«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

أسرار العلاقة الأكثر إثارة للجدل في فرنسا

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت
TT

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

في السياسة الفرنسية، لا يعيش الرؤساء داخل القصور فقط، بل داخل السرديات أيضاً. ومنذ أن دخل إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت قصر الإليزيه، بدا أن قصتهما الشخصية تحولت جزءاً لا يتجزأ من«العلامة السياسية» لماكرون نفسه: رئيس شاب، متمرّد على القوالب التقليدية، وزوجة كسرت معه الأعراف الاجتماعية والعمرية، قبل أن تتحول هذه الخصوصية ذاتها عبئاً سياسياً وإعلامياً مع اقتراب نهاية العهدة الثانية.

الإليزيه بين الطقوس اليومية وضغط السلطة

في صباحات قصر الإليزيه، لا يبدأ النهار بضجيج السياسة، بل بإيقاع منزلي هادئ يشبه طقوس الأزواج العاديين. قبل الاجتماعات والملفات الثقيلة وخطابات الدولة، هناك كوب شاي بالليمون، وصحيفة موضوعة بعناية على الطاولة، وامرأة تعصر برتقالتين مع ليمونة، بينما يتذمر الرئيس الفرنسي من إضافة حبة «كيوي» إلى فطوره اليومي.

غلاف كتاب «زوج شبه مثالي» للصحافي السياسي فلوريان تارديف

بهذه التفاصيل الصغيرة يفتتح الصحافي السياسي في «باريس ماتش» فلوريان تارديف كتابه «زوج شبه مثالي» Un couple (presque) parfait، الصادر عن «ألبان ميشال» Albin Michel، كاشفاً عن الوجه الأقل صخباً من حياة ماكرون وزوجته، ليس الرئيس هنا قائداً يخوض معارك الإصلاح والاحتجاجات والأزمات الدولية، بل رجلٌ يبحث، كل صباح، عن يدي «أكثر حلفائه وفاءً»، كما يصفها المقربون منه.

الرئيس إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت الأحد في نزهة على شاطئ منتجع «لو توكيه» (شمال) حيث تملك زوجته منزلاً (أ.ف.ب)

يقدّم الصحافي السياسي قراءة مختلفة للعلاقة التي شغلت فرنسا طوال سنوات. ليس بوصفها قصة رومانسية استثنائية فحسب، بل بصفتها أيضاً شراكة سلطة، وتحالفاً نفسياً وسياسياً اختبرته الأزمات، وأرهقته الضغوط، وهددته هشاشة الصورة العامة في عصر التواصل الفوري.

الكتاب، لا يكتفي بإعادة سرد الحكاية المعروفة بين الأستاذة وتلميذها النجيب في مدينة أميان، بل يحاول تفكيك «الميثولوجيا الماكرونية» نفسها. فكما لعبت إيفون دوغول دوراً في صناعة صورة الجنرال شارل ديغول، وكما حمت دانييل ميتران أسرار فرنسوا ميتران، وكانت بيرناديت شيراك عيناً سياسية حادة إلى جانب جاك شيراك، يضع تارديف بريجيت ماكرون داخل هذا التقليد الفرنسي القديم: «السيدة الأولى بوصفها شريكاً غير معلن في الحكم».

يستعيد تارديف في كتابه عبارة قالها ماكرون عام 2017، مع بداية ولايته الأولى: «إذا كانت بريجيت تعيسة، فلن أصمد وسأفشل في هذه الولاية». جملة تبدو اليوم، بعد تسع سنوات في السلطة، أكثر من مجرد اعتراف عاطفي؛ إنها مفتاح لفهم العلاقة العضوية بين الرجل ومشروعه السياسي. فبريجيت، في الرواية التي يبنيها الكتاب، لم تكن يوماً «السيدة الأولى» بالمعنى البروتوكولي، بل كانت جزءاً من البنية النفسية والسياسية للرئيس نفسه.

بريجيت وإيمانويل في يوم زفافهما (فرنس 3)

ماكرون كما يراه المقربون منه

الكتاب، الذي استند إلى أكثر من سبعين مقابلة، بينها لقاءات مع بريجيت ماكرون شخصياً، يذهب بعيداً في تفكيك الحياة اليومية داخل الإليزيه. هناك رئيس لا يستيقظ مبكراً، ويؤجل نزوله إلى مكتبه حتى التاسعة أو العاشرة أحياناً، في تناقض لافت مع صورته كرجل منضبط ومهووس بالإيقاع السريع. أحد موظفي القصر يعلّق ساخراً: «تشعر فوراً أنه ليس رجل الصباح».

