تعالي الأصوات المطالبة بصرف الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين

«الغذاء العالمي» يوقف المساعدات عن 1.4 مليون طالب يمني

ينهمك الانقلابيون الحوثيون باليمن في فرض رؤيتهم الطائفية على الموظفين (إعلام حوثي)
ينهمك الانقلابيون الحوثيون باليمن في فرض رؤيتهم الطائفية على الموظفين (إعلام حوثي)
TT

تعالي الأصوات المطالبة بصرف الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين

ينهمك الانقلابيون الحوثيون باليمن في فرض رؤيتهم الطائفية على الموظفين (إعلام حوثي)
ينهمك الانقلابيون الحوثيون باليمن في فرض رؤيتهم الطائفية على الموظفين (إعلام حوثي)

خلافاً للسنوات التي سبقت سريان التهدئة، صعّد الموظفون في مناطق سيطرة الحوثيين من مطالبهم بصرف رواتبهم المقطوعة منذ نهاية عام 2016، مؤكدين أن كل المبررات التي كانت تساق من قبل انتهت، وأن ما تجمعه الجماعة من عائدات موانئ الحديدة وضرائب الاتصالات وغيرها من الإيرادات، كافية لتغطية صرف الرواتب بشكل شهري.

هذه التحركات تزامنت وإعلان برنامج الغذاء العالمي أنه سيوقف المساعدات الغذائية التي تقدَّم لطلاب المدارس في اليمن عن مليون وأربعمائة ألف طالب بسبب نقص التمويل، وتأكيده أنه يستعد لتعليق كامل أعماله في برنامج مكافحة سوء التغذية للأسباب ذاتها.

ومع بداية العام الدراسي الجديد ودعوة نادي المعلمين للإضراب العام إذا لم يتم صرف رواتب العاملين في قطاع التعليم والمقطوعة منذ سبعة أعوام، اتسعت قاعدة الموظفين الذين يطالبون برواتبهم واتهموا جماعة الحوثي بالاستحواذ على عائدات الدولة في مناطق سيطرتهم وإنفاقها لصالح قياداتها ومقاتليها، وحرمان الموظفين الذين يُرغَمون على العمل منذ ذلك الوقت من دون رواتب.

وباتت هذه المطالب تلاحق قادة الحوثيين في الشوارع وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وفق ما قاله سكان وعاملون في عدد من الجهات الحكومية في تلك المناطق.

يمنية تحمل طفلاً يعاني من سوء التغذية في انتظار العلاج في مركز صحي بمديرية الخوخة غرب البلاد (أ.ف.ب)

وحسبما يقول أحمد صالح، وهو موظف في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط» فإن التهدئة التي مضى عليها أكثر من 15 شهراً أسقطت كل المبررات التي كان الحوثيون يقدمونها للناس كسبب لاستمرار قطع رواتب مئات الآلاف من الموظفين في مناطق سيطرتهم، حيث باتت الغالبية منهم على قناعة بأن قادة الجماعة يستحوذون على كل عائدات الدولة لإنفاقها على المسؤولين والمقاتلين.

الرواتب حديث الشارع

صالح الذي اضطر للعمل سائقاً لنقل البضائع لدى شركة صناعات محلية يذكر أن الموظفين عندما كانوا يطالبون برواتبهم يرد عليهم الحوثيون بأن هناك حرباً، وأن الموانئ مغلقة، وأن ما يتم جمعه من أموال يُنفق على الجبهات، لكن الآن وبعد مرور نحو عام ونصف العام على التهدئة وتوقف القتال وإعادة تشغيل موانئ الحديدة، ومضاعفة الجمارك على البضائع، لم يعد لديهم أي مبرر ولا يمكن استمرار استغفال الناس.

ووفق سكان في صنعاء تحدثوا مع «الشرق الأوسط» فإن هذا الموقف أصبح حديث الشارع العام وأن الانتقادات للحوثيين تُسمع في وسائل النقل وفي أماكن العمل بشكل واضح، بخاصة بعد أن رفضوا مقترح الحكومة صرف الرواتب كخطوة أولى تواكب اتفاقاً لوقف إطلاق النار وفتح الطرق بين المحافظات، وقال السكان إن الغالبية تعتقد أن الحوثيين لا يهمهم وضع الموظفين ولا رواتبهم ولهذا يرفضون أي مقترح بهذا الخصوص.

