تبون يضبط بوصلة الجزائر على الشرق

يزور الصين بعد شهر من عقد اتفاقات مع روسيا

الرئيس تبون يصافح مستقبليه في بكين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس تبون يصافح مستقبليه في بكين (الرئاسة الجزائرية)
TT

تبون يضبط بوصلة الجزائر على الشرق

الرئيس تبون يصافح مستقبليه في بكين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس تبون يصافح مستقبليه في بكين (الرئاسة الجزائرية)

​بدأ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الاثنين، زيارة إلى الصين، تستمر 5 أيام، بهدف تطوير العلاقات الاقتصادية ومسعى انضمام بلاده إلى مجموعة «بريكس»، وهو الذي كان قد وجَّه، في الفترة الأخيرة، بوصلة الجزائر نحو الشرق، بغرض تنويع شراكاتها السياسية، بعد أن زار منتصف الشهر الماضي روسيا في ظرف سياسي دقيق، تطبعه تداعيات الحرب في أوكرانيا، وإمداد أوروبا بالغاز.

ووصل الرئيس الجزائري إلى بكين قادماً من الدوحة؛ حيث بحث يومي السبت والأحد مع أمير الدولة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في «تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد والتجارة والصناعة والطاقة والتكنولوجيا. كما تطرقا إلى المستجدات الإقليمية والدولية»، حسبما جاء في «وكالة الأنباء الجزائرية» الرسمية.

من استقبال تبون في بكين (الرئاسة الجزائرية)

ويرافق تبون إلى الصين، وفد يضم وزراء ورجال أعمال. ووفق أرقام «الديوان الوطني للإحصائيات»، استوردت الجزائر من الصين، بين 2003 و2022، ما قيمته 105 مليارات دولار (من سلع وخدمات). وأكدت الجمارك الجزائرية أن الصين باتت في السنوات الماضية من أهم الشركاء التجاريين. فهي تحتل المركز الأول من حيث تموين السوق الجزائرية بالسلع والخدمات، بقيمة فاقت 9 مليارات دولار سنوياً، وبنسبة تجاوزت 16.5 في المائة من إجمالي واردات الجزائر.

ويتم حالياً العمل على تعزيز الشراكة الجزائرية– الصينية في مجالات الطاقات الجديدة والمتجددة، وبالأخص الطاقة الشمسية الكهروضوئية والهيدروجين، وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الجوفية، إلى جانب مجال تصنيع المعدات، واستغلال الموارد المنجمية المستخدمة في صناعات الطاقة المتجددة.

ويملك البلدان -حسب خبراء اقتصاديين- مؤهلات كبيرة للارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستويات أعلى. فالجزائر تسعى للانضمام إلى مجموعة «البريكس» التي تضم إلى جانب الصين: البرازيل، وروسيا، والهند، وجنوب أفريقيا، وذلك قبل نهاية العام الجاري، حسب تأكيدات الرئيس تبون الذي صرَّح في كثير من المناسبات، بأن الصين وروسيا وجنوب أفريقيا رحبوا بانضمام الجزائر إلى المجموعة.

وكان وزير الشؤون الخارجية الصيني، وانغ يي، قد أعلن ترحيب بلاده بانخراط الجزائر في «بريكس»، وقال إنها «بلد ناشئ كبير، وممثل للاقتصادات الناشئة»، وأن الصين «على استعداد للعمل مع الجزائر، من أجل لعب دور بناء في تحقيق السلم والتنمية عبر العالم».

من استعراض حرس الشرف للرئيس الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

ويشار إلى أن العلاقات السياسية الثنائية، القوية منذ فترة الحرب الباردة، تكللت بتوافق استراتيجي بين الدولتين مع انضمام الجزائر إلى «مبادرة الحزام والطريق»، ورفع العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014.

ووقعت الجزائر والصين، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 «الخطة الخماسية الثانية للتعاون الاستراتيجي الشامل»، في خطوة دلَّت على تكريس اختيار الجزائر لحلفائها، في ظل حالة الاستقطاب العالمي التي أفرزتها الحرب في أوكرانيا، وبخاصة «ورقة الطاقة» التي تملكها وتمنحها هامشاً لـ«اللعب مع الكبار»، حسب الخطاب الرسمي السائد في البلاد حالياً.

