ماذا ينتظر تركيا بعد حسم الانتخابات الرئاسية؟

صورة للمعارض التركي كمال كليتشدار أوغلو تظهر خلفها صورة أخرى لإردوغان (أ.ف.ب)
صورة للمعارض التركي كمال كليتشدار أوغلو تظهر خلفها صورة أخرى لإردوغان (أ.ف.ب)
TT

ماذا ينتظر تركيا بعد حسم الانتخابات الرئاسية؟

صورة للمعارض التركي كمال كليتشدار أوغلو تظهر خلفها صورة أخرى لإردوغان (أ.ف.ب)
صورة للمعارض التركي كمال كليتشدار أوغلو تظهر خلفها صورة أخرى لإردوغان (أ.ف.ب)

يسعى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى تمديد حكمه إلى عقد ثالث وهو يخوض جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، الأحد المقبل، في ظل زخم يبدو أنه يسير لصالحه بعد أن انتهت الجولة الأولى بتقدمه على منافسه كمال كليتشدار أوغلو.

وتعزز فرص إردوغان في الفوز الأغلبية البرلمانية التي حصل عليها حزب «العدالة والتنمية» ذو الجذور الإسلامية وحلفاؤه في 14 مايو (أيار).

كما حصل إردوغان على دفعة أخرى الاثنين الماضي، بفضل إعلان السياسي القومي سنان أوغان، الذي حل ثالثاً في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، تأييد الرئيس التركي في جولة الإعادة.

والانتخابات لن تحدد فقط من سيقود البلاد بل طريقة حكمها، وإلى أين يتجه اقتصادها ومسار سياساتها الخارجية.

أما كليتشدار أوغلو، فحصل على دعم جديد من زعيم يميني متطرف، بالإضافة إلى تحالف من 6 أحزاب معارضة منها حزب «الشعب الجمهوري» الذي يتزعمه.

ودافع إردوغان، الزعيم الأطول بقاء في السلطة في تركيا الحديثة، عن الاعتبارات الدينية وأسعار الفائدة المنخفضة، مع تأكيد النفوذ التركي في المنطقة، وتقليص صلات البلد العضو في حلف شمال الأطلسي مع الغرب.

وتجري الانتخابات بعد 3 أشهر من وقوع الزلازل المدمرة في جنوب شرقي تركيا والتي أودت بحياة أكثر من 50 ألفاً.

ماذا بعد الانتخابات؟

إردوغان هو أقوى زعيم للبلاد منذ أسس مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية التركية الحديثة قبل قرن من الزمان. وأبعد وحزبه «العدالة والتنمية»، ذو الجذور الإسلامية، البلاد عن نهج أتاتورك العلماني.

كما ركَّز الصلاحيات في رئاسة تنفيذية مقرها قصر يضم ألف غرفة على مشارف أنقرة، وترسم السياسات فيما يخص الشؤون الاقتصادية والأمنية والمحلية والدولية.

مؤيدو الرئيس رجب طيب إردوغان في إسطنبول الثلاثاء الماضي (أ.ب)

ويقول منتقدوه إن حكومته كممت أفواه المعارضة وقوضت الحقوق وأخضعت النظام القضائي لنفوذها، وهو اتهام ينفيه المسؤولون الذين يقولون إنها وفرت الحماية للمواطنين في مواجهة تهديدات أمنية من بينها محاولة انقلاب عام 2016.

ويقول خبراء اقتصاد إن دعوات إردوغان لخفض أسعار الفائدة أدت إلى ارتفاع التضخم لأعلى مستوى في 24 عاماً عند 85 في المائة العام الماضي، كما أدت لهبوط الليرة إلى عُشر قيمتها مقابل الدولار على مدار العقد الماضي.

الأثر العالمي

تحت حكم إردوغان، استعرضت تركيا قوتها العسكرية في الشرق الأوسط وخارجه، فقد شنت 4 عمليات توغل في سوريا وهجوماً على مسلحين أكراد داخل العراق، وأرسلت دعماً عسكرياً إلى ليبيا وأذربيجان.

