عروض الوساطة لحل الأزمة الأوكرانية... تحركات بلا حلحلة
آليات عسكرية أوكرانية على متنها جنود في مكان غير محدد شرق أوكرانيا في 19 أبريل 2022 (رويترز)
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في فبراير (شباط) عام 2022، قدَّمت قوى دولية عدة عروضاً للوساطة، وطرحت مبادرات لحلحلة الأزمة التي تعصف نتائجها بدول مختلفة على مستويات متباينة اقتصادياً وغذائياً، لكن لم يُكتب لأي من تلك المحاولات تحقيق اختراقات لنزع فتيل الأزمة حتى الآن، رغم تنوع أطرافها.
ولعلَّ أحدث مساهمة مطروحة راهناً، في هذا الصدد، تلك المقدَّمة من 6 دول أفريقية للوساطة بين موسكو وكييف، والتي لا تزال قيد التشكيل والمشاورات.
لكن إطلالة على مجمل تلك المحاولات تُظهر أنه، وفي وقت مبكر (مارس «آذار» 2022)، أجرى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مشاورات هاتفية مع كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وتطرّق خلالها إلى استعداد المملكة «لبذل الجهود للوساطة بين كل الأطراف، ودعمها كل الجهود الدولية الرامية لحل الأزمة سياسياً».
ورغم عدم استجابة طرفَي النزاع لدعوات التهدئة، فإن الرياض نجحت في إتمام عملية لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، في سبتمبر (أيلول) 2022، فضلاً عن وساطة أخرى مشتركة مع أبوظبي في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، لـ«الإفراج وتبادل مسجونين اثنين بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا».
كما دخلت تركيا على خط دفع التفاوض، في مارس 2022، واستضافت وفدين من طرفَي الصراع في إسطنبول، لكن المحادثات المباشرة لم تسفر عن اختراقات.
وبعد شهرين تقريباً من انطلاق الصراع، وتحديداً في أبريل (نيسان) من العام الماضي، قالت «جامعة الدول العربية» إنها عرضت الوساطة في حل الأزمة الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، بعد أن أقرّ مجلس وزراء «جامعة الدول العربية»، خلال دورته الـ157، تشكيل مجموعة اتصال وزارية مع الأطراف المعنية بالأزمة الأوكرانية. وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أشاد وقتها بموقف الدول العربية من الأزمة الأوكرانية.
وفي أبريل الماضي، أعلن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أنه تباحث مع عدد من القوى الدولية بشأن وساطة مشتركة لإنهاء الحرب، ولم تلقَ المبادرة استجابة من الأطراف المعنية.
ويرى سامي نادر، أستاذ العلاقات الدولية اللبناني، أن «مِن بين أهم أسباب عدم نجاح الوساطات أن طرفيها يراهنان على تغيير موازين القوى بالأساليب والأدوات العسكرية على الأرض، إن لم يكونا يطمحان في تحقيق انتصار شامل».
وقال نادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك سبباً آخر لعدم نجاح الوساطات؛ وهو تماسك المعسكر الغربي الداعم لأوكرانيا، بقيادة أميركا التي لم تتوقف عن دعم كييف عسكرياً كماً وكيفاً؛ بهدف استنزاف بوتين لأقصى مدى، في الوقت الذي لن يقبل فيه بوتين ولن يتحمل فكرة الخَسارة، والتي تعني هنا التنازل عن المكاسب بسبب عدم تحقيق انتصار عسكري حاسم وسريع».
وتمثل المبادرة الصينية، التي أُعلنت في فبراير (شباط) الماضي، واحدة من المبادرات المهمة التي حاولت الدخول على خط الأزمة، ورغم أنها - وفق المعلَن - قيد التداول والبحث من مختلف الأطراف المعنية والقوى الدولية، فإنه لم يتسرب عنها بعدُ اختراقات يمكن التعويل على نتائجها.
واقترحت بكين خطّة سلمية لحل النزاع الأوكراني تضم 12 نقطة تدعو إلى وقف إطلاق النار، واحترام المصالح الشرعية لجميع الدول في مجال الأمن، وتسوية الأزمة الإنسانية في أوكرانيا.
في هذا السياق، زار المبعوث الصيني لي هوي، الأربعاء الماضي، كييف، والتقى وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا. وأكدت بكين، وقتها، أنّ مبعوثها سيناقش التسوية السياسية للحرب في أوكرانيا، خلال جولة أوروبية تشمل بولندا وفرنسا وألمانيا وروسيا.
