بويز: الأسد اشترط لإطاحة عون تفويضاً غربياً وعدم استفادة جعجع

وزير الخارجية اللبناني الأسبق يفتح لـ"الشرق الأوسط" دفاتر عهدين رئاسيين (3- 5)

TT

بويز: الأسد اشترط لإطاحة عون تفويضاً غربياً وعدم استفادة جعجع


العماد ميشال عون في قصر بعبدا عام 1989... عملية عسكرية سورية أرغمته على اللجوء إلى السفارة الفرنسية (غيتي)
العماد ميشال عون في قصر بعبدا عام 1989... عملية عسكرية سورية أرغمته على اللجوء إلى السفارة الفرنسية (غيتي)

أحياناً تكفي جملة لتغيير مصير سياسي. كان النائب إلياس الهراوي مدعواً إلى مقابلة تلفزيونية وكان على عادة السياسيين الموارنة مصاباً بحلم رئاسة الجمهورية. تشاور مع صهره فارس بويز فنصحه بجملة استوقفت الرئيس حافظ الأسد. كان الرئيس السوري يبحث في تلك الأيام عن رئيس جديد للبنان من خارج منطقة الجبل كي لا تتكرر معه تجربة إلياس سركيس مع صعود بشير الجميل وتجربة وقوع سركيس تحت تأثير وزير الخارجية فؤاد بطرس ومدير المخابرات في الجيش اللبناني جوني عبده. قال الهراوي الجملة واضطر بسببها إلى مغادرة منزله في الشطر الشرقي من بيروت عائداً إلى بيته المحتل في زحلة. وكانت المفاجأة أن مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان استقبله بالقول: «أهلاً وسهلاً فخامة الرئيس»، قبل أن يسمع الوعد من الأسد نفسه. عاد النواب من لقائهم في الطائف وأصيب حلم الهراوي بانتكاسة حين قضت تسوية بانتخاب رينيه معوض رئيساً. تدخّل القدر واغتيل معوض سريعاً وانتخب الهراوي رئيساً، لكن القصر كان يومها في عهدة جنرال صاخب اسمه ميشال عون لن يغادر القصر إلا في عملية عسكرية دفعته إلى المنفى. يروي وزير الخارجية الأسبق فارس بويز قصة انتخاب الهراوي ويقول إن الأسد اشترط لإزاحة عون تفويضاً غربياً وألا ينجح قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع في وراثة نفوذ عون في المناطق المسيحية.

الرئيس الهراوي مع رئيس حكومته الأولى سليم الحص (غيتي)

سألت بويز كيف وصل الهراوي إلى رئاسة الجمهورية وسأتركه يروي.

في الحقيقة، قبل هذه الانتخابات كانت سوريا مكلفة ومفوضة بالملف اللبناني. مفوضة من العالم بأسره، الولايات المتحدة والفاتيكان وأوروبا، وكان الجميع يقرون بعجزهم عن إدارة الواقع اللبناني. لا أحد كان مستعداً لدفع ثمن عسكري في هذه الساحة، ومن هنا فوّض الجميع سوريا. سوريا كانت لديها عقدة منذ سنة 1976، عندما كُلّفت أيضاً بضبط منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وإدارة الملف اللبناني. اختارت حينذاك الرئيس إلياس سركيس رئيساً للجمهورية وخاضت حرباً، في الحقيقة، من أجل إيصاله. أعتقد أنه سقط من الجيش السوري آنذاك في وجه الفلسطينيين عدد كبير من القتلى ودُمّرت دبابات. وقع عهد إلياس سركيس تحت وطأة صعود الشيخ بشير الجميل وانتهى مواجهاً لسوريا وبدخول الجيش الإسرائيلي إلى لبنان وانتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية. كانت لدى سوريا عقدة من هذا الأمر، ولا تريد تكراره. من هنا، كانت تريد، حسب تقديري آنذاك، أولاً رئيساً مارونياً من خارج جبل لبنان كي لا يرضخ للمناخ الماروني العام في هذه المنطقة والذي كان يعتقد أنه مواجه لسوريا أو ضدها. ثانياً، كانت تريد رئيساً جريئاً لا تربطه بـ«القوات اللبنانية» أي روابط. أكثر من ذلك، كانت تريد رئيساً مستعداً لمواجهة «القوات اللبنانية» إذا اقتضى الأمر. تريد رئيساً لديه المناعة الكافية كي لا يرضخ، مثلما رضخ سركيس لمطالب بشير، أمام سياسة «القوات اللبنانية». ومن هنا، كنت أتوقع أن لسوريا أربعة أسماء: مخايل الضاهر وكنت أول من توقع طرحه. وإن تعذّر، فرينيه معوض، وإن تعذّر فإلياس الهراوي، وإن تعذّر فجان عبيد.

رئيس أم وزير؟

حقيقة الأمر هي أنه قبل حصول انتخابات رئاسة الجمهورية، أتاني إلى مكتبي الوزير والنائب حينذاك إلياس الهراوي وقال لي «إنني مدعو إلى حلقة الليلة على (شاشة) إل بي سي، وكانت يومها ناطقة باسم «القوات اللبنانية» ومركزها في الأشرفية، بماذا تنصحني أن أقول؟ قلت له: ماذا ترغب أن تقول؟ في البداية أراد أن يتهرب من الوضوح. قال إنه سيتكلم في الزراعة، معتبراً أنه معني بهذا الحقل وضليع به. قلت له: إذا كان أعلى طموحاتك أن تكون وزير زراعة في الحكومة المقبلة قد يفيدك هذا الأمر. لم يعجبه الجواب، فقال لي: هل تعتقد أن هذا فقط طموحي؟ فقلت له: إذا طموحك رئاسي، فأنا أعتقد أن الرئيس الذي سينتخب سيكون رئيساً يجسّد هذا التفويض الدولي، يتفاعل ويتناغم مع هذا التفويض الدولي. ومن هنا، أنا أعتقد أن عليك أن تطلق رسالة واضحة بأن التفاهم مع سوريا أمر ضروري لحل الأزمة اللبنانية. وبالفعل، ذهب إلى التلفزيون وأطلق هذه العبارة.