ويبيّن فهد عبد الله، وهو معلم في محافظة ذمار، أن توقف القتال، ورفض الحوثيين المقترحات التي قُدمت بصرف رواتب جميع الموظفين أكدت للناس أنهم يريدون استمرار الوضع كما هو لأنهم مستفيدون من تحصيل موارد الدولة دون أن يكون عليهم أي التزام، وأنهم يريدون استخدام ورقة الرواتب للضغط من أجل الحصول على نسبة من صادرات النفط لتعزيز سلطتهم فقط وليس التوصل لاتفاق سلام.

ينفق الحوثيون عائدات الدولة على شراء الولاءات السياسية والقبلية (إعلام حوثي)

وتجزم عفاف، وهي موظفة حكومية ورواتبها متوفقة منذ نحو سبعة أعوام، بأن الحوثيين لا يبحثون عن حل للحرب التي يعيشها اليمن، ولكن يريدون تقاسم النفط حتى يستمروا في حكم المناطق الخاضعة لسيطرتهم، واستخدموا ورقة المرتبات فترة معينة، والآن تنازلوا عنها وأصبحوا يبحثون عن مكاسب سياسية، ويريدون إسقاط أسماء عشرات الآلاف من الموظفين من قوائم الرواتب وإدخال أتباعهم الذين تم إحلالهم بدلاً عن المفصولين.

موارد كافية لصرف الرواتب

خلافاً لما كان يقوله الحوثيون من أنهم لا يمتلكون موارد مالية كافية لتغطية بند الرواتب، أكدت الحكومة الشرعية أن إجمالي المبالغ التي يحصلون عليها من عائدات الضرائب والجمارك والموانئ وقطاع الاتصالات تزيد على أربعة مليارات دولار في السنة، بينما لا تحصل الحكومة إلا على نصف هذا المبلغ في حين أنها ملتزمة بصرف رواتب أكثر من نصف الموظفين، كما تقوم بتقديم خدمات الرعاية الصحية والمياه والكهرباء في كل المناطق الخاضعة لسيطرتها.

القاضي عرفات جعفر رد على تصريحات قادة الانقلابيين واتهامهم الحكومة بحجز رواتب الموظفين، وقال إن عائدات الضرائب في مناطق سيطرة الحوثيين وصلت إلى 627 مليار ريال يمني، أي ما يعادل مليارين ومائة وأربعة وثمانين مليون دولار.

إلى ذلك يسخر الموظفون من مواقف الحوثيين ويقولون إنها «تدليس وضحك على الذقون واستهتار بشعب بأكمله، فكلما ضاقت أحوال الناس وارتفعت أصواتهم بالمطالبة بصرف الرواتب، يُخرج الحوثيون بياناً يندد بأميركا وبريطانيا بتهمة عرقلة صرف الرواتب».

ولا تقتصر المطالبة برواتب الموظفين على قطاع معين من السكان بل إنها اتسعت إلى شخصيات من مؤيدي الحوثي، حيث يقول إبراهيم الكبسي إنه وفيما الموظف الصابر والمكافح الذي عمل طوال هذه السنوات الماضية من دون مرتب ينتظر صرف حقوقه، يناقش الحوثيون قضايا تهم مصالحهم ومكاسبهم وهي ما تسبّب تأخر صرف المرتبات.

الكبسي الذي تحول إلى أبرز معارضي حكم الحوثيين قال إن «أي كائن طفيلي يقول إن المطالبة بحقوق الشعب والموظفين ومحاربة الظالمين وفضح الفاسدين واللصوص خدمة للأعداء، اعلموا أن هذا الكائن وأمثاله هم العدو الحقيقي لليمن وللشعب، بل هم عدو داخلي أقبح وأقذر وأشد خطراً من أي عدو خارجي»، وفق تعبيره.

وقف المساعدات

تحركات الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين للمطالبة بالرواتب، أتت مواكبةً وإعلان برنامج الأغذية العالمي أنه يستعد للتعليق الكامل لتدخلاته، للوقاية من سوء التغذية في اليمن في وقت مبكر من شهر أغسطس (آب) المقبل بسبب النقص الحاد في التمويل، وهو ما سيؤثر على 2.4 مليون شخص تم استهدافهم أصلاً.

كما أعلن أنه سيوقف مساعداته عن أكثر من مليون و400 طالب من أصل 3.2 مليون طالب يحصلون على الدعم سنوياً.

