استعدادات سعودية لتعزيز عدن بمياه الشرب عبر محطة للتحلية

المدينة تواجه نقصاً شديداً يصل إلى نصف الاحتياجات

عمال يصلحون أنبوب ضخ المياه (مؤسسة المياه اليمنية)
عمال يصلحون أنبوب ضخ المياه (مؤسسة المياه اليمنية)
TT

استعدادات سعودية لتعزيز عدن بمياه الشرب عبر محطة للتحلية

عمال يصلحون أنبوب ضخ المياه (مؤسسة المياه اليمنية)
عمال يصلحون أنبوب ضخ المياه (مؤسسة المياه اليمنية)

فيما يستعد البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لتنفيذ مشروع إنشاء محطة لتحلية مياه البحر في العاصمة المؤقتة عدن بقدرة 10 آلاف متر مكعب، كشفت وثائق حكومية عن أن المدينة تواجه نقصاً شديداً في إنتاج مياه الشرب، يصل إلى نصف الاحتياجات اليومية، حيث باتت التحلية هي الحل لمواجهة هذا العجز، خاصة أن المدينة تعتمد حالياً على المياه المستخرجة من المحافظات المجاورة.

وفي لقاء جمع وزير المياه والبيئة في الحكومة اليمنية توفيق الشرجبي مع وفد سعودي من المؤسسة السعودية العامة لتحلية المياه المالحة، وفريق من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تمت مناقشة البيانات والدراسات الخاصة بالمشروع الهادف إلى إنتاج 10 آلاف متر مكعب يومياً للسكان والمواقع المقترحة لإنشاء المحطة.

ويهدف المشروع - بحسب المصادر الرسمية - إلى تعزيز مصادر المياه المتجددة عبر تحلية المياه باستخدام أحدث التقنيات وأعلى المعايير لجودة المياه؛ للإسهام في تحقيق الأمن المائي والارتقاء بجودة الحياة في اليمن، وكذلك بناء قدرات الكوادر العاملة في مجال تحلية المياه المالحة، وتعزيز مصادر المياه العذبة، ونقل الخبرات السعودية إلى اليمن، وتنويع مصادر المياه، وتغطية احتياجات محافظة عدن من المياه.

وسبق أن نفذ البرنامج السعودي منذ تأسيسه 32 مشروعاً ومبادرة تنموية في قطاع المياه باليمن، أسهمت وفق وزارة المياه اليمنية، في تلبية الاحتياجات اليومية وتعزيز مصادرها واستدامتها في المناطق الحضرية والأرياف.

يعاني اليمن من شح المياه وغالبية السكان لا يحصلون عليها بسهولة (أ.ف.ب)

زيادة كبيرة في الاستهلاك

هذه الخطوة ترافقت وإقرار وزارة المياه والبيئة الاستراتيجية الوطنية لاستغلال المصادر المائية غير التقليدية، وفي مقدمها تحلية مياه البحر، ومعالجة مجرور الصرف الصحي لسكان محافظة عدن، والتي تظهر بياناتها أن معدل استهلاك المياه العذبة قد ارتفع بشكل ملاحَظ خلال الفترة من 2019 وحتى العام الحالي، من 21.72 مليون متر مكعب إلى 22.33 مليون متر مكعب في العام الماضي، وتوقعت أن يتزايد المعدل ليبلغ في نهاية العام الراهن نحو 22.5 مليون متر مكعب.

ونتيجة لذلك، تؤكد الاستراتيجية، التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، انخفاض متوسط استهلاك الفرد اليومي من المياه من 73 لتراً في عام 2019، إلى 71 لتراً في هذا العام، وقدرت أن يكون نفس المتوسط مع انتهاء العام الحالي.

وتحصل محافظة عدن على إمداداتها من المياه للاستخدامات المنزلية والتجارية والصناعية من 3 حقول مياه جوفية رئيسية، هي حقل مياه بئر أحمد الواقع في الجزء الشمالي الغربي لمدينة عدن، ويجري فيه تشغيل عدد من الآبار بين 27 بئراً و38 بئراً، من أصل 42 بئراً منتجة، وحقل مياه بئر ناصر الواقع في محافظة لحج ويتم تشغيل فيه عدد من الآبار بين 36 بئراً و45 بئراً من إجمالي 46 بئراً منتجة، وحقل مياه المناصرة الواقع في محافظة لحج، ويجري فيه تشغيل آبار عددها بين 12 بئراً و20 بئراً، من أصل 25 بئراً، بعضها ارتفعت فيها الأملاح بشكل كبير.

المياه كل 3 أيام

استناداً إلى البيانات، فإن إجمالي عدد الآبار العاملة في الحقول الثلاثة تناقصت من 99 بئرا في عام 2019 إلى 90 بئراً في العام الحالي، وترتب على ذلك تراجع في كفاءة التشغيل للحقول الثلاثة خلال تلك الفترة من 87.6 في المائة إلى 89.6 في المائة، مما يتطلب رفعاً تدريجياً لكفاءة تشغيل الحقول خلال الفترة المقبلة إلى ما لا يقل عن 95 في المائة، لكل الحقول، في حين أن إجمالي عدد الآبار التي تم حفرها في الحقول الثلاثة هو نحو 113 بئراً.

