طهران توسِّع منشأة «نطنز» في عمق كبير تحت الأرض

خبراء أميركيون: سيكون من الأصعب تدميرها باستخدام القنابل المخترقة للتحصينات

صورة التقطها قمر «بلانيت لابس» لحفريات تحت جبل قرب منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم وسط إيران في 14 أبريل 2023 (أ.ب)
صورة التقطها قمر «بلانيت لابس» لحفريات تحت جبل قرب منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم وسط إيران في 14 أبريل 2023 (أ.ب)
TT

طهران توسِّع منشأة «نطنز» في عمق كبير تحت الأرض

صورة التقطها قمر «بلانيت لابس» لحفريات تحت جبل قرب منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم وسط إيران في 14 أبريل 2023 (أ.ب)
صورة التقطها قمر «بلانيت لابس» لحفريات تحت جبل قرب منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم وسط إيران في 14 أبريل 2023 (أ.ب)

بالقرب من قمة جبال زاغروس في وسط إيران، يشيّد عمال منشأةً نوويةً على عُمقٍ كبيرٍ تحت الأرض، مما يجعلها بعيدة عن مدى سلاح أميركي حديث مصمَّم لتدمير مثل تلك المواقع، حسب خبراء وصور ملتقَطة بواسطة القمر الصناعي نشرتها وكالة «أسوشييتد برس».

توضح الصور والمقاطع المصورة من جانب شركة «بلانيت لابس» أن إيران تحفر أنفاقاً في الجبل بالقرب من موقع «نطنز» النووي، الذي تعرض لهجمات تخريبية متكررة في ظل مواجهة طهران للغرب بسبب برنامجها النووي.

تعقّد تلك المنشأة جهود الغرب المبذولة لمنع إيران من تصنيع قنبلة نووية كما هو محتمل، مع استمرار تعثر الجهود الدبلوماسية فيما يتعلق ببرنامجها النووي، ومواصلة إيران تخصيب اليورانيوم بدرجة تقترب من مستويات تصنيع الأسلحة.

كابوس التصعيد

حذرت مديرة سياسة منع انتشار الأسلحة النووية في «جمعية الحد من الانتشار» ومقرها واشنطن، كيلسي دافنبورت، من أن الانتهاء من تشييد تلك المنشأة سوف يمثل «سيناريو كابوسياً ينذر بحدوث مسار حلزوني تصعيدي جديد». وأوضحت قائلة: «بالنظر إلى مدى اقتراب إيران من تصنيع قنبلة نووية، لا يوجد سوى احتمال ضئيل أن تعزز برنامجها دون التقيد بالخطوط الحمراء الأميركية والإسرائيلية. عند هذه المرحلة، سوف يزيد أي تصعيد آخر خطر نشوب صراع».

تأتي أعمال البناء في موقع «نطنز» بعد 5 سنوات من انسحاب الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، من الاتفاق النووي، بعدما انتقد عدم معالجة الاتفاق برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وأنشطتها الإقليمية المتمثلة بدور «الحرس الثوري».

مع ذلك كان ما نجح فيه الاتفاق هو تقييد نسبة تخصيب اليورانيوم في إيران بـ3.67 في المائة، وهي درجة كافية لتشغيل محطات توليد الكهرباء المدنية، مع تحديد كمية المخزون بـ300 كلغ تقريباً (660 رطلاً).

باشرت إيران تخصب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 في المائة، مع انطلاق الجهود الدبلوماسية لإحياء الاتفاق النووي في أبريل (نيسان) 2021، لكنّ المخاوف زادت مع عثور المفتشين مؤخراً على جزيئات يورانيوم بدرجة 83.7 في المائة. لم يتبقَّ بذلك أمامها سوى خطوة قصيرة للوصول إلى مستوى التخصيب اللازم لتصنيع سلاح نووي الذي تبلغ نسبته 90 في المائة.

بات مخزون إيران منذ فبراير (شباط) أكبر مما كان عليه في إطار الاتفاق، الذي تم إبرامه خلال فترة حكم إدارة الرئيس أوباما، بمقدار 10 أمثال، حسب تقدير مفتشين دوليين، مع الوصول إلى درجة تخصيب يورانيوم تسمح لطهران بتصنيع «عدة» قنابل نووية، حسب رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

كذلك، قال الرئيس الأميركي جو بايدن، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إنهما لن يسمحا لإيران بتصنيع سلاح نووي. وقال مسؤولون أميركيون مؤخراً إن « الدبلوماسية هي أفضل طريقة لتحقيق ذلك الهدف، لكن أوضح الرئيس أيضاً أننا لم نستبعد أي خيار من على الطاولة».