كما جاءت الزيارة، بعد أسابيع من اتصال هاتفي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جاء بمبادرة من كييف، في أول اتصال بين الجانبين منذ بدء الحرب.
ووصف زيلينسكي الاتصال بأنّه كان «طويلاً ومُجدياً»، في حين قال شي إنّ «الصين ستركز جهودها على نشر السلام».
اللافت أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر توقّع أن تبدأ «مفاوضات سلام روسية أوكرانية، بحلول نهاية العام؛ بفضل الجهود الأخيرة التي بذلتها الصين».
وأوضح كيسنجر، في مقابلة مع قناة «سي بي إس نيوز» الأميركية، أن الحرب الروسية الأوكرانية تقترب من نقطة تحول، متوقعاً «إجراء مفاوضات، بحلول نهاية العام؛ بفضل الجهود الأخيرة التي بذلتها الصين».
ويعتقد أستاذ العلاقات الدولية سامي نادر أنه «رغم امتلاك بكين (رافعة تأثير) بصفتها واحدة من القوى الأهم والأكبر في العالم، فإنها ستصطدم بممانعة أميركية لعرقلة نجاح بكين دبلوماسياً، كما أن واشنطن تعتبرها حليفاً لموسكو، وعليه ستكون منحازة لها، و لن تقبل أميركا والغرب بتسوية وفق الشروط الروسية».
وبالعودة إلى المبادرة الأفريقية، التي أعلن عنها رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، في مايو (أيار) الماضي، والتي تضم 6 دول، فإن نادر يعتقد أن «الوسطاء غير المحسوبين على أي من طرفي الصراع قد ينجحون، ولو جزئياً»، مشيراً إلى أن «مبادرة الجامعة العربية والمبادرات العربية الأخرى للتوسط، علاوة على المبادرة الأفريقية، يمكن البناء عليها؛ لأن الوسيطين العربي والأفريقي يقفان، إلى حد كبير، على مسافة واحدة من الطرفين».
يرصد الفيلم الوثائقي الأوكراني «الموت لتحيا» رحلة تمتد لأكثر من 12 عاماً داخل واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في أوروبا المعاصرة.
أحمد عدلي (القاهرة)
خلافات عبر الأطلسي: ملفات متراكمة تباعد بين واشنطن وأوروباhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/5293823-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%84%D8%B3%D9%8A-%D9%85%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86-%D9%88%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7
صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
لندن:«الشرق الأوسط»
TT
لندن:«الشرق الأوسط»
TT
خلافات عبر الأطلسي: ملفات متراكمة تباعد بين واشنطن وأوروبا
صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
تشهد العلاقات عبر الأطلسي واحدة من أكثر فتراتها تعقيداً، مع تفاقم الخلافات بين القادة الأوروبيين وواشنطن، واتّساع نطاقها، منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. ورغم إشادته بـ«وحدة غير مسبوقة» في قمة أنقرة لقادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن حدّة تصريحات ترمب في حقّ بعض الحلفاء كشفت حجم الهوة.
وفيما يلي جولة سريعة على أبرز القضايا الشائكة بين ضفتي الأطلسي اليوم.
ضغوط الإنفاق الدفاعي
عاد ترمب إلى قمة «الناتو» في أنقرة محمّلاً بسلسلة من المآخذ على الحلفاء الأوروبيين، قائلاً إنه «غاضب جداً» من تقاعس الحلف في دعم بلاده في حربها مع إيران، ومجدداً مطالبه بالسيطرة على غرينلاند وانتقاداته الحادّة تجاه إسبانيا «السيئة جداً».
ورغم محاولات الأمين العام للحلف مارك روته طمأنة القادة بشأن التزام واشنطن، فإن تصريحات ترمب أعادت إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل لا تزال المظلة الدفاعية الأميركية مضمونة؟
ففي الوقت الذي يفاخر فيه روته بأن ضغوط ترمب ساعدت في دفع الأوروبيين والكنديين إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، بعدما تعهدت دول الحلف بتخصيص ما لا يقل عن 5 في المائة من ناتجها المحلي للأمن، يبقى القلق الأوروبي قائماً من أن تتحول مطالب واشنطن إلى أداة ضغط سياسي دائم.
