بويز: الأسد اشترط لإطاحة عون تفويضاً غربياً وعدم استفادة جعجع

وزير الخارجية اللبناني الأسبق يفتح لـ"الشرق الأوسط" دفاتر عهدين رئاسيين (3- 5)

TT

بويز: الأسد اشترط لإطاحة عون تفويضاً غربياً وعدم استفادة جعجع


العماد ميشال عون في قصر بعبدا عام 1989... عملية عسكرية سورية أرغمته على اللجوء إلى السفارة الفرنسية (غيتي)
العماد ميشال عون في قصر بعبدا عام 1989... عملية عسكرية سورية أرغمته على اللجوء إلى السفارة الفرنسية (غيتي)

أحياناً تكفي جملة لتغيير مصير سياسي. كان النائب إلياس الهراوي مدعواً إلى مقابلة تلفزيونية وكان على عادة السياسيين الموارنة مصاباً بحلم رئاسة الجمهورية. تشاور مع صهره فارس بويز فنصحه بجملة استوقفت الرئيس حافظ الأسد. كان الرئيس السوري يبحث في تلك الأيام عن رئيس جديد للبنان من خارج منطقة الجبل كي لا تتكرر معه تجربة إلياس سركيس مع صعود بشير الجميل وتجربة وقوع سركيس تحت تأثير وزير الخارجية فؤاد بطرس ومدير المخابرات في الجيش اللبناني جوني عبده. قال الهراوي الجملة واضطر بسببها إلى مغادرة منزله في الشطر الشرقي من بيروت عائداً إلى بيته المحتل في زحلة. وكانت المفاجأة أن مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان استقبله بالقول: «أهلاً وسهلاً فخامة الرئيس»، قبل أن يسمع الوعد من الأسد نفسه. عاد النواب من لقائهم في الطائف وأصيب حلم الهراوي بانتكاسة حين قضت تسوية بانتخاب رينيه معوض رئيساً. تدخّل القدر واغتيل معوض سريعاً وانتخب الهراوي رئيساً، لكن القصر كان يومها في عهدة جنرال صاخب اسمه ميشال عون لن يغادر القصر إلا في عملية عسكرية دفعته إلى المنفى. يروي وزير الخارجية الأسبق فارس بويز قصة انتخاب الهراوي ويقول إن الأسد اشترط لإزاحة عون تفويضاً غربياً وألا ينجح قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع في وراثة نفوذ عون في المناطق المسيحية.

الرئيس الهراوي مع رئيس حكومته الأولى سليم الحص (غيتي)

سألت بويز كيف وصل الهراوي إلى رئاسة الجمهورية وسأتركه يروي.

في الحقيقة، قبل هذه الانتخابات كانت سوريا مكلفة ومفوضة بالملف اللبناني. مفوضة من العالم بأسره، الولايات المتحدة والفاتيكان وأوروبا، وكان الجميع يقرون بعجزهم عن إدارة الواقع اللبناني. لا أحد كان مستعداً لدفع ثمن عسكري في هذه الساحة، ومن هنا فوّض الجميع سوريا. سوريا كانت لديها عقدة منذ سنة 1976، عندما كُلّفت أيضاً بضبط منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وإدارة الملف اللبناني. اختارت حينذاك الرئيس إلياس سركيس رئيساً للجمهورية وخاضت حرباً، في الحقيقة، من أجل إيصاله. أعتقد أنه سقط من الجيش السوري آنذاك في وجه الفلسطينيين عدد كبير من القتلى ودُمّرت دبابات. وقع عهد إلياس سركيس تحت وطأة صعود الشيخ بشير الجميل وانتهى مواجهاً لسوريا وبدخول الجيش الإسرائيلي إلى لبنان وانتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية. كانت لدى سوريا عقدة من هذا الأمر، ولا تريد تكراره. من هنا، كانت تريد، حسب تقديري آنذاك، أولاً رئيساً مارونياً من خارج جبل لبنان كي لا يرضخ للمناخ الماروني العام في هذه المنطقة والذي كان يعتقد أنه مواجه لسوريا أو ضدها. ثانياً، كانت تريد رئيساً جريئاً لا تربطه بـ«القوات اللبنانية» أي روابط. أكثر من ذلك، كانت تريد رئيساً مستعداً لمواجهة «القوات اللبنانية» إذا اقتضى الأمر. تريد رئيساً لديه المناعة الكافية كي لا يرضخ، مثلما رضخ سركيس لمطالب بشير، أمام سياسة «القوات اللبنانية». ومن هنا، كنت أتوقع أن لسوريا أربعة أسماء: مخايل الضاهر وكنت أول من توقع طرحه. وإن تعذّر، فرينيه معوض، وإن تعذّر فإلياس الهراوي، وإن تعذّر فجان عبيد.

رئيس أم وزير؟

حقيقة الأمر هي أنه قبل حصول انتخابات رئاسة الجمهورية، أتاني إلى مكتبي الوزير والنائب حينذاك إلياس الهراوي وقال لي «إنني مدعو إلى حلقة الليلة على (شاشة) إل بي سي، وكانت يومها ناطقة باسم «القوات اللبنانية» ومركزها في الأشرفية، بماذا تنصحني أن أقول؟ قلت له: ماذا ترغب أن تقول؟ في البداية أراد أن يتهرب من الوضوح. قال إنه سيتكلم في الزراعة، معتبراً أنه معني بهذا الحقل وضليع به. قلت له: إذا كان أعلى طموحاتك أن تكون وزير زراعة في الحكومة المقبلة قد يفيدك هذا الأمر. لم يعجبه الجواب، فقال لي: هل تعتقد أن هذا فقط طموحي؟ فقلت له: إذا طموحك رئاسي، فأنا أعتقد أن الرئيس الذي سينتخب سيكون رئيساً يجسّد هذا التفويض الدولي، يتفاعل ويتناغم مع هذا التفويض الدولي. ومن هنا، أنا أعتقد أن عليك أن تطلق رسالة واضحة بأن التفاهم مع سوريا أمر ضروري لحل الأزمة اللبنانية. وبالفعل، ذهب إلى التلفزيون وأطلق هذه العبارة.