نقاش في طهران

على الجانب الآخر، تنكر طهران سعيها وراء تصنيع أسلحة نووية، رغم مناقشة مسؤولين إيرانيين الآن بشكل علني قدرتهم على السعي وراء تحقيق ذلك.

ورداً على سؤال بشأن أعمال تشييد تلك المنشأة المذكورة في منشأة «نطنز»، قالت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة إن «أنشطة إيران النووية السلمية شفافة وخاضعة لضوابط السلامة الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة النووية».

لكنّ إيران التي تقيد عمل المفتشين الدوليين منذ فترة طويلة، تقول إن المنشأة الجديدة سوف تحلّ محل مركز تصنيع أجهزة طرد مركزي فوق سطح الأرض في موقع «نطنز» تعرّض لانفجار وحريق في يوليو (تموز) 2020.

وقد حمّلت طهران إسرائيل، التي لطالما كان يشتبه في تدبيرها حملات تخريبية لبرنامجها النووي، مسؤولية تلك الواقعة.

لم تعترف طهران بأي خطط أخرى خاصة بالمنشأة، رغم أن عليها الإفصاح عن الموقع لوكالة «الطاقة الذرية» التابعة للأمم المتحدة إذا كانوا يخططون لاستخدام اليورانيوم داخله.

ولم يصدر تعليق من الوكالة التي تتخذ من فيينا مقراً لها، على تقرير «أسوشييتد برس» بشأن المنشأة الجديدة المقامة تحت الأرض.

يتم إنشاء المشروع الجديد بجوار «نطنز»، وتحديداً على مسافة 225 كم تقريباً (140 ميلاً) جنوب طهران.

لطالما كان موقع «نطنز» مثار قلق دولي منذ الكشف عن وجوده منذ عقدين. وتمتد المنشأة، المحمية بمدفعية مضادة للطائرات تابعة «الحرس الثوري»، على مساحة 2.7 كم مربع (ميل مربع) في الهضبة الإيرانية الوسطى القاحلة.

وتُظهر الصور، التي تم التقاطها بواسطة القمر الصناعي في أبريل (نيسان) من جانب «بلانيت لابس»، قيام إيران بالحفر في جبل «كولانغ غازلا»، أو «جبل الفأس»، خلف السياج الجنوبي لـ«نطنز».

كذلك تكشف مجموعة أخرى من الصور حللها مركز «جيمس مارتين» للدراسات الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية عن حفر 4 مداخل في موقع الجبل، اثنان منها في جهة الشرق، والاثنان الآخران في جهة الغرب. ويبلغ عرض كل مدخل 6 أمتار (20 قدماً)، وطوله 8 أمتار (26 قدماً).

يمكن قياس نطاق العمل بأكوام التراب الكبيرة، وهي اثنان جهة الغرب، وواحد جهة الشرق. استناداً إلى حجم أكوام الحفر، وغيرها من البيانات الأخرى، التي تم التقاطها بواسطة القمر الصناعي.

يقول خبراء مركز «جيمس مارتين» إن إيران تبني على الأرجح منشأة تقع على عُمق يتراوح بين 80 و100 متر. ويعدّ تحليل المركز الأول من نوعه الذي يقدّر عمق نظام الأنفاق، استناداً إلى الصور الملتقَطة بواسطة القمر الصناعي.

وقد أشار معهد العلوم والأمن الدولي، الذي يتخذ من واشنطن مقراً، والذي لطالما ركّز على برنامج إيران النووي، خلال العام الماضي، إلى أن الأنفاق قد تكون على عمق أكبر.

يقول خبراء إن حجم مشروع البناء يرجّح أن إيران سوف تمتلك القدرة على استخدام المنشأة التي تقع تحت الأرض لتخصيب اليورانيوم وليس فقط لتصنيع أجهزة طرد مركزي.

وتدير أجهزة الطرد المركزي، التي تتخذ شكل أنبوب، ويتم ترتيبها على هيئة عشرات الآلات المتتالية، غاز اليورانيوم بسرعة كبيرة لتخصيبه. وسوف يسمح تشغيل تلك الآلات الإضافية لإيران بتخصيب اليورانيوم تحت حماية الجبل.

