ترقب واسع لرحلة رائدي الفضاء السعوديين

برناوي وزميلها القرني ينطلقان نحو المحطة الدولية اليوم

استكمال الاستعدادات لرحلة رائدي الفضاء السعوديين ريانة برناوي و علي القرني إلى محطة الفضاء الدولية اليوم ( الهيئة السعودية للفضاء)
استكمال الاستعدادات لرحلة رائدي الفضاء السعوديين ريانة برناوي و علي القرني إلى محطة الفضاء الدولية اليوم ( الهيئة السعودية للفضاء)
TT

ترقب واسع لرحلة رائدي الفضاء السعوديين

استكمال الاستعدادات لرحلة رائدي الفضاء السعوديين ريانة برناوي و علي القرني إلى محطة الفضاء الدولية اليوم ( الهيئة السعودية للفضاء)
استكمال الاستعدادات لرحلة رائدي الفضاء السعوديين ريانة برناوي و علي القرني إلى محطة الفضاء الدولية اليوم ( الهيئة السعودية للفضاء)

وسط ترقب سعودي ودولي واسع، تنطلق اليوم رحلة رائدي الفضاء السعوديين، ريانة برناوي وعلي القرني، إلى محطة الفضاء الدولية (ISS)، بواسطة صاروخ «فالكون 9» ومركبة «دراغون».

وتأتي هذه الرحلة تماشياً مع التغيرات التي أحدثتها السعودية في قطاع الفضاء المحلي لمواكبة تطلعاته المتوافقة مع رؤية 2030 للاستفادة من قطاع الفضاء في كل مجالاته، باعتباره قطاعاً مستقبلياً عملاقاً يتوقع أن يبلغ فيه حجم الاقتصاد 1.1 تريليون دولار في عام 2040، ونحو 2.7 تريليون دولار بحلول عام 2050.

وتعد هذه الرحلة منعطفاً تاريخياً في قطاع الفضاء السعودي، كونها ضمن برنامج السعودية لرواد الفضاء، الذي جرى إطلاقه في 22 سبتمبر (أيلول) 2022، وتتضمن الرحلة إجراء 14 تجربة بحثية علمية رائدة تسهم في التوسع العلمي والأبحاث بكل تخصصاتها، ويكون لها مردود عكسي في تطوير كثير من البرامج والأبحاث.

وكانت وكالة «ناسا» أعلنت في وقت سابق، أن برناوي والقرني سيقلعان «في ربيع عام 2023» من مركز كيندي الفضائي في فلوريدا بالولايات المتحدة على متن صاروخ تابع لشركة «سبايس إكس» باتجاه محطّة الفضاء الدولية، بمرافقة جون شوفنر، وبيجي ويتسون.

وبالعودة لرائدي الفضاء ريانة والقرني، فقد خضعا إلى جملة من الاختبارات شملت قياس المؤشرات الحيوية عن طريق دراسة تغييرات المؤشرات الحيوية في الدم، التي تبين أنسجة الدماغ الوظيفية في مهمات الفضاء قصيرة المدى لتحديد إذا كانت هذه الرحلات آمنة للدماغ، أم لا، والتغير في طول التيلومير لقياس تأثير رحلات الفضاء قصيرة المدى على طول التيلومير، وكذلك تجربة قياس الحدقة لقياس الضغط داخل الجمجمة باستخدام جهاز أوتوماتيكي لقياس الحدقة في مهمة الفضاء قصيرة المدى لقياس أي تغييرات في الضغط داخل الجمجمة، إضافة إلى عدد من الاختبارات؛ منها قياس قطر غلاف العصب البصري، وتجربة الإرواء الدماغي وتعديلات وضع الدماغ في الجاذبية الصغرى، وتجربة علوم الخلايا، وتجارب توعوية وتعليمية في الجاذبية الصغرى.


مقالات ذات صلة

«المحتوى المحلي» يدفع الاقتصاد السعودي بـ7800 منافسَة و9 مليارات دولار

الاقتصاد تكريم عدد من الجهات الحكومية بـ«جائزة المحتوى المحلي» مؤخراً (واس)

«المحتوى المحلي» يدفع الاقتصاد السعودي بـ7800 منافسَة و9 مليارات دولار

شهدت منظومة المحتوى المحلي في السعودية نمواً متسارعاً مع تجاوز عدد المنافسات الحكومية التي طُبّقت عليها آليات المحتوى المحلي 7800 منافسَة...

