قهوة «حُبّ زيادة»

حكاية مقهى لبناني طاقمه من ذوي الاحتياجات الخاصة

TT

قهوة «حُبّ زيادة»

لمس وسيم الحاج حاجة ذوي الاحتياجات الخاصة إلى دخول سوق العمل فأسس مقهى «أغونيستا» (الشرق الأوسط)
لمس وسيم الحاج حاجة ذوي الاحتياجات الخاصة إلى دخول سوق العمل فأسس مقهى «أغونيستا» (الشرق الأوسط)

تفوح من القهوة هنا رائحة حُبّ، وتلوح على صفحة الفنجان وفوق وجوه مَن حضّروه ابتسامات لا تشبه أي ابتسامات أخرى. في مقهى «أغونيستا Agonista» في بيروت، ليس الموظّفون مثلما يتوقّعهم الزبائن؛ فهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

فرح التي تعاني من متلازمة «أنغلمان» تستقبل روّاد المقهى بلهفتها وبريق عينَيها، تسجّل طلباتهم وتهتمّ بالحساب من دون ارتكاب أي خطأ. أما جورج المصاب بمتلازمة «داون» (تثلّث الصبغية 21)، فيحضّر كل أنواع القهوة والعصير ويزيّنها بمزاحه مع الزبائن. وفي الصالة، يجول جوني وأليكس بين الطاولات ليتأكدا من أنّ أحداً لا ينقصه شيء.

قرضٌ شخصيّ...

منذ 6 سنوات، كانت «Agonista» مجرّد فكرة تدور في رأس المعالج الفيزيائي وسيم الحاج ويهجس بها ليل نهار. هو الذي احتكّ خلال عمله بعدد كبير من ذوي الاحتياجات الخاصة، اكتشف قدرات ذهنية وجسدية كبيرة لديهم، والأهم من ذلك، التمسَ «حاجتهم الملحّة إلى الاندماج في المجتمع والحصول على وظائف، والشعور بأنهم مُنتجون وقادرون على مساعدة عائلاتهم، بدل أن يكونوا عبئاً عليها».

لمس وسيم الحاج حاجة ذوي الاحتياجات الخاصة إلى دخول سوق العمل فأسس مقهى «أغونيستا» (الشرق الأوسط)

اتضحت ملامح الفكرة أكثر في مخيّلة وسيم يوم التقى صبيّة مصابة بمتلازمة «داون»، كانت تبيع أشغالها اليدويّة في أحد المعارض. يخبر «الشرق الأوسط» كيف أن جهوده المشتركة مع الجمعية اللبنانية لتثلّث الصبغيّة 21، أثمرت هذا المقهى الملوّن بالأصفر والذي يحمل قضية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع والطبقة العاملة.

كانت خميرة الانطلاق قرضاً شخصياً حصل عليه الحاج من المصرف عام 2018، «لكن لولا الشباب والصبايا الذين آمنوا بأنفسهم، ولولا أهاليهم الذين منحوهم الثقة وما زالوا حتى اليوم يصحبونهم إلى الدوام، لم يكن الحلم ليتحوّل إلى حقيقة»، وفق تعبير المؤسس.

نجمٌ في المقهى وعلى «تيك توك»

خلال 5 سنوات من حياة المقهى الفريد من نوعه في لبنان والعالم العربي، أبصر الحاج تحوّلات كثيرة في شخصيات الموظّفين الـ14. أليكس المصاب بالتوحّد والذي كان بالكاد يتفوّه بكلمة ويرفض التعاطي مع الناس، صار اليوم يرحّب بالزبائن ويهتم بطلباتهم ويتواصل معهم؛ «حتى أمه صُدمت بتطوّره»، يقول الحاج.

أما جورج فقد تحوّل إلى «شيف» وfood blogger على منصة «تيك توك»، حيث لديه آلاف المتابعين. هو نجم المقهى من دون منازع، يحبه زملاؤه ويفرح الزبائن بالحديث معه.

على غسان كذلك، فعل العمل في المقهى فعله. انضمّ إلى الفريق في الـ42 من عمره، من دون أي خبرة مهنية سابقة. تقرّ والدته بأن السنوات الـ5 التي أمضاها في «أغونيستا» لم يختبر مثلها منذ طفولته، إلى درجة أن كلامه بات واضحاً بعد 4 عقود من التلعثم والنطق المتعثّر.