وتغطي خطة التعاون الفترة 2022– 2026، وتهدف إلى مواصلة تكثيف التواصل والتعاون بين الجزائر والصين، في كل المجالات، بما فيها الاقتصاد والتجارة والطاقة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا والفضاء والصحة والتواصل الإنساني والثقافي، إضافة إلى تعزيز المواءمة بين استراتيجيات التنمية للبلدين. وأكد الطرفان، عند إطلاقها، أنهما يعتزمان «انتهاز فرصة تنفيذها، لتعميق التعاون العملي بينهما في كافة المجالات، بما يضمن استمرار إثراء مقومات علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وبما يعود بالخير والمنفعة على البلدين والشعبين الصديقين».

وأطلق البلدان «خطة التعاون الخماسية الأولى» في 7 يونيو (حزيران) 2017، وكانت أول تجربة من هذا النوع للصين مع بلد عربي.


مقالات ذات صلة

ترمب عرض على شي شراء أسلحة أميركية

الولايات المتحدة​ الرئيسان الأميركي والصيني في آخِر محطات زيارة الدولة في مدخل الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)

ترمب عرض على شي شراء أسلحة أميركية

عرض الرئيس دونالد ترمب على الصين شراء أسلحة أميركية، وفق ما صرّح به السفير الأميركي لدى بكين ديفيد بيرديو، خلال مقابلة بثتها شبكة «فوكس نيوز»، أمس الأحد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
رياضة عالمية نيوزيلندا هزمت الصين بثلاثية وديّاً (منتخب نيوزيلندا)

نيوزيلندا تقسو على الصين بثلاثية وديّاً

تلقى منتخب الصين خسارة قاسية ضمن استعداداته للمشاركة في بطولة «كأس الأمم الآسيوية لكرة القدم 2027»، المقررة إقامتها بالمملكة العربية السعودية...

«الشرق الأوسط» (بكين)
رياضة عالمية الفرنسي كيريان جاكيه إلى نصف نهائي هانغزو (أ.ف.ب)

«دورة هانغزو»: الفرنسي جاكيه يواصل مغامرته ويتأهل لقبل النهائي

واصل الفرنسي كيريان جاكيه مغامرته في بطولة هانغزو للتنس، بعدما تأهل للدور قبل النهائي في منافسات فردي الرجال للمسابقة المقامة حالياً في الصين.

«الشرق الأوسط» (هانغزو (الصين))
يوميات الشرق تغادر مركبات تقل زوجاً من الباندا العملاقة «بينغ بينغ» و«فو شوانغ» «قاعدة تشنغدو لأبحاث تربية الباندا العملاقة» في مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين (أ.ب)

الصين تكرّس «دبلوماسية الباندا» بإرسال زوجٍ منها إلى الولايات المتحدة

أرسلت الصين، اليوم (الأحد)، زوجاً من حيوانات الباندا العملاقة إلى الولايات المتحدة، وفق ما أفادت وسائل إعلام صينية رسمية، وذلك بعد قمة بين زعيمَي البلدين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الصيني هان تشنغ يلقي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)

الصين تعارض أمام الأمم المتحدة مواقف أميركا إزاء إيران وكوبا

أبدت الصين في كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم السبت معارضتها لإجراءات الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة)

الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
TT

الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)

أطلقت الجزائر «المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج»، برئاسة المدير الأسبق للمعاهد الوطنية الأميركية للصحة إلياس زرهوني، وتحت إشراف مباشر لرئاسة الجمهورية، بمشاركة 27 خبيراً جزائرياً.

ويهدف المسعى، وفق السلطات، إلى تعبئة كفاءات المهجر وربطها بالجامعات والمؤسسات الوطنية للاستفادة من خبراتها في ملفات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه والصحة والأمن الغذائي، بما يعزز نقل المعرفة والتكنولوجيا ويدعم التنمية والحضور الدولي للجزائر.

الرئيس الجزائري خلال إلقاء كلمة أمام أعضاء مجلس علماء الجزائر في المهجر (الرئاسة)

ونظم الرئيس عبد المجيد تبون، الأحد، أول اجتماع مع «المجلس» بحضور جميع أعضائه، مؤكداً في كلمة بثتها الرئاسة، أن مستوى التنمية الذي تنشده الجزائر «يتطلب إشراك مختلف الكفاءات والطاقات الوطنية»، ومشيداً بـ«مساهمة أفراد الجالية العلمية الوطنية المقيمة بالخارج في الارتقاء العلمي وتطوير الكفاءات في البلاد».

