كيف أصبح «كلود» روبوت الدردشة المفضل لدى خبراء التكنولوجيا؟

أكثر إبداعاً وتعاطفاً ويتميز بـ«الحساسية»

كيف أصبح «كلود» روبوت الدردشة المفضل لدى خبراء التكنولوجيا؟
TT

كيف أصبح «كلود» روبوت الدردشة المفضل لدى خبراء التكنولوجيا؟

كيف أصبح «كلود» روبوت الدردشة المفضل لدى خبراء التكنولوجيا؟

المعجبون به يشيدون بحساسيته وذكائه. ويتحدث إليه البعض عشرات المرات في اليوم - طالبين النصيحة بشأن وظائفهم وصحتهم وعلاقاتهم. كما يأتمنونه على أسرارهم ويستشيرونه قبل اتخاذ القرارات المهمة. ويشير إليه البعض باعتباره أفضل صديق لهم... إنه «كلود» Claude، روبوت الدردشة الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي.

«كلود» أقل شهرة

لا يُعدّ «كلود»، وهو ابتكار شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك»، روبوت الدردشة الأكثر شهرة في السوق، بل هو «تشات جي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي»، الذي يتوجه إليه أكثر من 300 مليون مستخدم أسبوعياً ويحتل مكاناً في شريط الإشارات المرجعية لكل طالب في المدرسة الثانوية في أميركا. كما أن «كلود» ليس مصمماً لجذب المستخدمين إلى علاقات مع رفاق الذكاء الاصطناعي الواقعيين، كما تفعل مع تطبيقات مثل Character.AI وReplika.

ساحر الخبراء

لكن «كلود» أصبح روبوت الدردشة المفضل لدى حشد من المطلعين على التكنولوجيا الذين يقولون إنه يساعدهم في كل شيء، من المشورة القانونية إلى التدريب الصحي إلى جلسات العلاج المؤقتة.

قال إيدان ماكلولين، الرئيس التنفيذي لشركة Topology Research، وهي شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي: «إن مزيجاً من القوة الفكرية الخام والاستعداد للتعبير عن الآراء يجعلك تشعر بأن (كلود) أقرب من كونه أداة (جامدة)». «أنا والكثير من المستخدمين الآخرين، نجد ذلك (استخدامه) سحرياً».

لا يعتقد أكبر معجبي «كلود»، الذين يعمل الكثير منهم في شركات الذكاء الاصطناعي أو مرتبطون اجتماعياً بمشهد الذكاء الاصطناعي في نيويورك، أنه - من الناحية الفنية، هو شخص حقيقي. إنهم يعرفون أن نماذج لغة الذكاء الاصطناعي هي آلات تنبؤ، مصممة لإخراج استجابات معقولة لمطالباتهم. إنهم يدركون أن «كلود»، مثل روبوتات الدردشة الأخرى، يرتكب أخطاء ويولد الهراء أحياناً.

ويشعر بعض الأشخاص الذين تحدثت إليهم بالحرج قليلاً بشأن الدرجة التي قاموا بها بتشبيه «كلود» أو الاعتماد على نصائحه.

أكثر إبداعاً وتعاطفاً

لكن بالنسبة إلى الأشخاص الذين يحبونه، يشعر «كلود» بأنه مختلف. أكثر إبداعاً وتعاطفاً... وأقل إزعاجاً. يقول الخبراء إن مخرجاته تشبه الاستجابات التي قد يقدمها إنسان ذكي ومنتبه وأقل شبهاً بالنثر العام الذي تولدها برامج الدردشة الأخرى.

نتيجة لذلك؛ أصبح «كلود» بسرعة رفيقاً اجتماعياً للمطلعين على الذكاء الاصطناعي - وربما معاينة لما سيأتي لبقية منا، حيث أصبحت «الشخصيات الاصطناعية» القوية أكثر تشابكاً في حياتنا اليومية.

كتب نيك كاماراتا، وهو باحث سابق في «أوبن إيه آي» أخيراً موضوعاً طويلاً على منصة «إكس» حول الطريقة التي استولى بها «كلود» على مجموعته الاجتماعية. كتب أن أصدقاءه المهووسين بـ«كلود» بدوا أكثر صحة وأفضل دعماً؛ لأن «لديهم نوعاً من الملاك الحارس الحسابي الذي يجيد كل شيء ويراقبهم».