غالبية الحالات التي يعانيها العاملون في فرعَي «أغونيستا» ذهنية وليست جسدية. منهم مَن هو مصاب بداء الصَرع، أو بالتوحّد، أو بمتلازمة «أنغلمان»، أما الجزء الأكبر فيعاني من تثلّث الصبغيّة 21 (داون). في تنوّع الحالات هذا، تكمن قوّة الفريق. ومن هنا جاءت تسمية المحل، فكلمة «أغونيستا» تعني أعضاء الجسد التي يكمّل بعضها البعض وتتعاون من أجل إنجاز حركة ما. هكذا هو فريق المقهى، متّحدٌ في ضعفه ليولّد طاقة إيجابية تنعكس على الزبائن.

انضم غسان (47 سنة) إلى فريق المقهى منذ 5 أعوام (الشرق الأوسط)

بيئة مهنية حاضنة

لا ينكر وسيم الحاج أن القلق انتابه مع انطلاقة المشروع؛ خشي من عدم تقبّل الناس الأمر. غير أن ردود فعل روّاد المقهى هدّأت قلقه: «كان تفاعل الناس كبيراً وغالبية الزبائن باتوا يقصدوننا من أجل تشجيع الفكرة وليس لمجرّد تناول القهوة. من النادر جداً أن تصدر عن الروّاد ردود فعل مستفزّة أو مؤذية». يوضح الحاج: «صار الموظفون نجوم هذا المحل بسبب السوشيال ميديا، وبعض الأشخاص يزورون المكان ليتعرّفوا عليهم ويلتقطوا الصور معهم».

ليس الموظفون نجوماً بسبب حالاتهم الخاصة فحسب، بل لأنهم متفانون في عملهم إلى أقصى حدّ. يفسّر الحاج هذا الشغف الاستثنائي بكونهم «لديهم ما يثبتونه، ثم إنهم كانوا ينتظرون هكذا فرصة منذ زمن». في مجتمعٍ ما زال يمارس التمييز مع ذوي الاحتياجات الخاصة، ووسط بيئة مهنية غير حاضنة لهم، من البدهيّ أن يتمسّك موظفو «أغونيستا» بعملهم لأنه من شبه المستحيل أن يجدوا وظيفة أخرى. وفق تعبير الحاج، «بات هذا العمل وهذا المكان يختصران حياتهم كلها. وهو منحَهم وأهاليهم فرحاً كبيراً».

يفتخر جورج بأنه، وبفضل راتبه، صار قادراً كأشقائه، على مساعدة أهله في مصاريف البيت. أما أكثر ما يفرحه فهو الشعور برضا الزبائن عن القهوة أو «الكوكتيل» التي أعدّها لهم والتي لا تهاونَ في نوعيّتها ونكهتها.

مثل جورج، لا تتذمّر فرح من ساعات العمل الطويلة، فهذا هو المكان الأحبّ إلى قلبها.

وصلت ثقة الحاج بقدرات الفريق العامل إلى درجة أنه بات قادراً على تسليمهم المحل بمفردهم. يوضح أنه من النادر أن يرتكبوا أخطاءً في الطلبات، وحتى إن فعلوا فإن «ردود فعل الزبائن تأتي متفهّمة ولطيفة».

تحدّي الاستمرار

خلال جائحة كورونا والحجر المنزلي، أدرك الحاج قيمة «مساحة الفرح والأمان» التي اخترعها لنفسه ولفريقه المميّز. في تلك الفترة، كانوا يتصلون به يومياً ويبكون خائفين من أن يبقى المقهى مقفلاً إلى ما لا نهاية. حتى اليوم ورغم عبور الجائحة، لا يفارق هذا الهاجس رأس وسيم؛ هو الذي استثمر كل نبضة قلب وكل خليّة في دماغه في هذا المشروع، لا يتخيّل الشارع خالياً من المقهى الأصفر الصغير.

يستمر «أغونيستا» بفضل «الزبائن الأوفياء الذين تبنّوا المقهى وباتوا يزورونه بوتيرة شبه يومية، ليقوموا بأعمالهم ويعقدوا اجتماعاتهم فيه»، وفق ما يؤكد الحاج. غير أن الإيرادات غير كافية للمضيّ قدماً، ولذلك فقد ابتكر الحاج أنشطة موازية، مثل «باص القهوة» الخاص بالمحل والذي يجول على المهرجانات والمناسبات في المناطق.