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية في العاصمة السعودية الرياض (واس)

السعودية تُصدِر 188 ترخيصاً صناعياً جديداً بـ482 مليون دولار خلال مارس

أصدرت وزارة «الصناعة والثروة المعدنية» السعودية 188 ترخيصاً صناعياً جديداً خلال مارس (آذار) 2026، باستثمارات تجاوزت 1.81 مليار ريال (482.6 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص السعودية تُعيد تشكيل هويتها الصناعية... من التجميع إلى الابتكار المستقل

تسير السعودية بخطى متسارعة ومتزنة في آنٍ واحد نحو بناء منظومة صناعية متكاملة، تتجاوز في طموحها حدود التجميع والاستيراد، لتستهدف بناء قدرات هندسية راسخة.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد عدد من المصانع في السعودية (واس)

تراجع الإنتاج الصناعي في السعودية 14.1 % خلال مارس

أشارت النتائج الأولية الصادرة عن «الهيئة العامة للإحصاء»، الأحد، إلى انخفاض «مؤشر الرقم القياسي للإنتاج الصناعي» في السعودية خلال مارس (آذار) الماضي...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى تابع لـ«سابك» (الشركة)

«سابك» السعودية تفوّض مجلس الإدارة بتوزيع أرباح مرحلية لعام 2026

أقرَّت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) خلال الاجتماع الأول الجمعية العامة العادية تفويض مجلس الإدارة بتوزيع أرباح مرحلية نصفية أو ربعية لعام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»
TT

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

تمكّن باحثون وللمرة الأولى من تحديد الأسس الجينية المحددة لحالة الهوس، وهي السمة الأساسية التي تميّز اضطراب ثنائي القطب. ويقدّم هذا الاكتشاف فهماً أعمق لأحد أكثر اضطرابات الصحة النفسية تعقيداً، وقد يسهِم في تحسين التشخيص والعلاج بشكل مبكر وأكثر دقة.

أُجريت الدراسة بتعاون باحثين من كلية كينغز لندن وجامعة فلورنسا في إيطاليا ونُشرت في 27 يناير (كانون الثاني) 2026 في مجلة «Biological Psychiatry»، حيث يصيب الاضطراب ثنائي القطب bipolar disorder نحو 2 في المائة من سكان العالم، ويتميّز بتقلّبات حادة في المزاج ومستويات الطاقة والنشاط.

«ثنائي القطب»

ما الذي يميّز الاضطراب ثنائي القطب (الهوس الاكتئابي) عن غيره؟ رغم أن المصابين بالاضطراب قد يمرّون بنوبات اكتئاب أو ذهان وأعراض أخرى، فإن الهوس mania هو ما يميّز هذا المرض عن غيره من الاضطرابات النفسية. وخلال نوبات الهوس قد يشعر الشخص بطاقة عالية أو تهيّج شديد مع قلة الحاجة إلى النوم، وتسارع في الأفكار والكلام، وأحياناً ضعف في الحكم على الأمور أو سلوكيات اندفاعية أو أعراض ذهانية.

وحتى الآن، كان من الصعب دراسة بيولوجيا الهوس بدقة لأن كثيراً من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب يعانون أيضاً الاكتئاب؛ ما جعل من الصعب على العلماء تحديد التغيرات البيولوجية الخاصة بالهوس وحده.

تحليل وراثي واسع النطاق

ولتجاوز هذه العقبة؛ حلّل فريق البحث بيانات من دراسات وراثية دولية واسعة النطاق شملت أكثر من 27 ألف شخص مصاب باضطراب ثنائي القطب الشديد وأكثر من 576 ألف شخص خضعوا لدراسات حول الاكتئاب. واستخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً متقدماً سمح لهم بفصل الإشارات الجينية المرتبطة بالهوس عن تلك المرتبطة بالاكتئاب.