وكنت حذّرته أنني غير مسؤول عن أمنه بعد إطلاق هذا الموقف. كنّا في حالة حرب. ابتسم. وبالفعل، بعد أن ظهر على شاشة الـ«إل بي سي» وقال هذا الكلام، ذهب إلى منزله مستقوياً بأنه كان من الذين صوّتوا في الماضي لبشير الجميل وأن لديه أصدقاء من «القوات اللبنانية» كنادر سكر وكريم بقردوني وأن هؤلاء يستطيعون حمايته. عندما وصل إلى منزله رآهم يقولون له: غادر فوراً. لا نستطيع حمايتك. وبالفعل، أخذ عائلته وذهب إلى منزله في زحلة، الذي كان غادره قبل ثماني سنوات، أي وقت انتخاب بشير الجميل عندما حرّضت أجهزة سورية عليه بعض القوى المحلية التي احتلت منزله وأرزاقه هناك. لم يزر زحلة منذ انتخاب بشير الجميل، لكنه ذهب إليها فجأة من دون أي حساب، إذ لم يكن لديه خيار آخر. ويبدو أن الحواجز السورية التي كانت قائمة رصدت مروره وأبلغت (من يجب إبلاغه). ما إن وصل إلى منزله حتى فوجئ بوجود غازي كنعان (رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية في لبنان). الهراوي لم يكن ضامناً أنه سيستطيع أن يدخل منزله، ولم يكن يعرف من فيه. أدى له كنعان تحية رئاسية، وقال: «أهلاً وسهلاً فخامة الرئيس». استغرب الهراوي ورد: «أي رئيس؟ الرئيس لا يعرف أين يبات ليلته». أجابه: «تفضّل وزوجتك وزورا المنزل وإذا كانت هناك منفضة (سجائر) ناقصة منه فسأفعل كذا بمن أخذها». وبالفعل، زارت زوجته المنزل ورأت أن كل شيء في مكانه. قالت له: حتى ملابسك لا تزال كما كانت.

يبدو أن غازي كنعان كان قد رصد أو توقع انتقال إلياس الهراوي (إلى منزله في زحلة)، فأرسل لمحتلي المنزل أوامر فورية بتنظيف المكان وترتيبه. قال له (للهراوي): تفضل. سيادة الرئيس (حافظ الأسد) في انتظارك. كانت الساعة حينها العاشرة والنصف ليلاً. فقال له: الليلة؟ فأجابه: سيادة الرئيس يطيل السهر. وذهبا معاً، وبالفعل استقبله حافظ الأسد وقال له: «لقد استمعت إلى كلامك وإنني... ساعدنا الله على أن نؤيد مجيئك رئيساً».

الرئيس رينيه معوض يحيي مؤيديه بعد انتخابه رئيساً (غيتي)

عاد إلياس الهراوي واتصل بي هاتفياً، ليوحي لي على الهاتف على قدر ما يستطيع أن يتكلم، بأنه كانت له زيارة (لدمشق) وأنها كانت إيجابية جداً. رئاسة إلياس الهراوي تقررت منذ ذلك الحين. ولكن ما دخل على الخط هو فعلاً نوع من تسوية سعودية – سورية حينذاك أتت برينيه معوض. معوض كان قد عمل أكثر على الخط السعودي عبر صداقات وعلاقات عديدة بين رجال أعمال لبنانيين في المملكة العربية السعودية، وكان مرغوباً أكثر من قبل السعودية في هذا الأمر، وكان جزءاً من مهمة الرئيس المقبل الإعمار والحصول على مساعدات ودعم للبنان، ومن هنا أتى معوض حينذاك رئيساً للجمهورية بالرغم من أن الأسد كان يعطي الأولوية للهراوي. أتى معوض نتيجة تسوية سعودية – سورية لكنه اغتيل وعادت الأمور إلى مسارها السابق وتوجهت الدفة مجدداً باتجاه الهراوي.

انفجار سيارة مفخخة في بيروت أودى بحياة الرئيس رينيه معوض عام 1989 (غيتي)

الرأي الأساسي في سوريا كان عند حافظ الأسد. وكان في هذا الاتجاه. ولكن كانت في سوريا قوى أخرى لا ترغب في الهراوي. كان عبد الحليم خدام لا يريده وكانت هناك قوى أخرى أيضاً. في لبنان كان هناك السيد حسين الحسيني، رئيس المجلس النيابي، وكان له نفوذ ودور، أيضاً لا يرغب في الهراوي.إسقاط خيار الهراوي

تلاقت هذه القوى اللبنانية مع عبد الحليم خدام لإسقاط خيار الهراوي ومحاولة الإتيان بغيره. تارة أرسلوا النائب بيار حلو إلى خدام، وتارة أرسلوا جان عبيد. كانوا يحاولون إيجاد بديل لتقديمه للأسد. وكان خدام يستعمل وسيلة كأن يقول لهؤلاء ماذا ستفعلون مع ميشال عون في حال رفض تسليمكم الشرعية أو الرئاسة؟ هل ستذهبون إلى معركة عسكرية؟ حاول أن يطرح على حافظ الأسد أحد هؤلاء الاثنين بديلاً عن الهراوي بذريعة أن البديل سيوافق على استعمال القوة (ضد عون) إذا تعذّرت الوسائل السياسية الأخرى. في الحقيقة، لعب خدام هذا الدور، ولكن لم يكن هذا الدور حاسماً إذ لم يكن القرار في سوريا يوماً لديه في مواضيع بهذا الحجم. القرار الكبير عند حافظ الأسد فقط. ونقطة على السطر. ربما كانوا يحاولون تغيير قرار الأسد أو أنهم غير مطلعين كفاية عليه.