وكنت حذّرته أنني غير مسؤول عن أمنه بعد إطلاق هذا الموقف. كنّا في حالة حرب. ابتسم. وبالفعل، بعد أن ظهر على شاشة الـ«إل بي سي» وقال هذا الكلام، ذهب إلى منزله مستقوياً بأنه كان من الذين صوّتوا في الماضي لبشير الجميل وأن لديه أصدقاء من «القوات اللبنانية» كنادر سكر وكريم بقردوني وأن هؤلاء يستطيعون حمايته. عندما وصل إلى منزله رآهم يقولون له: غادر فوراً. لا نستطيع حمايتك. وبالفعل، أخذ عائلته وذهب إلى منزله في زحلة، الذي كان غادره قبل ثماني سنوات، أي وقت انتخاب بشير الجميل عندما حرّضت أجهزة سورية عليه بعض القوى المحلية التي احتلت منزله وأرزاقه هناك. لم يزر زحلة منذ انتخاب بشير الجميل، لكنه ذهب إليها فجأة من دون أي حساب، إذ لم يكن لديه خيار آخر. ويبدو أن الحواجز السورية التي كانت قائمة رصدت مروره وأبلغت (من يجب إبلاغه). ما إن وصل إلى منزله حتى فوجئ بوجود غازي كنعان (رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية في لبنان). الهراوي لم يكن ضامناً أنه سيستطيع أن يدخل منزله، ولم يكن يعرف من فيه. أدى له كنعان تحية رئاسية، وقال: «أهلاً وسهلاً فخامة الرئيس». استغرب الهراوي ورد: «أي رئيس؟ الرئيس لا يعرف أين يبات ليلته». أجابه: «تفضّل وزوجتك وزورا المنزل وإذا كانت هناك منفضة (سجائر) ناقصة منه فسأفعل كذا بمن أخذها». وبالفعل، زارت زوجته المنزل ورأت أن كل شيء في مكانه. قالت له: حتى ملابسك لا تزال كما كانت.

يبدو أن غازي كنعان كان قد رصد أو توقع انتقال إلياس الهراوي (إلى منزله في زحلة)، فأرسل لمحتلي المنزل أوامر فورية بتنظيف المكان وترتيبه. قال له (للهراوي): تفضل. سيادة الرئيس (حافظ الأسد) في انتظارك. كانت الساعة حينها العاشرة والنصف ليلاً. فقال له: الليلة؟ فأجابه: سيادة الرئيس يطيل السهر. وذهبا معاً، وبالفعل استقبله حافظ الأسد وقال له: «لقد استمعت إلى كلامك وإنني... ساعدنا الله على أن نؤيد مجيئك رئيساً».

الرئيس رينيه معوض يحيي مؤيديه بعد انتخابه رئيساً (غيتي)

عاد إلياس الهراوي واتصل بي هاتفياً، ليوحي لي على الهاتف على قدر ما يستطيع أن يتكلم، بأنه كانت له زيارة (لدمشق) وأنها كانت إيجابية جداً. رئاسة إلياس الهراوي تقررت منذ ذلك الحين. ولكن ما دخل على الخط هو فعلاً نوع من تسوية سعودية – سورية حينذاك أتت برينيه معوض. معوض كان قد عمل أكثر على الخط السعودي عبر صداقات وعلاقات عديدة بين رجال أعمال لبنانيين في المملكة العربية السعودية، وكان مرغوباً أكثر من قبل السعودية في هذا الأمر، وكان جزءاً من مهمة الرئيس المقبل الإعمار والحصول على مساعدات ودعم للبنان، ومن هنا أتى معوض حينذاك رئيساً للجمهورية بالرغم من أن الأسد كان يعطي الأولوية للهراوي. أتى معوض نتيجة تسوية سعودية – سورية لكنه اغتيل وعادت الأمور إلى مسارها السابق وتوجهت الدفة مجدداً باتجاه الهراوي.

انفجار سيارة مفخخة في بيروت أودى بحياة الرئيس رينيه معوض عام 1989 (غيتي)

الرأي الأساسي في سوريا كان عند حافظ الأسد. وكان في هذا الاتجاه. ولكن كانت في سوريا قوى أخرى لا ترغب في الهراوي. كان عبد الحليم خدام لا يريده وكانت هناك قوى أخرى أيضاً. في لبنان كان هناك السيد حسين الحسيني، رئيس المجلس النيابي، وكان له نفوذ ودور، أيضاً لا يرغب في الهراوي.إسقاط خيار الهراوي

تلاقت هذه القوى اللبنانية مع عبد الحليم خدام لإسقاط خيار الهراوي ومحاولة الإتيان بغيره. تارة أرسلوا النائب بيار حلو إلى خدام، وتارة أرسلوا جان عبيد. كانوا يحاولون إيجاد بديل لتقديمه للأسد. وكان خدام يستعمل وسيلة كأن يقول لهؤلاء ماذا ستفعلون مع ميشال عون في حال رفض تسليمكم الشرعية أو الرئاسة؟ هل ستذهبون إلى معركة عسكرية؟ حاول أن يطرح على حافظ الأسد أحد هؤلاء الاثنين بديلاً عن الهراوي بذريعة أن البديل سيوافق على استعمال القوة (ضد عون) إذا تعذّرت الوسائل السياسية الأخرى. في الحقيقة، لعب خدام هذا الدور، ولكن لم يكن هذا الدور حاسماً إذ لم يكن القرار في سوريا يوماً لديه في مواضيع بهذا الحجم. القرار الكبير عند حافظ الأسد فقط. ونقطة على السطر. ربما كانوا يحاولون تغيير قرار الأسد أو أنهم غير مطلعين كفاية عليه.

كان الهراوي مرشح الأسد ولم يكن مرشح (رفيق) الحريري كما شاع لاحقاً. ولكن عندما ذهب النواب إلى باريس، قلت له: يبدو أن هناك تسوية سعودية – سورية دخلت على الخط، وأعتقد أن حظوظك قد تراجعت لمصلحة رينيه معوض. أجاب: ما هذا الكلام؟ ينتظرني في باريس رفيق الحريري وجوني عبده (مدير المخابرات السابق في الجيش اللبناني). في اليوم التالي اتصل بي من باريس ليقول: ربما كنت على حق، فهذا رفيق يتجنبني ولا يصافحني، وجوني اختفى. قلت له: من الواضح جداً أن رفيق الحريري يعمل لمصلحة معوض. وبالفعل انتخب الرئيس رينيه معوض رئيساً للجمهورية، وكانت خيبة الهراوي كبيرة.

عندما استشهد رينيه معوض، في تفجير استهدف موكبه في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، مالت الأمور إلى الهراوي تلقائياً وبشكل مباشر. كنت أتوقع هذا الأمر، إذ عندما علمت بالانفجار الذي أودى بحياة معوض، اتصلت بإلياس الهراوي الذي كان معتكفاً في زحلة وكان بدأ معارضاً للحكم الجديد، وقلت له: إنني واثق بأن الانتخابات ستحصل فوراً وهذه المرة لا مفر من اسمك. فقال لي: أي انتخابات؟ قُتل رينيه معوض الآن والفوضى آتية. فقلت له: إنني واثق بأنهم سيحاولون إجراء انتخابات (رئاسية) فوراً. وبالفعل حصلت الانتخابات.

