«الذكاء الاصطناعي» أم الإنسان... مَن سيهزم مَن؟

«الشرق الأوسط» تحاور عرّابي «الانفجار الثوري» لتكنولوجيا العصر... من «سيليكون فالي» إلى «إم آي تي»

TT

«الذكاء الاصطناعي» أم الإنسان... مَن سيهزم مَن؟

حصان طروادة أمام مقر شركة أوبن أيه آي مطوّرة تشات جي بي تي (أ.ف.ب)
حصان طروادة أمام مقر شركة أوبن أيه آي مطوّرة تشات جي بي تي (أ.ف.ب)

قد تكون «القهقهة» هي الكلمة العربية المُثلى لترجمة عبارة «لول!» (LOL!) الإنجليزية التي استخدمها العالم المُسْتَقبلي مايك والش ليقول إنه «يضحك عالياً» عندما طلبت رأيه بالدعوة التي وجهها مؤسس شركتي «تيسلا» و«سبايس أكس» ومالك «تويتر» إيلون ماسك، مع مئات آخرين لكي تتوقف شركة «أوبن أيه آي» برئاسة سام التمان وكل مختبرات الذكاء الاصطناعي «فوراً ولمدة ستة أشهر على الأقل» عن تطوير الأنظمة الأكثر قوة من «تشات جي بي تي 4».

«كوول!» (!Cool) إنجليزية قالها ابن السنوات الست لأهله عند عودته من المدرسة مبهوراً بما قدمته مُعلمته الصف الأول الابتدائي. إذ فتحت الكومبيوتر ودعته مع بقية التلامذة إلى طرح ما يخطر على بالهم من أسئلة. فقدم «تشات جي بي تي» الأجوبة الصحيحة. لكن المعلمة قادت تلامذتها إلى الاستنتاج أنه من الغش تكليف الكومبيوتر بالقيام بما عليهم من واجبات وفروض مدرسية في البيت.

المقاربة ذاتها استدعت سؤالاً مختبرياً حول مسائل أخلاقية مثل الغش في الفروض المدرسية، طرحه باحث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «إم آي تي» على «تشات جي بي تي»، الذي قدم أيضاً الأجوبة «الصحيحة» بل «المثالية»، من دون أن يعكس ذلك قلقاً حقيقياً عند المدير الإداري لشركة «سوميرو» العملاقة للاستثمار في التكنولوجيا الجديدة عبده جورج قديفة، الذي يتلاقى مع والش، مؤلف كتاب «القائد الخوارزمي، كيف تكون ذكياً عندما تصير الآلات أكثر ذكاء» الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة والعالم. كلاهما عزا المطالبة بالوقف الموقت لتطوير الذكاء الاصطناعي إلى «تخلف» إيلون ماسك عن ركب حققه شريكه السابق سام التمان، الذي «أخرج الجني من القمقم».

وكذلك عبر مؤلف كتاب «حقيقة الذكاء الاصطناعي ومستقبل البشرية» الشهير الدكتور ستيفن شوارتز، الذي عمل لدى جامعة يال الأميركية، عن اعتقاده بأن «المياه تدفقت فوق السدّ»، ولم يعد في الإمكان وقف التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي.

المستوى الذي بلغه الذكاء الاصطناعي في مختبرات المؤسسات الجامعية، وبدأ ينتقل بعجلة إلى الحياة اليومية للناس خلال الأشهر القليلة الماضية، يرقى إلى ما أحدثه «مشروع مانهاتن»، الذي أنتج القنبلة الذرية، طبقاً للعالم الأميركي - الفلسطيني الأصل البروفسور منذر دحلة، الذي يدير معهد البيانات والأنظمة والمجتمع في «إم آي تي»، المؤسسة الجامعية المصنفة أولى عالمياً في علوم التكنولوجيا.

حصان طروادة أمام مقر شركة «أوبن أيه آي» مطوّرة «تشات جي بي تي» (أ.ف.ب)

أجرت «الشرق الأوسط» حوارات منفصلة، ولكن لتكون بمثابة حلقة افتراضية متخيّلة أميركية - عربية، فجمعت بالإضافة إلى دحلة ووالش وقديفة وشوارتز، كلاً من النائب الأول لرئيس شركة «جينماب» الدنماركية للتكنولوجيا البيولوجية والمدير العالمي لعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي الدكتور هشام حمادة ومدير «مجتمع جميل» جورج ريتشاردز وعضو مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت الرئيس التنفيذي لشركة «مجرّة» عبد السلام هيكل.

جميعهم في إطار جهد يتعدى الإعجاب، أو حتى الانبهار، بما يعدّه البعض «نظماً خارقة» ستؤدي إلى تحوّل ليس فقط في كل مجالات العمل، بل أيضاً في حياة الناس، كما نعرفها. أجاب هؤلاء، كل من موقعه ومنطلقه، عن أسئلة بعضها يمكن أن يبدو بسيطاً وساذجاً، مثل «الغش»، وبعضها الآخر مركب ومعقد، مثل احتمال تغلّب الذكاء الاصطناعي يوماً على صانعيها من البشر.

عندما قدم باحث من معهد «إم آي تي»، سؤالاً لـ«تشات جي بي تي» من أجل شرح مسائل أخلاقية واجتماعية تتعلق بأن يقوم الذكاء الاصطناعي بواجبك المدرسي كتلميذ أو كطالب، جاء جواب «تشات جي بي تي»، لافتاً «هناك عدد قليل من المشكلات الأخلاقية والاجتماعية المحتملة عند استخدام الذكاء الاصطناعي في أداء الواجبات المدرسية. أولاً، إذا كان الطلاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأداء واجباتهم المدرسية نيابة عنهم، ربما لا يتعلمون المادة كما ينبغي. وهذا ما يمكن أن يؤدي هذا إلى مشاكل في المستقبل عندما يُتوقع منهم معرفة المواد اللازمة للامتحانات أو تطبيقات العالم الحقيقي.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي لأداء الواجب المدرسي إلى الغش. إذا كان الطلاب قادرين على الابتعاد عن استخدام الذكاء الاصطناعي في أداء واجباتهم المدرسية نيابة عنهم، ربما يخلق ذلك ميزة غير عادلة بالنسبة إلى الطلاب الآخرين الذين يقومون بواجبهم المدرسي بأنفسهم. أخيراً، يمكن أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي للقيام بالواجب المدرسي إلى الاعتماد على التكنولوجيا التي يمكن أن تكون ضارة إذا فشلت التكنولوجيا أو صارت غير متوافرة».

كان هذا «جواباً رائعاً ومثيراً للإعجاب».

التغيير التخريبي

في عصر التقنيات المتسارعة و«التغيير التخريبي» (مفهوم علمي جديد يتعلق بأثر التغييرات التكنولوجية المتسارعة على حياة الناس)، كان الكتاب الأخير لمايك والش «القائد الخوارزمي: كيف تكون ذكياً عندما تكون الآلات أكثر ذكاءً»، بمثابة دليل مفعم بالأمل لإعادة ابتكار القيادة والمؤسسات، علماً بأن كتابه الأول «فيوتشرتايمنت» («الترفيه المستقبلي») لعام 2009 فاز بجوائز أميركية وعالمية، بعدما توقع فيه تأثير الهاتف الذكي على إعادة تشكيل صناعة الإعلام والتسويق، والظهور الوشيك لوسائل الإعلام الاجتماعية والمؤثرين الرقميين وتدفق الترفيه.

وفي كتابه الثاني «قاموس الأفكار الخطرة» لعام 2014، توقع والش اختراقات في شبكات الأقمار الاصطناعية الصغيرة والعملات المشفرة والسيارات الذاتية القيادة والطائرات المسيّرة والبيولوجيا الرقمية. تُرجمت هذه الكتب الثلاثة إلى اللغات العربية، والألمانية، واليابانية، والصينية، والكورية والبولندية.

يشبه الدخول في الذكاء الاصطناعي اليوم بدء العمل يوماً بأنوال الحياكة الميكانيكية. آنذاك ثار عمال النسيج وحطموا الآلات الجديدة، غير أنهم سرعان ما أدركوا أن العمل الوحيد الذي خسروه، هو الذي لا يبعث على السعادة بين البشر - وكان هناك بالفعل المزيد من الوظائف المختلفة الجديدة المتاحة الآن. في نهاية المطاف، صار نول جاكارد الآلي، الذي يعمل ببطاقات تسجيل أوقات الشغل، أساساً لأجهزة الكومبيوتر الحديثة. يعتقد مايك والش أن «الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يتمثل في أن تصبح الأنظمة مدركة لذاتها وأن تدمرنا، بل يكمن في تفويض الكثير من اتخاذ القرارات لمنصات سيئة التصميم لا نفهمها تماماً».

اختبار تورينغ

بمقاربة مشابهة، أعاد قديفة إلى الأذهان الاختبار الذي ابتكره ألان تورينغ، أحد الرواد الأوائل في التشفير والحوسبة، لمعرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يقترب من الذكاء البشري، باختبار يقتضي وضع كومبيوتر خلف ستارة، ثم أن تطلب من شخص ما أن يتحدث مع «الشخص» الآخر خلف الستارة من دون أن يعرف أنه كومبيوتر. فإذا بدا منطقياً وكأنه إنسان، تعلم أننا نقترب من الذكاء البشري، وهذا ما تفعله «جي بي تي» الذي «يستند إلى 175 ملياراً من الوسائط الرقمية، مع رقمنة 300 مليار جزئية من المعلومات، ويستند إلى 40 ألف رمز في اللغة الإنجليزية»، مؤكداً أن «كل هذه الأرقام مدعاة للاحتفال بدلاً من القلق».

ومع أن هذه الأرقام تبدو فلكية، شرح ستيف شوارتز، الذي ألّف أيضاً كتاب «الروبوتات الشريرة، الكومبيوترات القاتلة، وخرافات أخرى» وشارك في تأسيس شركة «ديفايس24» للتكنولوجيا الذكية، طريقة بنائها، معبراً أولاً عن اعتقاده أن «(تشات جي بي تي) ليس أذكى من البشر. ولكن لديه ذاكرة أكبر»، موضحاً أنه «جرى تدريب (تشات جي بي تي) بقراءة ما يعادل ثلاثة ملايين كتاب. يختارون ثلاثة ملايين كتاب، ثم يحددون الكتاب الأول، ويقولون لـ(تشات جي بي تي): حسناً، هذه هي الكلمة الأولى في الكتاب، وعلى (تشات جي بي تي) أن يتوقع الكلمة الثانية. وبالطبع، سينتج أمراً ما بصورة عشوائية لكي تعطيه الإجابة الصحيحة، ومن ثم تقدم له الكلمتين الأوليين وكلمة ثالثة محددة. وبالطبع، ستأتي النتيجة عشوائية مرة أخرى. وتعطيه الإجابة الصحيحة مجدداً. وتبقى على هذا المنوال إلى أن ينتهي الكتاب بأكمله. وبعد ذلك تكون أعطيت ثلاثة ملايين إجابة صحيحة انطلاقاً من الكلمة التالية في الكتاب. وتطلب تعديل مرجعياته. في المرة القادمة، سيقوم (تشات جي بي تي) بعمل أفضل بكثير للتنبؤ».