وزاد هذا القلق بعدما أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في منتصف يونيو (حزيران)، مراجعة خلال ستة أشهر للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، ما أعاد إحياء المخاوف من تقليص القوات الأميركية على القارة.
أوكرانيا... تنازلات مفروضة؟
يمثل ملف أوكرانيا أحد أكثر مصادر القلق الأوروبي من سياسة ترمب الخارجية. فالرئيس الأميركي يكرر اعتقاده بأن موسكو وكييف «تريدان التوصل إلى اتفاق»، وذلك بعد أيام من محادثة وصفها بأنها «جيدة جداً» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن الأوروبيين يخشون أن تعني رغبة ترمب في تسوية سريعة دفع كييف نحو قبول تنازلات قبل أن تحصل على ضمانات أمنية كافية.
وفي ظل غياب مؤشرات ملموسة على استعداد الجانبين للتسوية، يسعى الأوروبيون إلى إعادة تأكيد التزامهم تجاه أوكرانيا، بحزمة مساعدات عسكرية جديدة والتزام سياسي متجدّد.
حرب إيران
تحولت الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران إلى مصدر جديد للتوتر بين ترمب وحلفائه الأوروبيين. فمنذ الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في نهاية فبراير (شباط)، كثّف ترمب انتقاداته للدول الغربية التي نأت بنفسها عن النزاع. وفي أنقرة، قال إنه غير راضٍ عن «الناتو» لأن الحلفاء «لم يريدوا مساعدتنا» في مواجهة إيران، التي وصفها بأنها «الدولة الرئيسية الداعمة للإرهاب».
ويكشف هذا الخلاف حدود التضامن الأطلسي خارج الجغرافيا التقليدية للحلف. فالأوروبيون يترددون في الانخراط في حرب يرون أنها لم تُنسَّق معهم مسبقاً، وقد تضر بمصالحهم الأمنية والاقتصادية، خصوصاً في قطاع الطاقة والممرات البحرية. أما ترمب، فيتعامل مع الموقف الأوروبي بوصفه تخلّياً عن واشنطن في لحظة مواجهة استراتيجية.
تهديد إسبانيا
كانت إسبانيا أبرز هدف مباشر لهجوم ترمب على حلفائه الأوروبيين منذ أسابيع. فقد وصفها بأنها «قضية خاسرة»، واتهمها مجدداً بعدم المشاركة بما يكفي في الإنفاق الدفاعي داخل «الناتو»، قبل أن يذهب أبعد من ذلك بالقول إن الولايات المتحدة ستوقف كل أشكال التبادل التجاري معها.
وتحول الخلاف مع مدريد من نقاش داخل الحلف حول تقاسم الأعباء الدفاعية إلى تهديد اقتصادي مباشر ضد دولة عضو في «الناتو» والاتحاد الأوروبي. كما تداخل الملف مع موقف إسبانيا من حرب إيران، إذ رفضت مدريد دعم العمليات الأميركية، ما جعلها في نظر ترمب نموذجاً للحليف الأوروبي الذي لا يدفع كفايته دفاعياً ولا يساند واشنطن عسكرياً.
سيادة غرينلاند
أعاد ترمب فتح ملف غرينلاند بوصفه «قصية محورية» بالنسبة إليه، قائلاً إن الجزيرة التابعة للدنمارك «مهمة جداً للولايات المتحدة».
وأعادت تصريحاته التوتر مع كوبنهاغن إلى الواجهة، بعدما كان قد هدد في بداية العام بالاستيلاء على غرينلاند، حتى بالقوة، قبل أن يتراجع لاحقاً بعد أسابيع من الخطاب التصعيدي.
بالنسبة للأوروبيين، لا يتعلق الأمر بغرينلاند وحدها، بل بمبدأ السيادة داخل التحالف. فالدنمارك عضو في «الناتو»، وغرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن المملكة الدنماركية. لذلك،
أثارت تصريحات ترمب قلقاً أوسع من أن يصبح الحلفاء أنفسهم هدفاً لضغوط أميركية عندما ترى واشنطن أن مصالحها الاستراتيجية تبرر ذلك.
قاعدة دييغو غارسيا
اصطدم ترمب ببريطانيا على خلفية اتفاق جزر تشاغوس مع موريشيوس، محذراً من «التخلي» عن دييغو غارسيا، وهي القاعدة العسكرية البريطانية - الأميركية ذات الأهمية الاستراتيجية في المحيط الهندي.
