مؤشرات متباينة في اليابان تربك رؤية مستقبل الاقتصاد

نمو أقل من المتوقع... وثقة متصاعدة للمستهلكين

رجل يمر أمام لوحة وسط طوكيو تعرض مكاسب كبرى على مؤشر نيكي الياباني مع افتتاح الأسبوع يوم الاثنين (إ.ب.أ)
رجل يمر أمام لوحة وسط طوكيو تعرض مكاسب كبرى على مؤشر نيكي الياباني مع افتتاح الأسبوع يوم الاثنين (إ.ب.أ)
TT

مؤشرات متباينة في اليابان تربك رؤية مستقبل الاقتصاد

رجل يمر أمام لوحة وسط طوكيو تعرض مكاسب كبرى على مؤشر نيكي الياباني مع افتتاح الأسبوع يوم الاثنين (إ.ب.أ)
رجل يمر أمام لوحة وسط طوكيو تعرض مكاسب كبرى على مؤشر نيكي الياباني مع افتتاح الأسبوع يوم الاثنين (إ.ب.أ)

بين حركة مبيعات تجزئة متراجعة، وثقة مستهلك ترتفع، لا تزال اليابان - التي تطبق سياسات مالية تيسيرية بشكل شبه منفرد بين كل البلدان الصناعية الكبرى - تثير الاندهاش في تناقضاتها الاقتصادية.

بشكل عام، أظهرت بيانات اقتصادية نشرت يوم الاثنين نمو الناتج الصناعي لليابان خلال شهر يونيو (حزيران) بنسبة 2 في المائة شهريا. وذكرت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية أن نمو الناتج الصناعي جاء أقل من توقعات المحللين التي كانت 2.4 في المائة، بعد انكماشه بمعدل 2.2 في المائة خلال مايو (أيار) الماضي.

وعلى أساس سنوي، تراجع الناتج الصناعي خلال يونيو بنسبة 0.4 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 4.2 في المائة سنويا خلال الشهر السابق. وفي الوقت نفسه عدلت الوزارة تقييمها للناتج الصناعي وقالت إنه يظهر مؤشرات على النمو بوتيرة معتدلة.

لكن في الوقت ذاته، أعلنت الوزارة نفسها في بيان منفصل، تراجع قيمة مبيعات التجزئة في اليابان خلال يونيو بنسبة 0.4 في المائة شهريا إلى 13.225 تريليون ين (93.7 مليار دولار).

وكان المحللون يتوقعون نمو المبيعات بنسبة 0.2 في المائة، بعد ارتفاعها خلال مايو الماضي بنسبة 1.4 في المائة وفقا للبيانات المعدلة، وبنسبة 1.3 في المائة وفقا للبيانات الأولية. وعلى أساس سنوي زادت مبيعات التجزئة في اليابان خلال الشهر الماضي بنسبة 5.9 في المائة، وهو ما جاء متفقا مع توقعات المحللين، بعد ارتفاعها بنسبة 5.8 في المائة خلال الشهر السابق.

وبالرغم من التراجع الشهري لمبيعات التجزئة، أظهرت بيانات مكتب الوزراء الياباني يوم الاثنين تحسن مؤشر ثقة المستهلكين للشهر الخامس على التوالي خلال يوليو (تموز)، ليصل لأعلى مستوى منذ أكثر من عام ونصف العام.

وقد ارتفع مؤشر ثقة المستهلكين بعد حساب المتغيرات الموسمية إلى 37.1 نقطة في يوليو، مقارنة بـ36.2 فقط في يونيو الماضي. وقد ارتفع المؤشر الذي يعكس رغبة الأسر في شراء السلع المعمرة إلى 31.1 نقطة، مقارنة بـ29.9 في الشهر السابق، كما ارتفع مؤشر نمو الدخل بواقع 0.3 نقطة ليصل إلى 39.2 نقطة.

ورغم العوامل الإيجابية من نمو وثقة مستهلك، لا تزال هناك عدة عوامل سلبية متزايدة، ومن بينها على سبيل المثال بيانات وزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة اليابانية الصادرة يوم الاثنين، والتي أظهرت تراجع عدد مشروعات الإسكان التي بدأ العمل فيها باليابان خلال يونيو بأكثر من التوقعات بعد ارتفاعه في الشهر السابق.