وشهدت تركيا أيضاً سلسلة من المواجهات الدبلوماسية مع قوى في المنطقة، السعودية ومصر والإمارات إلى جانب إسرائيل، إضافة إلى مواجهة مع اليونان وقبرص بشأن الحدود البحرية بشرق البحر المتوسط حتى غيرت مواقفها قبل عامين وسعت إلى التقارب مع بعض خصومها.

وأدى شراء إردوغان لأنظمة دفاع جوي روسية إلى فرض عقوبات أميركية على أنقرة استهدفت صناعة الأسلحة، في حين أثار قربه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تشكيكاً من منتقدين بخصوص التزام أنقرة إزاء حلف شمال الأطلسي.

كما أثارت اعتراضات أنقرة على طلبي السويد وفنلندا الانضمام للحلف توتراً.

ومع ذلك، توسطت تركيا في اتفاق سمح بتصدير القمح الأوكراني عبر البحر الأسود، ما يشير إلى دور ربما يلعبه إردوغان ضمن الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

ولم يتضح إلى الآن ما إذا كان هناك خليفة محتمل له قادر على أن يحظى بنفس المكانة التي اكتسبها إردوغان على الساحة الدولية، وهي نقطة أثارها في حملته الانتخابية.

ما هي وعود المعارضة؟

تحالف حزبا المعارضة الرئيسيان، حزب «الشعب الجمهوري» العلماني، والحزب الصالح القومي المنتمي ليمين الوسط، مع 4 أحزاب أصغر، على أساس برنامج من شأنه إلغاء الكثير من السياسات التي ميزت حكم إردوغان.

فقد تعهدت هذه الأحزاب بإعادة استقلال البنك المركزي وإلغاء سياسات إردوغان الاقتصادية غير التقليدية.

كما أن المعارضة تعتزم تفكيك رئاسته التنفيذية والعودة للنظام البرلماني السابق، فضلاً عن إرسال اللاجئين السوريين إلى بلدهم.

كما تهدف الأحزاب إلى تحسين العلاقات مع الحلفاء الغربيين بما في ذلك الولايات المتحدة، وإعادة تركيا إلى برنامج طائرات «إف - 35» المقاتلة، الذي استبعدت منه بعد شراء الدفاعات الصاروخية الروسية.

ويعتقد محللون أن السياسات التي تعهدت بها المعارضة قد تحفز الاستثمار الأجنبي.

ودعم إردوغان الجهود التي باءت بالفشل للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، بينما استضاف ما لا يقل عن 3.6 مليون لاجئ سوري يتزايد عدم الترحيب بهم وسط المتاعب الاقتصادية في تركيا.

وسعياً وراء الدعم من الناخبين القوميين في جولة الإعادة، زاد كليتشدار أوغلو من حدة نبرته المناهضة للمهاجرين في الأسبوعين الماضيين، وتعهد بإعادة المهاجرين إلى بلادهم.

إلى أي مدى يحتدم السباق؟

حصل كليتشدار أوغلو على 44.9 في المائة في الجولة الأولى مقابل 49.5 في المائة لإردوغان، مما يعكس الدعم القوي الذي يتمتع به الرئيس على الرغم من تفاقم أزمة غلاء المعيشة واستطلاعات الرأي التي أظهرت قبل الانتخابات تقدم كليتشدار أوغلو.

وعزت استطلاعات الرأي في وقت لاحق تلك النتيجة إلى زيادة غير متوقعة في دعم القوميين وقت التصويت.

ويقول إردوغان إن التصويت لصالحه سيضمن الاستقرار بعد أن حصل تحالفه على أغلبية برلمانية.

وكان الصراع التركي المستمر منذ 4 عقود مع حزب العمال الكردستاني عاملاً مهماً في الحملة الانتخابية، إلى جانب دور الأحزاب السياسية الكردية الرئيسية.