وجرى اللقاء بحضور عدد من أعضاء الحكومة وكبار مسؤولي الدولة.

«من الخبرة إلى القرار»

أوضح زرهوني، منسق المجلس، في تصريح للتلفزيون العمومي، أن دور الهيئة العلمية يتمثل في «تقديم دعم استراتيجي ملموس لسياسات الدولة، وتوثيق أفضل الممارسات العالمية لتجنب تكرار أخطاء الماضي، ودعم الكفاءات الشابة التي تلقت تكوينها في الجزائر».

وتضم المجموعة أسماء بارزة؛ من بينها مريم مراد متخصصة علم المناعة وعلم الأورام بمستشفى «ماونت سيناي» بنيويورك، ويوسف كمال تومي مختص الروبوتات بمعهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا»، وياسمين بلقايد مديرة معهد «باستور» بفرنسا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع منسق مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (الرئاسة)

وتتعلق الفكرة الأساسية للمجلس بالاستفادة من الخبرات والكفاءات العلمية الجزائرية الموجودة في الخارج، وتوظيفها لخدمة احتياجات الجزائر وأولوياتها الوطنية، وتقديم المشورة للدولة بشأن المشروعات الكبرى ذات البعد العلمي أو التكنولوجي، وتقييم مدى جدواها.

كما تهدف الفكرة إلى ربط الباحثين والعلماء الجزائريين في المهجر بالجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية في الجزائر، وتسهيل نقل التكنولوجيا والمعرفة، ومتابعة التطورات العلمية والتكنولوجية العالمية والتكنولوجيات الناشئة، والعمل على ملفات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصحة والطاقة والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى إعداد التوصيات والدراسات وخطط تطوير هذه المجالات، ورفعها مباشرة إلى رئاسة الجمهورية.

وأكدت وزارة التعليم العالي أن المجلس «ليس هيئة أكاديمية بالمعنى التقليدي، وإنما يُفترض أن يكون حلقة وصل بين الخبرة العلمية الدولية التي تمتلكها الكفاءات الجزائرية في الخارج والأولويات والمشروعات الفعلية للدولة الجزائرية». كما شدد زرهوني على ضرورة الانتقال من الاتصالات واللقاءات الظرفية مع الجالية العلمية إلى «تعاون مؤسساتي ومنظم ودائم».

رئيس مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (وزارة التعليم العالي الجزائرية)

ووضعت السلطات تصوراً لآلية عمل المجلس وهو على النحو التالي: «تحدد الدولة المشكلات والتحديات الكبرى التي تحتاج إلى حلول علمية وتكنولوجية، ثم يستعين المجلس بخبرات العلماء الجزائريين داخل الجزائر وخارجها لدراسة هذه الملفات، وتقييم الخيارات المتاحة، واقتراح الحلول والمشروعات، ثم رفع التوصيات إلى رئاسة الجمهورية، بهدف تحويل المعرفة والخبرة إلى قرارات ومشروعات عملية».

ملاحظات نقدية

اللافت أن تركيبة المجلس لا تقتصر على تخصص أكاديمي واحد أو على مجموعة من الأساتذة الجامعيين، وإنما تغطي مجموعة واسعة من المجالات المرتبطة مباشرة بالتحديات التي تواجه الجزائر؛ فهي تضم خبرات في الذكاء الاصطناعي والإعلام الآلي والهندسة الآلية بما يمكن أن يخدم التحول الرقمي وتطوير الصناعة الذكية.

ويمكن أيضاً للمتخصصين في علوم المواد والهندسة الميكانيكية والهندسة الكهربائية أن يسهموا في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية أكثر تقدماً، كما يمكن للخبرات الموجودة في مجالات المياه والبيئة والجيوفيزياء، أن تساعد في قضايا تحلية المياه وإدارة الموارد المائية وفهم الثروات والموارد الموجودة في باطن الأرض.

لكن على الرغم من الإشادة الكبيرة والحملة الدعائية التي رافقت إطلاق المشروع، فإنه واجه ملاحظات نقدية ومن أهل الاختصاص؛ ففي منشور طويل كتب أحمد ماحيجيبة، الباحث الجزائري في مركز الأرصاد الجوية الكندي: «هل ستكون هذه الكفاءات مجرد خزّان للخبرة التقنية؟ أم ستكون فعلاً شريكاً في صناعة القرار؟ والفرق بين الأمرين كبير».