كان الهراوي مرشح الأسد ولم يكن مرشح (رفيق) الحريري كما شاع لاحقاً. ولكن عندما ذهب النواب إلى باريس، قلت له: يبدو أن هناك تسوية سعودية – سورية دخلت على الخط، وأعتقد أن حظوظك قد تراجعت لمصلحة رينيه معوض. أجاب: ما هذا الكلام؟ ينتظرني في باريس رفيق الحريري وجوني عبده (مدير المخابرات السابق في الجيش اللبناني). في اليوم التالي اتصل بي من باريس ليقول: ربما كنت على حق، فهذا رفيق يتجنبني ولا يصافحني، وجوني اختفى. قلت له: من الواضح جداً أن رفيق الحريري يعمل لمصلحة معوض. وبالفعل انتخب الرئيس رينيه معوض رئيساً للجمهورية، وكانت خيبة الهراوي كبيرة.

عندما استشهد رينيه معوض، في تفجير استهدف موكبه في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، مالت الأمور إلى الهراوي تلقائياً وبشكل مباشر. كنت أتوقع هذا الأمر، إذ عندما علمت بالانفجار الذي أودى بحياة معوض، اتصلت بإلياس الهراوي الذي كان معتكفاً في زحلة وكان بدأ معارضاً للحكم الجديد، وقلت له: إنني واثق بأن الانتخابات ستحصل فوراً وهذه المرة لا مفر من اسمك. فقال لي: أي انتخابات؟ قُتل رينيه معوض الآن والفوضى آتية. فقلت له: إنني واثق بأنهم سيحاولون إجراء انتخابات (رئاسية) فوراً. وبالفعل حصلت الانتخابات.

انتخب الهراوي في الفندق («بارك أوتيل شتورة») ثم نُقل بطريقة غريبة إلى شقة صغيرة متواضعة في الثكنة العسكرية في أبلح (البقاع). كان الرئيس إلياس الهراوي يتألم كثيراً لوضعه، إذ لم يكن يشعر أن لديه أي صلة بصورة رئيس للجمهورية. كان في شقة صغيرة، هي شقة عسكرية داخل ثكنة بعيدة جداً عن العاصمة، منقطعاً هاتفياً وبكل الوسائل عن عاصمته. لا يستقبل هناك إلا شخصيات من المنطقة. رئيس حكومته، الرئيس سليم الحص، يعاني من مشاكل تنفسية ويصعب عليه الذهاب إلى منطقة البقاع المعروفة بنشاف طقسها، وحينذاك كانت الطريق من بيروت إلى البقاع تستغرق أربع ساعات عبر «طريق الكرامة» في الشوف. كان الرئيس الهراوي متشائماً ويائساً، وبدأ بعد فترة يهدد بالاستقالة. قال لي حرفياً: لن أكمل الطريق بهذا الشكل. لست دمية. أريد أن أعرف ما هو المستقبل. وكان في الوقت عينه عندما يفتح التلفزيون يرى فعلاً حشوداً في بعبدا تصفق للعماد ميشال عون، وهذا يزيد من شعوره بأن الشعب لا يفهمه.

العماد ميشال عون في قصر بعبدا عام 1989... عملية عسكرية سورية أرغمته على اللجوء إلى السفارة الفرنسية (غيتي)

قال لي الهراوي أريدك أن تذهب وتلتقي بالسوريين لتفهم منهم ماذا سيحصل. فقلت له: أنا ماروني من كسروان، ابن نهاد بويز، من مؤسسي حزب الكتلة الوطنية، تريد أن تطل على سوريا العروبة وسوريا البعث بشخص كهذا؟ هذا مستحيل. وأنا لا أعرف سوريا ولم أضع قدماً فيها في يوم من الأيام. هل هذا الوقت الملائم كي أتعلم التركيبة السورية؟ فقال لي: ما العمل؟ فقلت له: عيّن ميشال المر، فعلاقته جيدة مع السوريين، فعينه. بعد مدة قصيرة لم تدم أكثر من أسبوع، اكتشف الرئيس الهراوي أن ميشال المر، قبل أن يعود إليه من مهمته في دمشق، كان يصرح على الراديو فور تخطيه الحدود اللبنانية وكان الهراوي يستمع إلى تصريحاته، فأوقف تكليفه له، وقال لي: من (أعيّن بديلاً للمر)؟ فقلت له: محسن دلول الضليع أيضاً بالقضايا السورية. عيّن دلول، وبعد مدة قال لي: ما بيمشي الحال. قال لمحسن دلول: إنني أرسلك لتُفهم السوريين ماذا أريد، وإذ بك تأتيني لتُفهمني ماذا يريدون في سوريا. ليست هذه المهمة التي كلفتك بها. عدل عن (تعيين) دلول. اقترحت حينذاك ابن شقيقه، الوزير فيما بعد، خليل الهراوي الذي لم تكن علاقته به جيدة، ولكن طرحناه من باب السياسة. أنت تريد شخصاً له علاقات مع السوريين وهذا الرجل له هذه العلاقات. أيضاً لم يدم هذا الأمر، ففهمت في النتيجة أنه لا بد لي أن أذهب. فاستدعاني الرئيس الهراوي في يوم من الأيام، وأنا كنت أزوره يومياً في أبلح، ولم يلتحق أحد به، وبدأت أتعاطى بكل الأمور.

بدأت أصبح مستشاراً من غير لقب رسمي. بمعنى، من سيرد على كتاب مرسل، مثلاً، من البابا (بابا الفاتيكان)، أو الرئيس فرنسوا ميتران، أو الرئيس جورج بوش؟ لا توجد دولة. إلياس الهراوي لم يكن لديه أحد (يساعده). الحرس الجمهوري كان مجموعة من أقارب العقيد جميل السيد حينذاك، ولم يكن هناك أحد غيرهم. في القصر، لم يكن هناك وجود لدولة أو لمؤسسات دولة، وكنت أضطر بحكم الواقع إلى أن أقوم بكل شيء، خاصة بالموضوع الدبلوماسي والخارجي. توليت واقعياً وتدريجياً هذه الأمور.