ورغم أن حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد ليس جزءاً من تحالف المعارضة، فإنه يعارض بشدة إردوغان بعد حملة استهدفت أعضاءه في السنوات الماضية ما دفعه إلى إعلان تأييده لكليتشدار أوغلو.

وشملت انتقادات إردوغان لمنافسه اتهامات، دون دليل، بفوزه بدعم من حزب العمال الكردستاني، الذي يشن تمرداً منذ الثمانينات قُتل فيه أكثر من 40 ألفاً. ونفى كليتشدار أوغلو هذه الاتهامات.


مقالات ذات صلة

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار الحزب في مدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

اتهم رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض أوزغور أوزيل الرئيس إردوغان بتحويل القضاء إلى «أداة سياسية» للانتقام من منافسه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار حزب «الشعب الجمهوري» يرفعون صورة لرئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو خلال تجمع بمدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يقترح فرض «الإقامة الجبرية» على إمام أوغلو

أثار اقتراح لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل وضع رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو رهن الإقامة الجبرية لحين انتهاء محاكمته في قضية فساد جدلاً واسعاً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو يواصلون الاحتجاجات في محيط سجن سيليفري حيث تجري محاكمته في قضية الفساد في البلدية (أ.ب)

إمام أوغلو: أواجه محاكمة «سياسية» مبنية على لائحة للتشهير

وصف رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو محاكمته بتهمة الفساد بأنها «قضية سياسية» منذ البداية، عاداً أن لائحة الاتهام فيها ما هي إلا «وثيقة للتشهير»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تجمع مئات الأتراك بمحيط سجن سيليفري خلال انعقاد الجلسة الأولى لمحاكمة أكرم إمام أوغلو في قضية الفساد بالبلدية مطالبين بإطلاق سراحه (أ.ف.ب)

تركيا: انطلاق محاكمة إمام أوغلو المرتقبة بتهمة الفساد في بلدية إسطنبول

انطلقت في إسطنبول الاثنين المحاكمة المرتقبة لرئيس بلدية إسطنبول المعارض المحتجز أكرم إمام أوغلو في قضية الفساد بالبلدية الأكبر بتركيا وسط أجواء متوترة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

نتنياهو: إسرائيل في طور توسيع «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو: إسرائيل في طور توسيع «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم (الأربعاء)، إنّ قواته في طور توسيع «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان، في وقت تواصل فيه حملتها العسكرية ضد «حزب الله».

وأضاف نتنياهو في بيان مصوّر: «أنشأنا منطقة أمنية حقيقية تمنع أي تسلل باتجاه الجليل والحدود الشمالية»، مضيفاً: «نحن نوسّع هذه المنطقة لإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع، ولإقامة منطقة عازلة أوسع».

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمس، أن قواته تعتزم السيطرة على «منطقة أمنية» في جنوب لبنان تمتد حتى نهر الليطاني، فيما أكد عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» (حزب الله) حسن فضل الله، أن الجماعة ستقاتل لمنع أي احتلال إسرائيلي للجنوب، معتبراً أن ذلك يشكل «خطراً وجودياً على لبنان كدولة».

وقال كاتس، في أثناء زيارة مركز للقيادة العسكرية في إسرائيل: «جميع الجسور الخمسة فوق الليطاني التي استخدمها (حزب الله) لعبور الإرهابيين والأسلحة تم تفجيرها، وسيسيطر جيش الدفاع الإسرائيلي على باقي الجسور والمنطقة الأمنية الممتدة حتى الليطاني»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف أن النازحين في لبنان «لن يعودوا» إلى منازلهم قبل ضمان أمن شمال إسرائيل.

وتمتد هذه المنطقة على ثلاثين كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية. وأضاف كاتس أن السكان الذين نزحوا «لن يعودوا إلى جنوب نهر الليطاني قبل ضمان أمن سكان شمال» إسرائيل.