وذكرت الوزارة أن عدد المشروعات الجديدة تراجع خلال يونيو بنسبة 4.8 في المائة سنويا في حين كان المحللون يتوقعون تراجعه بنسبة 0.2 في المائة فقط، بعد ارتفاعه في مايو بنسبة 3.5 في المائة، وكان أول ارتفاع له منذ 4 شهور. كما أظهرت بيانات الوزارة انكماش عدد المشروعات الجديدة في كل الفئات سواء التمليك أو الإيجار أو التي يتم بناؤها بغرض البيع.

وتفاعلاً مع البيانات، ارتفع مؤشر نيكي الياباني يوم الاثنين إلى أعلى مستوى في أربعة أسابيع وسط تحسن في معنويات المستثمرين على خلفية الهدوء في سوق السندات بعد تعديل بنك اليابان سياسته بشكل مفاجئ وتزايد التفاؤل إثر تباطؤ التضخم في الولايات المتحدة.

وقادت نتائج بعض الشركات إلى ارتفاع أسهمها، وزاد سهم «تويوتا تسوشو» للخدمات اللوجيستية التابعة لمجموعة «تويوتا» قرابة العشرة في المائة مما ساعد على النهوض بقطاع السيارات.

وصعد مؤشر نيكي 1.26 في المائة إلى 33172.22 نقطة، وكان قد ارتفع بما يصل إلى 2 في المائة في وقت سابق من الجلسة. كما ارتفع المؤشر توبكس الأوسع نطاقا 1.39 في المائة إلى 2322.56 نقطة. ومن بين 225 سهما على المؤشر نيكي، ارتفع 191 وانخفض 34 سهما.

وقال ماساهيرو إيتشيكاوا كبير خبراء السوق في «سوميتومو ميتسوي دي إس» لإدارة الأصول إن بنك اليابان «حافظ على سياسة التيسير النقدي في الوقت الحالي، وبالتالي تراجعت حالة الضبابية التي رأيناها مؤخرا».

وأضاف أنه «من المحتمل أن يكون اليوم (الاثنين) هو أعلى مستوى لهذا الأسبوع. نظرا لعدم المضي قدما في خفض أسعار الفائدة، ويبدو من غير المحتمل استمرار هبوط الين وارتفاع الأسهم».

وأبقى بنك اليابان يوم الجمعة إجراءات التحفيز من دون تغيير، لكنه أعلن أنه سيجري عمليات شراء للسندات بعائد واحد في المائة بدلا من سقف رسمي محدد عند 0.5 في المائة في ظل سيطرته على منحنى العائد.

وارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية إلى أعلى مستوى لها في تسع سنوات عند 0.605 في المائة ليبدأ التداول عليها يوم الاثنين، لكنها لم ترتفع عن ذلك بعدما أجرى البنك المركزي عمليات شراء إضافية لإبطاء ارتفاعها.

كما تلقت الأسهم اليابانية دعماً من ارتفاع وول ستريت يوم الجمعة، بعد أن أظهرت البيانات ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة بأبطأ وتيرة منذ أوائل عام 2021.

وكان قطاع الآلات الدقيقة الأفضل أداء من بين 33 قطاعاً في بورصة طوكيو يوم الاثنين بزيادة 3 في المائة، تلاه قطاع معدات النقل بارتفاع 2.83 في المائة.

ومن جانبه، انخفض الين يوم الاثنين ليواصل خسائره من جلسة متقلبة في نهاية الأسبوع الماضي بعد أن خفف بنك اليابان المركزي قبضته على أسعار الفائدة.

وانخفض الين بنحو 0.5 في المائة إلى 141.92 مقابل الدولار في التعاملات الآسيوية، لكنه سيحقق على ما يبدو مكاسب تزيد على 1.5 في المائة بنهاية الشهر.