الأسلحة التقليدية غير فعالة

قال ستيفن دي لا فوينتي، مساعد أبحاث في المركز الذي تولى قيادة تحليل أعمال الأنفاق: «يمثل عمق المنشأة مثار قلق وخوف لأنه سيزيد صعوبة الأمر بالنسبة إلينا. سيكون من الأصعب تدميره باستخدام الأسلحة التقليدية مثل القنابل المخترقة للتحصينات».

ومن المرجح أن تقع منشأة «نطنز» الجديدة على عمق أكبر من عمق منشأة «فوردو» النووية الإيرانية، وهي موقع تخصيب آخر تم كشف أمره من جانب الولايات المتحدة الأميركية ودول كبرى أخرى عام 2009. وقد أثارت المنشأة المخاوف في الغرب من قيام إيران بتحصين برنامجها من الهجمات الجوية.

دفع وجود مثل تلك المنشآت النووية المقامة تحت الأرض الولايات المتحدة الأميركية نحو تصنيع قنبلة «جي بي يو-57» التي تستطيع اختراق 60 متراً (200 قدم) من الأرض قبل انفجارها، حسب الجيش الأميركي.

ويُقال إن مسؤولين أميركيين قد ناقشوا استخدام قنبلتين من تلك القنابل المذكورة بشكل متتابع لضمان تدمير الموقع تماماً. ومن غير الواضح ما إذا كانت تلك المحاولة سوف تدمّر منشأة بعمق تلك الموجودة في «نطنز».

مع احتمال استبعاد استخدام تلك القنابل، لن يتبقى للولايات المتحدة وحلفائها سوى القليل من الخيارات لاستهداف الموقع. في حال فشل الجهود الدبلوماسية، ربما يتم استئناف الهجمات التخريبية.

وتعرَّض «نطنز» لهجوم بفيروس «ستاكسنت»، الذي يُعتقد أنه تم تخليقه من جانب إسرائيل وأميركا، ودمّر أجهزة الطرد المركزي الإيرانية.

وتواجه إسرائيل تهماً بالوقوف وراء اغتيال علماء مشاركين في البرنامج النووي، وقصف منشآت بطائرات مسيّرة تحمل قنابل، فضلاً عن هجمات أخرى. ورفضت الحكومة الإسرائيلية التعليق على الأمر.

يقول خبراء إن تلك الأعمال المعرقلة قد تدفع طهران بشكل أكبر نحو تصنيع القنبلة، وتجعلها تحمي برنامجها داخل الجبل على عمق أكبر يجعله عصياً على الهجمات الجوية وأعمال التخريب والجواسيس. قالت دافنبورت، خبيرة منع انتشار الأسلحة النووية: «ربما تحجّم أعمال التخريب برنامج إيران النووي على المدى القصير، لكنها ليست استراتيجية عملية ناجعة طويلة الأمد قادرة على منع تحوّل إيران إلى دولة مسلّحة نووياً». وأضافت قائلة: «يزيد وضع برنامج إيران النووي على عُمق أكبر تحت الأرض خطر انتشار الأسلحة النووية».


مقالات ذات صلة

12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

تحليل إخباري جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)

12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

تزداد التحذيرات من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة كارثة قد لا يكون قادراً على احتواء تداعياتها.

أنطوان الحاج
شؤون إقليمية آلاف من أعضاء حزب «الشعب الجمهوري» في مسيرة لدعم رئيسه المنتخب الموقوف مؤقتاً بقرار قضائي أوزغور أوزيل (إ.ب.أ)

تركيا: حرب تكسير عظام بين جبهتَي «الشعب الجمهوري»

تحولت أزمة حزب «الشعب الجمهوري» التركي إلى «حرب تكسير عظام» بين جبهتَي رئيس الحزب السابق كمال كليتشدار أوغلو الذي أعيد «مؤقتاً»، والرئيس المنتخب أوزغور أوزيل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مواجهة العدو من «الشمال الشرقي»... تعهد القائد الجديد لإسرائيل في سوريا

مواجهة العدو من «الشمال الشرقي»... تعهد القائد الجديد لإسرائيل في سوريا

عين قائد جديد للجيش الإسرائيلي على الجولان المحتل هو العقيد «ي»، الذي وعد بأن يكمل مسيرة سلفه في تعزيز سيطرته ومواصلة القيام في «مبادرات لمباغتة العدو».