طهران تربط إنهاء الحرب بقبول شروطها وترفض مهلة ترمب

طائرة من طراز كي سي ستراتوتانكر تزود قاذفة قنابل من طراز بي 52 ستراتوفورتريس بالوقود خلال هجوم على إيران (رويترز)
طائرة من طراز كي سي ستراتوتانكر تزود قاذفة قنابل من طراز بي 52 ستراتوفورتريس بالوقود خلال هجوم على إيران (رويترز)
TT

طهران تربط إنهاء الحرب بقبول شروطها وترفض مهلة ترمب

طائرة من طراز كي سي ستراتوتانكر تزود قاذفة قنابل من طراز بي 52 ستراتوفورتريس بالوقود خلال هجوم على إيران (رويترز)
طائرة من طراز كي سي ستراتوتانكر تزود قاذفة قنابل من طراز بي 52 ستراتوفورتريس بالوقود خلال هجوم على إيران (رويترز)

قالت طهران إن إنهاء الحرب سيبقى قراراً إيرانياً خالصاً مرتبطاً بالشروط التي تضعها، لا بالجدول الزمني الذي يطرحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت تكثفت المساعي لإعادة واشنطن وطهران إلى المسار التفاوضي، وسط تباين واضح بين إشارات الانفتاح المحدودة عبر القنوات الخلفية، والتشدد العلني الصادر من المؤسسة العسكرية الإيرانية.

وبرزت باكستان في صلب هذا الحراك، بوصفها القناة الأكثر حضوراً في الساعات الأخيرة. وأكد مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» أن إسلام آباد سلّمت طهران مقترحاً من الولايات المتحدة، مضيفاً أن باكستان أو تركيا قد تستضيفان محادثات لخفض التصعيد في الحرب الجارية.

ولم يكشف المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه، عن تفاصيل المقترح، أو ما إذا كان هو نفسه الخطة الأميركية المؤلفة من 15 بنداً التي تحدثت عنها تقارير إعلامية أخرى.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد أعلن، الثلاثاء، أن بلاده مستعدة لاستضافة محادثات بين الولايات المتحدة وإيران. وقال في منشور على منصة «إكس»، إن باكستان «على استعداد وتشرفها أن تكون المضيفة لتيسير محادثات هادفة وحاسمة من أجل تسوية شاملة للصراع الدائر».

وأعاد ترمب نشر صورة من هذا المنشور على منصته «تروث سوشيال»، في إشارة سياسية واضحة إلى تأييده للدور الباكستاني.

وتحرص إسلام آباد على استثمار علاقتها الجيدة بالطرفين. وفي هذا السياق، برز اسم قائد الجيش الباكستاني المشير سيد عاصم منير بوصفه الشخصية الأكثر تداولاً في دور الوسيط.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن منير أصبح قناة رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران، وأن باكستان نقلت إلى طهران خطة سلام أميركية من 15 نقطة، وفقاً لمسؤولين مطلعين على الجهود الدبلوماسية.

وإلى جانب باكستان، حضرت تركيا ومصر في المشهد بوصفهما طرفين ناشطين في نقل الرسائل. وقال هارون أرماجان، وهو مسؤول كبير في الحزب الحاكم في تركيا، لـ«رويترز» إن أنقرة «تلعب دوراً في نقل الرسائل» بين إيران والولايات المتحدة.

كما نقلت «رويترز» عن مسؤول أوروبي أن مصر وباكستان ودولاً خليجية تنقل رسائل بين الطرفين رغم عدم وجود مفاوضات مباشرة.

لكن الجهد الإقليمي لا يزال يدور في إطار اختبار النيات ونقل الشروط والاستيضاحات، أكثر منه ترتيبات نهائية لجولة تفاوض مكتملة. كما أن مجرد تعدد الوسطاء يعكس حجم الحذر المتبادل، وعدم وجود قناة مستقرة ومتفق عليها حتى الآن بين واشنطن وطهران.