وتراجعت العملة اليابانية بشدة يوم الجمعة مع محاولة المتعاملين تحديد الآثار المترتبة على تحرك بنك اليابان للحفاظ على أسعار فائدة منخفضة للغاية، وجعل سياسته للتحكم في منحنى عوائد السندات أكثر مرونة، وتخفيف دفاعه عن وضع سقف طويل الأجل لأسعار الفائدة في ختام اجتماعه بشأن السياسة النقدية.


مقالات ذات صلة

قيمة «ديب سيك» تناهز 45 مليار دولار وسط محادثات استثمار

الاقتصاد مقر البورصة بجزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

قيمة «ديب سيك» تناهز 45 مليار دولار وسط محادثات استثمار

يُجري صندوق استثمار صيني محادثات لقيادة جولة تمويل لشركة «ديب سيك»، والتي قد تُقيّم مختبر الذكاء الاصطناعي الرائد بنحو 45 مليار دولار

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد يمرّ أشخاص بجوار مطاعم ومتاجر في شارع فارشاور شتراسه ببرلين (رويترز)

انكماش قطاع الخدمات في منطقة اليورو لأول مرة منذ عام وسط تداعيات الحرب

أظهر مسح نُشر يوم الأربعاء أن نشاط قطاع الخدمات في منطقة اليورو انكمش في أبريل (نيسان) للمرة الأولى منذ نحو عام، متأثراً بضعف الطلب وتراجع أعمال التصدير.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد يتناول الزبائن وجباتهم داخل مطعم في أحد المراكز التجارية بمدينة نويدا (رويترز)

انتعاش نمو قطاع الخدمات في الهند خلال أبريل بدعم الطلب المحلي رغم الحرب

أظهر مسح نُشر يوم الأربعاء انتعاش نمو قطاع الخدمات في الهند خلال أبريل (نيسان)، مدفوعاً بقوة الطلب المحلي الذي عوّض تباطؤ الطلب الخارجي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد زوار في مطعم «فكوسنو آند توتشكا» بموسكو (رويترز)

انكماش «خدمات» روسيا للشهر الثاني يهبط بثقة «الأعمال» لأدنى مستوى في 3 سنوات

أظهر مسحٌ، نُشر يوم الأربعاء، أن قطاع الخدمات في روسيا واصل انكماشه، للشهر الثاني على التوالي، خلال أبريل، في ظل ضعف طلب العملاء.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
الاقتصاد منصة غاز تابعة لشركة «إكوينور» في بحر الشمال بالنرويج (رويترز)

أرباح «إكوينور» النرويجية تتجاوز التوقعات بالربع الأول بدعم من زخم الإنتاج وأسعار الطاقة

أعلنت مجموعة الطاقة النرويجية «إكوينور»، يوم الأربعاء، عن تحقيق أرباح تفوق التوقعات خلال الربع الأول من العام الجاري.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

قيمة «ديب سيك» تناهز 45 مليار دولار وسط محادثات استثمار

مقر البورصة بجزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة بجزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

قيمة «ديب سيك» تناهز 45 مليار دولار وسط محادثات استثمار

مقر البورصة بجزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة بجزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز»، نقلاً عن أربعة مصادر مطلعة، أن صندوق الاستثمار الصيني لصناعة الدوائر المتكاملة، وهو أكبر صندوق استثماري مدعوم من الدولة في الصين بمجال أشباه الموصلات، يُجري محادثات لقيادة أول جولة تمويل لشركة «ديب سيك»، والتي قد تُقيّم مختبر الذكاء الاصطناعي الرائد بنحو 45 مليار دولار.

وبالتوازي مع ذلك، قفز مؤشر الأسهم القيادية الصينية إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات، يوم الأربعاء، حيث أقبل المتداولون العائدون من عطلةٍ استمرت خمسة أيام على شراء أسهم التكنولوجيا، مدفوعين بالحماس العالمي المتواصل تجاه الذكاء الاصطناعي، وظهور مؤشرات جديدة على مرونة الاقتصاد الصيني.

كما ارتفعت أسهم هونغ كونغ، لتنضم إلى موجة انتعاش إقليمية مع ازدياد الآمال في التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب الدائرة بالشرق الأوسط منذ شهرين.