نظير مجلي (تل أبيب)
تحليل إخباري الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول مع المحكمة العليا على اليسار ومكتبة الكونغرس على اليمين (أ.ب)

تحليل إخباري فخ الديون الأميركية... هل تقترض واشنطن من الغد لتمويل حروب اليوم؟

يواجه الاقتصاد الأميركي خطر «التمدد الإمبراطوري الزائد» مع اقتراب الدَين من حاجز 36 تريليون دولار، جراء الاعتماد المفرط على الاقتراض لتمويل النزاعات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي جنرال سوري سابق يدخل قاعة محكمة فيينا الإقليمية في النمسا الاثنين حيث يحاكَم وضابط شرطة سوري كبير بتهمة تعذيب معارضي نظام الأسد (أ.ف.ب)

دمشق: قائمة قريبة بألف شخص مطلوبين للعدالة من نظام الأسد

السلطات السورية مستعدة لتقديم التسهيلات اللازمة للمحققين الأوروبيين الراغبين في جمع الأدلة داخل سوريا. مشيراً إلى أنها ستنشر قريباً قائمة تضم نحو ألف شخص مطلوب.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)

قاليباف: مذكرة التفاهم «هزيمة للولايات المتحدة»... وسنفرض رسوماً على «عبور هرمز»

أرشيفية لكبير المفاوضين الإيرانيين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف (د.ب.أ)
أرشيفية لكبير المفاوضين الإيرانيين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف (د.ب.أ)
TT

قاليباف: مذكرة التفاهم «هزيمة للولايات المتحدة»... وسنفرض رسوماً على «عبور هرمز»

أرشيفية لكبير المفاوضين الإيرانيين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف (د.ب.أ)
أرشيفية لكبير المفاوضين الإيرانيين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف (د.ب.أ)

اعتبر كبير المفاوضين الإيرانيين، رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، أن مذكرة التفاهم التي من المفترض توقيعها مع الولايات المتحدة الجمعة في سويسرا بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب في الشرق الأوسط، هي هزيمة لواشنطن.

وقال قاليباف في تصريح للتلفزيون الرسمي الإيراني ليل الأربعاء، بعيد نشر الطرفين نص مذكرة التفاهم، إن «هذا الاتفاق هو هزيمة للولايات المتحدة. والناس سيطّلعون عليه وسيحكمون بأنفسهم».

وأكد قاليباف أن إيران تعتزم فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز، بعد فترة 60 يوماً معفاة من أي رسم منصوص عليها في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، ريثما يتم التفاوض على نص نهائي.

وقال: «المضيق لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب».

وتابع «لإيران حق سيادي في مضيق هرمز، وبالطبع سنجبي رسوما مقابل هذه الخدمات».

وبحسب نص مذكرة التفاهم الذي نشره الجانبان «ستقوم إيران باتخاذ الترتيبات، وبذل أفضل الجهود، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط» في مضيق هرمز الذي تغلقه إيران عملياً منذ بدء الحرب ما أثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي.

ومن المقرّر أن يحضر قاليباف توقيع مذكرة التفاهم مع نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، في مراسم مزمع إقامتها الجمعة قرب بحيرة لوسيرن في وسط سويسرا.


واشنطن تكشف عن نص تفاهم إيران قبل التوقيع

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تكشف عن نص تفاهم إيران قبل التوقيع

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمرة الأولى عن تفاصيل الوثيقة المؤلفة من 14 بنداً، التي تضع إطاراً لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي مدته 60 يوماً حول البرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي.

وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى، خلال إحاطة للصحافيين في واشنطن، إن مذكرة التفاهم لا تزال تحتاج إلى توقيع رسمي، وإن أيّاً من الطرفين يستطيع الانسحاب منها قبل التوصل إلى اتفاق نهائي. ووصف التزام إيران التعامل مع مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب بأنه «انتصار كبير».

وقال المسؤول إن الاجتماع المقبل في سويسرا سيكون «حاسماً» لتحديد ما إذا كانت مذكرة التفاهم ستتحول إلى اتفاق شامل، مضيفاً أن المفاوضات المقبلة ستركز على ترتيب الخطوات وتحديد «من سينفذ ماذا ومتى».