صواريخ إيران وحاملات الأقمار الاصطناعية المصنعة محلياً معروضة في معرض دائم بمنطقة ترفيهية شمال طهران الثلاثاء (أ.ب)

وفي موازاة التحرك الإقليمي، دعت بكين، وفق تصريحات وزير الخارجية وانغ يي، إيران إلى «اغتنام كل فرصة ونافذة للسلام»، مؤكدة أن الحوار يظل أفضل من القتال، وأن على جميع الأطراف بدء محادثات السلام في أقرب وقت ممكن. ويضيف هذا الموقف بعداً دولياً إلى شبكة الاتصالات، لكنه لا يبدل حقيقة أن الوساطة العملية ما زالت تدور أساساً عبر باكستان وتركيا ومصر.

اجتماع محتمل

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن وسطاء من تركيا ومصر وباكستان يسعون إلى ترتيب لقاء بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين خلال 48 ساعة، مرجحة أن يكون الموعد الخميس في إسلام آباد. وأضافت الصحيفة أن الإيرانيين أبدوا في البداية انفتاحاً على المحادثات، لكنهم لم يمنحوا موافقة رسمية بعد.

في سياق متصل، أفاد موقع «أكسيوس» بأن الولايات المتحدة تضغط لعقد محادثات مباشرة في أقرب وقت ممكن، لافتاً إلى أن الخطة الأميركية من 15 نقطة وصلت إلى الإيرانيين صباح الاثنين عبر الوسطاء، قبل ساعات من إعلان ترمب أن محادثات تجري بالفعل. وأشارت إلى أن واشنطن تريد مناقشة الخطة كأنها حزمة واحدة تشمل إنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع العقوبات، والحصول على ضمانات تتعلق بالنشاط النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ ودعم الوكلاء.

ومن المحتمل أن يشارك نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في المحادثات، إلى جانب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ونقلت «أكسيوس» عن مصدرين أن ويتكوف أوصى بإشراك فانس لأن الإيرانيين لا ينظرون إليه بوصفه من الصقور.

لكن هذه الصورة التفاؤلية نسبياً تصطدم فوراً بجدار النفي الإيراني العلني.

نفي وتشكيك وتباين في طهران

على المستوى الرسمي الإيراني، لم تظهر حتى الآن أي إشارة علنية إلى قبول التفاوض. وقال السفير الإيراني لدى باكستان رضا أميري مقدم، إن ما تردد عن مفاوضات بين واشنطن وطهران لا يستند إلى واقع، مضيفاً: «بناء على معلوماتي، وبخلاف مزاعم ترمب، لم تجرِ حتى الآن أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين البلدين». لكنه أضاف أن من الطبيعي أن تنخرط البلدان الصديقة في مشاورات مع الجانبين لوقف «هذا العدوان غير الشرعي».

أما المتحدث عن العمليات المشتركة في هيئة الأركان، فذهب أبعد من ذلك في لهجته، إذ قال في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي: «هل وصل مستوى صراعكم الداخلي إلى مرحلة أنكم تتفاوضون مع أنفسكم؟». وأضاف: «أناس مثلنا لا يمكن أبداً أن يتوافقوا مع أشخاص مثلكم... لا الآن ولا في أي وقت أبداً». ونقلت «أسوشييتد برس» عنه الصيغة نفسها تقريباً بوصفها رفضاً ساخراً لمزاعم ترمب حول وجود محادثات سلام جارية.

وقال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، لصحيفة «إنديا توداي»، الأربعاء إن إيران مرت «بتجربة كارثية للغاية» مع الدبلوماسية الأميركية، مشيراً إلى أن طهران تعرضت للقصف مرتين خلال الأشهر التسعة الماضية، بينما كانت تجري محادثات مع الولايات المتحدة. وأضاف أن هذا السلوك الأميركي يجعل أي حديث عن الدبلوماسية موضع شك عميق. وفي تصريح آخر نقله عنه النص المقدم، قال بوضوح: «لا توجد أي محادثات أو مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة».