وذكر بأن الملايين الثلاثة من الكتب، إنما هي إنترنت ونصوص على شبكة التطوير التي يجري تدريبها من أجل التنبؤ بالكلمة التالية. وبذلك، يتضح أنه عليك أن تتعلم الحقائق. إذن، من خلال قراءة ثلاثة ملايين كتاب، تعلمت الكثير من الحقائق. تعلمت قواعد اللغة الإنجليزية. تعلمت الكثير من المفاهيم، مثل أن الطيور يمكن أن تطير والسيارات لها عجلات. فقط كن قادراً على تنبؤ الكلمة التالية. هذه هي التكنولوجيا الكامنة التي تسمى «جي بي تي 3 أو 3.5 أو 4.0». هذه الأنظمة ليست تماماً مثل البشر. لذا؛ فإن السؤال ما هو مقدار ما تعلمته؟ وما مقدار ما يجعل ذلك تفكيراً بشرياً؟

نماذج اللغة الكبيرة

«الوثبة التكنولوجية» التي تحققت بالذكاء الاصطناعي لم تفاجئ الدكتور هشام حمادة الذي يركز في أبحاثه على إحداث اختراق في العلوم الدوائية للأمراض المستعصية. ويوضح أنه على رغم أن الخوارزميات الخاصة بنماذج اللغة الكبيرة التي تدعم الذكاء الاصطناعي التوليدي، «ليست موجودة منذ فترة طويلة»؛ لأنها «بدأت عام 2017 في ورقة بحثية من (غوغل)»، لافتاً إلى أن «ما جعله ينتشر على نطاق واسع هو إمكانية الوصول»، حين قامت شركة «أوبن إيه آي» في سان فرانسيسكو بإتاحته للجمهور من خلال لغة طبيعية. يمكن فقط لأي شخص أن يصل إليه لطرح الأسئلة، بالإضافة إلى التغطية الإعلامية عن إمكاناتها وآثارها الأخلاقية. وأضاف أن «هذا ما ساهم في زيادة الوعي العام والانبهار بهذه التكنولوجيا. ولذا؛ أعتقد أنها ليست الخوارزمية فقط، بل أيضاً سهولة الوصول إليها».

خلال السنين العشر الماضية، ومنذ أن فاز جيفري هينتون وفريقه بمسابقة «أيميدج نت» عام 2012، وحتى نهاية عام 2022 مع تقديم «تشات جي بي تي»، حصلت عمليات تطوير هائلة في الحوسبة، والبنية التحتية السحابية، والتصميم الخوارزمي، وجودة البيانات. وبدا واضحاً أن الذكاء الاصطناعي سيحوّل بشكل أساسي العمليات في كل مؤسسة وصناعة. ويعتقد مايك والش أن جائحة «كوفيد - 19» بدءاً من عام 2020 «كانت العامل المحفز» لـ«تسريع» التحول الرقمي، الذي «يحتمل أن يكون أدى إلى تسريع مجيء عصر الذكاء الاصطناعي بمقدار ما لا يقل عن عشر سنين».

ليس لدى شوارتز قلق من أن يصير الذكاء الاصطناعي «قوياً للغاية بما يمكنه من السيطرة على العالم»، مذكراً بأن ذلك كان رأي سام التمان الذي أوضح أنه «حتى لو كنا نتقدم نحو هذا المستوى من الذكاء الاصطناعي بما يمكنه من السيطرة على العالم، فمن الأفضل طرح هذه التطورات ببطء وتدريجاً عوض تقديمها بالكامل إلى العالم مرة واحدة». وأضاف أنه «إذا فعلنا ذلك ببطء، يمكننا معرفة المشاكل، وإيجاد الحلول لهذه المشاكل، وبالتالي، يمكننا أن نضعها في مكانها ونجعلها آمنة وتتحسن شيئاً فشيئاً بدلاً من الانتظار حتى تصير ذكية بالفعل ثم نحاول معرفتها».

المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والإنسان تبدو بالنسبة إلى حمادة «أشبه بمقارنة سيارة فيراري بجرار زراعي. لجهة القوة، أحدهما فيه قوة أكبر من الآخر. لكن وجهة الاستخدام أساسية»، مضيفاً أنه «لا يمكنك أن تحرث الحقل باستخدام الفيراري»، ومع أن «الجرار فيه محرك أكبر، لكنه لن يتجاوز سرعة الفيراري». لا يزال هذا التمييز يحتاج إلى العقل البشري.

العواقب والمخاوف

يقرّ قديفة الذي تخرّج في الجامعة الأميركية ببيروت ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وجامعة شيكاغو قبل أن يعمل نائباً للرئيس التنفيذي لشركة «هيوليت باكارد» («إتش بي») الأميركية للتكنولوجيا، بأنه «مع أي اختراق كبير في التكنولوجيا، هناك إيجابيات وسلبيات»، موضحاً أن «هناك عواقب قانونية، لجهة حقوق النشر، ولجهة من أين جرى الحصول على المعلومات، ولجهة الخصوصية»، وغير ذلك من التداعيات المرتبطة بمن يتحكم بالمعلومات الموجودة مثلاً في «تشات جي بي تي»؛ لأنه «نظام مغلق»، علماً بأن هناك أيضاً «اعتبارات أمنية» يمكن أن تكون على صلة بالأشخاص الذين يقومون بـ«تسميم البيانات» عبر «إدخال المعلومات في الإنترنت والتي يمكن قراءتها بواسطة (تشات جي بي تي)» الذي «لا يعرف ما إذا كانت هذه المعلومات جيدة أو سيئة».

بات سؤال استبدال الذكاء الاصطناعي بالإنسان مطروحاً بقوة اليوم (أ.ف.ب)

يسود اعتقاد بين الخبراء في المجال الجديد، أنه سيجري تجاوز العقبات والتحديات الماثلة الآن، فعندما جرى تطوير الإنترنت، عبّرت غالبية الناس عن خشيتها من وضع معلومات بطاقة الائتمان الخاصة بهم على الإنترنت بسبب الأمان، والخصوصية وكل تلك الأمور. لكن جرى التوصل إلى حلول ناجحة. وليس أدل على ذلك من أن أحداً لا يفكر الآن في الإنترنت كمكان غير آمن وموثوق لبطاقات الائتمان.

مع «تشات جي بي تي» أو غيره من أشكال الذكاء الاصطناعي التي تنجز الأمور والأعمال بسرعة كبيرة، يؤكد شوارتز أن «المعلومات المضللة ستكون مشكلة هائلة بسبب أدوات كهذه»، داعياً إلى إدراك حقيقة أن «(تشات جي بي تي) ليس الوحيد من نوعه. لذلك؛ إذا فتحت (أوبن إيه آي)، وهي بائعة (تشات جي بي تي)، الوصول إليه، سيبقى لدينا القدر ذاته من المعلومات المضللة؛ نظراً لوجود الآلاف من الأدوات الأخرى المشابهة والمتاحة». وأكد أنه «بصرف النظر عما نفعله، أعتقد أنه خلال العام المقبل، سنرى الإنترنت بأكمله ملوثاً بالمعلومات المضللة التي أنشأتها تلك العقول الكبيرة. وسيكون الأمر فظيعاً».

تثير «الإجابات الخاطئة أو السامّة» من «تشات جي بي تي» مزيداً في القلق حيال ما يمكن أن يحمله الفضاء الإلكتروني. فإذا كتبت على «تشات جي بي تي» (بالإنجليزية) جملة تبدأ بعبارة «إن التحري»... ثم طلبت منه أن ينهي الجملة، فعادة ما سيكملها مع تحرٍ من الذكور. وهذا تحيز ضد التحريات الإناث. وبالمثل إذا كتبت عبارة «إن المسلمين...» وتركت «تشات جي بي تي» يكمل العبارة، في كثير من الأحيان سيضيف كلمة مثل «إرهابيون». يؤكد شوارتز أن «هذا أمر غير عادل حقاً. هذه استجابة سامة لا ينبغي أن تكون».

يتقاسم حمادة هذا «الخوف الكبير» مع شوارتز من «المعلومات المضللة» و«المحتوى المزيف»؛ لأن القدرة موجودة الآن على «إنشاء محتوى مزيف واقعي للغاية، بما في ذلك النصوص والصور والصوت، وحتى الفيديو؛ إذ يمكنك أن تأخذ وجهك وتجعله يقول أي شيء بأي نبرة صوت تريدها. هذا مخيف». وكذلك هناك «قلق آخر» مرتبط بالمخاوف الأخلاقية، مثل «أصالة المحتوى المرتبط بالذكاء الاصطناعي». قال «لنفترض أنك أنشأت فناً بواسطة آلة، وحاولت الدخول في مسابقات باعتبار أنك أنشأت هذا الفن بيدك. هذا أمر مقلق».

هناك ما هو أخطر، ويثير المزيد من التساؤلات. إذا كان هناك ذكاء صناعي يحاول تقديم نصيحة طبية على سبيل المثال، فمن يتحقق من ذلك ويفحصه في كل مرة؟ هل نقول في وقت ما إنه صندوق أسود يمكن الوثوق به لأنه أعطى في المرات المائة الأخيرة الجواب الصحيح، وكذلك سيفعل في المرات المائة التالية؟ ماذا يحدث عندما يكون متحيزاً لفئة معينة من السكان، ويصنّف أفرادها كمجرمين أو كأشخاص ناجحين؟ هل تثق بالذكاء الاصطناعي لتوظيف أشخاص في شركتك، أو للإبلاغ عنهم، أو على الأقل تصفيتهم؟ من يتحمل المسؤولية إذا كانت النتيجة غير مرضية؟ الذكاء الاصطناعي؟ أم مشغل الذكاء الاصطناعي؟

يعتقد مايك والش أن «الجانب السلبي الأساسي للذكاء الاصطناعي هو تطبيقه من دون التفكير في إمكاناته الثورية الحقيقية»، مضيفاً أن القادة «غالباً ما يركزون على تحسينات بنسبة 10 في المائة للعمليات والأنظمة الموجودة، من دون أن يسألوا أنفسهم: ما هي الفرصة المضاعفة عشر مرات لإعادة تصور ما يفعلونه؟».

إيجابيات متناهية

يقف عبده قديفة «على الجانب الإيجابي والمتفائل» بالتكنولوجيا الجديدة، متوقعاً أن «يكون هناك الكثير من الأعمال التجارية الجديدة، والأفكار الجديدة»، قائلاً إن «الكثير من الخير سيحصل، أكان في التعليم أم في مجال الرعاية الصحية وفي العلوم»، مذكّراً بأن القاعدة العلمية القديمة التي كانت تقوم على مرجعيتين أو ثلاث أو عشر مرجعيات «ربما لم تعد ذات صلة» الآن، موضحاً أنه بعدما كانت تقوم طوال السنوات الـ500 الماضية على أن «تنظر، على سبيل المثال، إلى بيئة مادية أو بيولوجية أو كيمائية، وتخرج بفرضية، ومن ثم تتحقق مما إذا كانت هذه الفرضية صحيحة»، كأن تقول على سبيل المثال إن قوة الجاذبية تساوي الكتلة مضروبة بعامل الجاذبية.

لذلك؛ عندما نظر اسحق نيوتن إلى قانون الجاذبية، قال بشكل أساسي «حسناً، هناك ثلاثة عوامل هنا، وقام ببعض القياسات، وكان محقاً». أوصلت هذه القاعدة العلمية الناس إلى القمر والمريخ، وإلى كل مكان. ولكن «مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، ستنفجر المعرفة البشرية أضعافاً مضاعفة بطريقة إيجابية للغاية»؛ لأن القاعدة العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تسند ليس فقط بعدد قليل من المرجعيات، بل سيكون لدى الناس ربما مائة ألف أو أكثر من المرجعيات والمتغيرات لشرحها. «(تشات جي بي تي) يشرح كيف تعمل اللغة الإنجليزية من خلال 175 ملياراً من المرجعيات. لذلك؛ أتوقع انفجاراً ضخماً في الاكتشافات العلمية أيضاً».

