الصراع في السودان يهدد الموسم الزراعي

امرأة تشتري الخضراوات من إحدى الأسواق بالخرطوم (أ.ف.ب)
امرأة تشتري الخضراوات من إحدى الأسواق بالخرطوم (أ.ف.ب)
TT

الصراع في السودان يهدد الموسم الزراعي

امرأة تشتري الخضراوات من إحدى الأسواق بالخرطوم (أ.ف.ب)
امرأة تشتري الخضراوات من إحدى الأسواق بالخرطوم (أ.ف.ب)

كان المزارع السوداني فضل الله المنا يبدأ كل عام في الفترة من منتصف مايو (أيار) إلى مطلع يونيو (حزيران) الاستعداد لحرث أرضه من أجل بدء عمليات الموسم الزراعي الصيفي، لكنه هذا العام لم يتمكن حتى الآن من التحضير لدخول فصل الصيف.

جميع الآليات التي يستخدمها المنا في حرث الأرض والحصاد قابعة في مخازنها، لم يُجرِ لها الصيانة اللازمة لبدء عمليات التحضير للزراعة، لأن السلطات لم توفر له الوقود والأسمدة والتقاوي والاحتياجات الأخرى.

يقول المنا، الذي دأب على زراعة عدد من المحاصيل في ولاية الجزيرة بوسط السودان، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «لم أتحرك لتجهيز الأرض، الحكومة لم توفر الوقود حتى الآن ناهيك عن التقاوي والسماد وغيرها».

وأضاف: «حتى الآن غالبية المزارعين لم يجهزوا للموسم الصيفي لأسباب كثيرة منها الحرب في الخرطوم، وعدم توفر الوقود وتفاصيل أخرى. وحتى الآن لم يبدأ حرث الأرض والتحضير للزراعة، جميع الوابورات (المستخدمة في حرث الأرض) متوقفة».

رجل يحمل مجاديف في قرية كواش بمقاطعة كانال بيجي، ولاية جونقلي، جنوب السودان (أ.ب)

ودعا السلطات إلى التحرك لإنقاذ الموسم الزراعي «لأنه لا يوجد وقت وبدأت الأمطار تهطل، وهو الوقت الذي يفترض أن نكون حرثنا فيه الأرض وغرسنا المحاصيل».

وأقر اجتماع مشترك الشهر الماضي بين وزير المالية جبريل إبراهيم وعدد من ولاة ولايات شرق ووسط السودان تشكيل لجنة عليا لإنجاح الموسم الزراعي الصيفي برئاسة والي القضارف.

أزمة وقود

يعاني هشام ميرغني، المزارع في ولاية سنار بجنوب شرقي السودان، نفس مشكلة المنا، فهو الآخر يبحث عن السولار لتدشين مشروعه الزراعي للموسم الصيفي.

يقضي ميرغني أوقاتاً طويلة في محطات الوقود للحصول على السولار لكن دون جدوى.

وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «موضوع الجاز مشكلة ويفترض أن توفره حكومة الولاية للمزارعين دون الوقوف في صفوف في محطات الوقود، أما بقية الاحتياجات فيمكن توفيرها».

سودانيون ينتظرون وصول شاحنة غاز لتبديل عبواتهم الفارغة، في ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة السودانية (أ.ف.ب)

ويرغب ميرغني في أن توزع الحكومة الوقود في حال توفره بناء على حجم الأراضي المزروعة، وليس تقليص الحصص.

وأضاف: «مثلاً يحضّر المزارع مساحة مائة فدان ويحصل على وقود لأربعين فداناً فقط، والبعض يزرع 20 فداناً ويحصل على وقود يكفي 50 فداناً ويبيع المتبقي في السوق السوداء، والبعض (وابوراتهم) معطلة ولم يحضّروا للموسم وكانوا يتسلمون حصصهم من الوقود، هذا السلوك الفاسد كان يحدث خلال السنوات السابقة ويجب ألا تسمح به الحكومة الآن في ظل انعدام الوقود».

وتوقع ميرغني أن تؤثر الحرب الدائرة في العاصمة وعدد من المدن الأخرى بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل (نيسان) على الموسم الزراعي.