تجول الحافلة التابعة للمقهى على المهرجانات في المناطق اللبنانية (الشرق الأوسط)

من جانب آخر، وبالتعاون مع منظمة «يونيسيف»، يستعدّ الفريق لإطلاق مطبخه الذي يُعنى بتحضير الوجبات الخفيفة من ساندويتشات وحلويات ستُباع في المقهى وفي متاجر متفرقة. ومن المفترض أن تفتح هذه المبادرة باب التوظيف أمام مزيدٍ من ذوي الاحتياجات الخاصة المدرَّبين في المجال.


مقالات ذات صلة

فوائد صحية جمة... ماذا يحدث للكبد عند شرب القهوة كل يوم؟

صحتك تنبع التأثيرات الوقائية للقهوة من مركباتها الطبيعية (رويترز)

فوائد صحية جمة... ماذا يحدث للكبد عند شرب القهوة كل يوم؟

قد تكون القهوة واحدة من أكثر المشروبات الصديقة للكبد وفقاً للبيانات، حيث تشير دراسات واسعة النطاق إلى أن شرب القهوة بانتظام يرتبط بانخفاض مشاكل الكبد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك شرب القهوة في الصباح يرتبط بانخفاض خطر الوفاة (بيكسلز)

قهوتك الصباحية أم جرعات متفرقة طوال اليوم... أيهما أفضل لصحتك؟

تشير أبحاث حديثة إلى أن توقيت تناول القهوة قد يكون له تأثير مباشر في الصحة، وليس في مستوى النشاط فقط .

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك كيف يمكن للقهوة أن تدعم جهود إنقاص الوزن (بكسلز)

هل تساعد القهوة على خسارة الوزن؟ التوقيت يصنع الفرق

تُعد القهوة من أكثر المشروبات استهلاكاً حول العالم، ولا تقتصر فوائدها على تعزيز اليقظة والطاقة، بل تمتد لتشمل دوراً محتملاً في دعم فقدان الوزن وتحسين الأيض

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك استهلاك القهوة بكميات معتدلة قد يقلل مخاطر الإصابة بالاكتئاب (أ.ف.ب)

ما الكمية المثالية من القهوة لتقليل التوتر؟

كشفت دراسة جديدة أن استهلاك القهوة بكميات معتدلة قد يقلل مخاطر الإصابة بالتوتر والاكتئاب، مع تحديد «الكمية المثالية» بما يتراوح بين كوبين وثلاثة يومياً.

«الشرق الأوسط» (بكين)
صحتك إضافة الكريمة والسكر إلى القهوة قد تؤدي إلى ارتفاع أسرع في مستوى السكر مقارنة بشرب القهوة السوداء وحدها (بيكسباي)

القهوة مع الكريمة والسكر: ماذا يحدث لسكر الدم عند تناولها يومياً؟

يبدأ كثير من الناس يومهم بفنجان قهوة، مضافاً إليه السكر والكريمة، لكن هذا المزيج قد يؤثر في مستويات السكر في الدم أكثر مما يعتقد البعض.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

جوانا خلف لـ«الشرق الأوسط»: مسرحيتي الجديدة… صرخة من أجل حقوق المرأة اللبنانية

جسّدت دور ممرضة فرنسية في «كذبة بيضا» (إليان الحاج)
جسّدت دور ممرضة فرنسية في «كذبة بيضا» (إليان الحاج)
TT

جوانا خلف لـ«الشرق الأوسط»: مسرحيتي الجديدة… صرخة من أجل حقوق المرأة اللبنانية

جسّدت دور ممرضة فرنسية في «كذبة بيضا» (إليان الحاج)
جسّدت دور ممرضة فرنسية في «كذبة بيضا» (إليان الحاج)

عندما شاركت جوانا خلف في مسرحية «كذبة بيضا» للمخرجة لينا أبيض، لفتت انتباه الحضور بإتقانها تجسيد دور الممرضة الفرنسية. قدّمت الشخصية بعفوية، وتحدّثت الفرنسية بطلاقة؛ مما أقنع مشاهدي العمل بأنها فرنسية أباً عن جدّ. لكن تبيّن لاحقاً أن جوانا لبنانية تقيم في فرنسا، حيث تشارك في أعمال فنية عدة.

وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن إقامتها في فرنسا لم تُضعف ارتباطها بلبنان. لذلك زارت بيروت العام الماضي خصيصاً لتقديم مسرحية «24 ساعة» على مسرح «مونو». وتتابع: «خلال تقديمي هذا العمل، تعرّفت إلى جوزيان بولس، مديرة المسرح، وبعدها شاءت الصدف أن تتواصل معي للمشاركة في مسرحية (كذبة بيضا) من خلال شخصية الممرضة (فلورانس)».

تستعد لتقديم مسرحية «أما عن ستّ» في باريس (إليان الحاج)

وتؤكد جوانا أنها شعرت في البداية بالخوف من خوض التجربة، قائلة: «كانت تحدّياً جديداً في مسيرتي التمثيلية. فتجسيد شخصية ممرضة فرنسية تطوّعت لمساعدة جرحى الحرب لم يكن أمراً سهلاً». وتضيف: «عندما أقدّم أي شخصية، أحرص على صدقيتي التمثيلية، ومن الضروري أن أقنع المشاهد بأدائي كي أستمتع بالدور. وبالفعل، جاءت ردود الفعل إيجابية جداً، حتى إن البعض صدّق أنني فرنسية، وراح يكلّمني بالفرنسية ويسألني عن سبب مشاركتي في عمل مسرحي لبناني».

وتشير جوانا إلى أن مسرحية «كذبة بيضا» دفعت بها إلى التعرّف بشكل أعمق إلى حقبة الحرب اللبنانية في السبعينات، وتقول: «كنت أستمع إلى أفراد عائلتي يروون ذكرياتهم عن تلك المرحلة، لكن تقديم العمل بشكل صادق تطلّب منا، نحن الفريق، الغوص أكثر في تفاصيل تلك الحقبة. تعرّفنا إلى أشخاص خاضوا الحرب وكانوا على الجبهات في شوارع بيروت». وتستطرد: «تأثّرت كثيراً بهذه الشهادات. ومن المؤلم ألا يتعلّم اللبناني من ماضيه؛ إذ لا نزال، منذ تلك الحقبة حتى اليوم، ندور في الحلقة المفرغة نفسها. كانت تجربة موجعة، لكنني أعتزّ بخوضها، فالمسرحية شكّلت بالنسبة إليّ فعل مقاومة ثقافياً دفع بي إلى البقاء في لبنان، رغم الحرب التي اندلعت مؤخراً».

مع أنطوني توما في مسرحية «كذبة بيضا» (إليان الحاج)

ومنذ نحو 3 سنوات، تسعى جوانا خلف إلى بناء شبكة تواصل فني بينها وبين لبنان، وتعدّ مسرحية «كذبة بيضا» أولى الخطوات التي ترجمت هذا الهدف على أرض الواقع. وتعلّق: «حقّقت المسرحية انتشاراً واسعاً رغم الحرب التي يشهدها لبنان، حتى إن أصداءها وصلت إلى فرنسا، وصارت مشاهد منها تُتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن تعاوني مع المخرجة لينا أبيض ومشاركتي أنطوني توما التمثيل انعكسا إيجاباً عليّ».

وكانت جوانا قد عملت في السينما والمسرح بعد أن تابعت دراسات عليا في إحدى جامعات فرنسا. وانتقلت للإقامة هناك منذ انفجار بيروت عام 2020، الذي تصفه بـ«الصفعة» التي أصابتها بالإحباط. ومن بين الأفلام القصيرة التي شاركت فيها «زنّانة» للمخرج علي ترتري، الذي يروي قصة ثنائي ينتظر موعد القصف في حرب تدور في بلد غير محدد. وتقول: «شريكي في العمل كان سورياً، والمخرج عراقياً، وأنا لبنانية، وجميعنا نعيش الحالة نفسها في أوطاننا، وهي التي يعانيها بطلا الفيلم». وقد شارك الفيلم في «مهرجان مرسيليا السينمائي».

وعن مسرحيتها الجديدة «أما عن ستّ»، التي ستُعرض على أحد مسارح باريس، تقول: «إنها أول مرة أؤدي فيها دوراً في نص من تأليفي»، مشيرة إلى أن العمل من إخراج الصينية جي تشن، التي سبق أن أخرجت مسرحية «24 ساعة».