الذهاب إلى الأسد

لا أذهب إلا للأسداستدعاني، فدخلت إليه فوراً وقلت له: دون أن تتكلم، أنا موافق. فهمت أنه سيحرجني. أنا أوافق ولكن لدي شروط. أولاً، لن أذهب لا إلى ضابط مخابرات ولا إلى أي مسؤول آخر. لن أذهب إلا إلى الرئيس حافظ الأسد. فوجئ. قلت: أذهب علناً وصراحة ورسمياً للرئيس الأسد. لا أريد أن أذهب في الليل، ولا أريد أن أذهب سراً. قال لي: كيف ذلك؟ قلت له: استدعِ محمود عثمان، وكان مدير الرئاسة وله خبرة كبيرة في الأمور الرئاسية والإدارية، فاستدعاه ودوّن الأمر. في اليوم التالي اتصلوا من الثكنة في أبلح – من مكتب الرئيس الهراوي - بمكتب الرئيس حافظ الأسد وطلبوا لي موعداً، لبّي الطلب فوراً وذهبت. هذه الزيارة كانت مفصلية، بمعنى أن حافظ الأسد الذي كان طبقاً لتقارير مخابراتية يتوقع مجيء فارس بويز، الماروني من كسروان، ابن نهاد بويز، من الكتلة الوطنية، كان يتوقع مجيء ماروني من الموارنة التقليديين الذين هم ضد العروبة أو الخائفين منها. فوجئ الرئيس الأسد بماروني يحاضر بالعروبة ويقول لحافظ الأسد إن المسيحيين هم حراس اللغة العربية، آل بستاني وآل اليازجي وغيرهم، وأن المسيحيين في لبنان هم وراء الفكر العربي – العروبي، فهذا مؤسس «حزب البعث» ميشال عفلق، وهذا مؤسس «الحزب القومي السوري» أنطون سعادة، وهذا مؤسس «الحزب الشيوعي العربي» فرج الله الحلو... إلخ. أدخلنا حافظ الأسد بموضوع الولايات المتحدة، وأيضاً اكتشف أن فارس بويز غير منبهر بالولايات المتحدة أو بسياستها ويراها في معظم الأحيان سياسة انتهازية. وأراد أيضاً أن يمتحنني بموضوع إسرائيل واكتشف حقيقة موقفي. ومن هنا، بُنيت هذه العلاقة. عندئذ، وفي جلسات لاحقة، بدأنا نتكلم وكان الرئيس الهراوي قد بدأ يهدد بالاستقالة ويقول إنه إذا لم يوضع حد لعدم تسليم السلطة من قبل ميشال عون فلن يكمل بهذا الشكل. وبالفعل، نقلت إلى الرئيس حافظ الأسد هذا الأمر.

كان للرئيس الأسد أسلوب خاص في شرح الأمور، وعليك أن تلتقط الإشارات من دون أن تتوقع أن يفصح عنها. أفهمني الرئيس (الأسد) أن علينا أن نتجنب أي عملية عسكرية. وبالفعل، وكأنه فوّضني أو طلب مني هذا الأمر. توليت هذا الملف وعدت إلى بيروت وأسست خلية من سفير فرنسا رينيه ألا، وسفير الفاتيكان بابلو بوانتي، وكنت أجتمع بهما دورياً ويذهبان لمفاوضة العماد عون.

النقطة الثانية (التي أرادها الأسد) هي أن الغرب الذي فوضه بموضوع لبنان مجدداً عبر الطائف، عليه أن يكلمه في شأن معالجة موضوع تمرد العماد عون. ومن هنا، أصبحت أيضاً مبعوثاً رئاسياً إلى كل من الولايات المتحدة وفرنسا والفاتيكان. ذهبت إلى هناك لأطرح أن الدولة في لبنان تتفكك نهائياً ولن يبقى منها شيء، والهجرة اللبنانية والمسيحية (تحديداً) قوية جداً. ومن هنا يجب معالجة هذا الأمر. وبالفعل أرسلوا إلى حافظ الأسد رسائل عديدة تطالبه بقمع التمرد.

والشق الثالث الذي سبق وأشرت إليه، هو أن سوريا كانت تخشى، بعد التخلص من العماد ميشال عون، أن يستقوي سمير جعجع ويهيمن على الحكم كما هيمن بشير الجميل على حكم إلياس سركيس. ومن هنا أراد الرئيس الأسد أن يأخذ ضمانات من سمير جعجع حول بضع نقاط. الأولى أن يدخل سمير جعجع من دون مواربة أو التفاف في اتفاق الطائف وموافقته عليه، لأن سمير جعجع كان، خوفاً من شعبيته المسيحية، قد تجنب اتخاذ مواقف واضحة في هذا الشأن. كان المطلوب موقفاً واضحاً من موضوع الطائف. موقف واضح من الشرعية اللبنانية، شرعية إلياس الهراوي. موقف واضح من حل الميليشيات. موقف واضح من انتشار الجيش في كل المناطق اللبنانية من دون تحفظ. موقف واضح من تسليم الأسلحة من قبل كل الميليشيات.

في الحقيقة، أصبحت أنا بين الطائف، ذاهباً إلى باريس وواشنطن والفاتيكان، وبين الباخرة التي تنقلني من خليج سان جورج (في بيروت) إلى خليج جونية ليلاً لتفادي مدفعية العماد ميشال عون في البحر، وأذهب منها إلى منطقة غدراس في كسروان حيث كان يقطن سمير جعجع واجتمع به من العاشرة ليلاً حتى الثالثة أو الرابعة فجراً، لأعود قبل أن يطل الصباح أيضاً تهرباً من مدفعية ميشال عون في البحر. وكان جعجع يرسل زورقاً يأخذني من السان جورج. ودام هذا الأمر نحو 6 أو 7 أشهر، حتى نضجت الأمور، فاتصل الغرب بالرئيس حافظ الأسد ليبلغه بضرورة وضع حد لهذا التمرد، أي الموافقة على عملية عسكرية. كانت هناك موافقة أميركية وفرنسية وفاتيكانية. طبعاً مع تمني البعض ألا يقع كثير من الضحايا، ولكن الضوء الأخضر كان واضحاً. تلقى حافظ الأسد الضوء الأخضر من الغرب.