أزمة التمويل

قال ميرغني: «خلال الموسم الماضي كان هناك فرق أسعار واقترضنا من البنك الزراعي التيراب (التقاوي) مقابل 23 ألف جنيه (38.3 دولار) للجوال، وبعد الحصاد تغير السعر إلى 33 ألف جنيه (54.9 دولار)، وسعر السماد 31 ألف جنيه وأصبح 43 ألف جنيه، وليس أمامنا خيار سوى السداد».

وحصل ميرغني على تمويل لزراعة 16 فداناً من القمح، ووجد نفسه خسر أكثر من 500 ألف جنيه بسبب فروق الأسعار في التمويل، وبعد ذلك رفض البنك الزراعي شراء المحصول الذي حدد له 43 ألف جنيه للجوال.

أحد فروع المصارف المقفلة في العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

وتابع ميرغني: «في النهاية اضطررنا إلى بيعه مقابل ما بين 25 و30 ألف جنيه، وهي خسارة كبيرة».

وأكد عمر مرزوق، محافظ مشروع الجزيرة الزراعي الموجود في وسط السودان بين النيلين الأزرق والأبيض وتزيد مساحته على مليوني فدان، أن الموسم الزراعي الصيفي يحتاج إلى تمويل، قائلاً: «إذا توفر التمويل يمكن توفير المدخلات المطلوبة من تقاوي أسمدة ومبيدات».

وأقر في حديثه إلى وكالة أنباء العالم العربي بوجود صعوبات في توفير التمويل في الظروف الحالية التي تمر بها البلاد، لكنه يأمل في أن تسعى اللجنة العليا لإنجاح الموسم الزراعي الصيفي إلى توفير التمويل.

وأشار إلى أن أكثر من 500 ألف فدان ستكون خارج الخدمة بسبب عدم التحضير للزراعة مع دخول موسم الأمطار.

ويرى السر أبو شمة، وهو من كبار المزارعين بولاية القضارف على الحدود مع إثيوبيا والمسؤولة عن أكثر من 40 في المائة من إنتاج السودان من الحبوب الزيتية، أن رفع الدعم عن المحروقات وارتفاع تكلفة المحاصيل يفاقم معاناة المزارعين.

وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إنه بعد الاجتماع مع اللجنة العليا لإنجاح الموسم الزراعي الصيفي وجد أن الاستعدادات «لا بأس بها»، لكنها لا ترقى لجعل الموسم ناجحاً.

وذكر أن غياب نشرات الأرصاد الجوية بسبب الحرب تسبب في عدم معرفة كمية الأمطار التي تساعد في عمليات الزراعة، مضيفاً: «لكن سنزرع، وإذا لم نفعل ذلك سنقع في مشكلة كبيرة. البلد بحاجة للصادرات. هدفنا هو الإنتاج في ظل الظروف الحالية».

وأشار أبو شمة إلى أنه يمكن الحصول على الوقود في القضارف لكن بأسعار مرتفعة، حيث يبلغ سعر البرميل 140 ألف جنيه، بدلاً من 70 ألف جنيه في الموسم السابق، بينما ارتفع سعر السماد إلى 40 ألف جنيه بدلاً من سبعة آلاف جنيه للجوال الواحد.

وتوقع أبو شمة تعثر المزارعين لأن أغلبهم لم يسدد القروض المصرفية عن الموسم الماضي «بسبب عدم بيع المحاصيل أو بيعها بالخسارة، وبالتالي لن يتمكنوا من الزراعة هذا الموسم».

آثار كارثية

ذكرت المنظمة العربية للتنمية الزراعية أن قضية الأمن الغذائي العربي تواجه تحديات جمة يؤججها عدم الاستقرار والحروب في عدد من الدول العربية «أحدثها وأعنفها الحرب، التي تدور في السودان... والتي أحدثت تشوهات كبيرة في البنية الإنتاجية لقطاع الزراعة بشقيه النباتي والحيواني».

وأشارت إلى أن انقطاع سلاسل الإمداد أدى إلى تحطيم كامل لمنظومة إنتاج الدواجن التي تتركز حول الخرطوم، وكذلك إنتاج الخضراوات والفاكهة.