لكن هذا الرفض العلني لا يلغي وجود إشارات أكثر تعقيداً داخل طهران. فالمسؤول الإيراني الكبير الذي تحدث إلى «رويترز» عن نقل باكستان لمقترح أميركي، أقرّ عملياً بوجود قناة قائمة، ولو عبر وسطاء، وأن طهران تنظر في إمكانية أن تستضيف باكستان أو تركيا محادثات لخفض التصعيد.

وفي الوقت نفسه، نقلت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر مطّلع أن إيران ترفض القبول بوقف إطلاق النار، عادّةً أن الدخول في مثل هذا المسار «غير منطقي» مع أطراف «تنقض العهود». وأضاف المصدر أن طهران تتمسك بتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وأن إنهاء الحرب، لا مجرد وقف إطلاق النار، سيبقى مشروطاً بتحقق هذه الأهداف.

وفي سياق موازٍ، نقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن مسؤول أمني رفيع أن طهران ردت سلباً على المقترح الأميركي الذي وصل عبر أحد الوسطاء «الأصدقاء» في المنطقة، وأنها ستواصل الدفاع إلى حين تحقق خمسة شروط واضحة، تشمل وقف العدوان والاغتيالات، وضمان عدم تكرار الحرب، وضمان دفع التعويضات، وإنهاء الحرب على جميع الجبهات وبشأن جميع فصائل «المقاومة»، والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز بوصفها حقاً طبيعياً وقانونياً وضمانة لتنفيذ التزامات الطرف المقابل.

كما صعّد إسماعيل كوثري، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني والقيادي في «الحرس الثوري»، سقف المطالب أكثر، إذ قال إن أي اتفاق محتمل يجب أن يتضمن السيطرة على مضيق هرمز، وتعويضات عن الأضرار، وإنهاء الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، إلى جانب ضمانات دولية بعدم تكرار الهجمات، ورفع العقوبات، وإعادة الأموال الإيرانية في الخارج.

شروط واشنطن

في المقابل، تتحدث المصادر الغربية عن حزمة أميركية واسعة. فقد نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الحكومة الإسرائيلية أن المجلس الوزاري الأمني المصغر بقيادة بنيامين نتنياهو أُبلغ بالمقترح الأميركي، وأنه يتضمن التخلص من مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف عمليات التخصيب، وكبح برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف تمويل الجماعات الحليفة لطهران في المنطقة.

برج ميلاد أبرز معالم العاصمة طهران وسط الصراع الأميركي - الإسرائيلي مع إيران الأربعاء (رويترز)

وهذا يتطابق إلى حد بعيد مع ما نشرته «وول ستريت جورنال» عن الشروط الأميركية القصوى: تفكيك المنشآت النووية، ووقف التخصيب بالكامل، وفرض قيود على الصواريخ، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وإنهاء دعم إيران لحلفائها الإقليميين. كما ذكرت «أكسيوس» أن واشنطن تريد بحث الخطة الأميركية بوصفها حزمة تشمل أيضاً إعادة فتح المضيق ورفع العقوبات مقابل ضمانات إيرانية.

وفي القراءة الأميركية، كما تعكسها هذه التقارير، فإن الهدف ليس فقط وقف النار، بل انتزاع تنازلات نوعية لم تنجح واشنطن في انتزاعها خلال جولات التفاوض السابقة.

إسرائيل تطالب بـ«حق» الضرب الاستباقي

من جانبها، تتابع إسرائيل هذا المسار بتحفظ واضح. فقد نقلت «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين كبار في الحكومة الإسرائيلية أنهم يشككون في أن توافق إيران على الشروط الأميركية، ويخشون أن تتحول هذه الشروط إلى مجرد نقاط انطلاق لمفاوضات قد يقدم خلالها الأميركيون تنازلات. وقال مصدر مطلع لـ«رويترز» إن إسرائيل تريد أن يحتفظ أي اتفاق مع إيران بحقها في شن ضربات استباقية إذا رأت ضرورة لذلك.