انتخب الهراوي في الفندق («بارك أوتيل شتورة») ثم نُقل بطريقة غريبة إلى شقة صغيرة متواضعة في الثكنة العسكرية في أبلح (البقاع). كان الرئيس إلياس الهراوي يتألم كثيراً لوضعه، إذ لم يكن يشعر أن لديه أي صلة بصورة رئيس للجمهورية. كان في شقة صغيرة، هي شقة عسكرية داخل ثكنة بعيدة جداً عن العاصمة، منقطعاً هاتفياً وبكل الوسائل عن عاصمته. لا يستقبل هناك إلا شخصيات من المنطقة. رئيس حكومته، الرئيس سليم الحص، يعاني من مشاكل تنفسية ويصعب عليه الذهاب إلى منطقة البقاع المعروفة بنشاف طقسها، وحينذاك كانت الطريق من بيروت إلى البقاع تستغرق أربع ساعات عبر «طريق الكرامة» في الشوف. كان الرئيس الهراوي متشائماً ويائساً، وبدأ بعد فترة يهدد بالاستقالة. قال لي حرفياً: لن أكمل الطريق بهذا الشكل. لست دمية. أريد أن أعرف ما هو المستقبل. وكان في الوقت عينه عندما يفتح التلفزيون يرى فعلاً حشوداً في بعبدا تصفق للعماد ميشال عون، وهذا يزيد من شعوره بأن الشعب لا يفهمه.

العماد ميشال عون في قصر بعبدا عام 1989... عملية عسكرية سورية أرغمته على اللجوء إلى السفارة الفرنسية (غيتي)

قال لي الهراوي أريدك أن تذهب وتلتقي بالسوريين لتفهم منهم ماذا سيحصل. فقلت له: أنا ماروني من كسروان، ابن نهاد بويز، من مؤسسي حزب الكتلة الوطنية، تريد أن تطل على سوريا العروبة وسوريا البعث بشخص كهذا؟ هذا مستحيل. وأنا لا أعرف سوريا ولم أضع قدماً فيها في يوم من الأيام. هل هذا الوقت الملائم كي أتعلم التركيبة السورية؟ فقال لي: ما العمل؟ فقلت له: عيّن ميشال المر، فعلاقته جيدة مع السوريين، فعينه. بعد مدة قصيرة لم تدم أكثر من أسبوع، اكتشف الرئيس الهراوي أن ميشال المر، قبل أن يعود إليه من مهمته في دمشق، كان يصرح على الراديو فور تخطيه الحدود اللبنانية وكان الهراوي يستمع إلى تصريحاته، فأوقف تكليفه له، وقال لي: من (أعيّن بديلاً للمر)؟ فقلت له: محسن دلول الضليع أيضاً بالقضايا السورية. عيّن دلول، وبعد مدة قال لي: ما بيمشي الحال. قال لمحسن دلول: إنني أرسلك لتُفهم السوريين ماذا أريد، وإذ بك تأتيني لتُفهمني ماذا يريدون في سوريا. ليست هذه المهمة التي كلفتك بها. عدل عن (تعيين) دلول. اقترحت حينذاك ابن شقيقه، الوزير فيما بعد، خليل الهراوي الذي لم تكن علاقته به جيدة، ولكن طرحناه من باب السياسة. أنت تريد شخصاً له علاقات مع السوريين وهذا الرجل له هذه العلاقات. أيضاً لم يدم هذا الأمر، ففهمت في النتيجة أنه لا بد لي أن أذهب. فاستدعاني الرئيس الهراوي في يوم من الأيام، وأنا كنت أزوره يومياً في أبلح، ولم يلتحق أحد به، وبدأت أتعاطى بكل الأمور.

بدأت أصبح مستشاراً من غير لقب رسمي. بمعنى، من سيرد على كتاب مرسل، مثلاً، من البابا (بابا الفاتيكان)، أو الرئيس فرنسوا ميتران، أو الرئيس جورج بوش؟ لا توجد دولة. إلياس الهراوي لم يكن لديه أحد (يساعده). الحرس الجمهوري كان مجموعة من أقارب العقيد جميل السيد حينذاك، ولم يكن هناك أحد غيرهم. في القصر، لم يكن هناك وجود لدولة أو لمؤسسات دولة، وكنت أضطر بحكم الواقع إلى أن أقوم بكل شيء، خاصة بالموضوع الدبلوماسي والخارجي. توليت واقعياً وتدريجياً هذه الأمور.

الذهاب إلى الأسد

لا أذهب إلا للأسداستدعاني، فدخلت إليه فوراً وقلت له: دون أن تتكلم، أنا موافق. فهمت أنه سيحرجني. أنا أوافق ولكن لدي شروط. أولاً، لن أذهب لا إلى ضابط مخابرات ولا إلى أي مسؤول آخر. لن أذهب إلا إلى الرئيس حافظ الأسد. فوجئ. قلت: أذهب علناً وصراحة ورسمياً للرئيس الأسد. لا أريد أن أذهب في الليل، ولا أريد أن أذهب سراً. قال لي: كيف ذلك؟ قلت له: استدعِ محمود عثمان، وكان مدير الرئاسة وله خبرة كبيرة في الأمور الرئاسية والإدارية، فاستدعاه ودوّن الأمر. في اليوم التالي اتصلوا من الثكنة في أبلح – من مكتب الرئيس الهراوي - بمكتب الرئيس حافظ الأسد وطلبوا لي موعداً، لبّي الطلب فوراً وذهبت. هذه الزيارة كانت مفصلية، بمعنى أن حافظ الأسد الذي كان طبقاً لتقارير مخابراتية يتوقع مجيء فارس بويز، الماروني من كسروان، ابن نهاد بويز، من الكتلة الوطنية، كان يتوقع مجيء ماروني من الموارنة التقليديين الذين هم ضد العروبة أو الخائفين منها. فوجئ الرئيس الأسد بماروني يحاضر بالعروبة ويقول لحافظ الأسد إن المسيحيين هم حراس اللغة العربية، آل بستاني وآل اليازجي وغيرهم، وأن المسيحيين في لبنان هم وراء الفكر العربي – العروبي، فهذا مؤسس «حزب البعث» ميشال عفلق، وهذا مؤسس «الحزب القومي السوري» أنطون سعادة، وهذا مؤسس «الحزب الشيوعي العربي» فرج الله الحلو... إلخ. أدخلنا حافظ الأسد بموضوع الولايات المتحدة، وأيضاً اكتشف أن فارس بويز غير منبهر بالولايات المتحدة أو بسياستها ويراها في معظم الأحيان سياسة انتهازية. وأراد أيضاً أن يمتحنني بموضوع إسرائيل واكتشف حقيقة موقفي. ومن هنا، بُنيت هذه العلاقة. عندئذ، وفي جلسات لاحقة، بدأنا نتكلم وكان الرئيس الهراوي قد بدأ يهدد بالاستقالة ويقول إنه إذا لم يوضع حد لعدم تسليم السلطة من قبل ميشال عون فلن يكمل بهذا الشكل. وبالفعل، نقلت إلى الرئيس حافظ الأسد هذا الأمر.