يشبه الدخول في الذكاء الاصطناعي اليوم بدء العمل يوماً بأنوال الحياكة الميكانيكية (أدوبي ستوك)

ينبّه مايك والش إلى أن «الخطأ الأكبر الذي ارتكبه معظم الناس في شأن الذكاء الاصطناعي حتى قبل بضع سنوات، هو افتراض أنه يشكل خطرا وجوديا على وظائف أصحاب الياقات الزرقاء، مثل الضيافة والبناء والنقل»، أو أن «التهديد الحقيقي للتدمير الخلاق يمكن أن يحصل في الصناعات المعرفية والخدمات المهنية». ولكنه أوضح أن «هذا لا يعني أننا لن نحتاج إلى كتاب أو محامين أو محاسبين أو مصرفيين في المستقبل. بل إن هذه أصحاب هذه المهن، الذين استفادوا بشكل هائل من مكاسب الإنتاجية من التكنولوجيا طوال العقود القليلة الماضية، عليهم فقط أن يعملوا الآن بجدية قصوى لإعادة اختراع أدوارهم، وتحديد أين يمكنهم إضافة قيمة كبشر أثناء العمل جنباً إلى جنب مع محركات الذكاء الاصطناعي المتطورة بشكل متزايد».

الذكاء النافع

يفصل شوارتز بين الذكاء الاصطناعي و«تشات جي بي تي» وإن كانت هناك صلة بينهما، ففي الأول مثلاً «محركات توصية خاصة» بشركات مثل «أمازون» و«نتفليكس» وغيرهما مما يعرض على الناس منتجات معينة بناءً على أنماط الشراء السابقة. كما أن التشخيص الطبي يتأثر بالذكاء الاصطناعي ولكنه ليس «تشات جي بي تي»، وتقنية التعرف على الوجه في الهاتف الذكي تمكنك من التقاط صورة لأصدقائك، وستتعرف على أسمائهم تلقائياً. ورأى أنه ستكون لـ«تشات جي بي تي» تأثيرات في ثلاثة مجالات. الأول هو أنه سننتهي بمساعدين شخصيين أفضل بكثير. كما أن أنظمة «أليكسا» و«سيري» التي يستخدمها الناس ستتحسن كثيراً. وكذلك ستتحسن كثيراً روبوتات المحادثة لخدمة العملاء. والمجال الثاني، سيكون التأثير كبيراً على محركات البحث، مثل «غوغل» و«بينغ» وغيرهما، علماً بأنها «كانت تتحسن تدريجاً على مر السنين».

ولكن «(تشات جي بي تي) سيجعلها أفضل بكثير. وسيحصل الأمر نفسه مع كل أنواع التطبيقات المخصصة للبحث عن كلمات مفاتيح». والثالث هو «بشكل عام التطبيقات التي تجيب على أسئلة، فحيث يمكنك كتابة سؤال والحصول على جواب، سيتحسن الجواب بشكل كبير مع (تشات جي بي تي)». وربما هناك فئة رابعة تتعلق تقريباً بأي شيء إبداعي. لذا؛ إذا كنت تكتب منشوراً لمدونة، يمكنك أن تسأل «تشات جي بي تي» أن يكتب منشوراً للمدونة. وإذا كنت تكتب برنامجاً للكومبيوتر، يمكنك أن تطلب ذلك من «تشات جي بي تي» أو أداة مشابهة لإنشاء نقطة بداية لبرنامج الكومبيوتر الخاص بك. يمكنك أن تطلب من «تشات جي بي تي» أن يلخص وثيقة. كل هذه الأنواع من القدرات ستعمل على تحسين الإنتاجية حقاً.

موقع العرب

أين العرب؟ يعقد العاملون في مجال الذكاء الاصطناعي في أميركا مقارنة بين «الاختراق الثوري» الذي يحصل الآن وذلك الذي أنتجه «مشروع مانهاتن» في علوم الانشطار الذري، خلال الأربعينات من القرن الماضي.

عبده قديفة، وهو لبناني لأب عصامي اسمه جورج كان مسؤولاً في مرفأ بيروت في السبعينات من القرن الماضي، يعبّر عن اعتقاد أن «الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً للغة العربية»، منبهاً إلى أنه «إذا لم يملك العرب نموذجاً لغوياً كبيراً، فإن تراث العرب بأسره سيتأثر». وإذ شدد على أن «العربية مهمة ثقافياً كلغة، بل أيضاً من منظور ديني». قال «كعرب، علينا أن نشارك في هذه الثورة وأن نحافظ على ملكية لغتنا». وأضاف «لا يعتقد أن المال هو القضية»، واعداً بأنه «سيفعل أمراً ما حيال ذلك، بالتأكيد».

وفي السياق نفسه، يعكس مدير «مجتمع جميل» جورج ريتشاردز، الذي ذكر بأن المؤسسة التي أسستها عائلة جميل في المملكة العربية السعودية عام 1945 «تدرك جيداً إمكانات الذكاء الاصطناعي»، بل إنها عملت على تطوير «أدوات الذكاء الاصطناعي السريرية لـ(عيادة جميل)؛ بغية إحراز تحسن كبير في صحة ورفاهية الناس في كل أنحاء العالم»، مستدركاً أن هناك «حاجة إلى العمل الجاد لضمان وصول هذه الأدوات إلى الجهات الضعيفة الموارد». وأضاف أن هذا هو «السبب في أننا ندعم (عيادة جميل)، جنباً إلى جنب مع منظمة (ويلكوم ترست) البريطانية الخيرية، لتنمية شبكة من المستشفيات الشريكة لنشر هذه الأدوات».

وذكر عضو مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت الرئيس التنفيذي لشركة «مجرّة» عبد السلام هيكل، أن عمله «يشمل الذكاء الاصطناعي مع التركيز على معالجة حوسبة اللغة العربية الطبيعية ونماذج لغة (تشات جي بي تي)»، معتبراً أن «الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التوليدي، يحتاج إلى تنظيم». لكنه استبعد رؤية ما يسمى «سيناريو يوم القيامة» بأن يخرج الذكاء الاصطناعي عن «نطاق السيطرة أكثر من أي تقنية أخرى يمكن أن يكون لها استخدام مزدوج، كالعقاقير الطبية والمفاعلات النووية والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي».

ومع ذلك، أقرّ بأن الذكاء الاصطناعي «يجلب تحديات فريدة من نوعها ستتطلب تدخلات فريدة». وعبّر عن اعتقاده أن تعميم «تشات جي بي تي» وإمكانات الذكاء الاصطناعي «سيؤدي إلى مزيد من الاستثمار والابتكار»؛ إذ إن «عدداً لا يحصى من الأشخاص سيستخدمون هذه التكنولوجيا لخلق فرص جديدة لأنفسهم وللمجتمع، وفي الوقت نفسه تعطيل وظائف وأنظمة قائمة».

تصحيح: أشارت نسخة سابقة من الموضوع إلى علاقة بين مدير مؤسسة «مجتمع جميل» جورج ريتشاردز، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «إم آي تي». والصحيح أن المؤسسة مستقلة، وتعاونت مع المعهد في مشروع آخر لا علاقة لريتشاردز به.


مقالات ذات صلة

«غوغل» و«أبل» تبرمان صفقة ذكاء اصطناعي لنماذج جيميناي

تكنولوجيا باتت منصة «غوغل» للذكاء الاصطناعي «جيميناي» Gemini AI تضم 650 مليون مستخدم شهرياً (رويترز)

«غوغل» و«أبل» تبرمان صفقة ذكاء اصطناعي لنماذج جيميناي

أعلنت شركة «ألفابت» أنها أبرمت ​صفقة مدتها عدة سنوات مع شركة «أبل» تقضي باعتماد الجيل التالي من هواتف آيفون على ‌نماذج جيميناي التابعة ‌لـ«غوغل».

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
تكنولوجيا رجل يسير أمام شعار شعار «غوغل» (أ.ف.ب)

«غوغل» تزيل بعض ملخصات الذكاء الاصطناعي بسبب معلومات صحية زائفة

أزالت «غوغل» بعض ملخصاتها الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بعد أن كشف تحقيق عن تعرض المستخدمين لخطر الضرر بسبب معلومات خاطئة ومضللة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا شعار «غروك» (رويترز)

إندونيسيا تحجب «غروك» مؤقتاً بسبب الصور الإباحية

حجبت إندونيسيا اليوم (السبت) مؤقتاً روبوت الدردشة «غروك» التابع ​لإيلون ماسك بسبب خطر إنشاء محتوى إباحي بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
خاص تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)

خاص هل يلبّي نموذج «الذكاء الاصطناعي الواحد» متطلبات عالم متعدد الأجهزة؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على نموذج واحد إلى أنظمة ذكية متعددة تعمل بتنسيق عبر الأجهزة من خلال نظام «كيرا» من «لينوفو».

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد شعار شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات في مصنعها بمدينة كاوشيونغ (رويترز)

أرباح «تي إس إم سي» تقفز 20.45 % في الربع الأخير وتتجاوز التوقعات

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي)، أكبر شركة لتصنيع الرقائق الإلكترونية في العالم، يوم الجمعة، عن زيادة إيراداتها في الربع الرابع.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)

مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

TT

مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)
رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)

إنها صبيحة يوم جمعة وكنيسة مار إلياس في حي الدويلعة الدمشقي تدق أجراسها إيذاناً ببدء القداس الأسبوعي. هنا ترفع صلوات وترانيم يومية، بينما يقام قداس الأحد أيام الجمعة أيضاً ليتزامن مع العطلة الأسبوعية في البلاد، ويناسب «الموظفين ومن يرتبطون بدوام عمل أو دراسة»، والأمر على هذا المنوال منذ أيام النظام السابق.

هي الكنيسة نفسها التي تعرَّضت قبل 6 أشهر لتفجير انتحاري أودى بحياة 25 شخصاً، ولا تزال صورهم مرفوعة في الساحة العامة للمنطقة على شكل لافتة كبيرة وأخرى كزينة على شكل شجرة ميلاد، في حين القداديس والمناسبات الدينية ولقاءات الفرق الكشفية تجري كلها في قاعة سفلية يُفترَض أنها مؤقتة.

على بعد أيام قليلة من عيد الميلاد لدى الطوائف المسيحية الغربية، كان المبنى الرئيسي للكنيسة لا يزال قيد الترميم. وكان أهالي الحي، والعائلات المكلومة تحديداً، يأملون في أن تنتهي الأعمال بوتيرة أسرع علّهم ينجحون في إحياء صلاة العيد في كنيستهم. لكن ذلك لم يحدث.

كنيسة مار إلياس في الدويلعة قيد الترميم بعد التفجير الانتحاري الذي وقع فيها في 22 يونيو الماضي (الشرق الأوسط)

كثر الحديث والترويج لتبرعات من رجال أعمال مسلمين أطلقت عملية الترميم من دون إمكانية التثبت من ذلك، حتى من الكنيسة نفسها.

في النهار كان فتيان وفتيات الكشافة كما القساوسة والشبان الأكبر سناً يتراكضون في الأحياء وبين الأزقة للمشاركة والإشراف على سير الأعمال، من نصب منصة وتنظيف أرصفة وتأمين مقاعد كافية لحدث استثنائي. إضاءة شجرة الميلاد الكبيرة واحتفالية اجتماعية دينية تعلن بدء موسم الأعياد. لكن ذلك أيضاً، لم يحدث.

فما إن بدأ الناس في التوافد إلى المكان مع ساعات المساء الأولى، حتى سرت شائعة بأن «داعشياً» يتجوّل بين الجموع. أثار الأمر بلبلة واستنفاراً أمنياً وتدافعاً كبيراً نتج منه حالتا إغماء لسيدتين ومزيد من الفوضى مع وصول المسعفين، انتهت كلها بإلغاء الفعالية وتأجيلها لوقت آخر بلا كثير جمهرة وصخب.