مفاوضات غير مباشرة مع عون

إيلي حبيقة وسمير جعجع قبل افتراقهما... الأول كان يحاول إقناع دمشق بعدم شن عملية ضد عون والثاني كان يتطلع لإطاحته (غيتي)

كنت أجري مفاوضات مع ميشال عون بشكل غير مباشر من خلال رينيه ألا وبابلو بوانتي، وكما كنا نتوقع، لم تثمر هذه المفاوضات شيئاً. كان هناك أعداء لسمير جعجع في لبنان من الذين يطمئنون ميشال عون بأنه لن يُقتلع (من قصر بعبدا) وأنه لا عملية عسكرية ضده، وكانوا هم ذاتهم يأتون إلى دمشق ليحاولوا إقناع السوريين بعدم القيام بأي عملية ضد ميشال عون، باعتبار أن أي عملية ضد ميشال عون ستقوّي سمير جعجع. من هؤلاء إيلي حبيقة والحزب القومي السوري وربما الوزير سليمان فرنجية. كل من كان بعيداً عن «القوات اللبنانية» وكل من كان قريباً من سوريا (تدخل في هذا الأمر). كما نشأ تيار في سوريا يتخوف من أن عملية إسقاط ميشال عون ستفيد سمير جعجع وسنقع في المشكلة ذاتها، التي وقعنا فيها مع الرئيس إلياس سركيس. فمن هنا، كان هناك بعض التردد السوري في هذا الأمر. لم يتجاوب ميشال عون لا في المفاوضات التي كنا نجريها لأنه كان هناك من يطمئنه ومن يزوده أيضاً بالمحروقات وبالذخيرة، من حلفاء سوريا، إيلي حبيقة مثلاً. كانوا يطمئنونه بأنه لا عملية عسكرية ضده في الأفق. وكان هذا يصعّب مهمة التفاوض معه وإيجاد حل.

في جميع الأحوال، نضجت هذه المحاور الثلاثة ونضج تاريخ العملية العسكرية التي لم يكن هناك بد منها، ما دامت المفاوضات لم تثمر، وبعد أن أرسل الرئيس فرنسوا ميتران والرئيس جورج بوش رسائل تطالب العماد ميشال عون بمغادرة السلطة، لكنه لم يتجاوب. كذلك تدخل بابا روما. في الحقيقة، أتت تلك اللحظة (لحظة إزاحة عون).

كنت مكلفاً بهذه الملفات الثلاثة: ملف التفاوض مع الغرب في الموضوع (عون). وملف التفاوض مع العماد ميشال عون (لإقناعه بالتنحي). وملف التفاوض مع سمير جعجع في موضوع الضمانات أو التطمينات المطلوبة منه. وبالفعل هذا ما حصل.

دور فرنسيوهنا، لا بد من الإشارة إلى الدور الفرنسي. فميشال عون كان مرتبطاً بالمخابرات الفرنسية (من خلال) رينيه ألا الذي هو، وإن كان سفيراً لدولة فرنسا لدى لبنان، إلا أنه قريب جداً من المخابرات الفرنسية. كان رينيه ألا يحاول الدفاع عن العماد عون بكل الوسائل الممكنة، وكان قلقاً على مصيره. كانت عنده كمية كبيرة من العاطفة والقلق. لم يكن سفيراً بالمعنى البارد أو الرسمي، كان سفيراً متورطاً بشكل أو بآخر. أتاني في يوم من الأيام السفير ألا قائلاً: يبدو أن المعركة العسكرية أصبحت تقترب. قلت له: بفضلك يا سيد ألا. لو أنتم ساعدتم العماد عون على التروي وعلى التفاوض لما كنا قد وصلنا إلى ذلك. فقال لي: لماذا؟ أنا أفاوضه. قلت له: نعم أنت تفاوضه ولكن دون قناعة، تفاوضه كواجب تقوم به، ولكن أنت في الوقت عينه من الذين يشجعونه على البقاء في السلطة. أنت تقوم بدورين مختلفين. في جميع الأحوال، قال لي: ألا تريد أن نبحث في حال حصلت العملية العسكرية؟ قلت له: أصبحتُ تعتقد أن العملية حاصلة؟ صح النوم! فقال لي: فرضاً حصلت عملية عسكرية، هل خططتم لأمن ميشال عون؟ قلت له: لم نخطط بعد لهذا الأمر، نحن نرغب في أعلى درجة أن نحفظ أمنه لأننا لا نتحمل سياسياً ولا إنسانياً أي ضرر يمكن أن يحصل له أو لعائلته ولكن في الحقيقة عندما تبدأ الحروب لا أحد يستطيع أن يضمن أي شيء، خاصة أن هذه الحرب لن يقوم بها الجيش اللبناني لكي أضمن لك... سيقوم بها الجيش السوري الذي هو مفوّض من دولتكم ومن دول أخرى بالملف اللبناني. هذا التفويض يبدأ بعملية ميشال عون. بدأنا إذن نبحث بخروج العماد ميشال عون، وفعلاً اقترح رينيه ألا أن العماد عون عندما تحصل المعركة سيخرج إلى السفارة الفرنسية ويصبح في حماية السفارة التي لها حصانة. وتعهدت أنا بالفعل إن خرج ميشال عون من القصر الجمهوري، الذي سيكون مسرح العمليات ولا يمكننا ضبط أي شيء يحصل هناك، وذهب إلى السفارة الفرنسية، فنحن بالقليل الذي بقي لدينا من عناصر الجيش، سنحافظ على أمنه، وسنواكبه إلى الشاطئ اللبناني حيث تتواجد قطعة بحرية فرنسية تنقله إلى فرنسا، أو إلى قبرص في مرحلة أولى. وبالحقيقة هذا ما حصل. وضعت خطة إجلاء أو ترحيل العماد ميشال عون لضمان سلامته، ولكن لم نكن نثق إن كان سيغادر القصر الجمهوري ليأتي إلى السفارة الفرنسية أم لا. لم نكن نعرف ماذا سيفعل بعائلته.