وارتفع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنسبة 1.6 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أوائل عام 2022. وارتفع مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 1.3 في المائة، بينما قفز مؤشر «ستار50» الذي يركز على التكنولوجيا بنسبة 8 في المائة. وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر هانغ سينغ بنسبة 0.8 في المائة.

وقال دينغ ليجون، الاستراتيجي بشركة «هواجين» للأوراق المالية، في إشارة إلى المخاوف من تجدد الضربات الأميركية على إيران: «إذا نظرنا إلى الأحداث العالمية خلال العطلة، فإن ما كان يخشاه الناس لم يحدث». وأضاف، خلال جولة ترويجية، أن إعادة فتح السوق الصينية قُوبلت بمؤشرات على مرونة الاقتصاد المحلي، وأداء قوي لحصص شركات التكنولوجيا في الأسواق العالمية.

وأظهرت البيانات، الصادرة يوم الأربعاء، أن نشاط الخدمات في الصين توسَّع بوتيرة أسرع في أبريل (نيسان) الماضي، كما أسهم النمو القوي بقطاع التكنولوجيا الصيني في تحسين المعنويات.

وارتفع صافي أرباح الشركات المُدرَجة في بورصة شنتشن للشركات الناشئة «تشاي نيكست» وسوق شنغهاي «ستار» بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً بذلك أداء السوق بشكل عام، مما يعكس نجاحاً مبدئياً في إعادة هيكلة الاقتصاد الصيني. وخلصت مؤسسة «إس دبليو إس» للأبحاث إلى أن ربحية الشركات الصينية المدرجة في البورصة تخطت نقطة أدنى مستوياتها، مما يؤكد تفوق قطاع التصنيع الصيني.

وفي غضون ذلك، تعززت الثقة في اكتفاء الصين الذاتي التكنولوجي بعد تقارير إعلامية تفيد بأن «هواوي» تتوقع قفزة في إيرادات رقائق الذكاء الاصطناعي بنسبة 60 في المائة على الأقل، هذا العام.

وارتفع مؤشر شركات تصنيع الرقائق الصينية بنسبة 9 في المائة مسجلاً أعلى مستوى له على الإطلاق، في حين أقبل المستثمرون بكثافة على أسهم الذكاء الاصطناعي.

وانخفضت أسهم الطاقة في الصين وسط مؤشرات على انحسار التوترات بالشرق الأوسط. وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، بأنه سيُوقف مؤقتاً عملية مرافقة السفن عبر مضيق هرمز، مشيراً إلى التقدم المُحرَز نحو التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران.


الغاز الأوروبي يتراجع 9 % مع مؤشرات اتفاق أميركي إيراني

شاشة عرض توضح أسعار الوقود في محطة بنزين بمدينة راندرز، الدنمارك (إ.ب.أ)
شاشة عرض توضح أسعار الوقود في محطة بنزين بمدينة راندرز، الدنمارك (إ.ب.أ)
TT

الغاز الأوروبي يتراجع 9 % مع مؤشرات اتفاق أميركي إيراني

شاشة عرض توضح أسعار الوقود في محطة بنزين بمدينة راندرز، الدنمارك (إ.ب.أ)
شاشة عرض توضح أسعار الوقود في محطة بنزين بمدينة راندرز، الدنمارك (إ.ب.أ)

هوت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنحو 9 في المائة، مسجلة أكبر وتيرة انخفاض يومية في نحو ثلاثة أسابيع، مع تزايد رهانات الأسواق على تهدئة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وإمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، ما خفف المخاوف بشأن اضطرابات الإمدادات العالمية.


السعودية... إنفاق رأسمالي ضخم يواكب مرحلة الحسم لـ«رؤية 2030»

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

السعودية... إنفاق رأسمالي ضخم يواكب مرحلة الحسم لـ«رؤية 2030»

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

سجل الإنفاق الرأسمالي في السعودية خلال الربع الأول من عام 2026 أعلى مستوياته منذ 10 سنوات، في مؤشر على إصرار الحكومة على مواصلة خطط تنويع الاقتصاد الوطني رغم التداعيات الجيوسياسية الإقليمية. ويأتي هذا الزخم المالي متسقاً مع إعلان الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، عن انطلاق المرحلة الثالثة والحاسمة من «رؤية 2030»، وتأكيده دخول المسيرة التنموية مرحلة «ذروة التنفيذ»؛ حيث وصلت أدوات التحول إلى أعلى معدلات الجاهزية رغم التقلبات العالمية، مدفوعة بسياسات مالية محكمة قائمة على المرونة والاستباقية في استشراف الفرص.