وأوضح أن جوهر المرحلة التالية سيكون الاتفاق على التسلسل الدقيق لتنفيذ الالتزامات، بما يشمل الخطوات النووية والاقتصادية والبحرية، قبل الانتقال إلى اتفاق نهائي ملزم.

وحسب المسؤول الأميركي، تنص المذكرة على «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، مع التزام واشنطن وطهران بالتفاوض للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال مدة أقصاها 60 يوماً، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين.

وتشمل الوثيقة إنهاء الحصار البحري الأميركي على إيران خلال 30 يوماً، على أن تعود حركة السفن تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب. كما تتعهد الولايات المتحدة، وفق النص، بإبعاد قواتها عن محيط إيران خلال 30 يوماً من التوصل إلى الاتفاق النهائي.

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، تنص المذكرة على إبقاء الممر الملاحي مفتوحاً ومن دون رسوم لمدة 60 يوماً. وقال المسؤول الأميركي إن إيران ستعمل بعد ذلك مع سلطنة عمان ودول الخليج العربية للتوصل إلى ترتيبات أوسع وطويلة الأمد بشأن إدارة الملاحة في المضيق.
وبموجب المذكرة، تبدأ فترة تفاوض قابلة للتمديد مدتها 60 يوماً فور توقيع الاتفاق المبدئي. وخلال هذه الفترة، تسمح إيران بالمرور المجاني عبر مضيق هرمز، على أن تناقش لاحقاً إدارة المضيق مع أطراف إقليمية.

المكاسب الاقتصادية

وفي الجانب الاقتصادي، تتعهد الولايات المتحدة مع شركاء إقليميين بالعمل على إنشاء صندوق لا تقل قيمته عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية، على أن يرتبط تنفيذ ذلك بمسار الاتفاق النهائي.
وأقر مسؤولون أميركيون بأن صندوق إعادة الإعمار المحتمل لإيران هو، بعد الملف النووي، أحد أكثر البنود إثارة للجدل في المذكرة. وينص البند الاقتصادي على أن واشنطن ستعمل مع شركائها الإقليميين على وضع خطة نهائية متفق عليها لإعادة إعمار إيران وتنمية اقتصادها.

لكن المسؤول الأميركي شدد على أن هذا البند لا يلزم الولايات المتحدة بدفع أي أموال لإيران أو المساهمة في الصندوق، موضحاً أن تنفيذه سيعتمد على التوصل إلى اتفاق نهائي والتزام طهران ببنوده. وقال إن ذلك قد يسمح، على سبيل المثال، لدول إقليمية بالاستثمار في مشاريع داخل إيران إذا خُففت العقوبات.

كما تنص الوثيقة على أن الولايات المتحدة ستسمح لإيران ببيع النفط فور توقيع مذكرة التفاهم، بينما يرتبط رفع العقوبات بصورة كاملة بالتوصل إلى اتفاق نهائي والتزام إيران ببنوده.

وقال المسؤول الأميركي إن واشنطن ترى بالفعل مؤشرات على تراجع إيران عن محاولات تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز قبل توقيع الاتفاق.

تخصيب اليورانيوم

وفي الملف النووي، أكد المسؤول أن إيران تعهدت بألا تمتلك سلاحاً نووياً، وأن الجانبين اتفقا على معالجة مخزون اليورانيوم المخصب عبر آلية تقوم على «خفض مستوى التخصيب في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، باعتبارها الخيار الأساسي للتعامل مع المواد النووية الإيرانية.
وتقوم عملية خفض التخصيب على خلط اليورانيوم المخصب، الذي يمكن تنقيته إلى مستويات صالحة للاستخدام العسكري، بيورانيوم مستنفد، بما يؤدي إلى تقليل نسبة التخصيب في المخزون القائم.

وقال المسؤول الأميركي إن الالتزام الإيراني بخفض نسبة تخصيب اليورانيوم يمثل، في تقديره، «انتصاراً كبيراً» لواشنطن، موضحاً أن الوثيقة تتضمن بنوداً إضافية في الملف النووي مقارنة بمسودات سُرّبت إلى وسائل إعلام أميركية وأجنبية خلال الساعات السابقة.