كان للرئيس الأسد أسلوب خاص في شرح الأمور، وعليك أن تلتقط الإشارات من دون أن تتوقع أن يفصح عنها. أفهمني الرئيس (الأسد) أن علينا أن نتجنب أي عملية عسكرية. وبالفعل، وكأنه فوّضني أو طلب مني هذا الأمر. توليت هذا الملف وعدت إلى بيروت وأسست خلية من سفير فرنسا رينيه ألا، وسفير الفاتيكان بابلو بوانتي، وكنت أجتمع بهما دورياً ويذهبان لمفاوضة العماد عون.

النقطة الثانية (التي أرادها الأسد) هي أن الغرب الذي فوضه بموضوع لبنان مجدداً عبر الطائف، عليه أن يكلمه في شأن معالجة موضوع تمرد العماد عون. ومن هنا، أصبحت أيضاً مبعوثاً رئاسياً إلى كل من الولايات المتحدة وفرنسا والفاتيكان. ذهبت إلى هناك لأطرح أن الدولة في لبنان تتفكك نهائياً ولن يبقى منها شيء، والهجرة اللبنانية والمسيحية (تحديداً) قوية جداً. ومن هنا يجب معالجة هذا الأمر. وبالفعل أرسلوا إلى حافظ الأسد رسائل عديدة تطالبه بقمع التمرد.

والشق الثالث الذي سبق وأشرت إليه، هو أن سوريا كانت تخشى، بعد التخلص من العماد ميشال عون، أن يستقوي سمير جعجع ويهيمن على الحكم كما هيمن بشير الجميل على حكم إلياس سركيس. ومن هنا أراد الرئيس الأسد أن يأخذ ضمانات من سمير جعجع حول بضع نقاط. الأولى أن يدخل سمير جعجع من دون مواربة أو التفاف في اتفاق الطائف وموافقته عليه، لأن سمير جعجع كان، خوفاً من شعبيته المسيحية، قد تجنب اتخاذ مواقف واضحة في هذا الشأن. كان المطلوب موقفاً واضحاً من موضوع الطائف. موقف واضح من الشرعية اللبنانية، شرعية إلياس الهراوي. موقف واضح من حل الميليشيات. موقف واضح من انتشار الجيش في كل المناطق اللبنانية من دون تحفظ. موقف واضح من تسليم الأسلحة من قبل كل الميليشيات.

في الحقيقة، أصبحت أنا بين الطائف، ذاهباً إلى باريس وواشنطن والفاتيكان، وبين الباخرة التي تنقلني من خليج سان جورج (في بيروت) إلى خليج جونية ليلاً لتفادي مدفعية العماد ميشال عون في البحر، وأذهب منها إلى منطقة غدراس في كسروان حيث كان يقطن سمير جعجع واجتمع به من العاشرة ليلاً حتى الثالثة أو الرابعة فجراً، لأعود قبل أن يطل الصباح أيضاً تهرباً من مدفعية ميشال عون في البحر. وكان جعجع يرسل زورقاً يأخذني من السان جورج. ودام هذا الأمر نحو 6 أو 7 أشهر، حتى نضجت الأمور، فاتصل الغرب بالرئيس حافظ الأسد ليبلغه بضرورة وضع حد لهذا التمرد، أي الموافقة على عملية عسكرية. كانت هناك موافقة أميركية وفرنسية وفاتيكانية. طبعاً مع تمني البعض ألا يقع كثير من الضحايا، ولكن الضوء الأخضر كان واضحاً. تلقى حافظ الأسد الضوء الأخضر من الغرب.

مفاوضات غير مباشرة مع عون

إيلي حبيقة وسمير جعجع قبل افتراقهما... الأول كان يحاول إقناع دمشق بعدم شن عملية ضد عون والثاني كان يتطلع لإطاحته (غيتي)

كنت أجري مفاوضات مع ميشال عون بشكل غير مباشر من خلال رينيه ألا وبابلو بوانتي، وكما كنا نتوقع، لم تثمر هذه المفاوضات شيئاً. كان هناك أعداء لسمير جعجع في لبنان من الذين يطمئنون ميشال عون بأنه لن يُقتلع (من قصر بعبدا) وأنه لا عملية عسكرية ضده، وكانوا هم ذاتهم يأتون إلى دمشق ليحاولوا إقناع السوريين بعدم القيام بأي عملية ضد ميشال عون، باعتبار أن أي عملية ضد ميشال عون ستقوّي سمير جعجع. من هؤلاء إيلي حبيقة والحزب القومي السوري وربما الوزير سليمان فرنجية. كل من كان بعيداً عن «القوات اللبنانية» وكل من كان قريباً من سوريا (تدخل في هذا الأمر). كما نشأ تيار في سوريا يتخوف من أن عملية إسقاط ميشال عون ستفيد سمير جعجع وسنقع في المشكلة ذاتها، التي وقعنا فيها مع الرئيس إلياس سركيس. فمن هنا، كان هناك بعض التردد السوري في هذا الأمر. لم يتجاوب ميشال عون لا في المفاوضات التي كنا نجريها لأنه كان هناك من يطمئنه ومن يزوده أيضاً بالمحروقات وبالذخيرة، من حلفاء سوريا، إيلي حبيقة مثلاً. كانوا يطمئنونه بأنه لا عملية عسكرية ضده في الأفق. وكان هذا يصعّب مهمة التفاوض معه وإيجاد حل.

في جميع الأحوال، نضجت هذه المحاور الثلاثة ونضج تاريخ العملية العسكرية التي لم يكن هناك بد منها، ما دامت المفاوضات لم تثمر، وبعد أن أرسل الرئيس فرنسوا ميتران والرئيس جورج بوش رسائل تطالب العماد ميشال عون بمغادرة السلطة، لكنه لم يتجاوب. كذلك تدخل بابا روما. في الحقيقة، أتت تلك اللحظة (لحظة إزاحة عون).

كنت مكلفاً بهذه الملفات الثلاثة: ملف التفاوض مع الغرب في الموضوع (عون). وملف التفاوض مع العماد ميشال عون (لإقناعه بالتنحي). وملف التفاوض مع سمير جعجع في موضوع الضمانات أو التطمينات المطلوبة منه. وبالفعل هذا ما حصل.