تضاربت الروايات عمّا حدث تماماً في تلك اللحظة، وبدا أن أحداً من أهل المنطقة لا يريد الخوض في التفاصيل. فحتى أحد أهالي الضحايا الذي كان وافق موافقة مبدئية على التحدث إلينا، عاد واعتذر تفادياً لـ«تقليب المواجع».

شاع الخبر واختفى سريعاً كأنه لم يحدث.

شجرة الدويلعة مزينة بصور وأسماء ضحايا التفجير الانتحاري الذي وقع في كنيسة مار إلياس في يونيو الماضي (أ.ب)

«مخاوف طبيعية»

نفى صاحب صيدلية في الدويلعة أن يكون الحادث متعلقاً بأي عمل إرهابي وإنما رد المسألة برمتها إلى «مخاوف طبيعية». قال الرجل مفضلاً عدم ذكر اسمه إن «كل ما في الأمر أن شاباً على موتوسيكل يحمل علم (لا إله إلا الله) الأبيض، وهو شائع جداً هذه الأيام، مرّ للفرجة بينما الناس يتوافدون إلى الحفل». وتابع قوله: «يبدو أن أحد شباب الحراسة المحلية لحق به فهرب مسرعاً؛ ما أثار الذعر والفوضى والتدافع». وقلل الرجل من تلك البلبلة كونها «أمراً طبيعياً في هذه الظروف».

وإذ تبدو الإحالة إلى الطبيعة محط كلام شائع بين الناس هنا لتفسير أحوالهم، فإنها تبقى كالسهل الممتنع حيال أي محاولة للاستفاضة أو الشرح. إنها تبديد للسؤال قبل الخوض في البحث عن إجابة.

وأما الخوف «الطبيعي» بدوره، فقد أرجعه الصيدلاني إلى صدمة لم تكمل عامها الأول بعد، ولا تزال تحفر في النفوس و«أفقدت الناس الشعور بالأمان»، بعدما وقع ما لم يخطر ببال. عن لحظة تفجير الكنيسة في يونيو (حزيران) 2024، قال: «كان جاري هنا في الصيدلية وسمعنا الصوت. تهافت الناس وبدأوا يصرخون: انتحاري في الكنيسة. انتحاري في الكنيسة. لم نصدّق وأكملنا حديثنا معتقدين أنه مجرد كذب وتهويل».

رجال إنقاذ وأشخاص يتفقدون الدمار في موقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق (أ.ف.ب)

وأضاف بعد برهة صمت كمن يعاتب نفسه: «كيف نصدق؟ بعمري هيك شيء ما صار!».

وعندما هرعت سيارات الإسعاف وهبّ الجميع للمساعدة وجاء رجل بابنته إلى الصيدلية لتطبيب جرحها والدماء تسيل من جبينها، حدثت فجأة لحظة يقظة.

إنه انتحاري فجَّر نفسه بين المصلين. لقد حدث ذلك بالفعل.

وحي الدويلعة الذي شاع ذكره بعد تلك الحادثة يقع في جنوب شرقي دمشق. وهو مختلط سكانياً بين مسلمين سنة وغالبية مسيحية متنوعة مذهبياً تتقاسم كنائسها المختلفة الشوارع الرئيسية للمنطقة التي تشبه قرية صغيرة، في حين الأبنية في الأحياء الداخلية أقرب إلى العشوائيات.

وقد شهدت منطقة الدويلعة دفقاً سكانياً كبيراً جعلها مكتظة بشكل أكبر بعد توافد مهجَّرين من المناطق السورية الأخرى التي شهدت أعمالاً عسكرية وحربية، بينما بقيت هي بمنأى عن أي «حوادث أمنية»، وذلك على عكس أحياء تكاد تكون ملاصقة لها مثل جوبر والتضامن المدمَّرين تدميراً كاملاً.

حراسة أهلية وأمن ذاتي

واليوم، تحمي الدويلعة نفسها بنظام «حراسة أهلية»، يتناوب من خلاله شبان من أبناء المنطقة على حفظ الأمن ومراقبة دخول وخروج «الغرباء». وقد شاع هذا النمط في أكثر من منطقة أو مدينة، ومنها جرمانا المختلطة طائفياً بين مسلمين ومسيحيين وأقليات أخرى وغالبية درزية طاغية، ويفصلها عن الدويلعة الجسر المتحلق الجنوبي.

مسؤول «قطاع أمني» في الدويلعة، شرح لنا تقسيمات العمل الميداني و«التدرج في التشدد الأمني»، فقال: «مباشرة بعد لحظة السقوط استنفرنا كشباب حي لحفظ الممتلكات من السرقة والنهب. توزعنا في الشوارع وتحت منازلنا بطريقة عفوية في البداية، ثم أخذنا نوزّع الورديات والأدوار بيننا. ولم يأت أحد نحونا. أعتقد أننا كنا منسيين أصلاً... واستمرت بنا الحال هكذا حتى تفجير (كنيسة) مار إلياس».

وكما شكَّل العمل الإرهابي لحظة يقظة لصاحب صيدلية، فقد كان صفعة أيقظت أحياء كاملة من «المنسيين» وكأن مقولة «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا» وجدت ترجمتها الحرفية هنا.

طفل يغفو في قداس ليلة عيد الميلاد في كنيسة مار يعقوب النصيبي في القامشلي (رويترز)

ويوضح الشاب كيف تغير الوضع كلياً، فقال: «تطوعنا بشكل أكبر لحماية الكنائس أولاً فتم تطويقها، بالإضافة إلى توزيع مجموعات أكثر بين البيوت وعند مداخل الأحياء الصغيرة وبدأنا بنحو 80 أو 90 شاباً».

وبالفعل، لدى زيارة الدويلعة كانت كنيسة مار إلياس مغلقة للعامة ويمكن الدخول إليها عبر باب خلفي ضيق يعرفه مرتادوها ومن يعرِّفون عن نفسهم عبر شخص ثقة. وكان هذا حال غالبية دور العبادة المسيحية التي مررنا بها، كما بدا الشبان المتجمعون عند النواصي أكثر من مجرد «متسكعين» في يوم جمعة مشمس.

وحسب الشاب الذي يزاوج بين وظيفة حكومية نهاراً ومهمة الحراسة مساءً، فإن هؤلاء «الأمنيين» كلهم متطوعون بالكامل، يسهرون على أهلهم وأرزاقهم من دون مقابل مادي وكل بحسب قدرته وظروفه، «يشاركهم أحياناً بعض أصدقائهم أو جيرانهم المسلمون».

تعاون مع المخفر

وأما عن رجال الأمن الفعليين، التابعين للحكومة السورية، فهؤلاء يبقون في المخفر وفي فرع الأمن الجنائي عند مدخل المنطقة، لا يتجولون في الشارع إلا بطلب مباشر من «مجموعات الأحياء». فإذا وقع حادث أو مشادة تتطلب تدخلهم، يتم استدعاؤهم؛ لكون المتطوعين غير مسلحين إلا ببعض القطع الفردية «وهي قليلة جداً ومرخصة ويحملها أصحابها بمعرفة المخفر».

ويوضح محدثي أن أحداً من حملة السلاح الفردي لا يستخدمه في مناوبات الحراسة المشتركة لئلا يتحمل مسؤولية فردية عن أي حادث عام فتنزلق الأمور إلى تصعيد غير مضبوط «خصوصاً أن شباب الأمن لا يتأخرون في الاستجابة عندما نطلبهم».

ويتابع: «الوضع مربك جداً. فما عدنا نعلم كيف نميز الخطر الحقيقي... وفي الحادثة الأخيرة وصل الأمن وساعدنا منذ اللحظة الأولى، لكن حالة هلع عامة أصابت الناس. ماذا نفعل مع الخوف؟ مشكلتنا ليست أبداً مع الدولة، فنحن نريد دولة، ولا مع رجال الأمن، فقد وقفوا معنا. مشكلتنا في غياب الأمن».

مسلح درزي (يسار) يتحدث مع قوات الأمن السورية التي توصلت إلى اتفاق للانتشار حول جرمانا جنوب دمشق (أ.ب)

«تفاهمات» جرمانا

ذلك الكلام بحرفيته تسمعه في جرمانا التي نالت حصتها من «صفعة اليقظة» مع مشاكل المناطق الدرزية بدءاً بمواجهات صحنايا نهاية أبريل (نيسان) الماضي، ثم أحداث السويداء، لكن سريعاً ما نأت جرمانا بنفسها عبر «تفاهمات محلية»، أبرزها مشاركة الشباب الدروز في دوريات الأمن العام ونقاط الحراسة والعمل معهم بواقع شاب أو اثنين لكل مجموعة أمنية من خمسة عناصر.

وإذ لا يرتدي شبان الحراسة الأهلية في جرمانا اللباس العسكري، غير أنهم يلتزمون بشيء من الملمح العسكري كالبنطال والقميص الأسودين تحت سترة كاكية أو كحلية، ويشكّلون بذلك «مفاتيح» الأحياء ووجهاً مألوفاً للأهالي ورجال الأمن معاً فيضبطون إيقاع الطرفين معاً.

وبخلاف الدويلعة، تعدُّ جرمانا تقليدياً مدينة للطبقة المتوسطة وأصحاب المهن الحرة في دمشق وهي شهدت بدورها توسعاً كبيراً في العقد الأخير، جعلها أكثر اكتظاظاً وزحمة وعشوائية. لكن الركيزة فيها حسب أحد شبانها، وهو رجل دين درزي، أن «التعايش الأهلي هنا فطري وسابق على الأوضاع الحالية»، لافتاً إلى أن دروز جرمانا هم «سكان أصليون يقيمون فيها منذ ما يقارب ألف عام، ولا يتحدرون من حلب وشمال البلاد».

وبالتالي، فإن «الإشكالات الأمنية» التي برزت في العام الماضي، هي مرة أخرى «أمور طبيعية»، ألفها دروز جرمانا عبر العصور وباختلاف أنظمة الحكم في دمشق. وهنا، في هذه البقعة من الفسيفساء السورية، يشكل الترابط السني - الدرزي التاريخي، صمغ الروابط الاجتماعية وركيزة الأمن السياسي. لذا؛ حين فاوض أبناء جرمانا على إبقاء سلاحهم، وهم بعكس أبناء الدويلعة، مسلحون ولا يخفون ذلك، فقد نجحوا في التوصل إلى «حلول وسطية مُرضية للجميع» بالمشاركة الفاعلة في حفظ أمن منطقتهم والبقاء ضمن حدودها.

زينة ميلاد ورأس السنة في أحد أحياء حلب وبدا رجلا أمن يحرسان المكان (الشرق الأوسط)

وعن ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين مطلب السكان بـ«ضبط الأمن» من جهة، وندائهم الصامت بـ«الحفاظ على خصوصية المنطقة» من جهة ثانية في معادلة صعبة تشوبها جيرة قابلة للاشتعال في أي لحظة، قال الشاب الأمني ابن الدويلعة: «في الواقع عرضوا علينا الانتساب للشرطة عوضاً عن العمل التطوعي هذا، لكن الأهالي رفضوا لأن ذلك يعني خروج الشباب من الحي لتأدية خدمتهم، حيث يتم توزيعهم في المناطق السورية كافة، كذلك يفترض بهم الالتزام بقرارات القيادة وهم يفضلون البقاء في الدويلعة».

صور نمطية

وإذا كانت جرمانا تعيش بشيء من الرخاء الاقتصادي، فإن الدويلعة، وباختلاف الانتماءات الطائفية والمناطقية فيها، يبقى القاسم المشترك الأبرز بين سكانها هو الحالة الاقتصادية المتردية التي تشابه الفقر إن لم تكن الفقر بعينه. يقول شاب من أبناء الحي تهجَّر مع والدته «في مطلع الأحداث» (الثورة ضد نظام بشار الأسد) من درعا ولم يكن يتجاوز العاشرة من عمره: «هناك نظرة للمسيحيين بأنهم بالضرورة مرفَّهون وأغنياء وهم لا يعرفون كيف يعيش الناس هنا. يعتقدون أننا جميعاً من القصَّاع وباب توما».