واكتسب الخلاف حساسية إضافية بسبب ارتباط القاعدة بالتخطيط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، ولا سيما تجاه إيران. ويضع هذا الملف لندن في موقف بالغ الدقة: فهي تحاول تسوية نزاع سيادي طويل حول تشاغوس، وفي الوقت نفسه الحفاظ على موقع دييغو غارسيا في البنية العسكرية الأميركية - البريطانية. أما ترمب، فينظر إلى أي تغيير في وضع القاعدة من زاوية أمنية صارمة، ويراه تهديداً لمصالح واشنطن العسكرية.
صورة ميلوني
أثار ترمب أزمة دبلوماسية مع روما، بعدما زعم أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «توسلت» إليه لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا الشهر الماضي. ورفضت ميلوني هذه الرواية ووصفتها بأنها مفبركة، فيما عُدّت التصريحات في إيطاليا إهانة شخصية وسياسية لحليفة أوروبية مقربة من واشنطن.
ورغم أن الخلاف بدا في ظاهره شخصياً، فإنه عكس نمطاً أوسع في تعامل ترمب مع القادة الأوروبيين، حيث تختلط الاعتبارات الدبلوماسية بالهجمات الشخصية، ما يترك أثراً سلبياً على العلاقات الثنائية حتى مع الحكومات الأكثر قرباً منه سياسياً.
الرسوم الجمركية
إلى جانب الخلافات الأمنية، أعادت تهديدات ترمب التجارية ضد الاتحاد الأوروبي مخاوف الحرب التجارية عبر الأطلسي.
فبالنسبة إلى بروكسل، لا تنفصل مطالب واشنطن في الدفاع عن ضغوطها الاقتصادية: الحلفاء مطالبون بإنفاق دفاعي أكبر، وفتح أسواقهم أكثر، وتجنب معارضة الخيارات الأميركية الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي وحرية شركات التواصل الاجتماعي.
وهذا يجعل العلاقة مع إدارة ترمب أكثر تعقيداً؛ إذ لا تقتصر التوترات على «الناتو» أو أوكرانيا أو إيران، بل تمتد إلى التجارة والرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد، ما يعمق الإحساس الأوروبي بأن واشنطن تستخدم أدوات الأمن والاقتصاد معاً لفرض أجندتها.
قمة أنقرة تختبر وحدة «الناتو» بين دعم أوكرانيا وانتقادات ترمبhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/5293793-%D9%82%D9%85%D8%A9-%D8%A3%D9%86%D9%82%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D8%A8%D8%B1-%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%88-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8
قمة أنقرة تختبر وحدة «الناتو» بين دعم أوكرانيا وانتقادات ترمب
قادة «الناتو» يستعدّون لالتقاط صورة جماعية في أنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
خرجت قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة بتعهدات جديدة لدعم أوكرانيا، وتأكيد متجدد على التزام الحلف بالدفاع الجماعي، في وقت حاول فيه قادته إظهار وحدة الصف أمام التهديد الروسي وتداعيات حرب إيران وانتقادات سيد البيت الأبيض.
وهيمن الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أجواء القمة، بعدما أشاد بنتائجها ووصف اجتماعاتها بأنها «جيدة»، معلناً في الوقت نفسه خطوة نوعية لصالح كييف عبر منحها ترخيصاً لتصنيع منظومات «باتريوت» الدفاعية. لكن نبرة ترمب الإيجابية تجاه أوكرانيا قابلتها انتقادات حادة لحلفاء أوروبيين داخل «الناتو». فقد عبّر عن امتعاضه من موقف الحلف من مساعيه للسيطرة على غرينلاند، وخصّ إسبانيا بانتقادات مباشرة واصفاً إياها بأنها «شريك سيئ» في الحلف، مجدداً تهديده بقطع العلاقات التجارية معها.
وبدت القمة محاولة مزدوجة لطمأنة كييف وتعزيز المسؤولية الدفاعية الأوروبية، من دون أن تنجح بالكامل في احتواء التوترات التي أعاد ترمب فتحها مع عدد من الشركاء الأطلسيين.
دعم أوكرانيا
تعهد قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بتقديم دعم لأوكرانيا بقيمة 80 مليار دولار خلال العامين الحالي والمقبل على شكل معدات عسكرية ومساعدات تدريب.