وأضاف أن البلدين اتفقا على مناقشة آلية للتعامل مع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، مشيراً إلى أن «الحد الأدنى» لهذه الآلية سيكون خفض نسبة التخصيب داخل إيران وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال مسؤول أميركي رفيع إن طهران، بموجب التفاهم، «تقول إنها ستدمر مخزون اليورانيوم المخصب»، مضيفاً أن خفض التخصيب في الموقع هو «الحد الأدنى» للطريقة التي ستُعتمد لذلك. وشدد المسؤول على أن هذا التوصيف يعكس تعليقه الشخصي على الاتفاق.

ترمب يتحدث في مؤتمر صحافي ختامي لقمة مجموعة السبع في إيفيان وإلى جانبه وزير التجارة هوارد لوتنيك ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)

وأضاف أن طهران قدمت تصوراً لكيفية تنفيذ عملية التخلص من مخزونها من اليورانيوم المخصب، وأن هذه المسألة ستكون جزءاً من المفاوضات التقنية التي ستبدأ فور دخول المذكرة حيز التنفيذ.

وقال المسؤولان الأميركيان إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قال سابقاً إنه لم يطلع على مذكرة التفاهم الرسمية، لم يطلب نسخة منها، بحسب علمهما.

وتأتي هذه التفاصيل فيما لم تنشر إيران حتى الآن النص الرسمي لمذكرة التفاهم، بينما قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن فكرة توقيع الوثيقة من قِبَل الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان لا تزال قيد الدراسة.

ومن شأن مراسم توقيع مثل هذه أن تمثل خطوة كبيرة للبلدين اللذين قطعا العلاقات الدبلوماسية عام 1980 على خلفية أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران.


ترمب يدافع عن اتفاق إيران ويعد بمسار موازٍ للصواريخ والوكلاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدافع عن اتفاق إيران ويعد بمسار موازٍ للصواريخ والوكلاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن وطهران هذا الأسبوع قد يوقع خلال يوم أو يومين، لكنه أبقى خيار القوة مطروحاً إذا لم تلتزم إيران بما ستتعهد به، في محاولة للجمع بين الدفاع عن التفاهم الجديد والتشديد على أن واشنطن لم تتخلَّ عن أدوات الضغط.

وفي مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية، قال ترمب إن الاتفاق «الذي توصلنا إليه مع إيران يوم الأحد» سيوقع قريباً، «غداً أو ربما بعد غد»، مشيراً إلى أن طهران «تريد توقيع الاتفاق».

وكان ترمب قد قال، في وقت سابق، إن مذكرة التفاهم مع إيران ليست اتفاقاً نهائياً، وإن الولايات المتحدة قد تستأنف الحرب إذا لم تكن راضية عن تنفيذها. وكرر، الأربعاء، أن واشنطن قد تعود إلى القصف إذا لم يلتزم الإيرانيون، قائلاً إنهم إذا لم يحترموا الاتفاق «فسنعود على الأرجح إلى قصفهم حتى يلتزموا به».

وقال ترمب إن الإيرانيين «سعداء للغاية لأننا أبرمنا اتفاقاً»، مضيفاً أن التفاهم سيُوقّع قريباً، وربما الجمعة، إذا استكملت الترتيبات اللازمة.

ولم يستبعد ترمب حضوره مراسم التوقيع المرتقبة، قائلاً إنه قد يبقى للمشاركة فيها إذا استدعت الحاجة.

وقال ترمب إن المناقشات الفنية بشأن مخزون إيران النووي ستبدأ على الفور، مكرراً أن واشنطن «ستأخذ» اليورانيوم الإيراني المخصب، حتى لو كان «من دون قيمة». وأضاف أن الاتفاق مع إيران يمكن أن يكون بداية لمسار أوسع في الشرق الأوسط، معبراً عن أمله في أن يؤدي إلى «سلام أوسع» في المنطقة.

مسار موازٍ

وأكد ترمب أن الولايات المتحدة ستبحث مع دول المنطقة برنامج إيران للصواريخ الباليستية ودعمها للفصائل المسلحة، في مسار منفصل عن الاتفاق مع طهران.

وقال إن واشنطن «ستبحث الصواريخ الباليستية والوكلاء»، وإنها تعمل «بجهد موازٍ» لمعالجة المسائل غير النووية.

وأشار ترمب إلى أن حركة الملاحة في مضيق هرمز «زادت كثيراً»، في إشارة إلى بدء تخفيف التوتر البحري بعد التفاهم. كما قال إن الاتفاق سيمنع ما وصفه بـ«كارثة اقتصادية»، مضيفاً أنه لم يكن يرغب في رؤية تداعيات اقتصادية أوسع في المنطقة أو أسواق الطاقة.