نازحون يتلقون مواد إيواء مقدَّمة من منظمة تابعة لمجلس اللاجئين الدنماركي في مخيم بمحافظة حجة اليمنية (أ.ف.ب)

وذكر البرنامج في تقرير حديث أنه يتوقع أن يكون قادراً فقط على مساعدة ما يقرب من 1.8 مليون طالب من أصل 3.2 مليون مخطط له بسبب نقص التمويل، حيث دعم البرنامج 36600 شخص في إطار نشاطه المتعلق بالصمود وسبل العيش في يونيو (حزيران) الماضي، حيث عمل على إعادة تأهيل الطرق الريفية، وخطط حصاد المياه والمشاريع الزراعية في 11 مديرية في ست محافظات.

وحسب التقرير فإن البرنامج ساعد خلال الفترة ذاتها ما يقدَّر بنحو 3.4 مليون شخص عبر أنشطته في اليمن، حيث وزّع على 2.9 مليون شخص حصصاً غذائية، فيما حصل 46 ألف شخص على نصف مليون دولار من التحويلات النقدية، حيث يوزّع برنامج الأغذية العالمي المساعدة الغذائية العامة في دورات تدوم نحو 45 يوماً، ويستهدف حالياً 13.1 مليون شخص في كل دورة.


مقالات ذات صلة

العميد مجلي لـ«الشرق الأوسط»: القوات المسلحة جاهزة لأي تصعيد حوثي... وحماية سيادة اليمن

العالم العربي وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)

العميد مجلي لـ«الشرق الأوسط»: القوات المسلحة جاهزة لأي تصعيد حوثي... وحماية سيادة اليمن

أكدت القوات المسلحة اليمنية جاهزيتها للتعامل مع أي تطوُّرات ميدانية أو تصعيد عسكري من جانب جماعة الحوثي، وندَّدت بما وصفتها بـ«التدخلات الإيرانية المباشرة».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي حوثيون بضواحي صنعاء يشاركون في مسيرة للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

الأحزاب اليمنية تشدد على عدم التساهل مع تصعيد الحوثيين

اتهمت الأحزاب اليمنية الحوثيين بتصعيد خطير مرتبط بإيران، ودعت إلى حزم حكومي ومجتمعي، وأكدت دعمها السعودية، ورفضها أي تهديدات تمس استقرار اليمن والمنطقة...

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مجندون يمنيون يؤكدون تعرضهم للخداع من قبل سماسرة التجنيد (إعلام محلي)

تحرّك يمني لمواجهة استدراج الشبان إلى الحرب بجانب روسيا

كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها لمواجهة استدراج شبان إلى القتال مع القوات الروسية، عبر تنسيق أمني ودبلوماسي وإنشاء وحدة لمكافحة الاتجار بالبشر...

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي القبائل اليمنية تعرضت لممارسات حوثية بهدف تقويض دورها الاجتماعي (غيتي)

احتقان متصاعد يهز الحواضن القبلية للحوثيين في عمران والجوف

كشفت حوادث دامية واحتجاجات قبلية متلاحقة في عمران والجوف عن تصاعد التوتر بين الحوثيين والقبائل، وسط اتهامات للجماعة باستهداف المشايخ وإضعاف البنية القبلية

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)

هيئة بحرية بريطانية تتلقى بلاغاً عن هجوم على سفينة قبالة الحديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الأحد، تلقيها بلاغاً عن واقعة بحرية وقعت على بعد 30 ميلاً بحرياً جنوب غربي مدينة الحديدة اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الحديدة)

«حماس» تعلن حلّ حكومتها في قطاع غزة

فلسطينيون يسيرون على طريق وسط مبانٍ مهدّمة جراء الضربات الإسرائيلية في جباليا بقطاع غزة (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون على طريق وسط مبانٍ مهدّمة جراء الضربات الإسرائيلية في جباليا بقطاع غزة (أ.ب)
TT

«حماس» تعلن حلّ حكومتها في قطاع غزة

فلسطينيون يسيرون على طريق وسط مبانٍ مهدّمة جراء الضربات الإسرائيلية في جباليا بقطاع غزة (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون على طريق وسط مبانٍ مهدّمة جراء الضربات الإسرائيلية في جباليا بقطاع غزة (أ.ب)

أعلنت حركة «حماس»، الاثنين، حلّ «لجنة الطوارئ الحكومية» التي تعد الحكومة الفعلية في قطاع غزة واستقالة رئيسها، تمهيداً لنقل المهام الإدارية إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة».

وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة في بيان: «لقد اتخذت الجهات الحكومية في قطاع غزة -على مدار المحطات السابقة- سلسلة من الخطوات العملية، وأعلنت مراراً وتكراراً وبكل وضوح استعدادها التام وجهوزيتها الكاملة لتسليم أمانة إدارة الحكم إلى (اللجنة الوطنية لإدارة غزة). واليوم؛ فإننا لا نكتفي بتجديد هذا المطلب والتأكيد على موقفنا المبدئي والراسخ، بل نُترجم ذلك إلى وقائع وإجراءات على الأرض، ونتخذ خطوات استراتيجية جديدة وحاسمة تُعبّد الطريق عملياً لإنجاز هذا الاستحقاق الوطني».

وأضاف البيان: «تم الاطمئنان الكامل لإنجاز جميع الاستعدادات والترتيبات الإدارية والقانونية لعملية الاستلام والتسليم للمنظومة الحكومية في قطاع غزة، وقد عُرضت هذه الترتيبات بشكل رسمي وشفاف على الفريق الوطني الممثل للفصائل والقوى الفلسطينية، واللجنة العليا للعشائر والقبائل، ومؤسسات المجتمع المدني، وبحضور الممثل المراقب للأمم المتحدة».

وكان مصدران في حركة «حماس» قد أكدا لـ«الشرق الأوسط» أمس، أن قيادتها تتجه لإعلان حل ما تسمى «لجنة متابعة العمل الحكومي» التي تعد حكومتها الفعلية في القطاع، بعد نحو عقدين من الإدارة الكاملة لشؤونه.

وتابع البيان: «بناءً على ما سبق، قرر معالي الأخ/ رئيس لجنة الطوارئ الحكومية ورئيس المتابعة الحكومية بالإنابة، الأستاذ/ محمد عبد الخالق الفرا، تقديم استقالته الرسمية من منصبه، وكذلك الإعلان عن حل لجنة الطوارئ الحكومية، تأكيداً على جدية الإجراءات وإنفاذاً للاتفاقيات وتسهيلاً لعملية الانتقال الإداري».

وأضاف المكتب الإعلامي الحكومي أن من تبقى على رأس عمله في منظومة العمل الحكومي هم موظفون من المستوى (الفني والمهني) فقط، وسيبقون في مواقعهم لضمان استمرار تقديم الخدمات لأبناء الشعب الفلسطيني، وعدم وقوع فراغ إداري وفني يحقق الضرر للشعب، وذلك وفقاً لما نصت عليه خريطة الطريق التي توافقت عليها الفصائل الفلسطينية في القاهرة.

وأكد المكتب أن هذه الخطوة تأتي تأكيداً على الإرادة الوطنية الصادقة، وتعكس الجدية المطلقة والحرص التام على إنجاح مسار ترتيب البيت الداخلي ونقل إدارة الحكم في قطاع غزة إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وكذلك استجابةً جديدة للمصالح العليا لأبناء شعبنا الفلسطيني، وسعياً من أجل التخفيف من معاناة المواطنين الشديدة نتيجة استمرار الإبادة الجماعية، وتأخر الإعمار واستمرار الحصار وإغلاق المعابر، وعدم انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من القطاع.

وأشار البيان إلى أن جميع الموظفين العاملين في تقديم الخدمات هم «موظفو دولة»، وهم على جاهزية تامة وكاملة للعمل تحت مسؤولية «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» والالتزام بتوجيهاتها وقراراتها.

ومنذ دخول وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل حيز التنفيذ في غزة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكدت «حماس» مراراً جاهزيتها للتنحي عن إدارة شؤون القطاع، وتسليمها للجنة الوطنية لإدارة غزة التي تضم مستقلين من أصحاب الكفاءات.

وتمثل هذه الخطوة تحولاً سياسياً لافتاً لـ«حماس» منذ سيطرتها على غزة في عام 2007 على أثر مواجهات عسكرية مع حركة «فتح» المنافسة بزعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وبعد اغتيال إسرائيل رئيس اللجنة الحكومية عصام الدعاليس في مارس (آذار) 2025، تولى محمد الفرا الذي كان يتولى وزارة الحُكم المحلي والبلديات، رئاسة اللجنة الحكومية التي تضم عشرين عضواً.


«التطبيع الشعبي»... حاجز مصري أمام إسرائيل لم ينكسر رغم «عقود السلام»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)
TT

«التطبيع الشعبي»... حاجز مصري أمام إسرائيل لم ينكسر رغم «عقود السلام»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)

رغم مرور نحو 47 عاماً على توقيع مصر وإسرائيل معاهدة سلام رسمياً، يظل هناك رفض واسع على المستوى الشعبي لإقامة أي علاقات مع إسرائيل، ما جعل البعض يصف الحالة القائمة بين الطرفين بأنها «سلام بارد».