أحدث الحديث عن المقترح الأميركي والوساطة الباكستانية أثراً فورياً في الأسواق. فقد انخفضت أسعار النفط وتعافت الأسهم المتضررة، حسب «رويترز»، مع آمال المستثمرين في أن تؤدي هذه التحركات إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ نحو أربعة أسابيع، التي أوقعت آلاف القتلى وأربكت إمدادات الطاقة العالمية.

لكن هذه الاستجابة المالية لا تبدو كافية بحد ذاتها لتثبيت مسار التفاوض. فطهران تنظر بريبة إلى أي حديث أميركي مفاجئ عن السلام، وتعتبره، وفق ما أوردته «أكسيوس»، محاولة جديدة بعد «الخداع مرتين». وواشنطن، من جهتها، تواصل في الوقت نفسه تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، بما في ذلك إرسال قوات جديدة، ما يغذي الشكوك الإيرانية أكثر.


وسائل إعلام إيرانية تسخر من «أكاذيب» ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أسوشيتد برس)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أسوشيتد برس)
TT

وسائل إعلام إيرانية تسخر من «أكاذيب» ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أسوشيتد برس)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أسوشيتد برس)

سخرت صحف إيرانية، اليوم (الأربعاء)، مما وصفته بأنه «أكاذيب» الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن مفاوضات دبلوماسية جارية لإنهاء الحرب، ونشرت صوراً كاريكاتورية له على هيئة «بينوكيو» الشخصية المعروفة بالكذب في أفلام الرسوم المتحركة.

ونشرت صحيفة «جوان» المحافظة على صفحتها الأولى صورة كاريكاتورية لترمب بأنف طويل يخيّم على خريطة مضيق هرمز تحت عنوان «أكذب كاذب في العالم».

والاثنين، وقبل ساعات فقط من انتهاء مهلة حدّدها لإيران التي هدّدها بشن ضربات على محطات طاقة إذا لم تفتح المضيق الاستراتيجي، أعلن الرئيس الأميركي بشكل مفاجئ إجراء محادثات مع طهران. ونفت السلطات الإيرانية وجود أي مفاوضات، سواء مباشرة أو غير مباشرة.

واتهمت صحيفة «جوان» ترمب بالكذب لتهدئة الأسواق وخفض أسعار النفط التي ارتفعت بشكل حاد منذ بدء الأعمال الحربية مع إسرائيل والولايات المتحدة في 28 فبراير (شباط).

وذكرت الصحيفة أنه منذ نفي إيران وجود مفاوضات «عادت أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع مجدداً»، مشبّهة ترمب بـ«مقامر يمر بسلسلة خسائر» في حرب كان يعتقد أنه قادر على حسمها بسرعة.

بدورها، سخرت وكالة أنباء «تسنيم» من ترمب، إذ نشرت صوراً له بشعر أشعث وملامح توحي بالهزيمة.

وكتبت صحيفة «صبح نو» (صباح جديد) تقريراً بعنوان «سياسة الأكاذيب»، مكررة ردود فعل وتعليقات أخرى في وسائل الإعلام الإيرانية.

كما سخر المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية من ترمب في مقطع مصوّر بثه التلفزيون الرسمي على نطاق واسع، قائلاً إن الرئيس الأميركي «يتفاوض مع نفسه».

والأربعاء، خصصت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا) مقالاً لإبراهيم ذو الفقاري، المتحدث الذي يظهر باستمرار على شاشات التلفزيون ويوصف بأنه «ظاهرة حربية».

ووسط تحذيرات باللغة الفارسية موجهة إلى «العدو» وقوائم بإنجازات إيران العسكرية، يتنقل ذو الفقاري أحياناً بين العربية والعبرية وحتى الإنجليزية.

وخلال الأيام الأخيرة، أثار ذو الفقاري اهتماماً لافتاً بتعديله إحدى العبارات المميزة لترمب إلى «ترمب، أنت مطرود!».