شجرة ميلاد وزينة في أحد فنادق باب توما في دمشق (الشرق الأوسط)

وعمَّا إذا كان يعرف هاتين المنطقتين الشهيرتين معرفة جيدة أو له أقارب فيهما مثلاً، قال إنه يذهب أحياناً مع أصدقائه للفرجة، ولكنه يعود قبل هبوط الليل.

وهناك في القصَّاع وباب توما، حيث البيوت الدمشقية التقليدية التي تحولت فنادق ومطاعم فاخرة، بدت زينة الميلاد هذا العام استثنائية بكل المقاييس، وطغت على المشهد العام للعاصمة السورية؛ إذ امتدت إلى شوارع وأحياء خارج حدود المناطق ذات الطابع المسيحي حصراً.

بدت أحياء دمشق الراقية كلها مزدانة بشجرات العيد والزينة الحديثة كما عمدت الفنادق والأسواق التي امتنعت عن إبداء أي مظاهر احتفالية العام الماضي، إلى استعراض كل ما لديها من إضاءة وتصاميم ميلادية متنوعة. في أكثر من فندق حمل حرفيون وفنانون محليون بضائعهم ومصنوعاتهم اليدوية للمشاركة في «معارض الميلاد»، حيث عزفت فرق شبابية موسيقى غربية من وحي المناسبة.

عائلة سورية تلتقط صورة تذكارية أمام شجرة الميلاد في دمشق (أ.ف.ب)

ولا يخفى أن شجرات الزينة في الأماكن العامة والفعاليات ومداخل الحارات محمية بعناصر من الأمن العام أو سيارات شرطة، أو بحراسات أهلية تعمل بالتنسيق كما هي الحال في الدويلعة. كذلك، فإن الضوء الأخضر الحكومي، غير المعلن ولا المكتوب، بضرورة أن يحتفل المسيحيون بأكثر صخب ممكن، لا يخفى بدوره. فالجهد الكبير المبذول في «طمأنة» القلقين، يتجاوز دمشق وأحياءها إلى حلب وما بينهما من بلدات مسيحية بدأت تشهد عودة أهلها تدريجياً ومعهم طقوسهم الميلادية وصورهم وفيديوهاتهم التي انتشرت على «السوشيال ميديا».

أقليات ضمن أقليات

قد يوحي ذلك المشهد العام لبرهة بأن للمسيحيين في سوريا حصةً أكبر من حجمهم الديمغرافي في قطاعات السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو أي حيز عام، وهم كانوا حتى مطلع 2011 يقاربون 10 في المائة من السكان، حسب المعلن رسمياً. لكنهم عملياً وبمختلف مذاهبهم ومشاربهم (وهم يقاربون 11 طائفة) ممثلون بوزارة واحدة للشؤون الاجتماعية تحتل فيها الوزيرة هند قبوات مقعد المرأة ومقعد الطائفة معاً، مثلما منح الدروز وزيراً للزراعة هو ابن السويداء أمجد بدر.

شجرة ميلاد وبابا نويل في بلدة القنيّة في إدلب (أ.ف.ب)

وفي وقت تتسابق فيه مكونات المجتمع السوري من «الأقليات الأكبر» على نفض خطاب «الأمة العربية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة» الذي كان يرفعه حزب «البعث» شعاراً، وحجز مواقع في التركيبة الجديدة تعكس واقعهم على الأرض، يبدو الإحجام والترفع عن المطالبة بحصة وازنة من الدولة ومؤسساتها هو مآل «الأقليات الأصغر». فحتى وظيفة الشرطي في حي فقير كالدويلعة لا تبدو مغرية كفاية، وكأن جُلّ المطالب يتحقق في شجرة عيد وبعض الزينة الموسمية ومشاركة ضمن حدود الحارة، وهم إذ ذاك يرسخون كونهم استثناءً نادراً و«أقلية نموذجية».


كيف يجرف تسونامي الذكاء الاصطناعي ملايين إلى البطالة؟

«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

كيف يجرف تسونامي الذكاء الاصطناعي ملايين إلى البطالة؟

«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)

لم يكن عام 2025 سعيداً على اللبنانية حامدة الشاكر، وهي مدققة ومحررة لغوية، إذ انتهت مسيرتها المهنية قبل أن ينتهي العام. الشاكر، التي لامس عمرها الستين، لم يسبق لها تجربة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو التحدث مع «تشات جي بي تي»، كما يفعل الكثيرون، ولم تدرك أن هذه الأدوات التي غزت أجهزة الجوال والكمبيوتر باتت تؤدي عملها بسرعة وكفاءة مذهلتين.

لقد شكّل هذا التحول في المهن «تسونامي» جرفها مع ملايين الموظفين حول العالم نحو البطالة، في ظاهرة لا تستثني أحداً وتضرب قطاعات متعددة. لكن تأثيرها يكون أشد على الموظفين الذين تجاوزوا سن الخمسين، ولم يواكبوا سرعة التغيير التكنولوجي. فوفقاً لموقع «allaboutai»، تسبب اعتماد الذكاء الاصطناعي حتى الآن في فقدان نحو 14 مليون موظف لأعمالهم حول العالم، و«الحبل على الجرار»؛ إذ هناك توقعات بزوال 92 مليون وظيفة في العالم خلال السنوات الخمس المقبلة.

في جوهره، الذكاء الاصطناعي هو قدرة الأنظمة الحاسوبية على محاكاة التفكير البشري، واتخاذ القرارات، وتنفيذ المهام المعقدة، بدءاً من التخطيط وصولاً إلى التطبيق العملي، بخاصة في المجالات النظرية والتحريرية.

صدمة ومستقبل غامض

هذا الواقع لم تكن الشاكر على علم به، ما تسبب لها بصدمة تلتها صدمة أخرى خلال 2025 الذي شهد أوسع انتشار لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كانت الصدمة الأولى حين تلقت اتصالاً من قسم الموارد البشرية يخبرها بتخفيض راتبها بنسبة 50 في المائة بسبب «صعوبات مالية تواجهها الشركة». وبعد أقل من خمسة أشهر، جاءتها الثانية عبر اتصال آخر يبلغها بقرار الاستغناء عنها، من دون أن تفهم السبب.

لكن وفق رواية الشاكر، نقلاً عن مسؤول قسمها، لم تكن وحيدة في ذلك؛ إذ فقد نصف الفريق وظائفهم نتيجة تأثير الذكاء الاصطناعي على عقود العملاء، أي الشركات التي راحت تستعين بالذكاء الاصطناعي لصياغة أخبارها وبياناتها وتقاريرها، مجاناً أو مقابل اشتراك شهري زهيد، مقارنة بالمبالغ التي كانت تتكبدها للتعاقد مع وكالات متخصصة في مجال العلاقات العامة والدعاية.

وفي هذا السياق، تشير تحليلات اقتصادية، نشرتها «رويترز»، إلى أن الاشتراك السنوي في أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة – حتى على مستوى المؤسسات – لا يتجاوز في كثير من الحالات تكلفة راتب موظف واحد لشهور محدودة. وهذا يجعل القرار، من منظور إداري بحت، خياراً «موفراً» وسهل التبرير مالياً.

وهكذا، تصبح الشاكر وزملاؤها رقماً إضافياً في معادلة باردة: شركات تزيد أرباحها وتخفض تكلفة الإنتاج، مقابل اتساع رقعة العاملين الذين يُدفعون خارج السوق، ليس لأنهم أقل كفاءة، بل لأن الخوارزميات باتت أقل كلفة من البشر.

القطاعات الأكثر تأثراً

قصة الشاكر وزملائها ليست حالات فردية؛ بل هي جزء من ظاهرة عالمية متنامية، شملت موظفين وعمالاً في قطاعات متعددة. وتشير تقارير متخصصة إلى أن الوظائف القائمة على المهام الروتينية أو المعالجة المتكررة للبيانات هي الأكثر عرضة للاستبدال، وذلك مع التوسع في استخدام أدوات الأتمتة والذكاء الاصطناعي التوليدي. وهنا نظرة على أبرز تلك القطاعات:

خدمات الزبائن ومراكز الاتصالات: تُعد في مقدمة القطاعات المهددة. فأنظمة المحادثة الذكية وتحليل النصوص والصوت باتت قادرة على التعامل مع استفسارات المستخدمين بكفاءة عالية، وفقاً لموقع TechRT.

البيانات والدعم الإداري: يبرز هذا القطاع بين الأكثر تأثراً. فمهام مثل إدخال البيانات وتصنيف الملفات وأعمال السكرتارية تُستبدل بأدوات أتمتة متقدمة، حسب منصة Complete AI Training.

التجزئة وسلاسل التوريد: تُظهر تقارير Pleeq Software وninjatech.blog أن الدفع الذاتي، والمستودعات الذكية، وأتمتة المخزون، أسهمت في تقليل الحاجة إلى موظفي الصندوق (الكاشير) والعمال التقليديين في المخازن.

الصناعة والإنتاج: عزّز انتشار الروبوتات الاصطناعية وتقنيات التحكم الآلي من تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف العمالة اليدوية، حسب موقع All About AI.

المحاسبة والعمليات المالية: وظائفها البسيطة تسجل تراجعاً في الطلب، وذلك نتيجة اعتماد الشركات على برمجيات مالية ذكية قادرة على تنفيذ مهام مسك الدفاتر (bookkeeping) والعمليات الروتينية، حسب Complete AI Training.

صناعة المحتوى والإعلام: لم تكن هذه الصناعة بمنأى عن التحولات؛ إذ بات الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة المحتوى وتلخيصه وإعادة صياغته، مما يهدد عدداً من المهام الكتابية البسيطة.

ولا يدري كثير من الموظفين الذين فقدوا أعمالهم أنهم ضحايا «الثورة الصناعية الرابعة»، التي كان كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ومديره حينها، نبّه إلى نتائجها قبل حدوثها بقوله، أمام «القمة العالمية للحكومات» في دبي عام 2016، إن «العالم يقف على حافة ثورة تكنولوجية من شأنها أن تحدث تغييراً جذرياً في أنماط الحياة التي نعيشها والعمل الذي نؤديه والطريقة التي نتعامل بها بعضنا مع بعض. وبسبب عظم حجم هذه الثورة ونطاقها وتعقيداتها، فإن التغييرات التي سترافقها لم ترَ البشرية مثيلاً لها من قبل. نحن لا نعرف حتى الآن كيف ستكون تلك التغييرات، لكن شيئاً واحداً واضحاً لنا الآن: يجب أن يكون تجاوبنا نحن (مهما كنا في القطاع الخاص والعام والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني) معها متكاملاً وشاملاً».

متطلبات السوق والمهارات البشرية

وما توقعه شواب تحقق بشكل كبير، خصوصاً في الأشهر الأخيرة، مع تزايد تبني الشركات حول العالم لأدوات الذكاء الاصطناعي، ولم تعد الخبرة وحدها كافية للبقاء ضمن سوق العمل التنافسي. الوظائف التقليدية تتغير بسرعة، والمهارات البشرية المطلوبة أصبحت أكثر تخصصاً وتعقيداً؛ إذ لم يعد التركيز منصباً فقط على الأداء الفردي، بل على القدرة على التعاون مع الأنظمة الذكية وتحويل المعلومات إلى قيمة مضافة.

في هذا السياق، يبرز دور الخبراء المهنيين الذين يفهمون كيفية دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي دون التضحية بجودة النتائج أو العمق التحليلي، وفق ما يوضحه مزيد حجاز، رئيس تحرير وكالة «نحو الحوار للدعاية والإعلان» في الرياض.