دور فرنسيوهنا، لا بد من الإشارة إلى الدور الفرنسي. فميشال عون كان مرتبطاً بالمخابرات الفرنسية (من خلال) رينيه ألا الذي هو، وإن كان سفيراً لدولة فرنسا لدى لبنان، إلا أنه قريب جداً من المخابرات الفرنسية. كان رينيه ألا يحاول الدفاع عن العماد عون بكل الوسائل الممكنة، وكان قلقاً على مصيره. كانت عنده كمية كبيرة من العاطفة والقلق. لم يكن سفيراً بالمعنى البارد أو الرسمي، كان سفيراً متورطاً بشكل أو بآخر. أتاني في يوم من الأيام السفير ألا قائلاً: يبدو أن المعركة العسكرية أصبحت تقترب. قلت له: بفضلك يا سيد ألا. لو أنتم ساعدتم العماد عون على التروي وعلى التفاوض لما كنا قد وصلنا إلى ذلك. فقال لي: لماذا؟ أنا أفاوضه. قلت له: نعم أنت تفاوضه ولكن دون قناعة، تفاوضه كواجب تقوم به، ولكن أنت في الوقت عينه من الذين يشجعونه على البقاء في السلطة. أنت تقوم بدورين مختلفين. في جميع الأحوال، قال لي: ألا تريد أن نبحث في حال حصلت العملية العسكرية؟ قلت له: أصبحتُ تعتقد أن العملية حاصلة؟ صح النوم! فقال لي: فرضاً حصلت عملية عسكرية، هل خططتم لأمن ميشال عون؟ قلت له: لم نخطط بعد لهذا الأمر، نحن نرغب في أعلى درجة أن نحفظ أمنه لأننا لا نتحمل سياسياً ولا إنسانياً أي ضرر يمكن أن يحصل له أو لعائلته ولكن في الحقيقة عندما تبدأ الحروب لا أحد يستطيع أن يضمن أي شيء، خاصة أن هذه الحرب لن يقوم بها الجيش اللبناني لكي أضمن لك... سيقوم بها الجيش السوري الذي هو مفوّض من دولتكم ومن دول أخرى بالملف اللبناني. هذا التفويض يبدأ بعملية ميشال عون. بدأنا إذن نبحث بخروج العماد ميشال عون، وفعلاً اقترح رينيه ألا أن العماد عون عندما تحصل المعركة سيخرج إلى السفارة الفرنسية ويصبح في حماية السفارة التي لها حصانة. وتعهدت أنا بالفعل إن خرج ميشال عون من القصر الجمهوري، الذي سيكون مسرح العمليات ولا يمكننا ضبط أي شيء يحصل هناك، وذهب إلى السفارة الفرنسية، فنحن بالقليل الذي بقي لدينا من عناصر الجيش، سنحافظ على أمنه، وسنواكبه إلى الشاطئ اللبناني حيث تتواجد قطعة بحرية فرنسية تنقله إلى فرنسا، أو إلى قبرص في مرحلة أولى. وبالحقيقة هذا ما حصل. وضعت خطة إجلاء أو ترحيل العماد ميشال عون لضمان سلامته، ولكن لم نكن نثق إن كان سيغادر القصر الجمهوري ليأتي إلى السفارة الفرنسية أم لا. لم نكن نعرف ماذا سيفعل بعائلته.

وكنت أول المتفاجئين عندما علمت أن العماد ميشال عون ترك بسهولة وسرعة القصر الجمهوري وتوجه إلى السفارة الفرنسية. وكنت أول المندهشين عندما علمت أنه أتى لوحده ولم يأتِ بعائلته معه. في جميع الأحوال، هذا ما حصل. عندئذ، اضطررنا إلى أن نبتدع، أثناء المعركة التي بدأت، حلولاً جزئية لمشكلة عائلته، وهنا عرض إيلي حبيقة نفسه، كونه على تواصل مع القوات السورية ولديه دين تجاه ميشال عون في الماضي حيث أنقذه العماد ميشال عون خلال معركة «الاتفاق الثلاثي». ذهب حبيقة واصطحب عائلة العماد عون من القصر الجمهوري إلى منزل السفير الفرنسي.

غداً حلقة رابعة


مقالات ذات صلة

الرئيس اللبناني في زيارة مفاجئة إلى النبطية: الأمان حق للجنوبيين

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتجول في سوق النبطية الذي تعرض لتدمير إسرائيلي خلال الحرب الاخيرة خلال زيارته إلى جنوب لبنان (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني في زيارة مفاجئة إلى النبطية: الأمان حق للجنوبيين

تعهّد الرئيس اللبناني جوزيف عون، بوقوف الدولة إلى جانب أبناء الجنوب، مشدداً على أننا «لن نترككم أبداً»، وذلك خلال زيارة مفاجئة إلى مدينة النبطية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي النيران تشتعل في مرتفعات «علي الطاهر» إثر تفجير إسرائيلي للمنشآت (وزارة الدفاع الإسرائيلية)

لبنان يعوّل على «روما-3» لتثبيت وقف النار وإلحاق «علي الطاهر» بـ«المناطق التجريبية»

تلوذ قيادة «حزب الله» بـ«الصمت الاستراتيجي»، أسوة بصبرها الاستراتيجي، لدى سؤالها عن الأسباب الكامنة وراء عدم تدخل إيران لمنع إسرائيل من سيطرتها على «علي الطاهر»

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي سكان من بلدة المنصوري يوثقون الدخان المتصاعد جراء انفجارات دوت في بلدتهم الواقعة في جنوب لبنان (أ.ب)

كاتس يعلن «حدوداً أمنية» إسرائيلية جديدة مع لبنان

حدد وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، ما سمّاه «الحدود الأمنية»، التي تمتد من ساحل البحر الأبيض المتوسط غرباً وحتى جبل الشيخ شرقاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي ألسنة اللهب تتصاعد جراء تفجير إسرائيلي لمنشآت «حزب الله» في مرتفعات «علي الطاهر» مساء الخميس (أ.ف.ب)

تفجير «علي الطاهر» يشلّ النبطية والسكان يسألون عن «المرحلة التالية»

شلّ التفجير الإسرائيلي لنفقين بطول كيلومترين في مرتفعات «علي الطاهر»، حركة السكان في مدينة النبطية، وضاعف المخاوف من «المرحلة التالية»

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة المنصوري كما بدا من بلدة الحنية في جنوب لبنان يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026 (أ.ب)

بعد «علي الطاهر»... تل أبيب توسّع عملياتها وتعلن «السيطرة بالنار»

