«حين تغيرنا عتبات البيوت»... جماليات المقالة القصصية

عبد الإله يقدم 3 أجزاء سردية موازية للمعلنة في الكتاب

«حين تغيرنا عتبات البيوت»... جماليات المقالة القصصية
TT

«حين تغيرنا عتبات البيوت»... جماليات المقالة القصصية

«حين تغيرنا عتبات البيوت»... جماليات المقالة القصصية

يفتتح الروائي والقاص «لؤي عبد الإله» المقالات الصحافية التي كتبها بين عامي 2020 بتقريض لغة الحوار بين عناصر الوجود «كم من الأشياء تدعونا للتحاور معها وكم سعيدة تلك المخلوقات التي تؤمن مثل الأطفال بوجود الحياة في كل الجمادات حولها» (ص10). وللحوار في الكتاب أبعاد خطابية تضاف للأبعاد الفكرية والثقافية، تلك هي حوارية الأجناس النثرية تحت مظلة السرد بوصفه نظاماً للحكي وأداة معرفية للتفكير في العلوم الإنسانية.

العنوان الذي اختاره المؤلف عتبة نصية «حين تغيرنا عتبات البيوت» ما هو إلا قصة قصيرة جداً تحكي أثر الزمكانية في تشكيل الهوية السردية، هي قصة الاغتراب المكاني والوجودي اللذين عاشهما عبد الإله، وتغييره للعتبات مرات عدة منذ مغادرته العراق منتصف السبعينات حتى استقراره في العاصمة لندن، منتصف الثمانينات.

قُسِّم الكتاب إلى 3 أجزاء أو فصول، الأول عنوانه «نصوص»، فيه اقتراب من فكرة حوارية الأجناس النثرية التي أشير اليها، والثاني بعنوان «مقاربات نقدية»، فيه عدد من المقالات، يبرز فيها التحليل والتفسير النقديين، والفصل الثالث «انطباعات بصرية»، فيه مقاربة لبعض الأعمال المسرحية والتشكيلية.

تبلغ «نصوص» ثلثي الكتاب، بينما يبقى الثلث الأخير للمقاربات النقدية، ما يبين احتفاء المقالات بالنسق السردي الذي يغني تلقي الآراء، وبإمكانه إنشاء حوارية بين الذاتية والموضوعية في كتابة المقال الصحافي. لا تنزاح المقالات بعضها عن بعض إلا بقدر محدود، فتتشاكل أسلوبية، أغلبها بين إشهارية العلامة المقالية، وفيها إبلاغ لمعلومة أو تثقيف لتوجه وسلوك أعينهما، أو إدلاء برأي في كتاب أو مسألة فلسفية ووجودية، وبين ضمنية العلامة السردية الإيحائية.

يؤكد المؤلف على حوارية «عتبات البيوت» المكانية مع نظرية «طقوس العبور» الزمانية للمفكر الأنثروبولوجي «أرنولد فان غنب». قارب الموضوعين، بدءاً من المقال الذي حمل عنوان الكتاب في فصل نصوص، وعاد لذكر طقوس العبور في آخر مقالة بعنوان «طقوس العبور حقيقتنا وحقيقة العالم تفلتان من أيدينا». في كلتا المقالتين تم تقليب فكرتي العتبة والعبور على وجهيهما بالسرد والوصف تارة، وبالشرح والتعليق والموازنة والتحليل والتأويل تارة أخرى، غير أنه في المقال الأول تكلم بشكل مجمل عن تصوراته للعتبات وطقوس العبور. أما المقال الأخير فقد خصص للكلام عن معرض طقوس العبور، الذي نظم بالعاصمة البريطانية عام 1998، وفيه قراءة نقدية لنصوص روائية في ضوء العتبات الزمكانية.