ويؤكد حجاز لـ«الشرق الأوسط» أن «الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من العمل اليومي من ناحية السرعة والكمية، بينما تبقى المراجعة والتحرير والتحليل مرتبطة بالكامل بالإنسان لضمان الجودة».

ويضيف حجاز أن «القطاع يحتاج اليوم إلى مهارات جديدة، ومن يتخلف عنها يكن خارج السرب. أبرزها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحليل، وقراءة البيانات، والتحليل التنبؤي، وتحويل المعلومات إلى سردية مشوّقة. الدمج بين مهارات الإنسان وأدوات الذكاء الاصطناعي هو ما يضمن التفوق».

من جانبه، يشدد فراس بركات، خبير الاتصالات الاستراتيجية في السعودية، على أن الذكاء الاصطناعي «يمثل نقطة تحول محورية في أسواق العمل، تعزز الكفاءة وتعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة».

ويقول بركات لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك أنه تسبب في فقدان وظائف تقليدية كالمهام الروتينية، لكنه، في المقابل، محرك ضخم لتوليد فرص عمل جديدة في مجالات متقدمة مثل تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة الذكية، وهندسة الحلول الرقمية، ووظائف لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة».

تكرار التاريخ

إلا أن حسن يحيى، الخبير التكنولوجي المقيم في الولايات المتحدة، يقدم رأياً مستنداً إلى التاريخ، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليست المرة الأولى التي يقف فيها العالم مذهولاً أمام التطورات التقنية. يتكرر الخطاب نفسه حول فقدان الوظائف مع كل ابتكار ضخم»، لافتاً إلى أنه في عام 1959، عندما أدخلت «جنرال موتورز» الروبوت الاصطناعي «يونيمايت»، برزت موجة كبيرة تحذر من خطورته على الوظائف.

ويشير يحيى إلى أن «الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر على ملايين الوظائف، وهناك توقعات للمنتدى الاقتصادي العالمي بزوال 92 مليون وظيفة خلال السنوات الخمس المقبلة. لكن في المقابل، سيولد أكثر من 170 مليون وظيفة جديدة، ما يعني تحولاً جذرياً في بنية العمل، لا بطالة جماعية».

ومن هنا، يقول يحيى: «من المنطق أن فقدان الوظائف من دون تعويضها لا يخدم الشركات ولا الاقتصادات، ما يجعل توليد وظائف جديدة أمراً حتمياً. لكن ذلك يتطلب تعلم كيفية العمل مع الذكاء الاصطناعي؛ لأن تجاهل هذا التحول قد يترك كثيرين خارج سوق العمل المتغير».

توفير التكلفة وتعظيم الأرباح

ما يتعرّض له الموظفون لا يمكن فصله عن معادلة اقتصادية باتت تتكرر في آلاف الشركات حول العالم. فبدلاً من الاحتفاظ بموظفين ذوي خبرة، وما يصاحب ذلك من رواتب وتأمينات وحقوق نهاية خدمة، تتجه مؤسسات كثيرة إلى الاستغناء عن كوادرها لمصلحة الذكاء الاصطناعي.

وهذا ما يؤكده تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum)؛ إذ يفيد بأن 41 في المائة من الشركات العالمية تخطط لتقليص قواها العاملة بحلول عام 2030 نتيجة اعتمادها المتزايد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة.

وهنا يتحدث حجاز عن تأثير تبني الذكاء الاصطناعي على علاقة الشركات مع العملاء، فيقول إن «استخدام الذكاء الاصطناعي أسهم في تسريع العمل وتحسين جودته بشكل ملحوظ. انتقلنا من مرحلة سرعة الحصول على المعلومة إلى مرحلة (المعلومة في ومضة)، أي تحليلها وصياغتها لحظياً، مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم سيناريوهات متعددة للمحتوى، وتحليل اتجاهات الجمهور». ويستشهد بدراسة لـDeloitte تفيد بأن دمج الذكاء الاصطناعي في العلاقات العامة أدى إلى خفض زمن إنتاج المحتوى بنسبة 25-35 في المائة وتحسين دقته.

سوق بمليارات الدولارات

وهنا تتوزع المكاسب على جهتين، رجال الأعمال وشركاتهم وكذلك الشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي التي تحقق عائدات مالية ضخمة، تتناقض مع واقع آلاف الموظفين. ففي منتصف عام 2025، حسب تقرير لـ«رويترز»، وصلت الإيرادات السنوية لشركة OpenAI، المطوّرة لنموذج ChatGPT، إلى نحو 10 مليارات دولار بنهاية النصف الأول من العام، متجهة نحو هدف يتجاوز 12.7 مليار دولار بحلول نهاية العام، مدفوعة بالطلب المتسارع على خدماتها وبرمجياتها الذكية.

ولا يقتصر هذا النمو المالي على OpenAI وحدها؛ إذ أظهر تقرير لـ«فوربس» أن شركات تقنية عالمية أخرى تمتلك وحدات ذكاء اصطناعي تُسهم في رفع إيراداتها السنوية بمليارات الدولارات، ما جعل الذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر الربح للشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا، حتى عندما يستغني بعضها عن موظفين بهدف تحسين كفاءة التكلفة التشغيلية.

اللاعبون الرئيسيون

وبناء على ما تقدم، يطرح سؤال جوهري هو: من هم اللاعبون الرئيسيون في هذا المجال؟ ويجيب الذكاء الاصطناعي نفسه بالتالي: شركة OpenAI، الأشهر عالمياً بفضل ChatGPT، رائدة في النماذج اللغوية الضخمة، ولديها شراكة استراتيجية مع Microsoft.

تليها Google DeepMind، التي طورت نماذج قوية مثل Gemini وAlphaGo، وتعد رائدة في الذكاء الاصطناعي العلمي والطب والبحث.

وMicrosoft نفسها أصبحت قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، مستثمرة مليارات الدولارات في OpenAI، ودمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي في Windows وOffice (Copilot) وAzure AI.

في المقابل، تعمل NVIDIA على تطوير الرقاقات والمعالجات الأساسية للذكاء الاصطناعي، بينما تقدم Meta (Facebook) نماذج مفتوحة مثل LLaMA. وكذلك تعد Amazon (AWS) رائدة في الذكاء الاصطناعي السحابي، فيما تبرز Anthropic كمنافس قوي في مجال نماذج اللغة.

أما بالنسبة إلى حجم سوق الذكاء الاصطناعي فتفيد تقديرات حديثة بأنه بلغ في عام 2025 نحو 747.9 مليار دولار، مع توقعات بنموه ليصل إلى 2.74 تريليون دولار بحلول عام 2032، وفق موقع AffMaven.

القلق من التداعيات

هذا التباين الصارخ بين عائدات بمليارات الدولارات تحققها شركات الذكاء الاصطناعي، والخطر المتصاعد الذي يهدد ملايين الموظفين الذين يجدون أنفسهم بلا عمل أو في وظائف هشّة، يطرح سؤالاً أخلاقياً واقتصادياً مركزياً: لماذا تستفيد الشركات من التكنولوجيا لتقليل التكلفة الإنتاجية وتعظيم أرباحها، بينما تظل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه الموظفين المستغنى عنهم غائبة أو مؤجلة في كثير من الأحيان؟

فهذا التوفير، كما يحذر خبراء اقتصاد، يتم غالباً دون تحمل الشركات لمسؤولياتها الاجتماعية، ولا يُقابل بإعادة تأهيل حقيقية للموظفين المسرّحين، ولا بتوليد فرص بديلة لهم، مما يسهم في تعميق أزمة البطالة عالمياً بدلاً من معالجتها.

إسلام الشافعي، الخبير الاقتصادي المقيم في نيويورك، يستهل حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالإشارة إلى تصريح أدلى به رئيس الاحتياطي الفيدرالي (الأميركي) جيروم باول، في 20 ديسمبر (كانون الأول) وتضمن تحذيراً من «موجة الاستغناء عن الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي، أو توقف شركات عن الإعلان عن وظائف للسبب نفسه».

مخاوف من احتمال تحول هذه الآلات إلى متخذة قرار بدلاً من أن تكون مجرد مساعد للإنسان (أ.ب)

ثم يقدم الشافعي رأياً مغايراً، لكنه يحمل تحذيرات عميقة. ويقول: «حتى هذه اللحظة، الرعب من الذكاء الاصطناعي هو رعب وقائي أو مسبق؛ إذ لم يبلغ مرحلة يحل بها محل الإنسان تماماً. ما هو حاصل الآن هو استعانة به، لكن لا يمكن الثقة به بشكل كامل». ويضيف: «صحيح أنه قد يؤدي إلى انخفاض عدد العمال، حيث يمكن لعمل كان يتطلب 5 موظفين أن ينجزه موظف واحد مع الذكاء الاصطناعي. هذا هو الخطر الحقيقي»، مشيراً إلى أن منظمة العمل الدولية لديها تحفظات كبيرة بشأن السلامة وقدرة الآلة على اتخاذ القرار. ومع ذلك، هناك أعمال لم يهددها الذكاء الاصطناعي، حتى الآن، مثل الحرف اليدوية (السباك، الكهربائي، النجار، الخياط)، وستبقى لفترة طويلة تعتمد على القدرة البشرية والإبداع البشري».

كسر الاحتكارات

وفي هذا السياق يركز يحيى على كسر ثلاثة احتكارات رئيسية لمواجهة هذه التحولات:

احتكار الشهادات الجامعية في التوظيف: شركات كبرى مثل «غوغل» و«ديل» أسقطت شرط الشهادات الجامعية، لتركز على المهارات المكتسبة.

الاحتكار التقني: الذكاء الاصطناعي منح الأفراد قدرة أكبر على تنفيذ الأفكار من دون الحاجة إلى فرق كبيرة.

الاحتكار اللغوي: للمرة الأولى، أصبحت التكنولوجيا غير مرتبطة بلغة واحدة، ما يسمح للمستخدم بالتفاعل مع الذكاء الاصطناعي بلغته الأم، ويفتح المجال لملايين الأشخاص للمشاركة في الاقتصاد الرقمي.

والاقتصاد الرقمي استمد من الثورة الرقمية التي غدت جزءاً رئيسياً من الاقتصاد العالمي، وتُظهر البيانات حجماً هائلاً يعكس تأثير التكنولوجيا والتحوّل الرقمي على الإنتاج والنمو؛ إذ من المتوقع أن يتجاوز حجم الاقتصاد الرقمي العالمي في عام 2025 نحو 24 تريليون دولار، ما يعادل نحو 21 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي، مع استمرار النمو بوتيرة أسرع من الاقتصاد التقليدي.

اضمحلال الرأسمالية

أما الشافعي فيذهب بعيداً في تحليله، بخاصة خلال حديثه عن الجوانب القانونية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الرأسمالية والدول المتقدمة التي تعتمد في مداخيلها على الضرائب التي تحصّل بمعظمها من الموظفين، ويقول: في حال فقدان الموظفين لوظائفهم مقابل الذكاء الاصطناعي الذي يعد أصحاب الأعمال المستفيد الأكبر منه، لن يبقى هناك وعاء ضريبي كافٍ للحكومات لتمويل خدماتها، مما قد يؤدي إلى انهيار هذه المجتمعات بسبب الفقر العام. في المقابل، قد تكون الدول التي تعتمد على نموذج التكافل والتعاون، حيث تكون الدولة هي المنتج، أكثر قدرة على مواجهة هذا التحدي.

ويشير الشافعي إلى أن «رجال الأعمال الذين كانوا يبنون مصانعهم في شرق آسيا للاستفادة من رخص الأيدي العاملة، قد يعودون إلى أوطانهم ليعتمدوا على الروبوتات في إنتاج سلعهم».