وسّعت إسرائيل، الجمعة، عملياتها العسكرية على امتداد أكثر من محور في جنوب لبنان، بعد ساعات من التفجير الضخم الذي نفذته في مرتفعات علي الطاهر

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«فتح» تطالب باعتذار عن «كارثة 7 أكتوبر»... و«حماس» ترد

اجتماع «المجلس الثوري لحركة فتح» في رام الله (وكالة «وفا»)
اجتماع «المجلس الثوري لحركة فتح» في رام الله (وكالة «وفا»)
TT

«فتح» تطالب باعتذار عن «كارثة 7 أكتوبر»... و«حماس» ترد

اجتماع «المجلس الثوري لحركة فتح» في رام الله (وكالة «وفا»)
اجتماع «المجلس الثوري لحركة فتح» في رام الله (وكالة «وفا»)

ثار جدل واسع في الأوساط الفلسطينية خلال الساعات الأخيرة بعد تصريحات أدلى بها عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، ماجد فرج، الذي طالب «حماس» خلال لقاء جماهيري استعداداً للانتخابات التشريعية بالاعتذار للشعب الفلسطيني عما لحق به عقب ما وصفها بـ«كارثة» السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال فرج، أمام نشطاء من حركة «فتح»، إن «على (حماس) قبل أن تعود إلى المشاركة في الحياة السياسية باعتبارها فصيلاً فلسطينياً مثل سائر الفصائل، أن تعتذر للشعب الفلسطيني عن الكارثة التي لحقت به منذ السابع من أكتوبر». وأضاف فرج: «هذا الموقف يمثل رأياً شخصياً وليس موقفاً رسمياً».

لقطة من فيديو نشره الإعلام العسكري لحركة «حماس» تُظهِر مقاتلاً من «كتائب القسام» خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

وصفق أنصار حركة «فتح»، وبعض قياداتها وبينهم زكريا الزبيدي الأسير الذي حُرّر من السجون الإسرائيلية مؤخراً خلال الحرب ضمن صفقة تبادل أسرى أبرمتها «حماس» مع إسرائيل، الأمر الذي وضعه تحت انتقادات نشطاء من الحركة الإسلامية وأسراها المحررين.

ودفعت هذه التصريحات عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، باسم نعيم، إلى توجيه انتقادات لفرج، والسلطة الفلسطينية، و«فتح»، معتبراً أن هجوم السابع من أكتوبر كانت له نتائج استراتيجية ليست على فلسطين فقط، بل على المنطقة والعالم.

وقال نعيم في تغريدة له عبر حسابه في تطبيق «تلغرام»: «إذا كان على (حماس) الاعتذار، فعلى ماجد فرج أن يطالب (فتح)، والرئيس الراحل ياسر عرفات، بالاعتذار عن (الكوارث) - حسب معيار ماجد فرج وليس معياري - التي تسببوا فيها للفلسطينيين على مدار عقود، وكان آخرها (انتفاضة الأقصى) التي تسببت في إعادة احتلال الضفة في عملية (السور الواقي)، وقبلها في الأردن ولبنان وحرب الخليج الأولى وغيرها».

وأكد نعيم أن «من حق أي فلسطيني أن يقيّم أي مرحلة من تاريخ نضال الفلسطينيين، ومن حقه أن يطالب بالتعديل أو المحاسبة، لكن هذا الحق لا يجوز أن يُستعمل بشكل مزاجي أو انتقائي أو خدمة لأجندات خارجية، خاصةً أن المشروع البديل (أوسلو) يثبت في كل يوم أنه كان خطيئة كبرى، وأثبت فشله الكارثي». كما اعتبر نعيم أن «الكيان الصهيوني يتسارع بعد (طوفان الأقصى) نحو الهاوية والزوال».

عباس أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله في 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وقال القيادي في «حماس» إن حركته كثيراً ما دعت للقاء على طاولة واحدة للحوار تحت سقف وطني خالص لتقييم كل المسارات بما فيها «طوفان الأقصى»، على قاعدة الشراكة الكاملة في السلم والحرب، ولكن «فتح» كانت ترفض، وآخرها اللقاءان في أنقرة والعلمين، معتبراً أن الإصرار على حالة التفرد والإقصاء لن ينقذ أحداً من الوضع الكارثي الفلسطيني، مشيراً إلى أن حركته ما زالت مستعدة لحوار شامل لإنقاذ الشعب الفلسطيني.

وخرج منذر الحايك، عضو «المجلس الثوري لحركة فتح»، مدافعاً عن موقف حركته بعد ما كتبه نعيم، وقال إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تعتذر عنه حركته هو أنها لم تتمكن حتى الآن من تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة، مشيراً إلى أن «فتح» بنت سلطة وطنية، وأصبح للفلسطينيين كيان وهوية وجواز سفر، وحققت جزءاً كبيراً من حلم الدولة حتى أصبحت فلسطين «دولة مراقب» في الأمم المتحدة.

ووجّه الحايك سؤالاً إلى باسم نعيم، قائلاً: «إذا كان هذا كله كارثة في نظرك، فقل لنا بوضوح ما البديل الذي قدمتموه لشعبنا؟ وماذا حققتم له»، مشيراً إلى أن «حماس» تتحمل المسؤولية باعتبارها وقفت عائقاً أمام مسار مسيرة التحرر الوطني وإضعاف المسار السياسي، وتسببها في توفير الظروف التي أوصلت اليمين الإسرائيلي المتطرف للحكم.

وسرد الحايك الكثير من التساؤلات بشأن ما فعلته «حماس»، وما حققته من نتائج طوال الحرب وغيرها، معتبراً المراجعة والتقييم والاعتذار حالة طبيعية لأي مسؤولية.

فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها في المؤتمر الثامن للحركة بجامعة الأزهر في مدينة غزة يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

«المجلس الثوري» والقائمة الوطنية

يأتي ذلك في خضم اتهامات متبادلة بين الحركتين حول نية كل طرف تعطيل الانتخابات والعمل على تأجيلها، في وقت سعت فيه «حماس» لتشكيل ائتلاف انتخابي واسع مكون من عدة فصائل، وهو أمر عملت «فتح» على محاولة إفشاله، وأقنعت فصائل من «منظمة التحرير الفلسطينية»، مثل «الجبهة الشعبية»، بعدم الانضمام إليه، في وقت تسعى فيه لتوحيد صفوفها داخلياً.

