مصادر عسكرية سودانية: الإسلاميون لهم دور خفي في الصراع

قالت إن رجال مخابرات سابقين يقاتلون لصالح الجيش

الرئيس السابق عمر البشير خلال زيارة إلى دارفور سبتمبر 2017 (رويترز)
الرئيس السابق عمر البشير خلال زيارة إلى دارفور سبتمبر 2017 (رويترز)
TT

مصادر عسكرية سودانية: الإسلاميون لهم دور خفي في الصراع

الرئيس السابق عمر البشير خلال زيارة إلى دارفور سبتمبر 2017 (رويترز)
الرئيس السابق عمر البشير خلال زيارة إلى دارفور سبتمبر 2017 (رويترز)

قالت ثلاثة مصادر عسكرية ومصدر في المخابرات: إن الآلاف من الذين عملوا في جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني في عهد الرئيس السابق عمر البشير ولديهم صلات بالتيار الإسلامي الذي ينتمي إليه، يقاتلون حالياً إلى جانب الجيش في الصراع السوداني؛ مما يعقد جهود إنهاء إراقة الدماء.

ويخوض الجيش وقوات الدعم السريع قتالاً في الخرطوم ودارفور وغيرهما منذ أكثر من 11 أسبوعاً في ثالث أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة؛ مما دفع 2.5 مليون مواطن إلى النزوح. كما تسبب الصراع في أزمة إنسانية ويهدّد بزعزعة الاستقرار في المنطقة. وقد تؤدي التعزيزات التي يتلقاها كل جانب إلى تأجيج الصراع.

وينفى الجيش منذ فترة طويلة اتهامات خصومه في قوات الدعم السريع بأنه يعتمد على الموالين للبشير الذين فقدوا مصداقيتهم، أمام قطاع واسع من السودانيين، وأطيح بهم والرئيس السابق في انتفاضة شعبية عام 2019.

وقال مسؤول بالجيش، تحدث لوكالة «رويترز»، في تقرير شامل أمس (الأربعاء)، إن «الجيش السوداني لا علاقة له بأي حزب سياسي أو آيديولوجية. إنه مؤسسة محترفة». ومع ذلك، قالت المصادر العسكرية الثلاثة ومصدر المخابرات: إن آلاف الإسلاميين يقاتلون في صف الجيش.

وقال مسؤول عسكري مطلع على عمليات الجيش، لـ«رويترز» حجبت هويته: إن «نحو ستة آلاف عنصر من المخابرات انضموا إلى الجيش قبل الصراع بأسابيع عدة». وأضاف: «إنهم يقاتلون من أجل إنقاذ البلاد».

صلاح قوش مدير المخابرات في عهد الرئيس السابق عمر البشير (غيتي)

وأكد هذه الأرقام مسؤولون سابقون في جهاز الأمن والمخابرات الوطني المنحل، مشيرين إلى أن الجيش كان مؤسسة قوية، تألفت (في عهد البشير) بشكل أساسي من الإسلاميين.

وقد تؤدي عودة الإسلاميين إلى تعقيد أسلوب تعامل القوى الإقليمية مع الجيش، وإعاقة أي تحرك نحو الحكم المدني. كما أنها قد تزج بالبلاد، التي استضافت ذات يوم مؤسس تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، في نهاية المطاف إلى المزيد من الصراعات الداخلية والعزلة الدولية.

ومن أجل هذا المقال، تحدثت «رويترز» إلى عشرة مصادر، من بينها مصادر عسكرية ومخابراتية وعدد من الإسلاميين.

الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي أحد المتهمين بتأجيج الصراع (غيتي)

وفي تطور يدل على انخراط الإسلاميين في الصراع، قُتل رئيس منظومة الفكر والتأصيل في الحركة الإسلامية محمد الفضل هذا الشهر في اشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش، بحسب أقارب له وإسلاميين أفادوا بأنه كان يقاتل في صفوف الجيش. وأصدر علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، بياناً نعى في الفضل.

«هويتنا وديننا»

قال إسلامي انضم إلى صفوف الجيش: «نقاتل إلى جانب الجيش وندعمه لحماية بلادنا من التدخل الخارجي وللحفاظ على هويتنا وديننا». في حين قال حزب المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم السابق بزعامة البشير، في بيان: إنه لا علاقة له بالقتال وإنه يدعم الجيش سياسياً فقط.

واتهم الجيش قوات الدعم السريع بمنح مناصب عليا في صفوفها للإسلاميين والموالين للنظام السابق، وهو ما نفته القوات شبه العسكرية. كما نفى قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الذي يرى المحللون أنه رجل عسكري لا يتبع أي آيديولوجية، الاتهامات بأن الإسلاميين يساعدون قواته.