لكن ما يبدو تفصيلاً عابراً يتحول، في سرد تارديف، عنصراً دالاً على شخصية سياسية معقدة: رئيس يكره الارتجال، ويقرأ الصحف قبل فريقه، ويصل إلى اجتماعاته وكأنه يحفظ «النوتة الموسيقية» ليومه كاملاً قبل عزفها. إنها صورة رجل يدير السلطة بعقلية التلميذ المتفوق الذي لا يحتمل المفاجآت.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت يستعدان لاستقبال ضيوف حفل افتتاح الأولمبياد 25 يوليو (أ.ف.ب)

القوة الحقيقية للنص لا تكمن في المعلومات وحدها، بل في الطريقة التي تُروى بها. فالكاتب يعتمد أسلوب «الستوريتيلينغ» السياسي، حيث تتحول التفاصيل الحميمة موعد الإفطار، ترتيب الصحف، مزاج الصباح إلى مفاتيح لفهم السلطة نفسها. وكأن الإليزيه ليس مجرد مؤسسة حكم، بل بيتٌ يعيش داخله زوجان أنهكتهما السنوات، لكنهما ما زالا يتمسكان بطقوسهما الصغيرة في مواجهة عواصف السياسة.

«صفعة بريجيت»... اللحظة التي هزّت الإليزيه

غير أن اللحظة الأكثر حساسية في الكتاب تبقى تلك المتعلقة بـ«حادثة هانوي»، التي انفجرت إعلامياً في مايو (أيار) 2025، عندما التقطت كاميرات وكالة «أسوشييتد برس» مشهداً بدا فيه أن بريجيت ماكرون تدفع زوجها بعنف نسبي أثناء نزولهما من الطائرة الرسمية في فيتنام. خلال ساعات، اجتاحت اللقطات المنصات الرقمية، وبدأت ماكينة التأويل السياسي والنفسي والإعلامي بالعمل بأقصى طاقتها.

ماكرون يكشف عن حقيقة «صفعة بريجيت» خلال نزولهما من الطائرة في فيتنام (أسوشييتد برس)

من «الديب فايك» إلى الاعتراف... ارتباك الإليزيه الإعلامي

الإليزيه اختار آنذاك استراتيجية دفاع مرتبكة، في البداية جرى التشكيك في صحة الفيديو، مع تلميحات إلى احتمال التلاعب عبر الذكاء الاصطناعي وتقنيات «الديب فايك»، قبل أن يتراجع الخطاب الرسمي بعد تأكيد صحة الصور، ليتم تقديم الحادثة لاحقاً بوصفها «مشادة زوجية عابرة» أو «مزاحاً بين زوجين». لكن تارديف يرى أن الضرر الحقيقي لم يكن في المشهد نفسه، بل في طريقة إدارة الأزمة. فبين الإنكار ثم التراجع، ترسخت صورة سلطة مرتبكة تخشى الاعتراف بإنسانيتها أكثر مما تخشى الفضيحة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت (أ.ف.ب)

ومن هنا تكتسب المادة النقدية في الكتاب أهميتها؛ إذ لا يتعامل المؤلف مع القصة كفضول اجتماعي، بل كدراسة في هشاشة الاتصال السياسي الحديث. ففي زمن الفيديوهات الفيروسية والتدقيق الرقمي الفوري، لم تعد استراتيجيات النفي التقليدية فعالة. كل تأخير في الاعتراف، وكل رواية متناقضة، يتحولان وقوداً لنظريات المؤامرة والسخرية العابرة للحدود.

علاقة ماكرون وغلشيفته فراهاني... الشائعات التي أشعلت باريس

ويذهب تارديف أبعد من ذلك، حين يلمّح إلى أن المشادة ارتبطت باكتشاف رسائل متبادلة بين الرئيس والممثلة الفرنسية - الإيرانية غلشيفته فراهاني، المعروفة بحضورها القوي في السينما الفرنسية والعالمية، وبمواقفها السياسية والحقوقية الحادة منذ مغادرتها إيران قبل سنوات. ووفق ما تداوله الإعلام الفرنسي، فإن العلاقة لم تُقدَّم بوصفها «قصة عاطفية» بالمعنى التقليدي، بل كصلة فكرية وشخصية وُصفت أحياناً بـ«الأفلاطونية»، وهو توصيف غذّى الفضول أكثر مما بدده.

الممثلة الفرنسية الإيرانية غلشيفته فراهاني (إنستغرام)

فراهاني نفسها تعاملت مع الشائعات ببرود لافت، عادَّة في تصريحات صحافية أن الهوس بهذا النوع من القصص يعكس «نقصاً في الحب داخل المجتمع»، مذكّرة بأنها تعيش أصلاً علاقة مستقرة. لكن مجرد ورود اسم ممثلة ذات شهرة دولية في محيط رئيس الجمهورية كان كافياً لإشعال دوامة من التأويلات السياسية والإعلامية، خصوصاً في مناخ فرنسي باتت فيه الحياة الخاصة للرؤساء مادة استهلاك يومية.