وأوضحت المنظمة، التي تدير أنشطتها من الخرطوم، أن تعثر النقل وتوقف الأسواق وغياب التمويل حال دون إكمال عمليات الحصاد وعمليات التبادل التجاري، التي تتم دائماً بعد حصاد العروة الشتوية في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من كل عام، والتي من محاصيلها الحبوب والبقوليات الشتوية والأعلاف.

وتوقعت المنظمة آثاراً كارثية على الأمن الغذائي، وقالت إن العروة الصيفية في السودان «تعتبر الأكبر والأهم في تحقيق الأمن الغذائي لأهل السودان والمساهمة في الأمن الغذائي لدول الإقليم المحيط بالسودان».

وفي ولاية النيل الأبيض، بدأت مجموعة من المزارعين حملة لإنجاح الموسم الزراعي تفادياً لشبح المجاعة.

وقال المزارع محمد عبد الرحمن ضوي لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «استشعاراً منا بالنتائج الوخيمة التي تنتج عن الحروب... (بدأنا) حملة لإنجاح الموسم الزراعي بالولاية لتفادي شبح المجاعة نتيجة عجز مؤسسات الدولة في ظل ظروف الحرب».

وفي وقت سابق من الشهر الحالي، جرى توقيع مذكرة مشتركة بين تجمّع منظمات المجتمع المدني وحكومة ولاية النيل الأبيض بهدف تنسيق الجهود والشراكة بين الجهاز التنفيذي والشعبي لحشد الموارد من أجل إنجاح الموسم الزراعي.

وأبدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) استعدادها الشهر الماضي لتوفير 595 طناً من تقاوي الذرة للموسم الزراعي الصيفي في ولاية البحر الأحمر «في إطار الدعم المقدم من المنظمة لعدد 14 ولاية لتحقيق الأمن الغذائي في السودان»، بحسب وكالة الأنباء السودانية.

ويلجأ كثيرون من سكان إقليم دارفور في السودان، وولايات إقليم كردفان، إلى مشروع الجزيرة الزراعي وولايتي القضارف وسنار، للعمل في المشاريع الزراعية مع بداية الموسم.

ويقول أبكر إسماعيل (47 عاماً) لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إنه وصل إلى ولاية الجزيرة قادماً من مدينة نيالا بعد معاناة استغرقت سبعة أيام في الطريق بسبب الحرب.

وأضاف: «أحرص كل عام على الحضور إلى مشروع الجزيرة في هذا التوقيت وأبدأ العمل في الزراعة مباشرة، وبعد الحصاد أعود أدراجي، لكن حتى الزراعة متعطلة، أذهب كل يوم للحواشات ولا أجد عملاً، يقولون إن الوقود غير متوفر، الأموال التي أتيت بها نفدت».

ويمكث إسماعيل الآن في مدرسة بمدينة ود مدني في الجزيرة، تم تحويلها لمأوى للنازحين، منتظراً توفير الوقود والأسمدة للعمل في الزراعة.


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة قادمة من إثيوبيا

العالم العربي أعمدة الدخان تتصاعد من داخل مطار الخرطوم على أثر اشتباكات سابقة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» (أرشيفية - رويترز)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة قادمة من إثيوبيا

أعلن الجيش السوداني، اليوم السبت، إسقاط مسيرة معادية بولاية النيل الأزرق قادمة من إثيوبيا. وقال الجيش السوداني، في بيان صحافي اليوم، إن «القوات المسلحة…

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

دعا رئيس وزراء السودان السابق، «رئيس تحالف صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية واضحة لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

تحليل إخباري حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً؛ فالإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا الفريق ياسر العطا خلال لقائه في وقت سابق حاكم إقليم النيل الأزرق (فيسبوك) p-circle

العطا يتفقد جبهة النيل الأزرق وسط تصاعد هجمات «الدعم السريع»

جدد عضو مجلس السيادة السوداني رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ياسر العطا، تعهده بمواصلة دعم العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا 
رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)

حاكم دارفور: «الدعم السريع» ارتكبت أكبر الجرائم

أكد رئيس «حركة تحرير السودان»، حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أن «قوات الدعم السريع» ارتكبت أكبر الجرائم في السودان، وأن البلاد تنهار تحت وطأة الحرب.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وجّهت مقديشو انتقادات حادة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في خطوة سبقتها تحركات من مسؤول الإقليم، كان أبرزها دعم المعارضة ضد الحكومة الفيدرالية.

