البدلة تنتعش وربطة العنق تتراجع

المصممون يُعاملون البدلة الرجالية بـ«نعومة ورقّة» مراضاة للسوق

شتان بين حضور «بيتي أومو» المتأنقين في السابق وبينهم اليوم (خاص)
شتان بين حضور «بيتي أومو» المتأنقين في السابق وبينهم اليوم (خاص)
TT

البدلة تنتعش وربطة العنق تتراجع

شتان بين حضور «بيتي أومو» المتأنقين في السابق وبينهم اليوم (خاص)
شتان بين حضور «بيتي أومو» المتأنقين في السابق وبينهم اليوم (خاص)

قطاع الأزياء الرجالية يعيش حالة من الانتعاش هذه الأيام. مستقبله يبدو وردياً حسب دراسة قامت بها شركة «يورومونيتور»، وتُفيد بأنه ينمو بوتيرة أسرع من باقي القطاعات الأخرى على الرغم من التغييرات التي يمر بها. نسبة نموه تُقدر بـ5.8 في المائة سنوياً والتوقعات تشير إلى أنها ستصل إلى 548 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة. في إيطاليا وحدها يشهد هذا القطاع انتعاشاً بلغت نسبته 20.3 في المائة، ليصل إلى 11.3 مليار يورو عام 2022، متجاوزاً بذلك المستوى الذي كان عليه قبل جائحة «كوفيد». أرقام المبيعات هاته لها مفعول السحر على صناع الموضة من ناحية تحفيزهم على الابتكار وتعلُم لغة جديدة يفهمها الشباب. الأمر لم يعد يقتصر على مصممي بيوت الأزياء الكبيرة الذين يتكلمون هذه اللغة بطلاقة بحكم أن أغلبهم من شريحة الشباب فحسب. شمل أيضاً خياطو إيطاليا وسافيل رو بلندن ممن توارثوا تقنياتهم أباً عن جد.

هذه التغييرات يقودها جيل شاب نجح في فرض أسلوبه وميوله على الساحة بفضل إمكاناته المادية العالية. حتى أعرق بيوت الأزياء الإيطالية والإنجليزية، مثل «كيتون» و«زيغنا» و«جيفز آند هوكس» إلى جانب علامات مثل «بيليونير» وغيرهم، أذعنت لرغباته وتسعى لمراضاته بـ«نعومة ورقّة».

من اقتراحات «دولتشي آند غابانا» (أ.ب)

وبما أن المعارض وعروض الأزياء هي البوصلة التي تُسلط لنا الضوء على اتجاهات الموضة، فإن نظرة سريعة لما يجري منذ بداية هذا الشهر في معرض «بيتي أومو» بفلورنسا الإيطالية، وعروض الأزياء لربيع وصيف 2024 في كل من ميلانو وباريس تشير إلى أن الخريطة الشرائية أثرت بشكل مباشر على الماكينة الإبداعية. فشتان بين صورة الأناقة الرجالية في الماضي حين كانت داكنة وحياذية وبينها اليوم، حيث تلوَنت بألوان الورود. تخففت كذلك من تفاصيل كانت في عهد الجيل السابق أساسية وأصبحت في عيون جيل اليوم ترتبط بأناقة «داندية» لم تعد تناسبه في ظل تسارع إيقاع الحياة العصرية وثقافة الانفتاح على الآخر وتقبل التنوع والاختلاف بكل أشكاله وألوانه.

من هذا المنظور تعرضت البدلة الكلاسيكية إلى عمليات تجميل فكّكتها وأضفت عليها نعومة ولمسات «سبور» منحتها جُرعة ديناميكية وفي الوقت ذاته أكسبتها شعبية. أمر لا يمكن قوله على ربطة العنق، الإكسسوار الذي كان لا يفارقها إلى في حالات نادرة. فقد تعرض لتجاهل شبه تام في هذا الموسم، باستثناء إطلالات قليلة جداً. وحتى هذه تعرضت فيها لعمليات تنحيف قاسية جعلتها لا تظهر للعيان من بعيد.

في «لوي فويتون» ظهرت بتصاميم واقتراحات عدة (أ.ف.ب)

السبب أن المصممين لم يتشجعوا على الإسهاب فيها لأن جيل الشباب عازف عنها ومبيعاتها في تراجع مستمر. غيلدو زيغنا، رئيس مجلس الإدارة في مجموعة «إيرمينغلدو زينيا»، أكَد أن مستقبلها لا يدعو للتفاؤل. على الأقل في المستقبل القريب «فهي لم تمت تماماً، لكنها فقدت شعبيتها لصالح قطع أخرى». السبب حسب رأيه، أن الرجل العصري يريد أن يُنسق بدلته «مع قميص من الحرير» أو مع «بولو تي - شيرت» أو حذاء موكاسان أو بتصميم رياضي. وهذا المظهر المنطلق لا يحتاج إلى ربطة عنق. تجدر الإشارة إلى أن «زيغنا» من بين بيوت أزياء أخرى كثيرة مثل «كيتون» الإيطالية، باتت تُركز حالياً على القطع المنفصلة أكثر من البدلات المفصلة، مثل القمصان والقطع الصوفية حتى تُلبي كل الأذواق وتغطي كل الاحتمالات.