قراءة في دلالات قفزة الـ56 %

أظهر بيان الميزانية عن الربع الأول، الذي نشرته وزارة المالية السعودية، نمواً استثنائياً في بند الأصول غير المالية (الإنفاق الرأسمالي) بنسبة 56 في المائة على أساس سنوي. وتكمن أهمية هذا الرقم في دلالاته الثلاث:

* تسارع التدفقات: قفز الإنفاق الفعلي من 27.8 مليار ريال (7.4 مليار دولار) إلى 43.4 مليار ريال (11.6 مليار دولار)؛ مما يعكس وصول المشروعات العملاقة إلى مراحل التنفيذ الميداني المتقدمة التي تتطلب تدفقات سيادية ضخمة.

* كفاءة التمويل الاستثماري: رغم العجز المحقق البالغ 125.7 مليار ريال (33.5 مليار دولار)، فإن توجيهه بالكامل لتمويل الإنفاق الرأسمالي عبر إصدارات الدين يعكس استراتيجية مالية ذكية تستهدف تحويل الالتزامات المالية أصولاً منتجة تحمي الاقتصاد من التقلبات المستقبلية.

* كفاءة الإنفاق الرأسمالي: يؤكد «صندوق النقد الدولي» أن تحسين كفاءة الإنفاق الرأسمالي مفتاحٌ أساسي لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. وفق تقديرات «الصندوق»، فإن تحويل ما يعادل واحداً في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى الاستثمار في البنية التحتية يمكن أن يرفع الناتج بمعدل يصل إلى 3.5 في المائة بالاقتصادات النامية.

انطلاقاً من هذه الرؤية الدولية، وتبنياً لسياسات ماليّة محكمة تتسم بالمرونة والاستباقية، اختارت المملكة تعزيز الاستثمار في الأصول غير المالية بدلاً من التركيز على تحقيق فائض مالي قصير الأمد. ويهدف هذا التوجه الاستراتيجي إلى بناء قاعدة أصول وطنية متينة تضمن استدامة النمو عقوداً مقبلة، وتجعل الاقتصاد السعودي أوسع مرونة وأعلى قدرة على الصمود أمام التقلبات العالمية والاضطرابات الجيوسياسية.

من التأسيس إلى التمكين

مرّ الإنفاق الاستثماري في المملكة عبر الربع الأول من كل عام بمحطات مفصلية تعكس تطور الأولويات الوطنية:

* مرحلة التأسيس وضبط المسار (2017 - 2020): بدأت هذه المرحلة بإنفاق رأسمالي حذر بلغ 9.1 مليار ريال (2.42 مليار دولار) في 2017، ليرتفع تدريجياً ويستقر قرب حاجز بين 11 و12 مليار ريال (3.2 مليار دولار) حتى عام 2020. كانت هذه الفترة تركز على وضع حجر الأساس الهيكلي للمشروعات وبناء الأنظمة المالية اللازمة لإطلاق «رؤية 2030» رغم التحديات العالمية التي بدأت مع «الجائحة».

* مرحلة اختبار المرونة والجائحة (2020): مع اندلاع «جائحة كورونا (كوفيد19)»، شهد الربع الأول من 2020 تراجعاً طفيفاً في الإنفاق الرأسمالي ليصل إلى 11.1 مليار ريال (2.9 مليار دولار). ورغم الضغوط الصحية والاقتصادية العالمية، فإن المملكة حافظت على حد أدنى قوي من الإنفاق الاستثماري، مع تحويل جزء من الأولويات لدعم القطاع الصحي وتخفيف آثار الجائحة على القطاع الخاص.

