كلير شوازن مصممة «بوشرون» تعيد النظر في دور المجوهرات الرفيعة

مواد غريبة وتقنيات غير مسبوقة أضفت عليها المرح والشقاوة والمرونة

كلير شوازن المديرة الإبداعية في دار «بوشرون»
كلير شوازن المديرة الإبداعية في دار «بوشرون»
TT

كلير شوازن مصممة «بوشرون» تعيد النظر في دور المجوهرات الرفيعة

كلير شوازن المديرة الإبداعية في دار «بوشرون»
كلير شوازن المديرة الإبداعية في دار «بوشرون»

عندما قدَّمت كلير شوازن، المديرة الإبداعية في دار «بوشرون»، مجموعتها من المجوهرات الرفيعة أمام مجموعة من وسائل الإعلام العالمية، في بداية شهر يوليو (تموز) الحالي ببلاس فاندوم، علَّق أحدهم مازحاً «على بوشرون أن يعزلوك ويحجروا عليك دائماً إذا كان هذا هو تأثير الحجْر الصحي عليك». أثار تعليقه العفوي هذا موجة من الضحك من جميع الحضور وهم يهزُّون رؤوسهم مؤيدين له.

سبب تعليقه لا يعود فحسب إلى إجماع ضمني على أن كلير شوازن ارتقت بهذه المجموعة إلى مرحلة غير مسبوقة في صناعة المجوهرات الرفيعة، بل أكثر؛ لأنها صممتها في فترة مظلمة من تاريخ الإنسانية؛ ألا وهي فترة الحجر الصحي. «عندما كانت حالة من الكآبة والقلق تسود العالم، وكان الكل خائفاً ومتوجساً، كنت أقاوم السقوط في هاوية الإحباط. أردت أن أُدخل على نفسي وعلى من حولي بعض التفاؤل والمرح. كان متنفسي أن أبحث عن أفكار تتمرد هي الأخرى على ما هو متوارث بعدم التقيد بالتقاليد والأدوار المكتوبة للمجوهرات ودورها. كنت أريدها أن تتمتع بنكهة شقاوة ومرح».

خاتم من الراتينج والتيتانيوم والذهب الأبيض مرصّع بالماس والياقوت الأصفر والكريستال الصخري (بوشرون)

كانت كل قطعة تقريباً تجيب على أسئلة راودت المصممة عن ماهية دور المجوهرات في عصرنا الحالي. هل يجب أن تقتصر على كونها عقداً أم أقراطاً أم سواراً أم خاتماً؟ الجواب، بالنسبة لها، أن المجوهرات مثل الحياة أكبر من هذا بكثير.

لا تخفى أن فكرة المجموعة كانت «مشروعاً جامحاً، فأنْ تصمم جوهرات راقية ومتحرّرة من تقاليد متوارثة لها احترامها وتقديرها، وفي الوقت نفسه مفعمة بالمرح والشقاوة، ليس سهلاً يمكن تقبله بسرعة». لكن بالنظر إلى وجوه الحضور، وما كان يرتسم عليها من اندهاش وانبهار، فإن تقبل ما طرحته لن يكون صعباً ما دامت الإمكانيات تسمح.

عقد من مادة الهايسيرام بألوان الأزرق والأبيض والأسود في مزيج أنيق من السيراميك وطلاء اللكّ (بوشرون)

كانت العملية بالنسبة للمصممة بمثابة رحلة عادت فيها إلى شقاوة المراهقة وأحلام الصبا، الأمر الذي يفسّر ولادة أشكال غريبة في عالم المجوهرات الرفيعة مثل الكُرات، والمكعّبات وخطوط تستحضر فنّ البوب في حقبة السبعينيات، وأشكال أخرى استلهمتها من الرسوم المتحرّكة استعانت فيها بخُدع بصرية وتقنيات عالية لتطويعها.

وبقدر ما جاءت المجموعة مبتكرة وعجيبة، حتى في أكثر أشكالها غرابة، كانت تشي بحقيقة لا مَهرب منها؛ أنها موجهة لامرأة تتمتع بروح النكتة وحب الحياة، والأهم من هذا بإمكانيات عالية تسمح لها بأن تربط شعرها بقطعة مجوهرات عوض شريط من قماش، وأن تُلصق جيوباً من الماس والأحجار الكريمة على زي من الصوف أو الحرير. هذا عدا عن عقود من لآلئ ضخمة تبدو مثل فقاعات الصابون تغطّي مساحة الصدر بأكملها، وأخرى مثل رسوم عابثة دبّت فيها الحياة فجأة لتفتح أحاديث ممتعة عن تاريخ دار ممتد إلى 165 عاماً.