وأكّد القادة، في البيان الختامي لقمتهم الـ36 التي عقدت في أنقرة يومي الثلاثاء والأربعاء تحت اسم «إعلان أنقرة»، أن أوكرانيا تساهم في الأمن عبر الأطلسي وأن الحلفاء يقفون صفاً واحداً في دعمهم الثابت لأوكرانيا في الدفاع عن حريتها وسيادتها وسلامة أراضيها.
جانب من لقاء مع ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)
كما أشار البيان إلى أن الحلفاء الأوروبيين وكندا يمولون حالياً الغالبية العظمى من المساعدات الأمنية لأوكرانيا عبر قنوات ثنائية ومتعددة الأطراف، وأن «الناتو» يؤكد ضرورة أن يكون هذا الدعم عادلاً وقابلاً للتنبؤ ومستداماً على المدى الطويل. وشدد القادة على «التهديد طويل الأمد» الذي تمثله روسيا للأمن الأوروبي - الأطلسي، في وقت تتزايد فيه مخاوف بعض الدول المتاخمة لروسيا من احتمال لجوء موسكو إلى هجمات هجينة تجمع بين الوسائل العسكرية التقليدية والهجمات السيبرانية وأساليب الضغط غير المباشر.
أنظمة «باتريوت»
تبنّى الرئيس الأميركي، خلال لقائه نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة «الناتو»، نبرة أكثر إيجابية تجاه الحلف بعد اجتماعات القمة، قائلاً إن القادة عقدوا «اجتماعاً جيّداً»، ومبدياً إعجابه بالتقدم الذي حققته أوكرانيا في إنتاج الطائرات المسيّرة، ملوّحاً باحتمال استيرادها في المستقبل.
وفي تحوّل بارز، أعلن ترمب أن الولايات المتحدة ستمنح أوكرانيا ترخيصاً لتصنيع منظومات الدفاع الجوي «باتريوت». وقال خلال اجتماعه مع زيلينسكي: «سنمنحهم الحق في تصنيع باتريوت. سنريهم كيف يفعلون ذلك». وأضاف أنه يعتقد أن أوكرانيا قادرة على إنتاجها «بسرعة كبيرة». ويُعد هذا الإعلان مكسباً كبيراً لكييف التي تطالب منذ سنوات بالحصول على مزيد من هذه المنظومات، ثم بالحصول على ترخيص لإنتاجها محلياً، في ظل ارتفاع تكلفتها والطلب الكبير عليها وطول فترة تصنيعها، كما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس».
ترمب يخاطب الصحافيين في مؤتمر صحافي شارك فيه أعضاء وفده بأنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)
وعلى خلاف لقاءات سابقة اتسمت بالتوتر، بدا ترمب أكثر ودية تجاه الرئيس الأوكراني، مشيداً بما وصفه باستعداده للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب. وقال إن زيلينسكي «قام بعمل مذهل» وكان «فعالاً جداً» خلال الحرب، مضيفاً: «لقد طورنا في الواقع علاقة جيدة. من الصعب تصديق ذلك». كما أشار إلى أنه يعتقد أن اتفاقاً لإنهاء الحرب بات في الأفق، وأن واشنطن ستعمل على «نوع من حزمة أمنية» تقدمها لأوكرانيا.
كما ذكر ترمب أنه يرغب في أن يلتقي بوتين وزيلينسكي، لكنه أوضح أن اللقاء لن يكون على الأرجح في موسكو. ولفت إلى أن بوتين كان منفتحاً على الاجتماع، لكنه أراد استضافته في العاصمة الروسية، وهو ما رفضه ترمب نيابة عن زيلينسكي. وعندما سأل ترمب الرئيس الأوكراني مباشرة ما إذا كان سيقبل لقاء في موسكو، أجاب زيلينسكي مازحاً: «الأمر صعب، هناك كثير من المسيّرات الأوكرانية هناك... إنه خطر».
وجدد زيلينسكي، على هامش القمة، مطالبة بلاده بالانضمام إلى «الناتو»، مؤكداً أن القوات الأوكرانية اكتسبت خبرات قتالية كبيرة من شأنها تعزيز قدرات الحلف الدفاعية. كما أبرز قدرة أوكرانيا على التكيف عسكرياً وتنفيذ ضربات في عمق الأراضي الروسية، قائلاً إن قوات بلاده «تقضي» في المتوسط على 30 ألف جندي روسي شهرياً.
البند الخامس وتحدّي غرينلاند
أكد قادة الحلف التزامهم الراسخ بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، لافتين إلى أن أي اعتداء على أحد الحلفاء هو اعتداء على الجميع.