الفريق البرهان بين جنوده 30 مايو (رويترز)

والجيش، الذي كان يضم العديد من الضباط المنتمين للتيار الإسلامي في عهد البشير، قوة مهيمنة في السودان على مدى عقود ونفذ انقلابات وخاض حروباً داخلية واستحوذ على موارد اقتصادية.

لكن بعد الإطاحة بالبشير، بنى البرهان علاقات جيدة مع الدول المعارضة للتيارات الإسلامية في المنطقة، لا سيما الإمارات ومصر. وقدمت دول خليجية مساعدات كبيرة للخرطوم.

وحالياً، يساعد الضباط السابقون في جهاز الأمن والمخابرات الوطني الجيش أيضاً من خلال جمع المعلومات المخابراتية عن أعدائه في أحدث صراع دائر.

وبعد الإطاحة بالبشير، حل جهاز المخابرات العامة محل جهاز الأمن والمخابرات وجرى تفكيك هيئة العمليات المسلحة، وفقاً لاتفاق دستوري.

وقال مصدر بالجيش وآخر بالمخابرات: إن معظم أعضاء هيئة العمليات انحازوا للجيش، لكن بعض الأعضاء السابقين والإسلاميين الذين كانوا يعملون لصالح البشير انضموا إلى صفوف قوات الدعم السريع.

وقال مسؤول في المخابرات العامة: «نعمل في ظل ظروف صعبة على الأرض لدعم الجيش، خاصة فيما يتعلق بالمعلومات عن قوات الدعم السريع وانتشارها».

قادة مخضرمون من عهد البشير

يتفوق الجيش على قوات الدعم السريع من حيث العدد في عموم البلاد، لكن محللين يقولون: إن قدراته محدودة في قتال الشوارع؛ لأنه أسند مهام الحرب في المناطق النائية قبل ذلك إلى الميليشيات. وكان من بين تلك الميليشيات «الجنجويد» التي ساعدت في سحق تمرد في دارفور قبل أن تتطور لتنبثق منها قوات الدعم السريع.

وسيطرت وحدات قوات الدعم السريع على مناطق واسعة من الخرطوم، وسيطرت هذا الأسبوع على القاعدة الرئيسية لشرطة الاحتياط المركزي، وهي قوة نشرها الجيش لتخوض قتالاً برياً بالعاصمة. واستولت قوات الدعم السريع على كميات كبيرة من الأسلحة.

لكن الجيش الذي اعتمد بشكل أساسي على الضربات الجوية والمدفعية الثقيلة يمكن أن يستفيد من مهارات جهاز المخابرات العامة في جمع المعلومات الاستخباراتية، وهي مهارات تم صقلها على مدى عقود، في مساعيه لاجتثاث قوات الدعم السريع.

وفي السابع من يونيو (حزيران) اندلع حريق في مقر المخابرات في منطقة قتال بوسط الخرطوم. وتبادل طرفا الصراع الاتهامات بمهاجمة المبنى.

حرائق جرَّاء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)

وبعد أن نفذ البرهان وقائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، معاً انقلاباً في عام 2021 أدى إلى تعطيل الانتقال إلى الديمقراطية، قال حميدتي: إن الخطوة كانت خطأً، وحذر من أنها ستشجع الإسلاميين على السعي إلى السلطة.

وأكد الجيش علناً ولاءه للانتفاضة التي أطاحت البشير في عام 2019.

لكن بعد أن نفذ الجيش انقلاباً في عام 2021 أدى إلى تجدد الاحتجاجات في الشوارع، اعتمد على قادة مخضرمين من عهد البشير لتسيير أمور البلاد. وتم حل لجنة كانت تضطلع بتفكيك النظام الحاكم السابق.

وقبل اندلاع أعمال العنف، كان أنصار البشير يعارضون خطة لإجراء انتخابات في ظل حكومة مدنية. وأدت الخلافات حول التسلسل القيادي وهيكلة الجيش بموجب الخطة إلى اندلاع القتال.

وبعد مرور نحو أسبوع على اندلاع القتال في أبريل (نيسان)، أظهر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي نحو عشرة من مسؤولي المخابرات السابقين يرتدون زي الجيش ويعلنون أنهم من قوات الاحتياط.

ولم يتسن لـ«رويترز» التحقق من صحة مقطع الفيديو بشكل مستقل.

وغادر عدد من أنصار البشير البارزين السجن في بحري، المقابلة لوسط الخرطوم على الضفة الأخرى من النيل، في أثناء عمليات هروب أوسع من السجون وسط القتال في أواخر أبريل. ولا تزال ملابسات مغادرتهم السجن غير واضحة. ويتلقى البشير العلاج في مستشفى عسكري.



تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.