وبحسب البيانات، فإنه إذا كان متوسط الإنتاج لكل بئر 18 لتراً بالثانية، فإن إجمالي حجم الإنتاج الممكن الحصول عليه قرابة 64.1 مليون متر مكعب في السنة، في حين أن إجمالي حجم المياه المتوقع سحبها من الحقول هذا العام لا يزيد على 36.5 مليون، أي أن هناك كمية من المياه لا تقل عن 27.6 مليون متر مكعب في العام، لن تتمكن المؤسسة من سحبها أو إنتاجها من الحقول لإيصالها للمستهلكين.

وتبين الاستراتيجية التي أعدتها وزارة المياه أن نسبة التغطية تراجعت من الإمداد المستمر يومياً، وخلال 24 ساعة، إلى دورة إمداد يوم واحد في الأيام الثلاثة أو أكثر في معظم مديريات المحافظة.

الجفاف يضرب مناطق واسعة من اليمن مقابل فيضانات في مناطق أخرى (رويترز)

ونبهت الاستراتيجية إلى أن المحافظة تحتل الأولوية العاجلة في الوقت الراهن، ليس فقط لأنها العاصمة المؤقتة للبلاد، وإنما لكونها تعاني من أزمة حقيقية وحادة ومستمرة في إمدادات المياه، فضلاً عن عدم إمكانية المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي من التوسع في مصادرها أو حقولها المائية الحالية، نتيجة شح الموارد أو المصادر المائية التقليدية بنوعيها السطحي والجوفي في المناطق المجاورة إلى جانب تزايد معدل الهبوط السنوي لمنسوب المياه الثابت في حقول مياه المؤسسة من 1.5- 4.2 متر خلال عام 2019.

وفي حين يستمر الهبوط يتوقع له أن يبلغ في العام الحالي ما لا يقل عن 3 - 6 أمتار؛ بسبب ضعف التعويض أو التغذية المصاحبة لاستمرار الضخ الجائر والمتواصل منها.

التحلية خيار وحيد

مع إقرار الاستراتيجية بصعوبة الاستفادة من مصادر مائية جوفية أخرى في إطار دلتا تبن أو حتى دلتا أبين، بسبب المنافسة الشديدة على مصادر المياه هناك لأغراض الشرب والري معاً، تؤكد بضرورة التفكير بالاستفادة من تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي، من خلال إنشاء مشروع محطة تحلية أو محطات تحلية جديدة حسب الحاجة، وتأهيل مشروع معالجة مياه الصرف الصحي في المحافظة أو التخطيط والتنفيذ لمشروع مياه صرف صحي جديد.

وبموجب هذه البيانات، فإن محافظة عدن الأكثر حاجة حالياً لتوفير مياه الشرب بالكميات الكافية والنوعية المناسبة، كما هي بحاجة لحمايتها من مخاطر التلوث البيئي المحتوم من تصريف مجرور الصرف الصحي حالياً، والذي يتدفق مباشرة إلى سواحلها في مختلف مديرياتها، وفقاً للمعايير التي وضعتها منظمة الصحة العالمية ومؤشرات أهداف التنمية المستدامة 2030، المقرة من قبل منظمة الأمم المتحدة.

وعن دوافع أو مبررات تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي، تذكر الاستراتيجية أن اليمن يعاني من شح في الموارد المائية بنوعيها السطحي والجوفي، فضلاً عن تدهور نوعيتها، ولهذا أصبح من الضروري التوجه نحو المصادر المائية البديلة غير التقليدية، وأهمها تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي، وذلك بهدف تعزيز مصادر المياه الحالية لتـأمين إمدادات مياه الشرب بالكميات الكافية والنوعية المناسبة للسكان والقطاعين التجاري والصناعي، ولحماية سواحل خليج عدن من احتمالات مخاطر التلوث البيئي الماثل بسبب ما يجري من تصريف لمجرور الصرف الصحي لسكان مديريات محافظة عدن إلى البحر.

ولتحقيق ذلك على أرض الواقع، تؤكد وزارة المياه والبيئة أنها أعدت الاستراتيجية الوطنية لاستغلال المصادر المائية غير التقليدية والتي ستمتد لفترة 13 سنة، تبدأ من هذا العام، وتنتهي في عام 2035، والمتعلقة بمشاريع تحلية مياه البحر ومشاريع معالجة الصرف الصحي خلال فترة الاستراتيجية الوطنية وما بعدها لمواجهة العجز القائم في إمدادات مياه الشرب في المدن الحضرية الواقعة على سواحل البحر، سواء أكانت رئيسة أم ثانوية، مع إعطاء الأولوية في الوقت الراهن لمعالجة شح إمدادات المياه الجوفية لمحافظة عدن، والحد من مخاطر التلوث البيئي الماثل في سواحلها.

وتجزم الوزارة بأنه إذا ما تم تنفيذ هذه الاستراتيجية فسوف تحقق أهدافاً إنمائية وبيئية واجتماعية غاية في الأهمية لمدينة عدن وسواحلها، خاصة أن هذا الخيار هو الأنسب من دون منازع، كما وضحته نتائج الدراسة الشاملة والتفصيلية التي أعدها خبراء منظمة (الفاو) في العام المنصرم، وما تضمنته من نتائج قيمة وتوصيات تحث على الاستفادة من البدائل المائية المتاحة غير التقليدية، وبالذات تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف الصحي.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».