فقد كان المبنى يحتضن متجراً لـ«جيفنشي»، ثم افتتحت «تافين» أول صالة عرض لها في طابقه الثالث. وحين استحوذت كارولينا هيريرا على المبنى لاحقاً، بقيت «تافين» فيه لسنوات عدّة، كذلك العلاقة التي تربطهما ببعض.