تنوعت التصميمات وأدوارها والنتيجة واحدة: ابتكار وإبداع (بوشرون)

اختارت كلير لهذه المجموعة عنوان «أكثر يعني أكثر (More is More)»، وهو ما يؤكد سخاءها في كل شيء؛ الألوان النابضة والحرية، أو بالأحرى «البطاقة البيضاء» التي مُنحت لها، لتطلق العنان لخيالها وترسم خطاً جديداً لدور المجوهرات الرفيعة. من دون أن ننسى طبعاً البحث عن تقنيات كانت تحدياً لصانعيها، وفي الوقت نفسه منحتهم فرصة لإخراج أفضل ما لديهم من مهارات في فترة كان فيها العالم مُغلقاً وأشياء كثيرة غير متاحة. من أبرز ما أتحفتنا به «بوشرون» قطعة لربط الشعر بطول 29 سنتيمتراً استُوحيت من ربطة عنق بألوان الأحمر والأسود والأبيض.

شريط من الماس والأحجار الكريمة لربط الشعر مستوحى من ربطة العنق (بوشرون)

تبدو من بعيد وكأنها من قماش، تقترب منها فتكتشف أن هذا كان بيت القصيد بالنسبة لكلير شوازن: أن تجعلها مرنة مثل القماش وخدعة بصرية تثير الفضول. لتحقيق مرادها استعملت فيها الذهب الأبيض ورصَّعته بالماس، في حين صنعت الجزء الأحمر من الأسيتات؛ وهو عنصر يفضِّله صُناع النظارات لوزنه شبه المنعدم، وما يوفّره من درجة لونية أقرب ما تكون إلى لون الصودا المميّز. ليس هذا فحسب، بل استعملت في الشريط أيضاً عنصر الماغنسيوم؛ كونه خفيفاً مثل الألومنيوم بنسبة 30 في المائة، وبكثافة أخفّ عشر مرّات من الذهب. تشرح كلير أن «هذه المادة تتطلّب مهارة وخفّة من الحرفيين، إذ جرى تشكيل الشرائط الرقيقة لهذا الشريط، كل على حدة، ثم صُبغت باللون الأسود قبل تثبيتها بعناية». وتُتابع أن هذه القطعة وحدها تشكلت من 200 عنصر استلزم صنعها بشكل منفصل، قبل تجميعها بما يضمن مرونة القطعة النهائية.

خاتم مرصّع بالماس من الراتينج والتيتانيوم (بوشرون)

توالت الابتكارات وكل من في القاعة فاغر فاه، وهم يُنصتون كيف صممت كلير ستّة خواتم خفيفة الوزن؛ 4 منها ذات أحجام غير عادية، يمكن استعمالها أيضاً كأربطة شعر بفضل تركيبة هندسية وتقنية تتحدّى قوانين المجوهرات الراقية.

استُعمل فيها طلاء اللكّ بألوان الأسود والأبيض والأحمر والأزرق، وتتمركز فوق كل خاتم كرة صفراء من الماس والياقوت مستندة إلى حجر من الكريستال الصخري، ومكعّب من الذهب الأبيض، يؤطّرها التيتانيوم والراتنج.

خاتم من الراتينج والتيتانيوم مرصّع بأمّ اللؤلؤ والتسافوريت ومزيّن بطلاء اللكّ (بوشرون)

منها أيضاً ما هو مصنوع من زجاج مورانو الإيطالي يلمع بلون أزرق جرى نقشه بدقة على شكل مُكعَّب، وخاتم من الراتينج بإصبعين تتمركز فوقه كرة من الكريستال الصخري منحوتة بدقّة، وتتميز بتبطين من الماس الأصفر، بينما يظهر من قلبها ياقوت أصفر، ومن جانبها التيتانيوم الأسود ومكعّب ماسي.

الرغبة الجامحة التي سكنت المصممة كلير، خلال الجائحة، تجسدت أيضاً في قطعة أُطلقت عليها اسم «In the Pocket»؛ أي «في الجيب»، أرادتها أن تُشكِّل تحفة فنية بأبعادها الثلاثية.

صورة لقطعتين: في الجيب وتفاحة في اليوم (بوشرون)

تشرح أنها مرنة باستعمالات متنوعة، فعلى فستان أو كنزة أو تنورة، مهما كانت بساطتها، يمكن أن تلعب دور جيب عملي وأنيق في الوقت نفسه. استعمل في هذه القطعة الفنية عناصر التيتانيوم وتقنيات مغناطيسية جِدّ متطورة لتثبيتها على الجزء الخلفي للثوب بشكل خفي وقوي.


مقالات ذات صلة

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

لمسات الموضة هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.