وكنت أول المتفاجئين عندما علمت أن العماد ميشال عون ترك بسهولة وسرعة القصر الجمهوري وتوجه إلى السفارة الفرنسية. وكنت أول المندهشين عندما علمت أنه أتى لوحده ولم يأتِ بعائلته معه. في جميع الأحوال، هذا ما حصل. عندئذ، اضطررنا إلى أن نبتدع، أثناء المعركة التي بدأت، حلولاً جزئية لمشكلة عائلته، وهنا عرض إيلي حبيقة نفسه، كونه على تواصل مع القوات السورية ولديه دين تجاه ميشال عون في الماضي حيث أنقذه العماد ميشال عون خلال معركة «الاتفاق الثلاثي». ذهب حبيقة واصطحب عائلة العماد عون من القصر الجمهوري إلى منزل السفير الفرنسي.

غداً حلقة رابعة


مقالات ذات صلة

نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

خاص نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)

نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

أعاد الاتفاق الأميركي - الإيراني فتح باب العودة أمام آلاف اللبنانيين الذين أمضوا الأشهر الماضية بين النزوح والترقب.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي نازحون يعودون إلى بلداتهم في صيدا بجنوب لبنان بعد إعلان التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب) p-circle

الرئيس اللبناني يأمل بأن يضع التفاهم الأميركي - الإيراني نهاية للحرب مع إسرائيل

أمل الرئيس اللبناني جوزيف عون اليوم (الاثنين) أن يضع التفاهم الأميركي-الإيراني «حداً نهائياً» للحرب مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر في الجيش والدفاع المدني بموقع الغارة الإسرائيلية بمنطقة الغبيري بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

الضاحية الجنوبية لبيروت تحت النار مجدداً رداً على مسيّرات «حزب الله»

عادت الضاحية الجنوبية لبيروت الأحد إلى دائرة الاستهداف الإسرائيلي للمرة الثانية خلال أسبوع رداً على مسيّرات «حزب الله» باتجاه شمال إسرائيل

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)

تقدّم إسرائيلي بمحيط مدينتي النبطية وصور بجنوب لبنان

أحرز الجيش الإسرائيلي، السبت، تقدماً جديداً على المحورين الغربي والشرقي، خارج "الخط الأصفر».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)

جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

اصطدمت الجهود اللبنانية لفصل مفاوضات إنهاء الحرب عن المسار الإيراني، بإصرار «حزب الله» على ربط المسارين، ورفضه التعاون مع الدولة اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)
أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)
TT

مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)
أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)

تتواصل المساعي والجهود الدبلوماسية في العاصمة المصرية القاهرة لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، في حين وسّع الجيش الإسرائيلي الأراضي التي يحتلها في القطاع، وسيطر على مواقع جديدة وسط عمليات قصف لا تتوقف.

وكانت حركة «حماس» قد أعلنت، الأحد، أنها سلمت رد الفصائل الفلسطينية على خطة «خريطة الطريق» التي تلقتها من ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف في أبريل (نيسان) الماضي. وأفادت بأنها عقدت مع الفصائل الفلسطينية لقاءات مع الوسطاء (مصر، وقطر، وتركيا) في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، وقد «أثمرت الموقف الوطني الموحد الذي تم تقديمه».

وقال مصدر مُقرب من فريق ملادينوف لـ«الشرق الأوسط»، إن ممثلاً لمصر التقى مع ملادينوف، وسلّمه نسخة من رد «حماس» والفصائل، موضحاً أن ملادينوف عبّر عما وُصف بـ«الإحباط» من الرد، خاصةً فيما يتعلق بالبند الثامن المتعلق بـ«حصر وتخزين السلاح».

وتركز انتقاد ملادينوف، وفق ما ذكر المصدر، على «عدم الإشارة بشكل واضح إلى البنية التحتية والسلاح الشخصي ومصيرهما»، مشيراً إلى أن «اجتماعاً سيُعقد مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا بهدف تقريب وجهات النظر».

ووفق مصادر من الفصائل الفلسطينية، فإن الوسطاء سعوا إلى إقناع الفصائل بتقديم تعديل فيما يتعلق بمصطلح «البنية التحتية»، إلا أن «الخلاف حول توصيف ما يندرج تحت (البنية التحتية)، والمقصود منها في ظل تعدد أدواتها (الأنفاق، وورش تصنيع الأسلحة، وغيرهما) أدى إلى تأجيل النقاش حولها».

وتقدر مصادر فصائلية أن موقف ملادينوف وربما إسرائيل يبدوان متمسكين بحسم الخلاف بشأن «البنية التحتية، والسلاح الشخصي» قبل الاتفاق الشامل على باقي القضايا.

فلسطيني نازح داخل خيمته في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

وأعلنت فصائل فلسطينية موجودة بالقاهرة شاركت في اللقاءات الأخيرة بقاءها في انعقاد مستمر لمتابعة التطورات الميدانية والسياسية، مشيرةً في بيان، الاثنين، إلى أنها طالبت خلال الرد الوسطاء والضامنين بضرورة «التزام الاحتلال بتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى دون انتقائية أو تسويف، ووقف شامل وكامل لجميع العمليات العسكرية في القطاع، وتطبيق البروتوكول الإنساني فوراً، بما يضمن تدفق المساعدات، وفتح كافة المعابر بشكلٍ دائم ومستدام لإنهاء الحصار، وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع، ودخول اللجنة الإدارية وتمكينها من ممارسة مهامها، والبدء الفوري في خطة الإعمار».

توسيع السيطرة

وعلى الجبهة الأخرى، واصلت القوات الإسرائيلية لليوم الثالث على التوالي توسيع سيطرتها الميدانية داخل قطاع غزة، وحرّكت «الخط الأصفر» الافتراضي مجدداً في حي التفاح شرق مدينة غزة، ما تسبب في نزوح عشرات العائلات التي تعيش في منطقة السنافور ومحيطها، ونفذت التحريك ذاته في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل حيز النفاذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحتل القوات الإسرائيلية أكثر من 60 في المائة من مساحة القطاع حيث تقع شرق «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل مع مناطق نفوذ «حماس» والفصائل، والواقعة غرب الخط ذاته.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وقال مصدر ميداني لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الإسرائيلية باتت توجد تماماً على «شارع صلاح الدين» الرئيس، في حين تحكم سيطرتها بالنار على المناطق الواقعة غربه، الأمر الذي تسبب في نزوح المزيد من العائلات وتشريدها.