وأشار إلى أن العالِم أو الخبير الذي عاش سنوات طويلة في منظومات ديمقراطية ومؤسساتية، يمكنه فيها انتقاد سياسة حكومته أو مؤسسته، ومناقشة القرارات التقنية، ومساءلة المسؤولين، «لا يحتاج فقط إلى أن يُطلب منه تقديم خبرته العلمية للجزائر، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة حدود استقلاليته عندما تختلف خبرته مع القرار السياسي أو الإداري».

رئيس المجلس العالمي لجزائريي المهجر أثناء إطلاقه بباريس في مارس 2024 (حساب المجلس بالإعلام الاجتماعي)

ويعدّ «المجلس العلمي» ثاني خطوة في اتجاه جمع المهاجرين للجزائريين حول مشروع كبير يخص تطوير البلاد؛ ففي مارس (آذار) 2024 أطلقت الجزائر «مجلساً عالمياً للهجرة»، بقيادة كريم زريبي النائب بالبرلمان الأوروبي سابقاً، يضم كفاءات بالهجرة في مجالات الصحافة والفن والتجارة والمال والأعمال، بهدف صناعة تأثير إقليمي ودولي والحفاظ على مصالح الجزائر الاستراتيجية في الخارج.


هل يستفيد النفط الليبي من إغلاق مضيق هرمز؟

منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

هل يستفيد النفط الليبي من إغلاق مضيق هرمز؟

منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

رغم البعد النسبي لليبيا عن التداعيات السياسية والعسكرية للحرب الأميركية - الإيرانية، فإن استمرار أزمة اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز يضع النفط الليبي أمام سؤال لا ينقطع منذ أشهر حول حجم الاستفادة التي يمكن أن تحققها ليبيا من هذه التطورات، في ظل ارتفاع أسعار الخام عالمياً.

وتشير تقديرات خبراء إلى أن ليبيا تحقق «إيرادات إضافية مؤقتة»، مع دفع الاضطرابات الجيوسياسية أسعار النفط العالمية إلى مستويات أعلى، إذ يؤدي ارتفاع سعر البرميل إلى زيادة قيمة الصادرات النفطية، حتى مع بقاء مستويات الإنتاج على حالها.

وحسب تقديرات وزير النفط الليبي السابق محمد عون لـ«الشرق الأوسط»، فإن «النفط الليبي يستفيد من ارتفاع الأسعار العالمية مع أي تغيرات وأزمات عالمية قد تطرأ على الأسعار نتيجة الصراعات العالمية أو التغيرات الجيوسياسية، ومن بينها أزمة إغلاق مضيق هرمز»، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار يوفر للدولة عائداً أكبر من الكميات المصدرة.

وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة لاقتصاد يعتمد بنسبة 98 في المائة على العائدات النفطية في تمويل الإيرادات العامة، وسط تحديات مالية واقتصادية متراكمة.

استفادة «غير مباشرة»

وتنتج ليبيا نحو 1.4 مليون برميل يومياً، بعدما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في يونيو (حزيران) الماضي وصول إنتاج الخام إلى 1.438 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله منذ عام 2013.

وتظهر حساسية الإيرادات الليبية لتحركات أسعار النفط في بيانات الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، إذ بلغت مبيعات النفط نحو 96.1 مليار دينار، مقابل نحو 82.6 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة تقارب 16.3 في المائة. (الدولار يساوي 6.39 دينار في السوق الرسمية، و9.57 في الموازية).

منشأة نفطية في حقل الشرارة الليبي (شركة أكاكوس للعمليات النفطية)

لكن استفادة ليبيا من اضطراب الممرات البحرية تظل غير مباشرة، إذ إن صادراتها النفطية تخرج من موانئ تقع على البحر المتوسط، ولا تحتاج جغرافياً إلى المرور عبر مضيق هرمز، وفق محللين.

كما تمثل السوق الأوروبية الوجهة الرئيسية للخام الليبي، إذ تشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط إلى أن نحو 79 في المائة من صادرات الخام الليبي خلال 2025 توجهت إلى أوروبا، وكانت إيطاليا في مقدمة المستوردين.

ويرى الخبير النفطي محمد الشحاتي أن ليبيا «قد تحصل بالفعل على إيراد إضافي مؤقت إذا أدى نقص الإمدادات العالمية إلى رفع أسعار خامها»، لكنه لا يرى في ذلك «مكاسب مستدامة».