ذلك التمرد، بحسب ما يصف خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، يأتي في ظل أزمة سياسية داخلية، لكنه لن يقود لتكرار سريع ومباشر لسيناريو انفصال ولاية بونتلاند على نفس مسار إقليم «أرض الصومال»، غير أن الأزمة تأتي في إطار تدريجي وخطير حال أُغلقت كل سيناريوهات الحوار بين الحكومة ودني.

انتقادات حادة

ووجّه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية الصومالية، علي يوسف علي (حوش)، انتقادات شديدة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، متهماً إياه بأنه عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها.

وأوضح «حوش» عبر صفحته في «فيسبوك»، الجمعة، أن «البيان الصادر الخميس عن رئاسة بونتلاند لا يخدم شعب بونتلاند، ولا المجتمع الصومالي عموماً، بل هو جزء من سلسلة من الإنكار والتضليل التي كان دني يمارسها منذ فترة طويلة لعرقلة قيام دولة الصومال».

واتهم وزير الداخلية دني أيضاً بـ«معارضة خطط سابقة، من بينها إلغاء ديون الصومال، وإجراء انتخابات بنظام صوت واحد لكل شخص، واستغلال موارد البلاد، وبناء جيش وطني»، مضيفاً أن «رئيس بونتلاند يدعم مصالح أجنبية، ويستخدم بونتلاند لممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الفيدرالية».

والخميس، أعلن رئيس بونتلاند في بيان أنه «لا يعترف بحسن شيخ محمود رئيساً شرعياً للصومال»، متهماً إياه بـ«إساءة استخدام صلاحيات الرئاسة بشكل غير قانوني»، ودعا إلى اجتماع عاجل لجميع الأحزاب السياسية في الصومال للاتفاق على عملية انتخابية شاملة، بحسب إعلام صومالي.

والتوتر قائم بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند، التي أصدرت أكثر من موقف على مدار أكثر من عام مخالف لتوجهات حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم دني إلى مجلس مستقبل الصومال المعارض الذي يطالب برحيل النظام.

رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن التصعيد الأخير بين الحكومة الفيدرالية ودني يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي، والخلاف حول الانتخابات، وتوزيع السلطة، مشيراً إلى أن تمرد بونتلاند يثير مخاوف من تكرار سيناريو «أرض الصومال»، واتساع الفجوة بين مقديشو وبونتلاند، لكن حتى اللحظة لا يزال الوضع مختلفاً.

وأوضح أن بونتلاند لم تعلن الانفصال رسمياً بعد، بل تقول إنها تدافع عن النظام الفيدرالي، وترفض ما تعتبره مركزية مفرطة من الحكومة الفيدرالية، في ظل خلافات أهمها بشأن الانتخابات المباشرة، وصلاحيات المركز والولايات، لافتاً إلى أن بونتلاند ما زالت جزءاً من المؤسسات الصومالية نظرياً، رغم تعليقها التعاون مع الحكومة الفيدرالية في عدة ملفات سابقاً. لكن الخطر الحقيقي لا يزال قائماً، ويتمثل في بناء مؤسسات أمنية وإدارية مستقلة أكثر فأكثر، وتوسع الانقسام السياسي بين الولايات والحكومة المركزية، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تحالفات إقليمية متعارضة، مما يدفع نحو تخوفات من تكرار تدريجي لسيناريو «أرض الصومال»، وليس تكراراً مباشراً أو سريعاً، وفق بري.

وأعلن إقليم «أرض الصومال» الاستقلال عن جمهورية الصومال في 18 مايو (أيار) عام 1991، مستغلاً أزمات داخلية كانت تواجهها مقديشو.