وخلال احتفالية رسمية بمصر، مساء السبت، استبعد الرئيس عبد الفتاح السيسي إمكانية «التطبيع الشعبي» مع إسرائيل مع عدم قيام دولة فلسطينية، واستمرار الخروقات الإسرائيلية؛ مؤكداً أن الحل يكمن في الوصول إلى «سلام عادل وشامل».

جاء ذلك غداة غضب إسرائيلي برز عبر أبواق موالية لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعدما رفع مدرب منتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، علم فلسطين عقب فوز فريقه على أستراليا في دور الـ32 لبطولة كأس العالم، وصعوده إلى دور الـ16، وإهدائه الفوز للشعبين المصري والفلسطيني، وسط ترحاب شعبي واسع بموقفه على منصات التواصل.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن موقف مصر يحمل «رسالة مهمة»، مؤكداً أن التطبيع الشعبي «سيظل حاجزاً مصرياً أمام إسرائيل لن يُرفع ما دام الفلسطينيون بلا دولة».

معالجة جذور الصراع

كانت مصر وإسرائيل قد وقعتا معاهدة السلام بالعاصمة الأميركية واشنطن في مارس (آذار) عام 1979، لكن ظلت التعاملات مقتصرة على العلاقات الرسمية، دون أن تمتد إلى «تطبيع شعبي» في الشارع المصري؛ بل إن بعض النقابات في مصر تعدّ التطبيع جريمة تُعاقِب أعضاءها عليه.

الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغن يتعانقان بعد توقيع اتفاقية السلام في البيت الأبيض في مارس 1979 (أ.ف.ب)

وخلال احتفالية افتتاح «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الجديدة شرق القاهرة، مساء السبت، أكد السيسي أن «الدولة لن تسمح أبداً بالمساس بمقدرات شعبها، مع تمسكها بالسلام لمن يريد السلام».

وأضاف: «مصر بما لها من رؤية ثاقبة وخبرة تاريخية لا تضاهيها خبرة في شؤون المنطقة، وباعتبارها أول من أبرم اتفاق سلام مع إسرائيل، في وقت كانت فيه العداوة مستحكمة، تؤكد أن الحل الجذري لنزاعات الشرق الأوسط يكمن في التوصل إلى اتفاق سلام شامل وعادل، ينهي القضية الفلسطينية ويقيم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وفق مقررات الشرعية الدولية».

وشدد على أنه «لا سلام دائم، ولا استقرار حقيقي، ولا تطبيع شعبي، إلا بسلام عادل، ينهي الاحتلال ويضع حداً للظلم والعدوان، ويعيد الحقوق إلى أصحابها، ويوفر الأمن للجميع، ويمنح شعوب المنطقة فرصة للعيش في استقرار ورخاء، ويطلق عهداً جديداً من التعاون والازدهار، ومستقبلاً أفضل تستحقه شعوبنا».

وقال حجازي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «مصر التزمت منذ توقيع معاهدة السلام بكل استحقاقاتها، وأسهمت على مدى عقود في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، إلا أن الرأي العام المصري ظل يعدّ القضية الفلسطينية قضية عدالة وأمن قومي وهوية، وليس مجرد ملف سياسي».

وأضاف: «ومن ثم، فإن استمرار الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، والحروب المتكررة على غزة، كلها عوامل حالت دون انتقال السلام من المستوى الرسمي إلى المستوى الشعبي».

واستطرد قائلاً إن الرسالة التي وجهها الرئيس المصري جاءت لتؤكد الثابت الأهم في سياسة البلاد؛ وهو أن «السلام الحقيقي لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو إبرام الاتفاقات؛ بل يقوم على معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة».

وأكد: «التطبيع الشعبي لا يُفرض بقرارات سياسية، وإنما ينشأ بصورة تلقائية عندما تشعر الشعوب بأن العدالة قد تحققت، وأن الحقوق قد استعيدت».

«خيار استراتيجي»

منذ اتفاق السلام، لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثلما هو عليه الحال حالياً بعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، خصوصاً بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، واحتلال معبر رفح من الجانب الفلسطيني.

وعلى مدار عامين، رفعت مصر من نبرتها تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، حتى إنها اعتادت وصف ما يجري في غزة بأنه «تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية».

وتقود مصر وساطة مع قطر والولايات المتحدة منذ بداية الحرب، وانضمت لها تركيا عام 2025 في اتفاق جديد لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ بنوده كاملة، وسط تلويحها بعودة الحرب، وترديد انتقادات إعلامية من وقت لآخر من تنامي القدرات العسكرية المصرية.