وفي هذا الصدد، أعلن «المجلس الثوري لحركة فتح» عن توجه الحركة لخوض الانتخابات التشريعية المقررة نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ضمن قائمة وطنية رسمية بالتشاور مع فصائل المنظمة، بما يحمي المشروع الوطني، ويوسع قاعدة الشراكة، ويعيد الاحتكام إلى إرادة الشعب الفلسطيني بوصفه مصدر الشرعية وصاحب القرار، مؤكداً في نهاية دورته الأولى بعد انتخابه مؤخراً أن الانتخابات التشريعية هي استحقاق ومطلب وطني وقانوني لتعزيز الشرعية الفلسطينية، وتجسيد حق تقرير المصير في دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967.

وقال «المجلس الثوري»: «إن حالة الطوارئ الوطنية تتطلب جدية الحوار الوطني الشامل وصولاً لإنجاز الوحدة الوطنية، بما يشمل جميع مكونات الشعب الفلسطيني وفصائله، والعمل لاستعادة الوحدة ضمن إطار (منظمة التحرير الفلسطينية)، بما يخدم المصلحة الوطنية العليا»، مؤكداً على الوحدة السياسية والجغرافية بين غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وأن حماية المواطن ومواجهة الاستيطان هما مسؤولية حركية ووطنية.

وشدد الرئيس محمود عباس في كلمة افتتاح أعمال الاجتماع على التزامه بـ«العملية الديمقراطية وإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر 2026، واستكمال تشكيل المجلس الوطني»، وطالب «المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل ومنعها من عرقلة إجراء الانتخابات في القدس وقطاع غزة».


جرائم «الثأر» تهدد مسار الدمج والسلم الأهلي في شرق وشمال سوريا

انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)
انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)
TT

جرائم «الثأر» تهدد مسار الدمج والسلم الأهلي في شرق وشمال سوريا

انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)
انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)

توفي سبعة من نزلاء سجن عين العرب (كوباني) بريف حلب، ذات الغالبية الكردية، وأصيب عدد آخر بالاختناق، جراء ‏حريق اندلع داخل السجن السبت، «خلال حالة من الفوضى أثارها عدد من النزلاء، ‌‏على خلفية أعمال الشغب التي شهدتها المدينة الجمعة» وفق وكالة «سانا» الرسمية.‏

وحسب مصدر أمني، فإن السجن لا يزال يُدار من كوادره السابقة «الأسايش»، ولم تتسلمه قوى ‌‏الأمن الداخلي حتى الآن، فيما أشارت مصادر محلية إلى أن مسألة «الثأر» من «أخطر العقبات التي تواجه عملية الدمج الجارية شرق وشمال البلاد».

واندلع الحريق فجر السبت في السجن إثر ورود أنباء عن نقل سجناء إلى حلب. وقالت مصادر محلية إن السجناء أشعلوا النيران لرفضهم النقل إلا أن القائمين على السجن من «الأسايش» تأخروا في فتح الأبواب ما أدى إلى وقوع وفيات وإصابات، وذلك وسط اتهامات لتنظيم «الشبيبة الثورية» بافتعال الحريق وإثارة الفوضى.

ناحية عين العرب (كوباني) بريف حلب (سانا)

ورغم إعلان الحكومة السورية تسلم السجون من «قسد» في أبريل (نيسان) الماضي، فإن بعض السجون لم تسلم بسبب تأخر الإجراءات الميدانية للتسليم والتسلم، وما يرافقها من احتجاجات رافضة كما سبق أن حصل لدى تسليم «قصر العدل» في الحسكة والقامشلي.

ووصلت تعزيزات أمنية كبيرة ليل الجمعة ـ السبت إلى مدينة عين العرب لضبط الانفلات الأمني فيها، حسب بيان لمديرية الأمن الداخلي، أوضحت فيه أن دوريات قوى الأمن انتشرت ‏في المدينة لتأمين وقفة احتجاجية على خلفية مقتل الشاب سامي شيخموس حسو (قيادي سابق في «قسد»)، على أيدي متورطين تواصل قوى الأمن الداخلي ملاحقتهم.

وأضاف البيان أنه «وخلال الوقفة، أقدم عدد من المشاركين على رشق عناصر الأمن بالحجارة، بالتزامن مع إطلاق النار وإضرام النيران في عدد من المقرات الأمنية في المدينة، ما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف قوى الأمن الداخلي، التي تدخلت بعد ذلك ‏لضبط الوضع وألقت القبض على عدد من المتورطين في الاعتداءات، فيما تتواصل عمليات البحث والملاحقة لضبط بقية المتورطين».

ودعت مديرية الأمن أهالي عين العرب «إلى التحلي بالهدوء وضبط النفس وعدم الانجرار وراء أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو الإخلال بالسلم الأهلي».

انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (متداول فيسبوك)

كما اندلعت احتجاجات في المناطق ذات الغالبية الكردية في محافظتي الحسكة وحلب، بعد حادثة قتل شيخموس حسو عقب اختطافه في العاشر من الشهر الحالي، في حادثة تعد الثالثة من نوعها.

وأصدر محتجون في القامشلي بياناً أشاروا فيه إلى وجود «قوى تسعى لإفشال عملية الاندماج والحيلولة دون حصول الشعب الكردي على حقوقه ومكانته القانونية ضمن الدولة السورية، بالوقوف وراء هذه الحوادث والتخطيط لها وتنفيذها».

وطالب البيان الحكومة السورية «بتوضيح ملابسات الجريمة، وفتح تحقيق شفاف ومحاسبة مرتكبيها ومعاقبتهم وفق القانون»، داعياً الأهالي إلى «اليقظة والتكاتف والحفاظ على وحدتهم وعدم السماح لأي جهة باستغلالهم لخدمة أجنداتها السياسية».

مهمة شاقة

ووصفت مصادر محلية متقاطعة الحادثة بأنها جريمة «ثأر». وأكدت أن الفريق الرئاسي يبذل جهوداً «شاقة» لإزالة العقبات التي تعترض مسار الدمج، «إلا أن مسألة الثأر لا يمكن الحد منها ما لم تجرِ محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات من العناصر التي كانت تتبع لقوات (قسد) خلال السنوات الماضية، أو على الأقل عزلهم عن مسار الدمج، وفتح الباب لمحاسبتهم أمام القضاء».

وكان «مركز إعلام الحسكة» قد أعلن، في وقت سابق الجمعة، أن مقتل شيخموس حسو «كان بدافع الثأر، لشخصين شقيقين من أبناء المنطقة قتلا قبل نحو عامين عند أحد الحواجز في محافظة الحسكة».

ونقل المركز عن مصادر محلية إفادتها بإقامة عدد من عناصر قوات «قسد» المنحلة حواجز طيارة عند المدخل الجنوبي لمدينة القامشلي، وتوقيف المارة وتفتيشهم. وذلك في ظل توتر متصاعد تشهده المحافظة.