وبذلك تكون سيطرت إسرائيل على نحو 4 كيلومترات من «شارع صلاح الدين» قبالة حيَّي التفاح والشجاعية، وصولاً إلى حدودها ما قبل السابع من أكتوبر 2023.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هدد بتوسيع السيطرة داخل قطاع غزة لتصل إلى ما نسبته 70 في المائة بدلاً من 60 في المائة التي تسيطر قواته عليها.

وبالتزامن، تواصلت الغارات الجوية الإسرائيلية، الاثنين، وقُتلت سيدة وأصيب زوجها بجروح حرجة في غارة استهدفت خيمة للنازحين في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، كما قُتل شاب نتيجة استهداف خيمة أخرى في مخيم النصيرات وسط القطاع، وكذلك قُتل شخصان (رجل ونجله) عبر غارة من طائرة مسيّرة على سطح منزل بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، في حين أصيب ما لا يقل عن 7 فلسطينيين إثر إطلاق نار من آليات ومسيّرات ورافعات تجاه مناطق تبعد ما لا يقل عن 700 متر غرب «الخط الأصفر».

يأتي ذلك في حين قتلت العصابات المسلحة، مساء الأحد، طفلاً فلسطينياً وأصابت والده بجروح خطيرة بعدما اختطفتهما قبالة مناطق شرق دير البلح وسط القطاع، قبل أن تلقيهما على قارعة طريق «صلاح الدين». ونقلهما مواطنون إلى «مستشفى شهداء الأقصى».


سوريا: كابل إنترنت دولي يربط طرطوس والإسكندرية يتعرض للتخريب

جانب من ساحل مدينة طرطوس السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
جانب من ساحل مدينة طرطوس السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

سوريا: كابل إنترنت دولي يربط طرطوس والإسكندرية يتعرض للتخريب

جانب من ساحل مدينة طرطوس السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
جانب من ساحل مدينة طرطوس السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

أعلنت الشركة السورية للاتصالات أنّ الكابل البحري الدولي الواصل بين طرطوس السوري والإسكندرية في مصر تعرّض «لعمل تخريبي» قرب ساحل طرطوس.

وأفادت عن تأثر خدمات الإنترنت لشريحة واسعة من المشتركين في أنحاء سوريا. وأوضحت أنّ أعمال الصيانة واستئناف الخدمات بشكل كامل ستستغرق وقتا.

ونددت الشركة السورية للاتصالات بتخريب الكابل البحري، وعدّت أنّه لا يمكن فصل هذا العمل عن «حملة تخريب ممنهجة» تستهدف قطاع الاتصالات في سوريا.


نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)
نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)
TT

نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)
نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)

أعاد الاتفاق الأميركي - الإيراني فتح باب العودة أمام آلاف اللبنانيين الذين أمضوا الأشهر الماضية بين النزوح والترقب، لكنه لم ينجح في تبديد المخاوف. وفي حين بدأت بعض بلدات الجنوب تستقبل أبناءها العائدين، فضّل آخرون في الضاحية الجنوبية والقرى الحدودية الانتظار، معتبرين أن إعلان وقف النار وحده لا يكفي ما لم يترجم استقراراً دائماً وانسحاباً كاملاً وإعادة إعمار تتيح استعادة الحياة الطبيعية.

دعوات للتريث

رغم بدء عودة الأهالي إلى عدد من البلدات الجنوبية، سادت دعوات رسمية ومحلية إلى التريث وعدم التسرع في العودة قبل التأكد من استقرار الأوضاع ميدانياً.

وأصدرت بلديات في جنوب لبنان بيانات دعت فيها السكان إلى التريث في العودة، كما دعت قيادة الجيش اللبناني المواطنين إلى الالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة في المناطق الحدودية الجنوبية، مؤكدةً، في بيان، ضرورة التريث في العودة «حفاظاً على سلامتهم من خطر الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية»، ومشددةً على توخي الحيطة والحذر في الأماكن التي تعرضت لاعتداءات، وإبلاغ الأجهزة المختصة عن الذخائر غير المنفجرة والأجسام المشبوهة.

عودة تدريجية بانتظار الاطمئنان

في بلدة أنصار الجنوبية، بدأت ملامح العودة الخجولة تظهر تدريجياً بعد إعلان الاتفاق. ويقول عيسى فياض لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأهالي بدأوا بالفعل بالعودة إلى منازلهم، مستفيدين من الهدوء الذي ساد المنطقة بعد الاتفاق».

لكنَّ هذا المناخ الإيجابي لم يدفعه هو إلى العودة فوراً، إذ يفضل التريث ومراقبة التطورات. ويقول: «سأنتظر قليلاً ريثما أتأكد من أن القرية آمنة بشكل كامل، وأن الأوضاع مستقرة ولا توجد أي تطورات جديدة».

وتعكس شهادة فياض حالة شائعة بين كثيرين من أبناء الجنوب الذين رحبوا بالاتفاق، لكنهم ما زالوا يتعاملون معه بوصفه خطوة أولى تحتاج إلى ترجمة ميدانية قبل اتخاذ قرارات نهائية.

سيارة محمّلة بالأمتعة تمرّ أمام مبنى مدمّر في مدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

صور تستعيد نبضها

في مدينة صور، تبدو العودة أكثر وضوحاً.

هشام حجازية، الذي عاد إلى المدينة صباح الاثنين، يرى أن استعادة بعض من الحياة الطبيعية باتت أولوية بالنسبة إلى الأهالي.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نبقى هنا»، مؤكداً أن قرار العودة جاء انطلاقاً من التمسك بالمدينة والبيت وعدم الاستمرار في حياة النزوح.

ويشير إلى أن صور بدأت تستعيد جزءاً من حركتها اليومية، موضحاً أن «بلدية المدينة تواصل فتح الشوارع وإزالة آثار الأضرار، فيما عادت حركة السير والازدحام النسبي إلى الأسواق والطرقات».