بيد أنه من الخطأ القول أن مسؤولية تراجع هذا الإكسسوار تعود كاملة إلى جيل الشباب. فنجمها بدأ يخفت منذ عام 2016 وزاد الأمر سوءاً بعد عام 2019 بسبب جائحة كورونا وما ترتب عنها من عُزلة وانعزال، أديا إلى تراجع مبيعاتها بنسبة 6 في المائة عام 2019، و42 في المائة في عام 2020. ما اختبره الجميع آنذاك، أن العمل من البيت لا يحتاج إلى بدلة وربطة عنق. كما اكتشفوا مُتعة الراحة عندما تترافق مع الأناقة غير الرسمية. لهذا؛ وحتى بعد اجتياز العالم الجائحة واسترجاع البدلة مكانتها، بقي هذا الإكسسوار الحلقة الأضعف. ربما لأنها ظلت محتفظة بشخصيتها الرسمية رغم محاولات البعض تنحيفها. لم تنجح لحد الآن في تجديد صورتها ودورها على العكس من البدلة. ولحسن الحظ أن التغييرات التي خضعت لها لم تستهدف تأنيثها بقدر ما ركّزت على التخفيف من رسميتها بإضفاء النعومة عليها. أصبحت الخطوط أقل صرامة والأكتاف أكثر التحاماً مع الجسم، في حين غابت أي تفاصيل من شأنها أن تُقيّد صاحبها. وهذا ما جعلها تستقطب زبائن جُدداً من دون أن تستثني الجيل القديم. فعلامة «بيليونير» التي تتوجه إلى الرجل الناضج قدمت مثلاً عرضاً لعبت فيه على الكلاسيكية من خلال بدلات في غاية الرسمية، تلاعبت عليها بالتخلي عن ربطة العنق والقميص الكلاسيكي. وهكذا حقق الرجل الذي لا يريد الاستغناء عن البدلة المعادلة الصعبة بمواكبته الموضة من دون أن يتنازل عن أناقته.

البدلة من دون ربطة تخاطب كل شرائح العمر (أ.ف.ب)

المتابع لمعرض «بيتي أومو» الفلورنسي عبر العقود، يلاحظ مدى تغيُر مشهده، سواء من نوعية حضوره أو تنوع اقتراحاته. ما يحسب للمسؤولين فيه، أنهم لم يُلغوا شخصيته تماماً، ولم ينسوا أنه الوجهة المفضلة للباحثين عن الأزياء الرسمية، سواءً كانت بدلات بصديري أو قمصاناً بياقات عالية أو ربطات عنق من الحرير أو الصوف المغزول بالكشمير وما شابه. لم يكن مطروحاً أن يحيدوا عن هذا النص المرسوم منذ انطلاقه، لكنهم في الوقت ذاته أدركوا أن رياح التغيير قوية وعليهم اجتيازها بسلام. لهذا تبنوا لغة خفيفة ومعاصرة. الطريف أن حتى ضيوفه ممن كانوا يُنعتون بـ«طواويس الموضة» لأنهم كانوا يستعرضون فيه أساليبهم «الداندية» بكل مبالغاتها وبذخها، لم يتعمّدوا لفت الأنظار هذا العام، بل انصهروا مع باقي الحضور باختيارهم أزياء أنيقة ومنطلقة تحمل لمسات «سبور». أقصى ما ذهبوا إليه أنهم نسّقوا سترات مفصلة مع بناطيل قصيرة تلامس الركبة أو تجلس فوقها قليلاً.

من عرض «بيليونير» (أ.ب)

هذا التزاوج بين الرسمي والـ«كاجوال» كان واضحاً أيضاً في عروض كل من ميلانو وباريس لربيع وصيف 2024. بالنسبة لبيير باولو بيتشيولي، مصمم دار «فالنتينو»، فإن الأمر كان عملية فلسفية وثقافية أعاد فيها تشكيل الهوية الذكورية إلى جانب طرحه تساؤلات حول ارتباط الماضي بالحاضر والمستقبل. بذلك ربط البدلة الرسمية كما عرفها الأجداد والآباء بالبدلة الشبابية، مستدلاً على هذا الترابط بجملة بليغة للكاتبة هانيا ياناغيهارا تقول «كبرنا كثيراً إلى درجة أن أصبحنا شباباً مرّة أخرى». فدورة الحياة مستمرة وما يبدو قديماً الآن كان جديداً وربما ثورياً في الماضي.

دار «برادا» قدمت هي الأخرى تشكيلتها، وهي من تصميم كل من ميوتشا برادا وراف سيمونز، وكل ما فيه يرمي إلى «تحرير جسد الرجل من كل ما هو تقليدي». وصرّح راف سيمون بأن «مَن يُتابع العرض يرى أزياء كلاسيكية للوهلة الأولى، لكن عند التدقيق فيها يتّضح كم هي الصورة مختلفة». فالهدف هو تحريره ومنحه الراحة.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.