نائب محافظ الحسكة يترأس اجتماعاً في المحافظة لتهدئة الأوضاع (مركز إعلام الحسكة)

وسعياً لاحتواء التوتر، ترأس نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي اجتماعاً السبت مع وجهاء وشخصيات عشائرية في مبنى المحافظة، لمناقشة التطورات الأخيرة. وأفادت «مديرية إعلام الحسكة» بأن الاجتماع تناول أهمية «تعزيز التواصل والتنسيق بين الفعاليات الاجتماعية والعشائرية، ودورها في دعم الاستقرار والسلم الأهلي وترسيخ التماسك المجتمعي» إلى جانب توحيد الجهود وتعزيز التعاون بين مختلف الفعاليات بما يخدم أمن واستقرار المحافظة.

وتسلمت الحكومة السورية إدارة مدينة عين العرب (كوباني) في مايو (أيار) 2026 من قوات «قسد» التي سيطرت عليها منذ عام 2019، تنفيذاً لاتفاق 29 يناير (كانون الثاني) مع الحكومة السورية.

وتتركز غالبية كردية في مدينة عين العرب (كوباني) فيما يتركز أبناء العشائر العربية في ريف المنطقة بالإضافة إلى أقليات من الأرمن والتركمان والسريان.

وأعلن قائد «قسد» مظلوم عبدي من دمشق رسمياً حل قوات «قسد» في 25 أغسطس (آب) 2026. ليتسلّم بعدها مهامه مستشاراً في القصر الرئاسي.


العراق يضبط مسيرات وصواريخ في الصحراء الغربية

ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)
ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)
TT

العراق يضبط مسيرات وصواريخ في الصحراء الغربية

ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)
ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)

أعلنت وزارة الداخلية العراقية، السبت، عن ضبط 47 طائرة مسيّرة و46 مقذوفاً في موقع مهجور غرب المحافظة، يرجح أنه تابع لأحد الفصائل المسلحة التي تتمتع بنفوذ عسكري واسع في تلك المناطق.

ويتزامن التطور الأمني في الأنبار مع هجمات نفذتها فصائل مسلحة ضد المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يراه مراقبون، بقدر من التفاؤل الحذر، أن السلطات جدية في وضع حد لتلك الهجمات.

وقالت وزارة الداخلية، في بيان، إنه «بناءً على معلومات استخبارية دقيقة، تمكنت مفارز قيادة شرطة محافظة الأنبار من ضبط موقع مهجور في منطقة الـ35، كان يُستخدم سابقاً محلاً لتصليح إطارات العجلات، وعثرت بداخله على كميات من الطائرات المسيّرة والمقذوفات والمعدات المرتبطة بتشغيلها».

وأضافت الوزارة أن «عملية التفتيش أسفرت عن ضبط 47 طائرة مسيّرة (درون) و46 مقذوفاً معداً للربط والاستخدام مع هذه الطائرات، فضلاً عن أجهزة تحكم وبطاريات ومعدات ومواد أخرى ذات صلة في منطقة الـ35 في الأنبار».

وجرى تأمين الموقع والتحفظ على جميع المضبوطات، فيما باشرت الجهات المختصة إجراءاتها التحقيقية والفنية لمعرفة مصدر هذه المواد والجهات المرتبطة بها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وفق الأصول والضوابط، وفق البيان.

وترجح مصادر أمنية في المحافظة عائدية الطائرات والمواد المضبوطة إلى أحد الفصائل المسلحة الموالية لإيران والتي تعمل تحت مظلة «الحشد الشعبي».

وتؤكد المصادر أن «القيادات الأمنية تسعى لمنع تحول محافظة الأنبار إلى منصة لإطلاق الصواريخ على دول الجوار».

وترتبط محافظة الأنبار بمساحتها الشاسعة وحدوها بثلاث دول عربية، هي الأردن وسوريا والمملكة العربية السعودية. نتيجة لذلك، تؤكد المصادر أنها «تمثل أولوية استراتيجية بالنسبة للفصائل المسلحة وإيران، حيث كانت الممر الرئيس لنقل الأسلحة إلى نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد ولـ(حزب الله) اللبناني».

وطبقاً لمعلومات أمنية، فإن جهات عديدة تعمل داخل المحافظة، إلى جانب قوات الجيش والشرطة الرسمية، توجد قوات من جماعات وعشائر محلية، بعضها تحت مظلة «الحشد الشعبي»، كما تعمل فصائل معروفة بارتباطاتها مع إيران، مثل «كتائب حزب الله»، ولها ثلاثة ألوية في «الحشد الشعبي»، وتعد الأكثر نفوذاً في غرب الأنبار.

كما تنشط حركة «النجباء»، وكذلك «كتائب سيد الشهداء»، في الأنبار، وتشير المصادر إلى أنهما يوجدان في المناطق القريبة من الحدود العراقية - السورية بالتنسيق مع التشكيلات الأمنية الأخرى. وهناك وجود لمقاتلين تابعين لـ«عصائب أهل الحق» ومنظمة «بدر» في مناطق مختلفة في المحافظة، لكنها بعيدة نسبياً عن الشريط الحدودي مع سوريا، بحسب المصادر

الداخلية العراقية قالت إنها ضبطت عشرات المسيرات في منطقة الـ35 في الأنبار (إعلام أمني)

وتوفر الطبيعة الجغرافية للمحافظة، المتمثلة بالصحاري الممتدة، والوديان الوعرة، والمواقع العسكرية المهجورة، بيئة مثالية للفصائل لإنشاء مستودعات أسلحة، وقواعد لإطلاق وتخزين الطائرات المسيّرة والمقذوفات الصاروخية، بعيداً عن الرقابة المباشرة لمركز الدولة.

وخلال الحرب الإيرانية - الأميركية في مارس (آذار) الماضي، قالت تقارير محلية إن قوات تابعة لـ«الحشد الشعبي» والفصائل غادرت مواقعها، وأعادت انتشارها بعيداً عن المناطق الحدودية.

وفي 31 أغسطس (آب) الماضي، نفى قائد عمليات قاطع الأنبار لـ«الحشد الشعبي»، قاسم مصلح، إخلاء مقرات «الحشد» في الأنبار، مؤكداً استمرار القطعات في أداء مهامها الأمنية بصورة طبيعية.

وقال مصلح، في بيان، إن قطعات قيادة عمليات قاطع الأنبار تواصل تنفيذ واجباتها ضمن مناطق المسؤولية، وبمستويات عالية من الجاهزية والاستعداد، مشيراً إلى أن جميع المقرات والقطعات تعمل وفق الخطط الأمنية المعتمدة.