قلق أممي

ولما كانت مسألة خسارة الوظائف تأخذ بعداً عالمياً، فإنها بدأت تلقى صدى داخل أروقة الأمم المتحدة، وبخاصة في مقرها الرئيسي في نيويورك.

وهذا ما يؤكده الشافعي، الذي يمارس عمله من ذاك المقر الأممي، ويقول: «إن هناك قلقاً شديداً في الأمم المتحدة تجاه ثورة الذكاء الاصطناعي، لكن يؤخذ عليها أنها أصيبت بمرض التغاضي والحالة النفسية التي تصيب المضاربين عندما تكون هناك فقاعة اقتصادية، وهو محاولة النظر إلى المكاسب والتغاضي عن حجم الخسائر».

ويلفت إلى أن النقاش في الأمم المتحدة يدور حول أحد جانبي الذكاء الاصطناعي، أي الإيجابيات، إذ يسرع 80 في المائة من أهداف التنمية المستدامة (التي اعتمدتها الأمم المتحدة)، ويدعم 27 في المائة من مجالاتها، ويساعد في الأمن السيبراني. لكن الجانب الآخر، أي السلبيات، فإنهم لم ينظروا إليها بشكل واسع بعد، مثل الهاكرز (المخترقين) الذين قد يستغلون الذكاء الاصطناعي في عمليات الاحتيال الإلكتروني التي تغزو الكوكب.

ويؤكد الشافعي أن «المجتمع أصبح الآن مصاباً بمرض التعامي نتيجة هذه الفقاعة التكنولوجية، ويبحث عن المبررات، ويتغاضى عن السلبيات». وينبغي أن تكون هناك قوانين تنظم هذه البيئة؛ إذ أظهرت دراسات الأمم المتحدة أن 85 في المائة من الدول تفتقر إلى البيئة القانونية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي. لكن بعض الأصوات، وفي مقدمتها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تحذر بقوة من ترْك مستقبل البشرية للخوارزميات. وسبق له أن حذر في مجلس الأمن وغيره، من عسكرة الذكاء الاصطناعي. والسؤال هنا: إذا لم يكن الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، فهل كانت ستدعمه الدول؟ هناك مخاوف من أن يتحول إلى سباق وقيود أمنية جديدة تفرضها الحكومات على مواطنيها، بحيث يكون هو الرقيب وأن يتحول إلى آلة لعذاب المواطنين. يختتم الشافعي بأن أكثر المجالات التي ينطلق فيها الذكاء الاصطناعي هي المجالات العسكرية والأمنية وتقنيات التعرف على الوجه والتتبع، محذراً من احتمال تحول هذه الآلات إلى متخذة قرار بدلاً من أن تكون مجرد مساعد، وربما تقضي على الحياة على سطح الأرض.

تهديد أم فرصة؟

ومن هنا، فإن المخاوف من الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند حدود فقدان الوظائف أو إعادة تشكيل سوق العمل، بل تمتد إلى مستويات أكثر خطورة تمسّ جوهر الأمن الإنساني ذاته والشفافية، وبخاصة في مجال المعلومات.

وهنا يؤكد حجاز أن «الذكاء الاصطناعي يفرض مسؤولية أكبر لضمان الدقة والشفافية. نعتمد منهجاً واضحاً يشمل جودة المعلومات وموثوقيتها، والشفافية في الاستخدام، ونلتزم بالإفصاح عن دوره في عملياتنا».

لكن هل الذكاء الاصطناعي تهديد أم فرصة؟ يجيب حجاز: «رغم أن هذا السؤال بات هاجساً، فإن التجارب الحديثة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي تطور حتمي يجب استثماره. فكما واجه العالم تحفظات مشابهة عند ظهور الحاسوب ثم الإنترنت، يتكرر المشهد اليوم، لكنه سرعان ما يتحول إلى عنصر تمكين بدل التهديد».

ويلفت إلى أن كثيراً من الدول، بينها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، أصبح التكيف مع الحداثة جزءاً من الثقافة المهنية فيها. لكن من المهم الإشارة إلى أن 90 في المائة من العاملين في القطاع عالمياً، وفق دراسة من Cornell ArXiv، يرون أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على موثوقية المعلومات ويزيد الحاجة للتحقق. كما يتوقع 59 في المائة من الجمهور الأميركي انخفاض عدد الصحافيين. في المقابل، تؤكد Muck Rack أن 75 في المائة من محترفي الإعلام والعلاقات العامة يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين الإنتاجية وتحليل البيانات وتطوير المحتوى، «ما يعني أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهنة، لا استبدالها»، طبقاً لحجاز.

القيمة الإنسانية

ويؤكد أن «الإبداع هو القيمة الإنسانية التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها تحت أي ظرف. في (حوار)، نحرص على تحفيز المبادرات الفردية وتشجيع الشغف المهني، وهذا يتسق مع (رؤية السعودية 2030) التي وضعت الإنسان في قلب عملية التحول». ويضيف أن التقنية تعزز الإبداع ولا تلغيه، والإنسان يظل مصدر القيمة الأساسية.

ليس بديلاً

والإبداع البشري لا يزال ضرورياً، حى الآن، وفق ما يؤكده أستاذ الترجمة الدكتور محمد خير ندمان لـ«الشرق الأوسط». ويتحدث عن تجربته قائلاً: «من تجربتي في مجال الترجمة والكتابة أستطيع القول إن أدوات الذكاء الصناعي أصبحت توفر حوالي ٦٠%؜ من الوقت على الأقل، وهي تدعم عمل المترجم والكاتب وتعززه، لكنها -حتى الآن- ليست بديلاً عن العنصر البشري بشكل كامل». ويضيف: «أحياناً يرتكب الذكاء الصناعي أخطاء (قاتلة)، ومهمة العنصر البشري أن يدقق ما ينتجه الذكاء الصناعي ويصحح ما يرتكبه من أخطاء. حتى عند البحث عن معلومات، يعطي الذكاء الصناعي أحياناً معلومات خاطئة تماماً. ويشير ندمان، وهو سوري، إلى أنه سأل الذكاء الصناعي مرة عن نفسه فـ"جعلني كاتباً وشاعراً تركياً!!!».

من جهته، يقول بركات، إن «مستقبل سوق العمل لن يُقاس بعدد الوظائف التي تختفي، بل بقدرة الأفراد والمؤسسات على تطوير المهارات وتبني ثقافة التعلم المستمر. التحدي الأكبر يتمثل في مواكبة التحولات السريعة من خلال الاستثمار في التعليم، وإعادة التأهيل المهني، وتمكين الشباب من المهارات الرقمية».

الخبز والخباز

لكن الدكتور م. عبدالهادي، رئيس قسم علم الأمراض (Pathology) في أحد مستشفيات الولايات المتحدة، يرى أن «تسونامي» الذكاء الاصطناعي «لن يستمر طويلاً إذا وُضعت لوائح تنظيمية مناسبة له». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل من يقرأ معلومات طبية عبر الإنترنت أو يجمعها باستخدام الذكاء الاصطناعي يصبح طبيباً، ولا كل من ينقل أخباراً يصبح صحافياً، ولا كل من يقرأ عن محرك سيارة يصبح ميكانيكياً. على سبيل المثال، حتى لو جمعت معلومات واسعة حول القانون بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فلن تُقبل في المحكمة كمحامٍ»، مشيراً إلى الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد الأشخاص على طرح الأسئلة الصحيحة لمتخصصيهم، وجعل الإجراءات أكثر فعالية، مع تعزيز مصداقية الخبراء وتقليل فرص الاحتيال أو التدخل غير المهني.

ويستعين الدكتور عبدالهادي بالمثل القائل «أعطِ خبزك للخباز حتى لو أكل نصفه»، ليؤكد أن «الخبرة الحقيقية يجب أن تبقى في يد المختصين، فالتدريب المهني والتراخيص لا يمكن ولا ينبغي منحها للهواة، حتى لو كانوا مثقفين ومطلعين بفضل الذكاء الاصطناعي». ويختتم قائلاً: «نصف المعلومة قد يضر أكثر مما ينفع عند التطبيق، والأدلة الحقيقية تظهر في النتائج».

محاولة أخيرة؟

حامدة الشاكر لا تعد نفسها من الشباب، وهي تعيش في بلد (لبنان) يعاني من أزمة مالية كبرى ولا تقاعد فيه للعاملين في القطاع الخاص، وكانت تظن أن وظيفتها في شركة لها بُعد إقليمي تشكل لها ضمانة طويلة الأمد، لكن جاء من يهدد لقمة عيشها من حيث لا تحتسب.

وبعد فقدانها عملها، حاولت اللحاق بالركب المتسارع. أنشأت حساباً على «لينكدإن» وسجلت في منصات توظيف، وبخاصة الخليجية مثل «بيت.كوم»، وتتابع دورات مجانية على الإنترنت لتعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحرير، وأرسلت عشرات النسخ من سيرتها الذاتية. لكن الردود كانت قليلة، وغالباً آلية. وتوضح أن «الإعلانات تطلب مهارات لم تكن مطلوبة عندما بدأت مسيرتي. يريدون شخصاً يكتب، ويحلل بيانات، ويدير أدوات ذكاء اصطناعي، ومختص في حسابات (السوشيال ميديا)، ويعمل بثلاثة أضعاف السرعة».

قصتها تعكس معضلة جيل كامل وجد نفسه خارج السوق، لا بسبب ضعف الكفاءة، بل لأن قواعد اللعبة تغيّرت فجأة. وتختم بمزيج من السخرية والحسرة قائلة: «قبل نحو مائتي عام عندما جاءت الثورة الصناعية وحلت الآلة وخط الإنتاج محل الحرفيين، صدر النداء الشهير: يا عمال العالم اتحدوا... فهل يأتي الآن من ينادي: يا موظفي العالم اتحدوا؟».


ترمب... صديق روسيا «اللدود» وصانع «عسلها المر»

ترمب وبوتين في ألاسكا... 15 أبريل 2025 (أ.ب)
ترمب وبوتين في ألاسكا... 15 أبريل 2025 (أ.ب)
TT

ترمب... صديق روسيا «اللدود» وصانع «عسلها المر»

ترمب وبوتين في ألاسكا... 15 أبريل 2025 (أ.ب)
ترمب وبوتين في ألاسكا... 15 أبريل 2025 (أ.ب)

لا شك أن العام الأول من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان حافلاً بأحداث متسارعة أربك بعضها العالم. ودفع إلى إعادة ترتيب أولويات أطراف كثيرة بينها روسيا، التي راهنت بقوة على أن انتصار الرئيس الجمهوري في المعركة الانتخابية يمنحها فرصة ذهبية قد لا تتكرر كثيراً، لتكريس واقع جديد في الصراع المصيري الذي تخوضه منذ 2022.

منذ اليوم الأول، لم يخف الكرملين ارتياحه لرحيل الرئيس جو بايدن وفريقه من البيت الأبيض، ليس فقط بسبب العداوة التقليدية التي يكنها للديمقراطيين، والتيار الليبرالي عموماً الذي يرفع شعارات «هدامة» تهدد فلسفة الحكم المحافظ في روسيا، ولكن لأن الرئيس الجديد – القديم، كان يعلن صراحة، في كل مناسبة، عزمه على التقارب سريعاً مع روسيا، موسكو، وقدرته على إيجاد حلول فعالة للمشكلات الكبرى القائمة.