وفي ضوء ذلك، يرى حجازي أن إسرائيل تواجه خياراً استراتيجياً واضحاً يقف على مسارين: «أولهما أن تنخرط في مشروع سلام شامل يحقق الأمن المتبادل، ويؤسس لشرق أوسط أكثر استقراراً وأمناً يضمها إذا اعترفت بالدولة الفلسطينية، ويضم إيران إذا التزمت بحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون دول المنطقة، ليتعايش الجميع في جغرافيا آمنة تنشئ منظومة للأمن والتعاون الإقليمي كما حال أوروبا».

أما المسار الثاني، فهو «أن تستمر إسرائيل في سياسة إدارة الصراع والاعتماد على التفوق العسكري باعتباره بديلاً عن التسوية السياسية»، بحسب حجازي الذي قال إن التجارب التاريخية تؤكد أن القوة العسكرية قادرة على ردع التهديدات، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية سياسية أو بناء سلام دائم، محذراً من أن الهيمنة «قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تنشئ نظاماً إقليمياً مستقراً».

وتابع: «رؤية مصر تنطلق من أن السلام العادل ليس مطلباً فلسطينياً أو عربياً فحسب؛ بل هو أيضاً المصلحة الاستراتيجية الحقيقية لإسرائيل وللمنطقة بأسرها»، مشدداً على أن حل الدولتين «يبقى هو المدخل الوحيد القادر على تحويل السلام الرسمي إلى سلام شعبي، وبناء نظام إقليمي أكثر أمناً واستقراراً وتعاوناً».


نبيل فهمي: النهوض بالجامعة العربية مسؤولية جماعية مع الدول الأعضاء

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
TT

نبيل فهمي: النهوض بالجامعة العربية مسؤولية جماعية مع الدول الأعضاء

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)

عدّ الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، النهوض بجامعة الدول العربية وإعادة تموضعها الاستراتيجي بمثابة «مسؤولية جماعية تستند إلى الشراكة الكاملة بين الأمانة العامة والدول الأعضاء».

وشدّد فهمي خلال اجتماعه، الأحد، مع المندوبين الدائمين لجامعة الدول العربية على «أهمية اعتماد منهج عملي يقوم على تحديد الأولويات، ووضع خطوات قابلة للتنفيذ، والمتابعة المستمرة لنتائج العمل»، حسب بيان صحافي.

وتسلم فهمي أمانة جامعة الدول العربية في الأول من يوليو (تموز) الحالي خلفاً لأحمد أبو الغيط الذي انتهت فترة ولايته.

وخلال اجتماعه مع المندوبين، استعرض الأمين العام الجديد رؤيته للمرحلة المقبلة، وأولويات عمل الأمانة العامة في إطار تطوير أداء الجامعة، وتعزيز منظومة العمل العربي المشترك، كما أطلع المندوبين الدائمين على ما تضمنه الخطاب الذي وجّهه إلى وزراء الخارجية العرب بمناسبة توليه مهام منصبه رسمياً، حسب البيان.

وكان من بين مراسلات فهمي، في اليوم الأول لتوليه مهام منصبه، خطابات وجهها إلى وزراء الخارجية العرب، «تضمنت تقييماً للأوضاع العربية، ومقترحات لتمكين العالم العربي والجامعة العربية من التصدي للتحديات القائمة، وتطويرها وإصلاحها، فضلاً عن تعزيز جهود البناء الاقتصادي والاجتماعي»، حسب بيان للجامعة العربية وقتها.

وعرض فهمي خلال اجتماعه مع المندوبين الدائمين عدداً من المقترحات التي تهدف إلى رفع كفاءة الأداء المؤسسي للأمانة العامة، بما يدعم قدرتها على الاضطلاع بمهامها ومواكبة متطلبات المرحلة.

وأكد فهمي، حسب البيان، أن «نجاح هذه الجهود يتطلب استمرار دعم الدول الأعضاء، ووفاءها بالتزاماتها تجاه الجامعة».

وعبّر المندوبون الدائمون عن دعمهم لتوجهات الأمين العام الجديد، وتطلع دولهم إلى التعاون الوثيق مع الأمانة العامة «بما يسهم في تعزيز فاعلية جامعة الدول العربية وتطوير أدائها، والدفع بالعمل العربي المشترك بما يخدم مصالح الدول الأعضاء وتطلعات شعوبها»، وفق البيان.