ويقول: «يمكن للأسعار المرتفعة أن تؤدي لاحقاً إلى تراجع الطلب، وتسريع الاستثمار في البدائل وكفاءة الطاقة، وتشجيع منتجين آخرين على زيادة المعروض».

أهمية «الاستقرار»

وصعدت أسعار النفط في تعاملات الاثنين، إذ ارتفع خام برنت بأكثر من واحد في المائة متجاوزاً 107 دولارات للبرميل، بينما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 94 دولاراً، مع استمرار المخاوف بشأن تدفقات النفط العالمية نتيجة التوترات في المنطقة، حسب «رويترز».

ويعد الشحاتي، في منشور على «فيسبوك»، أن مصلحة ليبيا النفطية «لا تكمن في ارتفاع الأسعار الناتج عن الحروب أو إغلاق الممرات البحرية، وإنما في وجود سوق نفط مستقرة يمكن التنبؤ بها، بما يتيح للبلاد التخطيط لإنتاجها وصادراتها واستثماراتها».

ويضيف أن «القيمة الحقيقية للنفط الليبي ترتبط بقدرته على الوصول إلى الأسواق في ظروف مستقرة، وبقدرة الدولة على المحافظة على تدفق صادراتها، وليس بمجرد ارتفاع الأسعار نتيجة أزمة عالمية».

وتَبرُز الإغلاقات النفطية المتكررة بوصفها عاملاً يحد من قدرة ليبيا على الاستفادة من ارتفاع الأسعار، بعدما أدى إغلاق صمام على خط نقل خام حقل الشرارة في الآونة الأخيرة إلى تراجع الإنتاج بنحو 130 ألف برميل يومياً، وتوقف وحدة تكرير بمصفاة الزاوية، ما هدد إمدادات الوقود، وزاد الضغوط على القطاع.

وبلغت الكميات المفقودة خلال خمسة أيام من الإغلاق الأسبوع الماضي نحو 650 ألف برميل، فيما تجاوزت الخسائر المالية المباشرة 95 مليون دولار حتى 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، وفق البيانات المعلنة.

يشار إلى أن ملف إدارة الثروة النفطية وتوزيع عائداتها محل نزاع بين الحكومتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها، رغم اقتصار تسويق الخام رسمياً على المؤسسة الوطنية للنفط. وأفضت الخلافات بشأن الإيرادات إلى إغلاقات متكررة للحقول والموانئ، قبل أن يتوصل الطرفان إلى تهدئة في عام 2022.


شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)
صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)
TT

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)
صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

بعدما غمرت مياه الأمطار عدداً من شوارع العاصمة الموريتانية نواكشوط في الأيام الأخيرة، عاد إلى الواجهة جدل متجدد حول غياب شبكة صرف صحي متكاملة في مدينة يزيد تعداد سكانها على 1.5 مليون نسمة، وسط مخاوف من هطول أمطار أخرى تفاقم الأزمة.

ويتجدد الحديث في الأمر مع كل موسم أمطار من كل عام، في شهرَي أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول)، وتتعالى النداءات بسرعة البحث عن حل؛ إذ تخلو البلاد من أي شبكة للصرف الصحي، سواء على مستوى المنازل والمرافق الحيوية، أو لشفط مياه الأمطار من الشوارع.

وقال المكتب الوطني للصرف الصحي، السبت، بعد أن سجلت المدينة كميات أمطار وصلت لأكثر من 45 ملليمتراً، إنه يواصل المرحلة الثانية من تدخلاته لشفط مياه الأمطار التي هطلت بكثافة يوم الخميس، وذلك عبر صهاريج كبيرة تتحرك في مختلف الأحياء، مضيفاً أنه يتحرك باتجاه «مختلف مقاطعات ومناطق العاصمة التي سجلت تجمعات لمياه الأمطار، وخاصة في المناطق الهشة».

شوارع بالعاصمة الموريتانية نواكشوط وبها تجمعات لمياه الأمطار (إعلام محلي)

وأكد المكتب أن المرحلة الأولى من التدخل لتخفيف أضرار المطر أُنجزت «في وقت قياسي»، ومكنت من فتح وتأمين محاور الطرق الرئيسية والتقاطعات والنقاط الحساسة.

الاعتماد على الصهاريج

وتواجه الحكومة الموريتانية انتقادات لاذعة بسبب غياب مشروع للصرف الصحي في العاصمة نواكشوط، وتكرار الاعتماد على الصهاريج في مواسم الأمطار، ما يثير حالة غضب واسعة بين المواطنين.

وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يصور صهريجاً يحمل شعار المكتب الوطني للصرف الصحي وهو يفرغ مياه صرف في الشارع، وسط صيحات رفض وغضب من المواطنين.

وتعليقاً على الحادثة، حمَّل المكتب الوطني للصرف الصحي المسؤولية لشركات خاصة تقدم خدمة تفريغ المياه، وطلب منها الالتزام بالضوابط عند التخلص من المياه، ووصف سكبها في الأماكن العامة بأنه «ممارسة مرفوضة» تنطوي على مخاطر بيئية وصحية، وقد تعرقل عمليات التصريف نفسها، محذراً من إحالة مرتكبيها إلى القانون.

صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

كما حذر المكتب من «استغلال غير مشروع» لاسم المكتب أو شعاره، عبر تقديم خدمات شفط بمقابل مالي، وأكد أن جميع عملياته مجانية بالكامل، وأن أي صهريج يحمل شعاره لا يحق له أن يتقاضى أي مبالغ من أي جهة.

المسببات والجهود

وعن مشكلة تراكم مياه المطر في الشوارع، كتب الدكتور محمد الأمين شريف أحمد، وهو كاتب رأي معروف، أن المشكلة لا تحتاج إلى أمطار استثنائية لتظهر، وإنما «تكفي أمطار معتبرة حتى تظهر في نواكشوط وبعض المدن معاناة يعرفها المواطن».

ونبّه في مقاله الذي نشرته صحف محلية إلى خطورة الوضع على المرضى، مشيراً إلى أن سيارة الإسعاف «يُفترض أن تختصر الدقائق لا أن تبحث عن منفذ بين تجمعات المياه».

وعزا الكاتب الأزمة إلى تراكم عقود من النمو الحضري السريع، وتمدد عمراني سبق البنية التحتية، إضافة إلى طبيعة الأرض، مع ارتفاع منسوب المياه الجوفية في مناطق من المدينة.

في المقابل، دافع عيسى ولد اليدالي، وهو ناشط في الحزب الحاكم ومستشار في وزارة الثقافة، عن المقاربة الحكومية، معتبراً أن تجمّع المياه «ليس مشكلة موسمية عابرة، بل انعكاس لتحدٍّ بنيوي ظل يتراكم عبر سنوات طويلة». ورأى أن «التشكيك المطلق» في جهود الحكومة «لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض».

جانب من مساعي شفط مياه الأمطار من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

وأكد ولد اليدالي أن «المشكلات التي تشكلت عبر عقود لا يمكن أن تُحل في سنوات قليلة»، وأن الدولة «اختارت السير في الطريق الأصعب والأطول». غير أنه أقرّ بأن المواطن الذي تحاصره المياه «من حقه أن يطالب بحلول عاجلة وفعالة».

الرهان الأكبر

ووسط هذا الجدل، يبقى الحل الجذري معلّقاً على مشروع للصرف الصحي بدأت مرحلته الأولى بعد أن وضع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حجرها الأساس في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بتكلفة 177.6 مليون دولار ممولة بالكامل من ميزانية الدولة. ولكن المشروع الذي تنفذه شركة صينية تأخرت انطلاقته على الأرض، رغم أن المهلة التي حددتها الحكومة لنهايته هي 45 شهراً؛ أي إنه من المفترض أن يكون جاهزاً عام 2029، ولكن في ثلاث مقاطعات من نواكشوط هي: تفرغ زينة ولكصر والسبخة وأجزاء من الميناء وتيارت، والتي تعد الأكثر تضرراً من تجمع المياه.

ويشمل المشروع شبكة صرف منزلي في 29 محطة ضخ ورفع، ونحو 15.7 كيلومتر من قنوات تصريف مياه الأمطار، ومحطة معالجة تبلغ طاقتها الأولية 19 ألف متر مكعب يومياً قابلة للتوسعة إلى 33 ألفاً، إلا أن شريف أحمد يرى أن المشروع لا يكفي وحده، مستنداً إلى دراسة حكومية سابقة قدّرت حاجة العاصمة الفعلية إلى منظومة تعالج 50 ألف متر مكعب يومياً، وتربط 75 ألف منزل، بتكلفة تقارب 420 مليون يورو.

ويخلص الكاتب إلى أن المشروع رغم ضخامته «مرحلة أساسية من الحل وليس نهايته».