وهنا تحديداً، ينجح الكتاب في التقاط التحول العميق الذي أصاب الحياة العامة الفرنسية: لم يعد الرئيس مجرد صانع قرار، بل أصبح «شخصية سردية» تُستهلك يومياً عبر الشاشات والمنصات، حيث تختلط السياسة بالعاطفة، والسلطة بالصورة، والحقيقة بالإشاعة في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود التقليدية بين الخاص والعام.

هل أخطأ ماكرون بتسييس حياته الزوجية؟

أسلوب تارديف يقوم على المزج بين التحقيق السياسي والسرد الصحافي القريب من«الستوريتيلينغ»، حيث تتحول كواليس الإليزيه مسرحاً للعلاقات الإنسانية بقدر ما هي مركز للسلطة. وهو بذلك يقترب من المدرسة الفرنسية التي ترى أن فهم السياسة يمر أحياناً عبر فهم العواطف والهشاشة والغيرة والتوترات الصامتة داخل دوائر الحكم.

لكن الكتاب يطرح أيضاً سؤالاً أعمق: هل أخطأ ماكرون منذ البداية حين جعل من حياته الزوجية جزءاً من خطابه السياسي؟ فالقصة التي منحته في بداياته صورة الرجل المختلف والجريء، أصبحت اليوم نقطة ضعف دائمة، تستغلها المعارضة، وتضخمها المنصات الرقمية، وتراقبها الصحافة العالمية بوصفها مؤشراً على تآكل السلطة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ينزلان من الطائرة لدى وصولهما إلى هانوي (أ.ف.ب)

في النهاية، لا يقدم الكتاب أسراراً صادمة بقدر ما يقدم تشريحاً هادئاً لعلاقة تعيش تحت ضغط الرئاسة والكاميرات والتوقعات العامة. إنه كتاب عن السلطة حين تدخل البيت، وعن الحب حين يصبح شأناً جمهورياً، وعن رئيس اكتشف متأخراً أن أخطر ما يواجه السياسي المعاصر ليس المعارضة فقط، بل الصورة أيضاً.

في هذا النوع من الكتب، لا يبحث القارئ فقط عن «الأسرار»، بل عن هشاشة القادة أيضاً. وهذا ما ينجح فيه الكاتب أن يُظهر الرئيس الفرنسي خارج الخطابات الرسمية، في تلك المسافة الرمادية بين السلطة والإنسان، حيث يبدو ماكرون أقل صلابة مما توحي به المنصات، وأكثر اعتماداً على شريكته مما تعترف به السياسة عادة.


مقالات ذات صلة

ماكرون يعلن تأييد فرنسا اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في مونتينيغرو (أ.ب) p-circle

ماكرون يعلن تأييد فرنسا اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان

أعلن إيمانويل ماكرون أن فرنسا تدعم اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان بعد إعلانه في واشنطن، وأنها «مستعدة للمضي قدماً في هذا المسار».

«الشرق الأوسط» (ستنيي (الجبل الأسود))
الاقتصاد الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)

«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

حققت فرنسا رقماً قياسياً جديداً في جذب الاستثمارات الأجنبية، بعد أن تعهدت شركات عالمية بضخ 93 مليار يورو (نحو 108 مليارات دولار) في البلاد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أحد أفراد البحرية الفرنسية وهو يراقب ناقلة نفط خاضعة لعقوبات دولية قادمة من روسيا تبحر في المحيط الأطلسي (رويترز) p-circle

روسيا تندد بـ«قرصنة دولية» بعد احتجاز فرنسا ناقلة نفط

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده وحلفاءها احتجزوا ناقلة نفط روسية خاضعة للعقوبات في المحيط الأطلسي، خلال عطلة نهاية الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند استقباله فريق سان جيرمان بالإليزيه (أ.ب)

ماكرون يرى بسان جيرمان «فخراً عظيماً للبلد بأكمله»

رأى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بباريس سان جيرمان «فخراً عظيماً للبلد بأكمله»، وذلك خلال استقباله لاعبي نادي العاصمة الأحد في قصر الإليزيه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب) p-circle

اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمناقشة التطورات في لبنان

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً بعد ظهر الاثنين بناء على طلب فرنسا، وذلك لمناقشة تطورات الحرب في لبنان في أعقاب استيلاء الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف.


من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.