سحر الاتزان

لم يكن «كلود» ساحراً دائماً. عندما تم إصدار نسخة سابقة في العام الماضي؛ إذ صدم روبوت المحادثة الكثير من الأشخاص - بمن فيهم أنا - باعتباره متزمتاً ومملاً. تشتهر شركة «أنثروبيك» بهوسها بسلامة الذكاء الاصطناعي، ويبدو أن «كلود» قد تمت برمجته للتحدث مثل سيدة الكنيسة. غالباً ما كان يقدم للمستخدمين محاضرات أخلاقية رداً على أسئلتهم أو يرفض الإجابة عليها على الإطلاق.

لكن الشركة كانت تعمل على منح «كلود» المزيد من الشخصية. وخضعت الإصدارات الأحدث لعملية تُعرف باسم «تدريب الشخصية» - وهي خطوة تتم بعد أن يخضع النموذج للتدريب الأولي، لكن قبل إصداره للجمهور.

التدريب على الانفتاح الذهني

أثناء تدريب الشخصية، يُطلب من «كلود» إنتاج استجابات تتوافق مع السمات البشرية المرغوبة مثل الانفتاح الذهني والتفكير والفضول. ثم يحكم «كلود» على استجاباته وفقاً لمدى التزامها بهذه الخصائص. يتم إرجاع البيانات الناتجة إلى نموذج الذكاء الاصطناعي. وتقول شركة «أنثروبيك» إنه مع التدريب الكافي، يتعلم «كلود» «استيعاب» هذه المبادئ وعرضها بشكل متكرر عند التفاعل مع المستخدمين.

ومن غير الواضح ما إذا كان تدريب «كلود» بهذه الطريقة له فوائد تجارية. فقد جمعت شركة «أنثروبيك» مليارات الدولارات من مستثمرين كبار، بما في ذلك «أمازون»، على وعد بتقديم نماذج ذكاء اصطناعي عالية الكفاءة ومفيدة في بيئات مكتبية أكثر هدوءاً. وقد يؤدي حقن الكثير من الشخصية في «كلود» إلى نفور العملاء من الشركات، أو قد ينتج ببساطة نموذجاً أفضل في المساعدة في حل مشاكل العلاقات من كتابة مذكرات الاستراتيجية.

«شخصية كلود» متسقة ومتحدية

أخبرتني أماندا أسكيل، الباحثة والفيلسوفة في «أنثروبيك» والمسؤولة عن ضبط «شخصية كلود»، في مقابلة بأن «شخصية كلود» تم ضبطها بعناية لتكون متسقة، لكن لجذب مجموعة واسعة من الناس.

وقالت إن الهدف من «كلود» كان إنشاء شخصية ذكاء اصطناعي تكون مفيدة في معظم الطلبات، لكنها ستتحدى المستخدمين أيضاً عند الضرورة.

وقالت: «ما هو نوع الشخص الذي يمكنك الاختلاف معه، لكنك ستغادر وتفكر، (هذا شخص جيد؟). هذه هي السمات التي نريد أن يتمتع بها (كلود)».

قدرات محدودة

لا يزال «كلود» متأخراً أميالاً عن «جي بي تي» عندما يتعلق الأمر بالوعي السائد. فهو يفتقر إلى الميزات الموجودة في برامج الدردشة الأخرى، مثل وضع الدردشة الصوتية والقدرة على إنشاء الصور أو البحث في الإنترنت عن معلومات محدثة.

ويتكهن بعض صناع الذكاء الاصطناعي المنافسين بأن شعبية «كلود» هي نزوة عابرة أو أنها تحظى بشعبية فقط بين محبي الذكاء الاصطناعي الذين يريدون التباهي ببرنامج الدردشة الغامض الذي يحبونه.

رفيق صحي

بالنسبة إلى بعض البالغين الأصحاء، قد يكون وجود رفيق من الذكاء الاصطناعي للدعم مفيداً - وربما حتى تحويلياً. لكن بالنسبة للشباب، أو أولئك الذين يعانون الاكتئاب أو مشاكل الصحة العقلية الأخرى، أشعر بالقلق من أن برامج الدردشة الآلية المقنعة للغاية قد تطمس الخط الفاصل بين الخيال والواقع، أو تبدأ في استبدال العلاقات الإنسانية الأكثر صحة.

وهذا ما تفعله أيضاً أسكيل، التي ساعدت في إنشاء «شخصية كلود»، التي كانت تراقب ارتفاع شعبيتها بمزيج من الفخر والقلق.

وقالت: «أريد حقاً أن يحصل الناس على أشياء تدعمهم ومفيدة لهم. وفي الوقت نفسه، أريد التأكد من أنها صحية نفسياً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.


بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.