لكن العودة لا تعني بالنسبة إليه انتهاء المعاناة. ويقول: إن «حجم الدمار صادم، وإن العائدين يصطدمون بمشاهد تعكس حجم ما أصاب المدينة من أضرار خلال الفترة الماضية».

ويضيف أنه عاد إلى صور قبل الدعوات التي شجعت الأهالي على العودة إلى قراهم وبلداتهم، قائلاً: «أنا رجعت قبل أن يقولوا ذلك»، في إشارة إلى الدعوات الرسمية التي تلت الاتفاق.

ورغم عودته، لا يُخفي حجازية قلقه من المستقبل، معرباً عن أمله أن «يعمّ الأمان، وأن يتوقف التهجير، وأن تنعكس أجواء الاتفاق الأميركي - الإيراني إيجاباً على لبنان والجنوب بما يسمح للناس باستعادة حياتهم الطبيعية».

ويؤكد أن عدداً كبيراً من أبناء المدينة عادوا بالفعل إلى منازلهم، فيما لا تزال عائلات أخرى تراقب التطورات قبل اتخاذ قرار العودة النهائية، خوفاً من تكرار تجربة النزوح مرة أخرى.

بنت جبيل... وقف النار لا يكفي

إذا كانت أنصار وصور بدأتا تستقبلان العائدين، فإن الصورة تبدو مختلفة في القرى الحدودية القريبة من الشريط الحدودي، حيث لا يرى كثيرون أن الاتفاق الأميركي - الإيراني كافٍ لحل المشكلة.

ويقول أحد أبناء مدينة بنت جبيل، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «السؤال اليوم ليس فقط عمّا إذا كان وقف إطلاق النار سيصمد، بل ما إذا كانت العودة إلى القرى الحدودية ستكون ممكنة وآمنة».

ويضيف: «برأيي، فإن قضية القرى الواقعة ضمن الخط الأصفر ما زالت بعيدة عن الحل، حتى لو نجح الاتفاق الأميركي - الإيراني في فرض وقف شامل للقتال».

ويرى أن المشكلة الأساسية لا ترتبط فقط بوقف العمليات العسكرية، بل بما سيليها من ترتيبات ميدانية وأمنية، موضحاً: «قد تتمكن واشنطن من فرض وقف نهائي لإطلاق النار، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انسحاب إسرائيل من المناطق الحدودية التي تعدها أمنية، وهنا تكمن المعضلة الأساسية».

ويتابع: «عودة الأهالي ليست مرتبطة بوقف النار فقط، بل أيضاً بالانسحاب وإعادة الإعمار. هناك قرى مدمَّرة بالكامل أو شبه مدمَّرة، والبنية التحتية متوقفة، وحتى المنازل التي لم تتضرر مباشرة سيبقى السكن فيها محفوفاً بالمخاطر إذا استمرت المنطقة الأمنية أو القيود المفروضة عليها».

ويؤكد أنه شخصياً لا يفكر في العودة حالياً، قائلاً: «حتى لو لم يكن منزلي مدمَّراً بالكامل، لا أرى أن العودة ممكنة في الظروف الحالية. غياب مقومات الحياة واستمرار المخاطر الأمنية يجعلان أي قرار بالعودة مغامرة غير محسوبة».

ويختم بالقول: «لا أعتقد أن الناس سيغامرون بالعودة لمجرد توقف القتال. العودة تحتاج إلى شروط واضحة، أبرزها الانسحاب الكامل وإعادة الإعمار وتأمين مقومات الحياة، وإلا فإن مستقبل القرى الحدودية سيبقى معلقاً لسنوات».

عنصر من القوى الأمنية اللبنانية يقف قرب مبنى سكني استهدفته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

الضاحية أمام نافذة أمل لا باب عودة

في الضاحية الجنوبية لبيروت، لم يتحول الاتفاق الأميركي - الإيراني إلى عامل طمأنة كافٍ يدفع النازحين إلى العودة. فبعد أشهر من الغارات والإنذارات والنزوح المتكرر، لا يزال كثير من الأهالي ينظرون بحذر إلى أي حديث عن تسويات أو تفاهمات.

ويرى حسين نور الدين، أن غياب الضمانات هو المشكلة الأساسية. ويقول لـ«الشرق الأوسط»إن «الحرب الأخيرة جعلت كثيرين يعيدون النظر في خياراتهم السكنية»، كاشفاً عن أنه بات يبحث عن منزل دائم لوالدته خارج الضاحية حتى لو هدأت الأوضاع لاحقاً.

ويضيف: «أبحث عن منزل دائم لوالدتي خارج الضاحية، وحتى لو هدأت الأوضاع بعد الحديث عن تسوية، فأنا أفضِّل أن تبقى في مكان أكثر استقراراً وأماناً».

عائلات عائدة إلى الجنوب بعد إعلان الاتفاق الأميركي - الإيراني (أ.ب)

أما علي عساف، الذي يقيم حالياً مع عائلته في عرمون، فيؤكد أنه وعائلته قرروا تمضية فصل الصيف هناك بانتظار اتضاح الصورة أكثر. ويرى أن «أي اتفاق يحتاج إلى وقت لإثبات قدرته على الصمود قبل أن يتحول إلى عامل يشجع الناس على العودة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «قررنا أن نمضي فصل الصيف في عرمون، في جبل لبنان، حيث نقيم حالياً، بانتظار أن تتبلور الصورة أكثر. لا نرى أن الظروف الحالية تسمح بالمجازفة والعودة، خصوصاً أن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات كثيرة».

ويضيف أن العودة بالنسبة إلى كثيرين لم تعد مرتبطة فقط بإعلان وقف إطلاق النار، بل بعودة الحياة الطبيعية إلى الأحياء والشوارع. ويختم قائلاً: «الناس يشجع بعضهم بعضاً، وعندما يرون الحركة الطبيعية سيعودون إلى المنطقة وسيبدأون باستعادة الثقة. أما اليوم، فما زال الانتظار هو الخيار الأكثر أماناً بالنسبة إلى عدد كبير من العائلات».

Your Premium trial has ended