وشددوا على أن بقاء الوحدة والتضامن والقوة الجماعية أساس للسلام والأمن والازدهار لمليار مواطن من الدول «الحرة والديمقراطية»، وعلى الالتزام بالنهج الشامل للردع والدفاع.
صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
لكن ترمب لم يُخفِ امتعاضه من عدد من شركائه في «الناتو»، قائلاً إنه غير راضٍ عن الحلف بسبب اعتراضه على مساعيه للسيطرة على غرينلاند، وعدم دعم أعضائه حربه ضد إيران. كما جدّد مطالبته بجزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، مؤكداً أنها «مهمة جداً» للولايات المتحدة، وأن واشنطن «تحتاج إليها لحماية العالم، وليس الولايات المتحدة فقط».
وردّت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن بالقول إن بلادها «مستعدة للدفاع عن كل شبر من أراضي (الناتو)، بما في ذلك أراضينا»، مؤكدة أنها ستعتمد على الحلفاء للوفاء بالتزامهم الدفاعي المشترك في حال وقوع هجوم. وشددت، في رد مباشر على تصريحات ترمب، على أن «غرينلاند ليست للبيع بالطبع».
كما وجّه ترمب انتقادات حادة إلى دول أوروبية رفضت المشاركة في حرب إيران، وخصّ إسبانيا بالهجوم واصفاً إياها بأنها «شريك سيئ في (الناتو)»، مجدداً تهديده بقطع العلاقات التجارية معها.
في المقابل، سعى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى التقليل من شأن تهديدات ترمب، قائلاً إن العلاقة الثنائية بين مدريد وواشنطن «إيجابية»، وإن إسبانيا أوفت بالتزاماتها في الإنفاق الدفاعي لعام 2026. وأوضح سانشيز أنه تحدث لفترة وجيزة مع ترمب على هامش قمة أنقرة، وأن الحديث بينهما لم يتجاوز «كلمات ودية ولطيفة»، مضيفاً: «تحدثنا عن كرة القدم، وعن كأس العالم في الولايات المتحدة... كانت دردشة غير رسمية».
الإنفاق الدفاعي
سعى قادة حلف «الناتو» إلى إظهار أنهم يستجيبون لمطالب ترمب بزيادة الإنفاق الدفاعي. وأشار الأمين العام مارك روته إلى دول مثل إستونيا ولاتفيا وبولندا والدنمارك التي رفعت استثماراتها الدفاعية، لكنه لفت إلى أن إدارة ترمب تتوقع من الأوروبيين وكندا «مساواة» إنفاقهم مع الولايات المتحدة.
وكان روته قد توجه الشهر الماضي إلى واشنطن للإشادة بما سمّاه «تريليون ترمب»؛ في إشارة إلى 1.2 تريليون دولار أضافها الحلفاء الأوروبيون وكندا إلى الإنفاق الدفاعي منذ وصول ترمب إلى السلطة عام 2017. كما استضاف، مع توافد القادة إلى أنقرة، فعالية لعرض الصفقات المخطط لها في إطار الإنفاق الدفاعي المتزايد، على أن يذهب جزء كبير منها إلى شركات أميركية بما يخلق آلاف الوظائف في الولايات المتحدة، كما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس».
الرئيسان التركي والفرنسي برفقة أمين عام «الناتو» على هامش قمة أنقرة يوم 8 يوليو (د.ب.أ)
وذكر البيان أنه تم الاتفاق خلال منتدى الصناعات الدفاعية في أنقرة، الثلاثاء، على مشتريات جديدة تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، مؤكداً التزام قادة الحلف بتوسيع القدرات التصنيعية الجماعية، والعمل مع القطاع الصناعي لتسريع وتيرة الابتكار.
وقال رؤساء دول وحكومات «الناتو»، في بيانهم الختامي: «سنواصل جهودنا لإزالة الحواجز التجارية الدفاعية بين الحلفاء، والاستفادة من شراكات (الناتو) لتعزيز عمق الصناعات الدفاعية والتعاون فيها».
وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد، في كلمته في افتتاح الجلسة الرئيسية لقمة «الناتو»، أهمية رفع القيود المفروضة بين الحلفاء في مجال التعاون الدفاعي، بوصفه خطوة ضرورية لتحقيق «هدف الناتو 3.0».