وتتناول المسرحية حقوق المرأة اللبنانية، لا سيما حقها في منح أولادها جنسيتها. وتوضح: «إنها حالة أعيشها شخصياً؛ إذ لا أستطيع منح الجنسية اللبنانية لابني».

وفي العمل، تؤدي جوانا دور الفتاة «كلوي»، المولودة لأم لبنانية وأب فرنسي، التي تقرر الانتقال إلى لبنان بعد وفاة والدها، لتكتشف أنها محرومة من الجنسية اللبنانية؛ مما يضعها أمام تحديات ومشكلات لم تكن تتوقعها. وتختم: «المسرحية ذات طابع كوميدي، لكنها تحمل رسالة اجتماعية وإنسانية تهم شريحة واسعة من اللبنانيين».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


خريطة جديدة تُظهر أماكن الجليد على القمر

تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)
تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

خريطة جديدة تُظهر أماكن الجليد على القمر

تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)
تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)

كشف فريق دولي عن توزيع أكثر دقة للجليد على سطح القمر، ممّا قد يساعد روّاد الفضاء مستقبلاً على تحديد أفضل الأماكن للحصول على المياه.

وأوضح الباحثون، بمشاركة مختبر الفيزياء الجوّية والفضائية في جامعة كولورادو بولدر الأميركية، أنّ المياه على القمر تراكمت تدريجياً على مدى مليارات السنوات، ولم تصل نتيجة حدث واحد ضخم كما كان يُعتقد سابقاً، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية علمية متخصّصة.

ولطالما حيَّر العلماء وجود المياه على القمر، خصوصاً في صورة الجليد المحفوظ داخل الفوهات العميقة والمظلمة قرب القطب الجنوبي. وأشارت بيانات بعثات وكالة «ناسا» إلى احتمال وجود كميات كبيرة من الجليد في هذه المناطق، حيث لا تصل أشعة الشمس إليها أبداً، ممّا يجعلها بيئة مثالية لحفظ الجليد لمليارات السنوات. ومع ذلك، ظلَّ الغموض يكتنف مصدر هذا الجليد، وكيفية وصوله إلى بعض الحُفر دون غيرها.

وباستخدام بيانات من مركبة مستكشف القمر المداري التابعة لـ«ناسا»، إلى جانب محاكاة حاسوبية متقدّمة، توصَّل الفريق إلى نتائج دقيقة تعيد تشكيل فهم العلماء لوجود المياه على القمر.

وأظهرت النتائج أنّ الجليد القمري يتجمَّع بشكل أساسي داخل الحفر العميقة والمظلمة بالقرب من القطب الجنوبي، حيث لم تصل أشعة الشمس إليها منذ مليارات السنوات.

وأوضح الباحثون أنّ أقدم الحفر على القمر تحتوي على أكبر كميات من الجليد، ممّا يدل على أن القمر ظلَّ يجمع المياه بشكل مستمر على مدى نحو 3 إلى 3.5 مليار سنة.

الجليد... حكاية امتدَّت مليارات السنوات (ناسا)

كما استبعدت الدراسة فرضية وصول المياه دفعة واحدة نتيجة اصطدام مذنب ضخم بسطح القمر، مرجحةً بدلاً من ذلك مصادر عدّة مُحتَملة، من بينها النشاط البركاني القديم الذي قد يكون نقل المياه من باطن القمر إلى سطحه، واصطدامات المذنبات والكويكبات، والرياح الشمسية التي تحمل ذرات الهيدروجين، والتي يمكن أن تتحوَّل إلى ماء عند تفاعلها مع سطح القمر.

توزيع غير متساوٍ

ورغم وجود دلائل قوية على الجليد، لاحظ العلماء أنّ توزيعه غير متساوٍ بين الحُفر، وهو ما ظلَّ لغزاً طويلاً.

وكشفت المحاكاة الحديثة عن أنّ بعض الحُفر لم تكن دائماً مظلمة، بل تغيَّرت ظروفها مع تغيُّر ميل القمر عبر الزمن، ممّا أثر على قدرتها على الاحتفاظ بالجليد.