بإمكاني كقارئة تقسيم المقالات إلى 3 أجزاء سردية موازية لتلك المعلنة في الكتاب، وهي أولاً «سرديات المكان والزمان»، وثانياً «سرديات السيرة والسيرة الشخصية»، وثالثاً «سرديات تفاصيل الحياة اليومية». السرديات الزمكانية هي المهيمنة على فصول الكتاب، وتدخل ضمنها المقالات التي تصنف أنها تاريخية وسياسية، ففي كل منها يدخل المؤلف للموضوع الذي يريد أن يناقشه مدخلاً سردياً، مثل الكلام عن شخصية روائية أو حبكة قصصية أو أعمال روائية معينة، في مقال «حين تغيرنا عتبات البيوت» يسرد المدخل بما يعرف بضمير الشخص الثالث: «تقودني الذاكرة من وقت إلى آخر إلى تلك العتبة الملاصقة لباب خشبي سميك تعج فوقه حفريات الماضي العريق وعليها يجلس ذلك الطفل باطمئنان كامل. إنه هنا ضمن البيت وخارجه متمتعاً بشعور الحماية الناجم عن موقع العتبة نفسها» (ص19). يشكل الحنين إلى بيت الطفولة جزءاً حيوياً من صورة المكان في الذاكرة والوجدان، فالسارد يتمثل صورة عتبة بيته القديم في مستهل كلامه، وينتقل بعد المدخل لشرح فكرته وتبسيطها، ثم ما يلبث أن يأتي بالمثل بكلامه عن ملحمة «الكوميديا الإلهية». يفترض «دانتي» برزخاً فاصلاً بين الجحيم والفردوس، يلبث فيه المذنبون بعد أن يقضوا عقوبتهم في الجحيم إلى أن تشملهم الرحمة ويدخلوا النعيم، بعدها يرحل صوب الطقوس والقصص الديني، مثل حديثه عن سحور رمضان بوصفه عتبة فاصلة بين لحظات الشبع والتهيؤ للصيام، وقد مر مروراً سريعاً على قصة الإسراء والمعراج.

يفضل الكاتب الإقامة في بيت المتخيل، يدخل عالم رواية «الحرب والسلام»، يحدثنا عن حكاية الأمير «أندريه» والكونت «بيير»، يسردها سرداً وصفياً مختصراً لشخصيتهما ما قبل التغيير وما اتسما به بعد التحبيك الذي ينقلهما نحو عتبة أخرى، ويقدم قراءته للفكرة الكامنة وراء المتخيل: «فجأة ينساق الفرد في طريق كان يعتبره قبل يوم واحد حماقة كبرى، كأن ما يحكم الفرد في نهاية المطاف قبضة اللاعقلانية، هنالك في تلك العتبة يحصل التحول» (ص22)، فالحكاية وليس منطق العلم من بإمكانه التعبير عن طقوس العبور في إيقاع تناوبي يزاول الترحال بين الملفوظات النصية من الإقناع إلى التمثيل، ومن الذاكرة إلى استكشاف المجهول، يتلون إيقاع المقالات بألوان الفكر من المنطق الاستدلالي إلى القياس الذهني إلى ملكة التصور الحسي حيث تستقر النصوص عند هذه الملكة التي تحيل فرضيات التاريخ والواقع إلى مسرح كبير للعب وتبادل الأقنعة.

ومن المقالات التي يبرز فيها السرد التاريخي للأحداث والشخصيات المقالة المعنونة «مكر التاريخ»، وفيها يستهل الحديث عن هزيمة «نابليون» في معركة واترلو، ثم يستقرئ نتائج تلك المحاولة الفاشلة لغزو أوروبا بعد قرنين من الزمن: «الحلم الذي أخذه نابليون إلى القبر بدأ بالتحقق على الأرض بعد مرور ما يقرب 130. هذا الحلم هو ظهور أوروبا المتحدة» (ص25)، ينتقل بعدها إلى قصة التجربة الاشتراكية، وقد بدأت من فرنسا وفشلت فيها واستقرت في روسيا، ومن ثم سقوط التجربة عالمياً وما نتج عنه من عواقب انفراد أميركا بالهيمنة على العالم.

مقالة أخرى يقترب موضوعها من السابقة هي «من يصوغ مسار التاريخ»، يتكلم فيها عن دور الطغاة في تحريك عجلة التاريخ بوتيرة متصاعدة ودفعها نحو عتبات فاصلة من أمثال «نابليون» و«هتلر» و«هنري الثامن». يقول: «لم تبن الجمهوريات الديمقراطية إرثاً كبيراً في بناء الأمم وبناء دولها، بل هم الطغاة من قاموا بهذه المهمة» (ص34). يبقى المؤلف على تواصل مع فكرة العتبة في أغلب المقالات التي تناول فيها سرديات الأزمنة والأمكنة، فالعتبة نسق يستجيب للتحولات في بنيته مع استبدال الفواعل والأحداث.

