ما خيارات جنوب أفريقيا بشأن حضور بوتين قمة «بريكس»؟

وسط ضغوط من الغرب و«الجنائية الدولية»

وزراء خارجية دول «بريكس» خلال اجتماع في كيب تاون أمس (أ.ف.ب)
وزراء خارجية دول «بريكس» خلال اجتماع في كيب تاون أمس (أ.ف.ب)
TT

ما خيارات جنوب أفريقيا بشأن حضور بوتين قمة «بريكس»؟

وزراء خارجية دول «بريكس» خلال اجتماع في كيب تاون أمس (أ.ف.ب)
وزراء خارجية دول «بريكس» خلال اجتماع في كيب تاون أمس (أ.ف.ب)

تواجه جنوب أفريقيا خيارات صعبة وضغوطاً سياسية وقانونية متصاعدة بشأن الدعوة التي وجّهتها إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لحضور قمة قادة دول تجمع «بريكس» بعد شهرين.

ويتعين على سلطات جنوب أفريقيا الوفاء بالتزاماتها كدولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يفرض عليها إلقاء القبض على الرئيس الروسي، الصادر بحقه مذكرة توقيف من المحكمة، في حال زيارته البلاد، وهو ما يثير جدلاً واسعاً. وحتى الآن، لم تعلن جنوب أفريقيا، التي تربطها علاقات قوية مع روسيا، موقفاً رسمياً بشأن التعامل مع الضغوط التي تواجهها فيما يتعلق بالتزاماتها إزاء المحكمة الجنائية الدولية، أو السماح للرئيس الروسي بزيارة أراضيها.

كانت جنوب أفريقيا دعت في 25 يناير (كانون الثاني) الماضي الرئيس بوتين لحضور اجتماع يومي 22 و 24 أغسطس (آب) في جوهانسبرغ لقادة دول مجموعة «بريكس» للاقتصادات الناشئة، التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. ونقلت وكالة «رويترز» للأنباء في تقرير لها، الخميس، عن مسؤول حكومي من جنوب أفريقيا قوله إن بلاده «لا تزال تدرس خياراتها بشأن مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس الروسي إذا قبل دعوة لحضور قمة (بريكس)». وقال زين دانجور، المدير العام لإدارة العلاقات الدولية لـ«رويترز»، إنه «لم يكن هناك قرار حازم»، مضيفاً أن الوزراء المكلفين هذه المسألة سيجتمعون قريباً للنظر في الخيارات المطروحة. كما نقل التقرير عن مسؤول حكومي كبير في جنوب أفريقيا، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، يوم الأربعاء، أن أحد الخيارات التي تكتسب الزخم بين المسؤولين في جنوب أفريقيا هو مطالبة الصين، الرئيس السابق للمجموعة، باستضافة القمة.

وكعضو في المحكمة الجنائية الدولية، يتوجب على جنوب أفريقيا بموجب البروتوكول المؤسس للمحكمة، والذي يعد جزءاً من القوانين الداخلية لأي دولة توافق عليه، إلقاء القبض على بوتين بموجب مذكرة أصدرتها المحكمة في مارس (آذار) الماضي، بتهمة «ارتكاب جريمة حرب تتعلق بترحيل الأطفال قسراً من الأراضي التي تحتلها روسيا في أوكرانيا».

«ازدواجية غربية»

وتنفي موسكو بشدة هذه الاتهامات، وتعتبرها تجسيداً للازدواجية الغربية والأميركية على وجه التحديد، ومثالاً على تسييس المنظمات الدولية واستخدامها للضغط على خصوم واشنطن.

ويؤكد الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي، أن «أي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية ملزمة بالتعاون مع المحكمة، سواء بالقبض على من تصدر بحقهم مذكرات توقيف، أو بتقديم أي أدلة تطلبها المحكمة». وأوضح سلامة لـ«الشرق الأوسط» أن التزامات أي دولة موقّعة على بروتوكول المحكمة «لا يتيح لها الاختيار بين التعاون أو عدم التعاون، وفي حالة إخلال أي دولة بالتزاماتها، تجتمع جمعية الدول الأطراف البالغ عددها 123 دولة لتقرر ما يلزم اتخاذه ضد الدولة التي انتهكت ميثاق المحكمة».

وفيما يتعلق بما أعلنه مسؤولون من جنوب أفريقيا في وقت سابق من أن بريتوريا تخطط لتمرير تشريع يمنحها خيار تقرير ما إذا كانت ستقبض على القادة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية أم لا، أشار أستاذ القانون الدولي إلى أن ذلك «غير صحيح من الزاوية القانونية». وأضاف أن «المحكمة العليا في جنوب أفريقيا صادقت منذ سنوات على عضوية البلاد في المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي صارت الدولة ملتزمة بكل بنود ميثاق المحكمة، وملزمة بالتعاون، ولا يمثل صدور قانون داخلي حجية قانونية في التهرب من الوفاء بالالتزامات الدولية».

