> حلف شمال الأطلسي (الناتو) منظومة دفاعية مشتركة أسست بموجب معاهدة شمال الأطلسي - أو «معاهدة واشنطن» الموقّعة يوم 4 أبريل (نيسان) عام 1949 في العاصمة الأميركية. وتقوم «المعاهدة» على مبدأ التزام أعضائها الدفاع عن أي منهم في حال تعرضه لاعتداء أو هجوم من قوة خارجية، كما تنصّ المادة الخامسة منها.
المقرّ الحالي للحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل، وهو يضمّ 32 دولة (في انتظار مصادقة برلمانات الدول الأعضاء على انضمام السويد الذي اتخذ قرار الموافقة عليه يوم الأربعاء الفائت في «قمة فيلنيوس») إضافة إلى 14 «دولة شريكة»، بينها تايوان وباكستان وكولومبيا. ويقدّر الإنفاق العسكري للدول الأعضاء في الحلف بما يزيد على 60% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي.
تاريخياً، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ الغرب ينظر بقلق إلى السياسة التوسعية السوفياتية. وكانت موسكو تلجأ بانتظام إلى ممارسة «حق النقض» في مجلس الأمن ضد المقترحات الغربية التي تستهدف الحد من توسعة دائرة نفوذها في أوروبا الشرقية، التي بدأت دولها تسقط تباعاً تحت حكومات شيوعية موالية للاتحاد السوفياتي. وبعد انسحاب القوت الأميركية والكندية التي كانت موجودة في أوروبا، ارتفعت حدة التوتر بين المعسكرين الغربي والشرقي، وتعرّضت بعض الدول مثل النرويج واليونان وتركيا وتشيكوسلوفاكيا لتهديدات أمنية... ثم كان «انقلاب براغ» عام 1948 الذي عدّته دول أوروبا الغربية تعدياً مباشراً على مصالحها وأمنها.
ومع «حصار برلين» بين صيف عام 1948 وربيع العام التالي، قرّرت كل من فرنسا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ والمملكة المتحدة توقيع «معاهدة بروكسل» لإنشاء الحلف الأوروبي الغربي. ولقد تبع ذلك مفاوضات مع كندا والولايات المتحدة، انضمت إليها لاحقاً إيطاليا والدنمارك وآيسلندا والنرويج والبرتغال، أسفرت عن توقيع «معاهدة واشنطن».

اللافت أن الولايات المتحدة لم تكن متحمسة في البداية للانضمام إلى المشروع الأوروبي، لكن بعد «انقلاب براغ» و«حصار برلين»، وبالتالي ازدياد الضغوط الأوروبية - خصوصاً الفرنسية والبريطانية - عدّلت واشنطن موقفها، ووقّعت في لندن وثيقة «البنتاغون» الشهيرة التي تحدد ما يجب أن يكون عليه هذا الحلف. وكان من بين الأسباب التي حالت في البداية دون تجاوب الولايات المتحدة مع الدعوات الأوروبية، أن الدستور الأميركي يمنع الدخول في تحالفات عسكرية أيام السلم. ولكن جرى تعديل دستوري لاحقاً في جلسة صاخبة شهدها مجلس الشيوخ. وبعد انضمام تركيا واليونان عام 1954، اقترح الاتحاد السوفياتي بناء تحالف مع حلف شمال الأطلسي أو الانضمام إليه، إلا أن الدول الأعضاء رفضت اقتراح موسكو التي قررت على الأثر تأسيس «حلف وارسو» في عام 1955.
للعلم، كان «الناتو» أساساً مجرد رابطة سياسية، إلا أنه تحول بعد الحرب الكورية إلى تحالف دائم تدعمه منظومة عسكرية تحت إشراف القيادات العسكرية الأميركية. ومع نشوب «الحرب الباردة» سارعت دول المعسكر الشرقي إلى تشكيل «حلف وارسو» عام 1955 ضاماً إليه الدول التي تدور في فلك الاتحاد السوفياتي.
ولكن، مع سقوط «جدار برلين» في عام 1989 فُتح باب الانضمام إلى «الناتو» أمام عدد من دول أوروبا الشرقية التي كانت تنتمي إلى «حلف وارسو»، وبعض الجمهوريات السوفياتية السابقة. وكانت فنلندا آخر الدول التي انضمت إلى الحلف في أبريل الفائت، بعد عقود طويلة من الحياد العسكري الذي أعلنت أنها اضطرت للتخلي عنه في أعقاب الاجتياح الروسي لأوكرانيا.

أزمات ومشكلات
لقد شهد حلف شمال الأطلسي منذ تأسيسه سلسلة من الأزمات الداخلية، كانت أبرزها التي نشأت عن احتجاج الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول على هيمنة الولايات المتحدة وتحكمها بقرارات المنظمة، وأيضاً على «العلاقات المميزة» التي تقيمها واشنطن مع المملكة المتحدة (بريطانيا) داخل الحلف. ولقد وجّه ديغول رسالة إلى الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور ورئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان يطالب فيها بتشكيل «قيادة ثلاثية» عليا تضمّ فرنسا إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا، واقترح توسعة عضوية الحلف لتشمل مناطق جغرافية لفرنسا نفوذ فيها مثل الجزائر. ولكن بعدما رفض الحلف تلبية مطالب الرئيس الفرنسي يومذاك، قرّر ديغول الانسحاب من البنية العسكرية للحلف عام 1959، ومنع دخول الأسلحة النووية الأجنبية إلى الأراضي الفرنسية، وفرض استعادة باريس سيطرتها على القواعد العسكرية التي كانت خاضعة داخل الأراضي الفرنسية للقيادة الأميركية، غير أن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي أعاد فرنسا إلى البنية العسكرية وقيادة الحلف الموحّدة في عام 2009 خلال القمة التي عقدت على الحدود الفرنسية الألمانية.
ومن جانب آخر، كان أول تدخل عسكري مشترك للحلف الأطلسي في «حرب يوغوسلافيا». وكانت المرة الوحيدة التي لجأت فيها دولة عضو إلى «المادة الخامسة» من «معاهدة واشنطن»، من خلال الولايات المتحدة عام 2001، عقب اعتداءات «11 سبتمبر (أيلول)» عندما تقرر تشكيل التحالف الأطلسي في حرب أفغانستان.
وأخيراً في عام 2019، وإبان القمة التي عقدها الحلف في لندن للاحتفال بمرور سبعين سنة على تأسيسه، اتُفق على وثيقة أشارت للمرة الأولى إلى الصين وما يمكن أن تشكله من تحديات أمنية للبلدان الأعضاء في المستقبل، وهو ما أوحى بأن روسيا لم تعد الهاجس الأمني الأكبر الذي تحوّل صوب الصين.