وقال إن تركيا اتخذت جميع الإجراءات اللازمة لرفع نسبة إنفاقها الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج الإجمالي قبل حلول عام 2030، مشيراً إلى أنها تقدم بالفعل 1.5 في المائة من الموازنة للنفقات المرتبطة بالأمن والقدرة على الصمود، «وبذلك نستهدف بلوغ نسبة 5 في المائة قبل حلول عام 2035، وهو الموعد المحدد في لاهاي».
«الناتو 3.0»
تريد إدارة ترمب الدفع نحو ما تصفه بـ«الناتو 3.0» يكون أكثر رشاقة، وتتحمل فيه أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها، بما في ذلك أوكرانيا، عبر الأسلحة التقليدية، فيما تواصل الولايات المتحدة توفير المظلة النووية.
وفي هذا السياق، أطلق البنتاغون مراجعة تستمر ستة أشهر للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، ما دفع الحلفاء إلى السعي للحصول على توضيحات بشأن مدى عمق التخفيضات التي يعتزم ترمب إدخالها على أعداد القوات الأميركية.
ترمب يخاطب مؤتمراً صحافياً في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)
وقال روته إن الحلفاء «رحبوا بحرارة» بقيادة ترمب، رغم أن الرئيس الأميركي أعاد فتح جروح قديمة بشأن غرينلاند وإسبانيا. وأضاف أن قيادة ترمب «تحول هذا الحلف وتجعله أقوى»، مشدداً على أن رسالة القمة بسيطة: «الناتو ينجز».
بدوره، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن القمة ساهمت في إبقاء الحلف متماسكاً، وإن توقعاته منها تحققت بأكثر مما كان ينتظر. وأضاف أنه يعود إلى ألمانيا وهو يشعر بأن القادة قدموا مساهمة كبيرة في بقاء «الناتو» موحداً، وفي جعله أقوى وأكثر أوروبية، مشيراً إلى وجود «شعور جديد بالمسؤولية الأوروبية» داخل القاعة.
في السياق ذاته، قال قادة الحلف في بيانهم: «نبني المستقبل، أوروبا أقوى في حلف ناتو أقوى، حلف مُحدَّث يضطلع فيه الحلفاء الأوروبيون وكندا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، بمسؤولية أكبر عن دفاع الحلف، ويعتمد ردع (الناتو) ودفاعه على مزيج مناسب من القدرات النووية والتقليدية والصاروخية، مدعومة بأصول فضائية وسيبرانية».
وتابع البيان: «نحن ملتزمون بالحفاظ على تفوقنا القتالي، ونستثمر في قدرتنا على نشر قواتنا المسلحة وتمكينها ودعمها، وتحقيق أهداف قدراتنا في جميع المجالات، بما في ذلك الضربات الدقيقة بعيدة المدى، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والأنظمة غير المأهولة، والتقنيات المتطورة، والقدرات الاستخباراتية، ونعمل على تطوير سحابة عمليات قتالية عابرة للأطلسي قابلة للتشغيل البيني، ونعتمد نماذج ذكاء اصطناعي متطورة».
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة (أ.ب)
أنقرة:«الشرق الأوسط»
TT
أنقرة:«الشرق الأوسط»
TT
مستشار رئاسي: زيلينسكي وترمب والشرع يجرون محادثات قصيرة
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة (أ.ب)
كشف مستشار رئاسي أوكراني للصحافيين أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أجرى محادثات ثلاثية قصيرة مع الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، وفقاً لوكالة «رويترز».
وأعلن ترمب، اليوم (الأربعاء)، أنه سيجيز لأوكرانيا تصنيع صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوي، وذلك خلال لقائه زيلينسكي في تركيا.
وقال الرئيس الأميركي، وهو جالس إلى جانب نظيره الأوكراني: «سنمنحكم ترخيصاً لتصنيع (باتريوت)». وأضاف للصحافيين: «لم نبلغ الشركة بذلك بعد، لكن الأمور ستسير على ما يرام».
وناشد زيلينسكي مراراً الحصول على الصواريخ الاعتراضية الأميركية الصنع، وهي السلاح الوحيد في ترسانة أوكرانيا القادر على إسقاط المقذوفات الباليستية التي يصعب وقفها بسبب سرعتها العالية ومسارها شديد الانحناء.
وكان من المتوقع أن يطرح هذه المسألة مع ترمب خلال اجتماعهما.