* مرحلة التعافي والعودة للزخم (2021 - 2022): مع انحسار تداعيات الأزمة العالمية، بدأ الإنفاق الاستثماري الصعود متجاوزاً 13 مليار ريال (3.57 مليار دولار). تميزت هذه المرحلة بعودة الأنشطة الإنشائية إلى كامل طاقتها وتسارع وتيرة العقود والترسيات الحكومية للمشروعات المتوسطة والكبرى.

* مرحلة القفزات التحولية (2023 - 2024): شهدت هذه المحطة توسعاً كبيراً في الأرقام، حيث تضاعف الإنفاق الرأسمالي ليصل إلى 25.9 مليار ريال في 2023 (6.9 مليار دولار) ثم إلى 31.2 مليار ريال (8.32 مليار دولار) في 2024. هنا دخلت المشروعات الكبرى (مثل «نيوم» و«القدية») مراحل التنفيذ الفعلي الميداني؛ مما استوجب ضخ سيولة مهمة في الأصول غير المالية.

* مرحلة الكفاءة ثم «الذروة» (2025 - 2026): بعد فترة من مراجعة كفاءة الإنفاق في 2025 لاستدامة الجودة، جاء الربع الأول من عام 2026 ليسجل النقطة الأعلى في تاريخ الميزانية السعودية بإنفاق رأسمالي بلغ 43.4 مليار ريال (11.58 مليار دولار). هذه القفزة بنسبة 56 في المائة تمثل مرحلة «التمكين الكامل»، حيث باتت الميزانية المحرك الأول والأساسي لبناء اقتصاد ما بعد النفط.

أين تذهب الأموال؟

لم يتركز الإنفاق في جهة واحدة، بل استهدف القطاعات التي تمثل عصب الاقتصاد الجديد وفق بيانات الميزانية:

* قطاع الموارد الاقتصادية: تصدر المشهد بنمو 52 في المائة، ليصل المنصرف فيه إلى 28.02 مليار ريال (7.47 مليار دولار) لتعزيز الاستدامة الإنتاجية.

* التجهيزات الأساسية والنقل: شهد نمواً بـ26 في المائة، ليصل إلى 12.49 مليار ريال (3.33 مليار دولار) لتطوير الموانئ والمطارات والربط اللوجستي العالمي.

* البنود العامة: سجلت نمواً بنسبة 46 في المائة لتصل إلى 61.5 مليار ريال (16.4 مليار دولار)؛ مما يدعم المشروعات العرضية والتنموية الشاملة.

استثمار في «الإنسان» بصفته الأصل المستدام

لا يتوقف طموح الإنفاق الاستثماري عند حدود الحجر والآلات، بل يمتد ليشمل بناء القدرات البشرية وضمان جودة الحياة؛ حيث سجل قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية منصرفاً فعلياً بلغ 80.8 مليار ريال (21.5 مليار دولار) خلال الربع الأول من عام 2026، محققاً نمواً بنسبة 12 في المائة مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق.

ويعكس هذا النمو تكامل السياسة المالية للمملكة، حيث يندرج جزء حيوي من هذا الإنفاق تحت بند الأصول غير المالية من خلال تشييد المدن الطبية المتطورة وتجهيز المستشفيات؛ مما يحوّل المنظومة الصحية من قطاع خدمي إلى أصل وطني استثماري.

وفي الوقت ذاته، تواصل الميزانية التزامها البعد الاجتماعي عبر تخصيص الموارد اللازمة لتعويضات العاملين وتوفير الخدمات الدوائية والوقائية، لتؤكد أن القفزة الرأسمالية الكبرى تمضي جنباً إلى جنب مع رفاه المواطن وتطوير القطاعات الحيوية التي تمس حياته اليومية.

ختاماً، فإن القفزة التي حققها الإنفاق الرأسمالي في الربع الأول من 2026 رسالةٌ واضحة للمستثمرين محلياً ودولياً... المملكة لا تبني مشروعات فقط، بل تبني اقتصاداً «مرناً» يعتمد على أصوله غير المالية ليكون محصناً ضد تقلبات أسواق الطاقة، ومحققاً مستهدفات جودة الحياة والازدهار الاقتصادي المستدام.