وقال ترمب إنه يأمل في توسيع «اتفاقيات إبراهيم»، وأن يكون اتفاق إيران بداية لمسار سلام أشمل في الشرق الأوسط. وأضاف أنه يعتقد أن القادة الحاليين في إيران سيتصرفون «بشكل مختلف تماماً»، وذهب إلى القول إنهم يمثلون «تغييراً للنظام» من داخل النظام نفسه.

ترمب يتحدث في مؤتمر صحافي ختامي لقمة مجموعة السبع في إيفيان وإلى جانبه وزير التجارة هوارد لوتنيك ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)

وتطرق ترمب إلى الجانب الاقتصادي من التفاهم، مؤكداً أن إيران لن تتمكن من الوصول إلى صندوق بقيمة 300 مليار دولار إلا إذا «أحسنت التصرف». وقال إن الولايات المتحدة «صادرت الكثير من أموال إيران»، وإن عليها في مرحلة ما إعادتها، محذراً من أن عدم إعادة الأموال قد يضر بالثقة في الدولار.

وقال ترمب إن أي خطوات تتعلق بالعقوبات ستبقى مرتبطة بسلوك إيران وتنفيذ التزاماتها، مضيفاً أن «إجراءً ما» سيحدث بشأن العقوبات بمجرد أن تبدأ طهران التحرك وفق ما هو متفق عليه. وأضاف: «إن لم نعد أموال إيران، فلن يستثمر أحد في الدولار مجدداً»، في إشارة إلى البعد المالي والسياسي لأي ترتيبات تتعلق بالأصول الإيرانية.

كما وجّه ترمب الشكر إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ على ما وصفه بـ«حيادهما» بشأن إيران، وأضاف أن الزعيمين أسهما في تحسين الأوضاع، مشيراً إلى أن شي حاول المساعدة في معالجة الأزمة الإيرانية، معتبراً أن موقفي موسكو وبكين أسهما في إبقاء المسار مفتوحاً أمام الاتفاق.

وفي شأن الاتهامات المتعلقة باستهداف مدرسة للبنات في إيران خلال الحرب، قال ترمب إن الحادثة لا تزال قيد التحقيق، مؤكداً أنه لا يعتقد أن أحداً تعمد استهداف المدرسة. وأضاف أن الأخطاء قد تقع خلال الحروب، لكنه شدد على أن «لا أحد فعل ذلك عمداً».

إسرائيل ولبنان

وأكد ترمب أن إسرائيل تلقت نسخة من مذكرة التفاهم مع إيران، قائلاً إن واشنطن أرسلت نسخة من النص إلى تل أبيب. كما قال إنه ناقش تفاصيل الاتفاق الإيراني مع حلفاء الولايات المتحدة خلال قمة مجموعة السبع.

وفي لهجة أكثر تصالحاً تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أشاد ترمب بما وصفه بـ«الشراكة الرائعة» بينهما، بعدما كان قد وجه إليه انتقادات بشأن لبنان.

وقال إن نتنياهو «رجل طيب» لكنه «ينفعل قليلاً أحياناً»، واصفاً الخلاف بينهما في شأن لبنان بأنه «اختلاف صغير».

وأضاف ترمب: «أشكر إسرائيل ونتنياهو على الجهد بشأن إيران»، لكنه أقر بأن ملف لبنان لا يزال يتطلب عملاً إضافياً، قائلاً: «سيتعين علينا العمل على ملف لبنان». وقال أيضاً إن إسرائيل «قد تقوم بعمل أفضل» في التعامل مع «حزب الله»، معرباً عن «أسف شديد» بشأن لبنان.

وقال ترمب إنه يتوقع زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن خلال أسبوع أو أسبوعين، مضيفاً أن الرئيس السوري يرغب أيضاً في القيام بخطوات مرتبطة بالترتيبات الإقليمية الجديدة. كما أشار إلى أن دمشق تريد التعامل مع تهديدات «حزب الله» داخل لبنان «بدقة».

وقلّل ترمب من حجم الخلافات المرتبطة بالجبهة اللبنانية، قائلاً إن الملف اللبناني «جزء صغير جداً من الصورة العامة»، وإن «المسألة الحقيقية هي الاتفاق مع إيران»، مضيفاً: «هناك يوجد المال، وهناك كانت توجد السلطة».