نقرأ في سرديات السيرة والسيرة الذاتية حديثاً عن سيرة الشخصيات الإبداعية التي ألهمت المؤلف وتأثر بما نسجته أناملها من طروحات فكرية وتقنيات شكلية، يأتي في مقدمة تلك الشخصيات الروائي والقاص العراقي «فؤاد التكرلي»، وقد ذكره في مقالتين؛ أولهما «الإصغاء إلى روح الجماعة»، والثانية بعنوان «ثيمة العنف في قصص فؤاد التكرلي». تطرق في المقال الأول لفهم التكرلي للرواية، بوصفها حوارية أصوات ولغات، وذلك قبل ترجمة أفكار «باختين» إلى العربية واطلاع المبدعين والنقاد عليها، يتواتر السرد في المقال عن روايات «فؤاد التكرلي»؛ أحداثها وشخصياتها تارة، وعن سيرته الشخصية تارة أخرى: «كان التكرلي يقيم في تونس حينما وصلته أخبار الأثر الصاخب على عدد كبير من المنفيين العراقيين في الجزائر» (ص47)، من هؤلاء المنفيين كان «لؤي عبد الإله» الذي تأثر بتجربة التكرلي إلى درجة التماهي، خاصة أن في سيرتهما كثيراً من عتبات اللقاء مع الفارق في السن والتجربة، مثل كونهما لم ينتميا لأي من الآيديولوجيات الرائجة في تلك الحقبة، وتصوفهما في محراب الإبداع، وبعدهما عن الأضواء، إضافة إلى تجربة الاغتراب، وهي العتبة الفاصلة في سيرة الرجلين الشخصية والإبداعية.

تبلغ «نصوص» ثلثي الكتاب بينما يبقى الثلث الأخير للمقاربات النقدية ما يبين احتفاء المقالات بالنسق السردي

وقد أشاد بدور كل من «غائب طعمة فرمان» و« نجيب المانع» في كتابة الرواية الفنية في العراق، وخصّ الكلام عن أبناء ذلك الجيل من روائيين وشعراء مثل «بدر شاكر السياب» و«عبد الوهاب البياتي»، الذين ولدوا في عشرينات القرن الفائت وتمكنوا من تشييد نهضة أدبية وثقافية عند عتبة منتصف القرن وما تلاه: «إنه أول جيل يدخل مدارس الدولة العراقية الناشئة بمدارسها ومناهجها، وتتفتح عيناه على الغرب عبر الاحتلال البريطاني أولاً، ثم الانتداب فالاستقلال المقنن» (ص158)، وقد بلغ إعجاب عبد الإله بجيل التأسيس أنه لم يذكر مبدعاً روائياً أو شاعراً من المعاصرين سوى الشاعر «فاضل السلطاني»، وحلل بعضاً من قصائده في مقالة عنوانها «المرأة الطريق إلى السماء»، ويلاحظ أنه لم يأتِ على ذكر المرأة إلا في المقال المشار إليه. ومن المفكرين والأدباء الغرب الذين مرّ على سيرتهم؛ دستويفسكي وباختين وماركس ونيتشه.

سرديات «الحياة اليومية» هي الأقل سطوعاً على لوحة النص، تأمل فيها الكاتب في تفاصيل الأشياء وهوامش الحياة، وهو يحاول تلمس دلالة تلك التفاصيل وتأثيرها على العتبات الفاصلة في حياة البشر. ومنها مقال بعنوان «العصر الرقمي يقتل المراسلة الشخصية»، وهو نوستالجيا وصفية لعصر ساعي البريد والرسائل الورقية المعطرة، ومقال «الأعشاب الضارة مجازاً» وفيه كلام عن المهمل المفيد في حياة البشر.

في مقالة عنوانها «البناء الموسيقي للرواية... ميلان كونديرا مثالاً» يقتبس عبد الإله عبارة لكونديرا جاءت في كتابه «صنعة الرواية»، وقد ذكرها في تحليله رواية «السائرون نياماً» لهرمان بروخ: «يتكون الجزء الثالث من الرواية من 5 خطوط موضوعة في شكل متناوب، هي الرواية والقصة القصيرة والقصيدة والمقالة والتقرير» (ص95)، هذا التناغم البوليفوني في الكتابة النثرية يراه القارئ لوحة نصية، ويلمسه إيقاعاً بنائياً في «حين تغيرنا عتبات البيوت».


مقالات ذات صلة

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

كتاب يكشف علاقة ماكرون وبريجيت... ورسائل تربط الرئيس بفراهاني تثير الجدل

يرصد كتاب فلوريان تارديف علاقة ماكرون وبريجيت وكيف تحولت حياتهما الخاصة وأزمات الإعلام جزءاً من صورة السلطة والسياسة في فرنسا.

كوثر وكيل (لندن)
ثقافة وفنون فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.