مواقف تصعيدية

وتأتي الخلافات الأخيرة مع إعلان «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال المدعوم من دني بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) المقبل، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، المقرر دستورياً إجراؤها عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» في 16 مايو الحالي، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد في مارس الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

ويعتقد بري أن الحكومة الفيدرالية ليس أمامها في ظل هذه المعارضة التي تتسع إلا عدة خيارات كلها معقدة، أولها الحوار والتسوية السياسية، وهو الخيار الأقل تكلفة والأكثر واقعية، خاصة مع الضغوط الدولية الداعية للتوافق بشأن الانتخابات.

ويمكن لمقديشو أيضاً استخدام النفوذ الدولي والتمويل التنموي للحد من تمرد بونتلاند، لكن هذا الخيار قد يزيد التوتر بدلاً من حله، بحسب بري، لافتاً إلى أن الحكومة قد تسعى لبناء تحالفات داخل بونتلاند، بالتقارب مع شخصيات عشائرية ومعارضين لدني، لكن هذا يحمل مخاطر تفجير صراع داخلي داخل بونتلاند نفسها.

وعن الخيار الأمني والعسكري أضاف بري: «يعد هذا السيناريو الأخطر والأقل احتمالاً حالياً؛ لأن بونتلاند تمتلك قوات أمن قوية نسبياً، بخلاف أن البلاد تواجه تهديداً من (حركة الشباب) الإرهابية، وأي صدام مباشر قد يفتح جبهة داخلية جديدة تهدد استقرار الدولة بالكامل».

ويعتقد بري أن إسقاط دني بطريقة مشابهة لسيناريوهات بعض الولايات الأخرى ليس مستحيلاً، لكنه أكثر تعقيداً وصعوبة، ويحتاج إلى توافقات عشائرية وسياسية واسعة، وليس مجرد قرار من مقديشو.


تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
TT

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)

أكدت المملكة العربية السعودية ومصر «ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي وتجنب مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم».

وتبادل وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره المصري، بدر عبد العاطي، السبت، الرؤى حول مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية والتطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة والمساعي الرامية للتهدئة وخفض التصعيد، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين الشقيقين حيال مستجدات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، شدد الوزيران على «ضرورة تكثيف العمل الدبلوماسي»، وأكدا أن «تغليب لغة الحوار واللجوء إلى مسار التفاوض يمثل الخيار الوحيد لمعالجة القضايا العالقة، وذلك لضمان حفظ أمن واستقرار دول المنطقة وشعوبها».

وكانت مصر قد أدانت بشدة محاولة استهداف أراضي السعودية باستخدام طائرات مسيّرة. وأكدت في بيان أصدرته وزارة الخارجية، الاثنين الماضي، تضامنها الكامل مع السعودية، وموقفها الثابت والداعم لها في مواجهة أي تهديدات، معربة عن دعمها للإجراءات والتدابير التي تتخذها المملكة لحماية سيادتها وصون أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

وشددت القاهرة حينها على التزامها الراسخ بأمن دول الخليج، باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي المصري، ولأمن واستقرار المنطقة، محذرة من أن هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي من شأنها زيادة تعقيد المشهد الإقليمي الراهن وعرقلة جهود التهدئة.

كما جرى اتصال هاتفي آخر بين عبد العاطي ووزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مساء الجمعة، وذلك في إطار متابعة مستجدات الأوضاع الإقليمية. وأطلع عراقجي نظيره المصري على آخر مستجدات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بجهود الوسطاء، والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات توافقية بين الجانبين.

وذكرت «الخارجية المصرية» في إفادة، السبت، أن الوزير عبد العاطي أكد «أهمية مواصلة المسار الدبلوماسي»، مشدداً على «ضرورة التوصل إلى اختراق يسهم في خفض حدة التوتر والتصعيد في المنطقة، بما يجنب الإقليم مخاطر اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي».

وأيضاً شدد بدر عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال اتصال هاتفي، السبت، على أن «المنعطف الدقيق الذي تمر به المنطقة يفرض على كل الأطراف المعنية التحلي بأقصى درجات المرونة والمسؤولية». وأشارا إلى «ضرورة الأخذ في الاعتبار شواغل جميع الأطراف بوصفها ركيزة أساسية لضمان التهدئة المستدامة، والحيلولة دون انزلاق الإقليم نحو دوامة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار».


الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
TT

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)

في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة الاتحاد الأوروبي للملف الليبي، أعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، عن توافق واسع مع سلطات شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة، تشمل التعاون مع صندوق الإعمار، وتعزيز إدارة الحدود، والتصدي للهجرة غير النظامية.

وجاء الإعلان الأوروبي عقب سلسلة اجتماعات فنية ودبلوماسية في مدينة بنغازي، شاركت فيها بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM)، والعملية البحرية الأوروبية «إيريني»، إلى جانب مسؤولين من المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية، حيث تم التوافق على خطوات عملية، من بينها دراسة إنشاء مركز لتنسيق عمليات الإنقاذ البحري في المدينة.

وأوضح أورلاندو، في تغريدة عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، أن الشراكة المقترحة مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يرأسه بلقاسم حفتر، ستشمل مجالات متعددة، أبرزها دعم البنية التحتية، وتطوير التخطيط العمراني، وتعزيز قدرات البلديات، إضافة إلى برامج تدريب ومنح دراسية، وتحديث أداء مؤسسات الجمارك والموانئ.

كما اتفق الجانبان، بحسب البيان الأوروبي، على توسيع التعاون في ملف الهجرة وإدارة الحدود، بما يشمل دعم عمليات البحث والإنقاذ في البحر والصحراء، وتطوير آليات لمكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب برامج العودة الطوعية، وتوفير الحماية الإنسانية للمهاجرين واللاجئين وفق المعايير الدولية.

وأشار السفير الأوروبي إلى أن هذه التحركات تأتي في إطار تنسيق مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، بهدف تحسين «حوكمة الهجرة»، والحد من المخاطر الإنسانية المتزايدة على طرق العبور عبر الأراضي الليبية نحو أوروبا.

في سياق متصل، أعرب أورلاندو عن تقديره للدعم والتسهيلات، التي قدمتها القيادة العامة في شرق ليبيا لتيسير عمل البعثات الفنية، مشيداً بالجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين إدارة ملف الهجرة، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لليبيا.

عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين على ساحل مدينة طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر الليبي)

ويرى مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، أن هذا التطور يعكس تحولاً مهماً في السياسة الأوروبية، حيث لم يعد التعامل مع الملف الليبي محكوماً فقط بمسألة الشرعية السياسية، بل بات مرتبطاً بمدى القدرة الفعلية على ضبط الحدود، والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

وتعيش ليبيا واقعاً سياسياً منقسماً بين حكومتين، إحداهما في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، وأخرى في الشرق يقودها أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، وتحظى بدعم من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وبحسب لملوم فإن «بروكسل باتت تتعامل بشكل مباشر مع الأطراف، التي تملك النفوذ والسيطرة على الأرض، والقادرة عملياً على إدارة هذا الملف، حتى وإن لم تكن دائماً ضمن إطار الحكومة المعترف بها دولياً»، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك». لافتاً إلى أن تطورات المشهد في شرق ليبيا، وما ارتبط بها من توظيف لملف الهجرة ومسارات التهريب، أسهمت في فرض واقع جديد، دفع الاتحاد الأوروبي إلى توسيع دائرة تواصله وشراكاته، بما في ذلك الحضور المباشر في بنغازي.

ميدانياً، تزامن الحراك الأوروبي النشط مع إعلان السلطات في شرق ليبيا عن إنقاذ 60 مهاجراً غير نظامي قبالة السواحل الليبية، السبت، في عملية نفذتها أجهزة خفر السواحل بالتنسيق مع الهلال الأحمر الليبي، ضمن جهود الاستجابة لحالات الهجرة المتزايدة عبر البحر المتوسط.

وتؤكد منظمات إنسانية أن ليبيا لا تزال واحدة من أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا منذ عام 2011، نتيجة الفوضى الأمنية والانقسام السياسي، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، ما أدى إلى تنامي شبكات التهريب عبر البحر والصحراء، وتزايد المخاطر الإنسانية على طول هذه المسارات.