مع ذلك، لم يرغب الكرملين في رفع سقف توقعاته كثيراً، وراقب بحذر خطوات ترمب الأولى وتشكيل فريقه الرئاسي، ثم تحركاته مع حلفاء أوروبيين، وحيال الملف الأوكراني الأهم بالنسبة إلى روسيا. وللحذر الروسي ما يبرره، ورغم تطابق المواقف حول أن تلك «حرب بايدن» وحول النظرة السلبية لـ«الدور الأوروبي في تأجيج الصراع»، لكن موسكو كانت تدرك أن ترمب قد يخذلها مثلما فعل خلال ولايته الأولى عندما فرض أوسع رزم عقوبات ضد الكرملين رغم أنه كان يردد على الملأ أن «بوتين صديق رائع».

العنصر الثاني الذي برر حذر الكرملين تجاه رئاسة ترمب، كان بسبب اندفاعة الأخير الحماسية لـ«فرض السلام في 24 ساعة». وهو أمر تدرك موسكو جيداً وكما أثبتت التجربة لاحقاً أنه مستحيل، وأن حجم التعقيدات وتشابك المواقف سوف يقوضان أي جهد متسرع لفرض تسوية هشة.

دونالد ترمب وفلاديمير بوتين يتصافحان خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا أغسطس الماضي (رويترز)

محاولات السلام... وتقدم ميداني

لذلك اختار الكرملين تكتيكاً ناجحاً بالإفادة من خبرته السابقة مع ترمب. فهو من جانب امتنع تماماً عن استفزاز واشنطن، أو توجيه اللوم لها، حتى في أوقات صعبة مثل الموقف تجاه حرب غزة، أو الهجوم على الحليف الإيراني. لكنه في الوقت ذاته سار خطوات لتعزيز تحالفاته مع كوريا الشمالية والصين وإيران وغيرها من البلدان التي ساعدت روسيا في تقليص تداعيات العزلة والعقوبات.

في ملف أوكرانيا، أعلن التزامه دعم جهود ترمب، واستند إلى تفهم الإدارة الأميركية للمطالب الروسية خلافاً للموقف مع أوروبا، وهو أمر برز بوضوح خلال القمة الوحيدة التي جمعت الرئيسين ترمب وبوتين في ألاسكا أغسطس (آب) 2025، إذ تبنى الرئيس الأميركي عملياً كل شروط نظيره الروسي، منطلقاً من ضرورة معالجة «الأسباب الجذرية للأزمة».

وتراجع ترمب بذلك عن الحلول المؤقتة مثل الهدنة أو تجميد القتال، بعدما كان هذا هاجسه في الأشهر الأولى لولايته، كما أنه أخذ على عاتقه مهمة صعبة هي الضغط على الأوروبيين والأوكرانيين، لحملهم على تقديم تنازلات مؤلمة. وقد تجلت نتائج القمة في مسودة الخطة الأميركية للسلام التي كادت (في صياغتها الأولى) تكون نسخة حرفية من شروط بوتين، ورؤيته التي قدمها في جولة مفاوضات إسطنبول قبل قمة ألاسكا بشهرين.

وخلال عام حافظ الكرملين على مواقف متشددة رغم أنه لم يغلق باب الحوار مع واشنطن في أي لحظة، وقد برز ذلك خلال جولات مفاوضات مكوكية أجراها مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف الذي زار موسكو ست مرات. وشكلت كل زيارة منعطفاً مهماً خفف من غضب ترمب أحياناً، وحديثه عن «خيبة أمل» بسبب مماطلة بوتين وتشدده.

وقادت جولات ويتكوف إلى استئناف المفاوضات المباشرة مع أوكرانيا ثم ترتيب القمة الروسية الأميركية، وفي بعض الحالات دفعت لإجراء مكالمة هاتفية حاسمة بين ترمب وبوتين في توقيت حساس، مثلما حدث في نوفمبر (تشرين الثاني)، عشية لقاء مهم لترمب مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي، كان يفترض أن يوافق خلاله على رزمة مساعدات عسكرية ضخمة، لكن المكالمة هدأت الموقف وسرعان ما دفعت نحو طرح مبادرة السلام التي تناقش حالياً.

ميدانياً، استغل الكرملين هذا العام بشكل مفيد للغاية. وبينما اتجهت أنظار العالم إلى جهود «صانع السلام» في فرض تسوية محتملة، كانت القوات الروسية تتقدم سريعاً في جنوب وشرق أوكرانيا لفرض أمر واقع جديد لا يمكن تجاهله عند رسم الحدود المستقبلية لأوكرانيا.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)

عقود مجزية... ومكافأة لبوتين

بالتوازي مع نقاشات التسوية المؤجلة، عززت الاتصالات الروسية الأميركية مجالات إحياء العلاقات الثنائية بشكل أسرع من المتوقع. ومع استئناف عمل قنوات الاتصال على المستويات المختلفة التي كانت مقطوعة بين الجانبين، انطلق حوار تفصيلي حول إعادة تشغيل العلاقات وإغلاق ملفات صعبة، بينها مصادرة ممتلكات دبلوماسية وتسيير الرحلات الجوية وتبادل للسجناء. لكن الأهم تمثل في فتح آفاق لعلاقات تجارية مهمة، وقد تحدث كيريل ديمتريف رئيس صندوق الاستثمار المباشر والمقرب من بوتين جداً لدرجة أنه غدا رفيقه في اللقاءات مع المسؤولين الأميركيين، عن عقود مجزية واستثمارات مشتركة بعيدة المدى في قطاعات حيوية عدة بينها قطاع الطاقة والمعادن النادرة. صحيح أن هذه الاستثمارات مرتبطة بإغلاق ملف أوكرانيا لكن المقدمات تبدو إيجابية جداً للطرفين. واللافت هنا، أن بعض تلك الاتفاقات الأولية مرتبط تماماً بملف التسوية، إذ حصل ترمب على وعود باستثمارات مهمة للغاية وواسعة النطاق، في قطاع المعادن النادرة في مناطق دونباس، بعد أن تعترف واشنطن بالسيادة الروسية عليها.

ولم تتأخر المكافأة الأميركية طويلاً، إذ جاءت الخطوة التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي بمراجعة استراتيجية الأمن القومي وإلغاء وصف روسيا بأنها «تهديد مباشر» لتؤشر إلى مستوى التحول الجاري رغم أن الحرب في أوكرانيا لم تتوقف ومسار التسوية ما زال شاقاً.

وقد أظهرت الخطوة الأميركية درجة التباعد بين واشنطن والعواصم الأوروبية في التعامل مع سياسات الكرملين، وهو أمر يعول عليه الكرملين كثيراً ويعد واحداً من أهم إنجازات العلاقة الروسية مع ترمب.

وقد برز هذا التباعد ليس فقط في نقاشات التسوية الأوكرانية بل وفي التعامل مع ملف الأمن في أوروبا بشكل عام. ويكفي القول إن واشنطن تجاهلت عملياً تفاقم القلق الأوروبي بعد سلسلة من انتهاكات أجواء البلدان الأوروبية بالمسيّرات الروسية. وغاب رد الفعل الموحد لحلف شمال الأطلسي، وبينما وجهت بعض بلدانه مثل فرنسا وبريطانيا عناصر من سلاح الجو لتعزيز حماية حدود أوروبا مع روسيا، لم يظهر تحرك قوي للحلف الذي يضم نحو 100 ألف عسكري أميركي منتشرين في أوروبا. وبدلاً من ذلك رأى ترمب أنه لا داعي لتحريك قوات الحلف بسبب «عدم ظهور تهديد روسي متعمد».

ولاحقاً، بعد طرح خطة ترمب للتسوية تحدث قادة بلدان أوروبية مثل لاتفيا وبولندا صراحة عن عدم مبالاة ترمب بأمن القارة وأنه يمنح بوتين مكافآت على سياساته.

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ وقائد كوريا الشمالية كيم جونغ أون في بكين (أرشيفية - د.ب.أ)

شهر عسل مر

لكن في المقابل، لا يبدو شهر العسل بين بوتين وترمب وردياً تماماً كما يظهر للوهلة الأولى. والأهمية الكبرى التي أولاها الكرملين لعلاقته مع الرئيس الأميركي عكست أولوياته بسبب انخراطه الكامل في الملف الأوكراني، لكن مجريات العام عكست خسائر بعيدة المدى لروسيا بسبب سياسات ترمب، بدأت مقدماتها تلوح وتتضح شيئاً فشيئاً.

وتراجع حضور روسيا في ملفات إقليمية مهمة للغاية، ومثلاً لم تدع موسكو إلى كل الاجتماعات التمهيدية ولا النقاشات التي قادت لخطة التسوية في غزة، وتم تجاهلها تماماً ليس فقط بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، بل بصفتها شريكاً لسنوات طويلة في قيادة «رباعي» الشرق الأوسط.

أيضاً تم تجاهل العروض الروسية الكثيرة للوساطة في ملف إيران النووي، ولم تنجح موسكو في لعب دور لحماية حليفها الإيراني، أو حتى للمشاركة في النقاشات الجارية حول مستقبل وآليات التعامل الغربي معه.

لكن الأهم من ذلك برز في ملفات لها أهمية خاصة عند الكرملين، وقد عكست مستوى تراجع حضور روسيا وتأثيرها حتى في مناطق نفوذها الحيوي التقليدي.

ومع تزايد التغلغل الأميركي في آسيا الوسطى وتعزيز تحالفات واشنطن مع بلدان ظلت تقليدياً تحوم في فلك موسكو، جاء اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان برعاية ترمب ليقضي على ما تبقى من نفوذ روسيا في هذا الملف. ولا يقتصر الأمر على عدم دعوة موسكو أصلاً للنقاشات التي قادت إلى إبرام اتفاق سلام في واشنطن، بل وتجاوز ذلك إلى إعلان الاتفاق على إنشاء «منطقة عبور» عبر أرمينيا تربط أذربيجان بجيب نخجوان التابع لها غرباً، على أن يُسمى «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين».

وبموجب ذلك الاتفاق، تحظى الولايات المتحدة بحقوق تطوير الممر المعروف كذلك بـ«ممر زنغزور»، ما يعني ظهور وجود أميركي مباشر في منطقة جنوب القوقاز للمرة الأولى في التاريخ، ما يشكل تهديداً جدياً لمصالح كل من روسيا وإيران.

أيضاً، جاءت خطوة ترمب بإعلان استئناف التجارب النووية المجمدة منذ عقود، لتضع موسكو أمام استحقاق جدي وجديد قد يفضي إلى تأجيج سباق التسلح في العالم ويثقل كاهل الموازنة الروسية التي تعاني أصلاً من تضخم كبير جداً في بنود الإنفاق العسكري.

ومع البعد الاقتصادي للموضوع، فهو من جانب آخر يضيف مخاطر جدية نظراً لضعف آليات الرقابة والحد من التسلح وزيادة أعداد البلدان المرشحة للانضمام إلى النادي النووي، ما يفتح باباً كما يقول خبراء لـ«فوضى نووية غير محسوبة العواقب».

يقابل هذا أن موسكو وواشنطن لم تنجحا أصلاً في الاتفاق على العودة إلى اتفاقات الحد من التسلح في مستوياتها المختلفة، مثل معاهدة الحد من نشر الصواريخ القصيرة والمتوسطة في أوروبا وتمديد معاهدة ستارت لتقليص الأسلحة الاستراتيجية وغيرها من الاتفاقات التي تم تقويضها خلال السنوات الماضية.

ولم تحصل موسكو التي أطلقت قبل شهرين مبادرة لتمديد العمل باتفاقية «ستارت الثانية» التي ينتهي مفعولها في فبراير (شباط) المقبل، على أي رد من واشنطن. ما دل على أن الانخراط النشط في الملف الأوكراني لم ينعكس فعلياً على عودة التنسيق الروسي الاميركي في قضايا مهمة للغاية، مثل ملفات الأمن الاستراتيجي في العالم.