وتعد المحكمة الجنائية الدولية أول هيئة دولية قضائية مستقلة دائمة، ولا تتبع الأمم المتحدة، بل تتمتع بالاستقلالية، ويلتزم قضاتها ومدعوها بالنظام الأساسي المعروف بميثاق روما الموقع عام 1998.

خيار الصين

وتصاعد في الآونة الأخيرة الحديث عن نقل القمة إلى الصين باعتباره «حلاً مناسباً» يضمن إعفاء جنوب أفريقيا من الضغوط التي تواجهها حالياً، كما يضمن حضور الرئيس الروسي دون أي إشكالات قانونية؛ لأن الصين ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية. إلا أن نقل القمة لا يبدو قراراً مُرَحّباً به من جانب المسؤولين في روسيا؛ إذ قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، الخميس، إن التقارير التي تفيد بأن قمة «بريكس» ستُنقل إلى الصين من جنوب أفريقيا «مزيفة»، حسبما ذكرت وكالة «إنترفاكس». وكان الكرملين أعلن، الثلاثاء، أن روسيا ستشارك على «المستوى المناسب».

وتثير القضية جدلاً واسعاً في بريتوريا، فبينما استبعد الرئيس السابق للبلاد ثابو مبيكي، في مقابلة إعلامية في 25 مايو (أيار) الحالي، أن تُعقد القمة في جنوب أفريقيا، قائلاً إنه «بسبب التزاماتنا القانونية، يتعين علينا اعتقال الرئيس بوتين، لكن لا يمكننا فعل ذلك»، يرى في المقابل عدد من السياسيين والمعلقين زيارة بوتين تعزيزاً لعلاقات بلادهم المتنامية مع روسيا.

حلول وسط

وتعتقد شاينا فورين، الباحثة الجنوب أفريقية في العلوم السياسية، أن هذا الجدل سيتصاعد في الآونة المقبلة، خاصة مع تصاعد ضغوط الدول الغربية، التي ترى أنها «لا تبدي ارتياحاً للتقارب بين بريتوريا وموسكو». وأضافت فورين لـ«الشرق الأوسط» أن بريتوريا حريصة على تطوير علاقاتها مع روسيا، رغم التوتر مع الولايات المتحدة، لافتة إلى أنه بعد اتهام واشنطن جنوب أفريقيا بشحن أسلحة سراً إلى روسيا، لم يتراجع الرئيس سيريل رامافوزا، بل أجرى اتصالاً مع نظيره الروسي، أكدا فيه عزمهما على تعزيز العلاقات الثنائية، وهو ما اعتبرته «رسالة واضحة» في هذا الشأن.

وأعربت الباحثة في العلوم السياسية، عن اعتقادها بأن هناك بعض «الحلول الوسط» ستبرز خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أنه من غير المحتمل أن تضحي جنوب أفريقيا بعضويتها في المحكمة الدولية، مرجّحة أن تُعقد القمة في إحدى الدول الأعضاء في «بريكس»، أو بتمثيل روسي أقل من المستوى الرئاسي، مضيفة أن الخيار الأخير «يبدو أقل احتمالاً».

وأثار موقف بريتوريا من الحرب في أوكرانيا قلق الولايات المتحدة والدول الغربية؛ إذ امتنعت، كالعديد من الدول الإفريقية، عن التصويت العام الماضي في الأمم المتحدة على قرار يدين الهجوم الروسي. واستضافت جنوب أفريقيا، مطلع العام الحالي، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، كما سمحت للسفن الحربية الروسية والصينية باستخدام مياهها في مناورات بحرية مشتركة قبالة ساحلها الشرقي في فبراير (شباط) الماضي.


مقالات ذات صلة

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

الاقتصاد رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أفريقيا حكومة جنوب أفريقيا تحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشاركة بالصراع بين روسيا وأوكرانيا (إ.ب.أ)

جنوب أفريقيا تحقق في انضمام 17 من مواطنيها للمرتزقة بصراع روسيا وأوكرانيا

قالت حكومة جنوب أفريقيا، اليوم (الخميس)، إنها ستحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشارِكة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب) p-circle

لولا يعدّ الانتشار العسكري الأميركي في الكاريبي «عامل توتر»

عدّ الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، خلال اجتماع عبر الفيديو لمجموعة «بريكس»، الانتشار العسكري الأميركي في منطقة البحر الكاريبي «عاملَ توتر».

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد الزعيمان الصيني والهندي خلال لقائهما على هامش أحد مؤتمرات «بريكس» في روسيا (رويترز)

بكين ونيودلهي لإعادة بناء علاقاتهما التجارية بسبب الرسوم الأميركية على الهند

تعمل الهند والصين على استعادة الصلات الاقتصادية التي توترت إثر اشتباك حدودي مميت عام 2020، وذلك في أحدث علامة على اقتراب رئيس الوزراء الهندي من دول «بريكس».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد سفينة وحاويات في ميناء سانتوس بالبرازيل (رويترز)

ما سبب الخلاف غير المسبوق بين الولايات المتحدة والبرازيل؟

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة والبرازيل منعطفاً حاداً وخطراً، بعد أن فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسوماً جمركية قياسية على السلع البرازيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برازيليا)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».