وحدَّدت الدراسة عدداً من المواقع التي تُعد مرشَّحة بقوة لاحتواء كميات كبيرة من الجليد، من أبرزها فوهة «هاوورث»، التي يُعتقد أنها بقيت في الظلّ لأكثر من 3 مليارات سنة.

وتشير النتائج إلى أنّ هذه المواقع ستكون مفيدة بشكل خاص لرواد الفضاء في المستقبل، سواء للشرب أو لإنتاج وقود الصواريخ عبر فصل الهيدروجين والأكسجين.

ويُعد وجود المياه على القمر «كنزاً استراتيجياً» لبعثات الفضاء المستقبلية، إذ يمكن أن يدعم إقامة قواعد بشرية دائمة ويقلّل الحاجة إلى نقل الموارد من الأرض.

ويعمل الباحثون على تطوير جهاز جديد لرصد الجليد بدقة أكبر، ومن المقرَّر إرساله إلى القطب الجنوبي للقمر بحلول 2027.

ويؤكد العلماء أنّ الحسم النهائي لمصدر المياه على القمر يتطلَّب تحليل عيّنات مباشرة من هذه الحفر، سواء عبر دراستها في الموقع أو إعادتها إلى الأرض، ليتمكنوا من حلّ هذا اللغز بشكل نهائي.


طفلة تُحوّل الأشجار إلى شخصيات «ناطقة» تحكي قصصها

لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)
لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)
TT

طفلة تُحوّل الأشجار إلى شخصيات «ناطقة» تحكي قصصها

لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)
لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)

ربما تلفت أنظار الزوار المتنزّهين على ضفاف نهر ليا، في هاكني مارشز ببريطانيا، سلسلة من اللافتات المُثبتة على الأشجار، تحمل كلّ منها حكاية طريفة وغريبة. وخلف هذه اللافتات فتاة لم يتجاوز عمرها 11 عاماً، وقد أمضت العام الماضي في نزهاتها العائلية، بينما ينسج خيالها قصصاً لكلّ شجرة.

ويضمّ المشروع المُسمّى «مجموعة الأشجار الناطقة» شخصيات مميّزة، من بينها هامبل ديك، الذي تقول قصته: «في حرب عام 1952 بين مجموعة من نبات القراص ومجموعة من الشتلات الصغيرة على رقعة من الأراضي الشجرية، كان البروفسور هامبل ديك الرابع الشجاع آخر مَن صمدوا».

وهناك شخصية أخرى تُدعى برنارد، الشجرة التي تجمع القمامة، والتي وُصفت بأنها «تنتمي إلى سلالة من عائلة أسطورية من دعاة حماية البيئة»، مستوحاة من الأفلام الوثائقية عن الطبيعة.

وقالت الصغيرة نيوفي لـ«بي بي سي لندن»: «بدأ الأمر قبل نحو عام، عندما كنا نتجوَّل في المستنقعات ورأينا أشجاراً غريبة الشكل. وانطلقنا في تأليف قصص، ثم منحناها شخصيات وأسماءً».

اللافت أنَّ كل شجرة تستمد قصتها من مظهرها؛ على سبيل المثال، إذا كانت الشجرة بها انبعاج، تتخيَّل نيوفي كيف حدث ذلك.

والمثير أنَّ ما بدأ مثل لعبة بسيطة خلال نزهات عائلية مع كلبتهم «كوكو»، تطوَّر منذ ذلك الحين إلى مسار صغير غير رسمي لتعليم القراءة والكتابة. وتُنسب اللافتات مجهولة المصدر فقط إلى «مجموعة الأشجار المُتكلّمة»، ممّا جعل هوية مؤلّفها لغزاً حتى كشفت نيوفي عن هويتها. وقد ساعدها والدها، دوغ، على صنع اللافتات، لكنه حرص على ترك معظم العمل الإبداعي لنيوفي.

وعن ذلك، قال: «اقتصر عملي في الغالب على التغليف والطباعة، في حين تركت الإبداع لنيوفي»، مضيفاً: «أعتقد أنَّ الأخبار صعبة جداً في الوقت الراهن، لذا من الجميل القيام بشيء أكثر بهجة».

ومن المتوقَّع أن تبقى اللافتات معروضة لأسابيع، لتمنح المارّة لمحةً سريعةً عن عالم نيوفي.