بعبارة أبسط، تعامل الباحثون مع الأمر وكأنهم يزيلون «الضجيج» من الصورة. فقد استبعدوا التأثيرات الجينية المرتبطة بالاكتئاب من الصورة الكاملة للاضطراب ثنائي القطب ليتبقى فقط ما يخص الهوس وحده. وبهذه الطريقة تمكّنوا لأول مرة من النظر إلى الهوس على حدة وفهمه كحالة بيولوجية مستقلة، وليس مجرد جزء مختلط مع الاكتئاب أو أعراض أخرى.

الهوس يشكّل اللبّ الجيني للاضطراب

وأظهرت النتائج أن الهوس يفسّر أكثر من 80 في المائة من التباين الجيني في الاضطراب ثنائي القطب؛ ما يؤكد دوره المحوري في هذا المرض. كما حدّد الباحثون 71 متغيراً جينياً مرتبطاً تحديداً بالهوس، من بينها 18 منطقة جينية لم تكن مرتبطة سابقاً بالاضطراب ثنائي القطب.

وتبيّن أن الكثير من هذه الجينات مرتبط بقنوات الكالسيوم ذات البوابات الجهدية voltage-gated calcium channels، وهي عناصر أساسية في تواصل الخلايا العصبية وتنظيم المزاج. وتعدّ هذه النتيجة مهمة لأنها تشير إلى مسارات بيولوجية واضحة يمكن استهدافها علاجياً.

بصمة جينية مختلفة عن بقية الاضطرابات

وعند مقارنة البصمة الجينية للهوس بسمات أخرى تبيّن أن الهوس يشترك جينياً بدرجة أقل مع تعاطي المواد المخدّرة، وبدرجة أكبر مع مؤشرات مرتبطة بالرفاه النفسي والتحصيل التعليمي مقارنة بالاضطراب ثنائي القطب ككل. ويشير ذلك إلى أن للهوس توقيعاً بيولوجياً مميزاً وليس مجرد النقيض للاكتئاب.

وتكتسب هذه النتائج أهمية كبيرة على المستوى الطبي. فكثير من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب يطلبون المساعدة لأول مرة خلال نوبات اكتئاب، حيث قد يبدو المرض مشابهاً للاكتئاب الشديد أو الفصام. ونتيجة لذلك؛ قد يستغرق التشخيص الصحيح ما يصل إلى عشر سنوات.

ومن خلال تحديد الخصائص الجينية الخاصة بالهوس تقرّب هذه الدراسة العلماء من اكتشاف مؤشرات بيولوجية مبكرة للاضطراب ثنائي القطب؛ ما قد يقلّل من طول رحلة التشخيص ويساعد المرضى على الحصول على العلاج المناسب في وقت أبكر.

لماذا يتأخر تشخيص الاضطراب ثنائي القطب؟

كما قد تسهم النتائج في تحسين تصنيف الاضطراب ثنائي القطب وعلاجه. فالأطباء يميّزون حالياً بين أنواعه المختلفة مثل النوع الأول والنوع الثاني واضطراب المزاج الدوري cyclothymia اعتماداً على نمط نوبات المزاج عبر الزمن. وقد يساعد الفهم الأدق لبيولوجيا الهوس على تحسين هذه التصنيفات وتطوير رعاية أكثر تخصيصاً.

وتسلّط الدراسة الضوء أيضاً على مسارات علاجية محتملة، لا سيما تلك المرتبطة بقنوات الكالسيوم، وتشير إلى أن أدوية معروفة مثل الليثيوم lithium قد تعمل من خلال هذه الأنظمة البيولوجية.

نحو تشخيص مبكر وعلاج أدق

وقال الدكتور جوزيبي بييرباولو ميرولا، من معهد الطب النفسي وعلم النفس وعلوم الأعصاب كلية كينغز لندن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن هذا البحث يمثّل خطوة حاسمة إلى الأمام، مضيفاً أنه من خلال عزل البنية الجينية للهوس أصبح بإمكاننا فهم ما يميّزه بوضوح؛ ما يفتح الباب أمام علاجات أكثر دقة وتخصيصاً.

من جانبه، أشار البروفسور جيروم برين، من كلية كينغز لندن والمشارك المراسل، إلى أن الهوس ظل لفترة طويلة صعب الدراسة بحد ذاته، وقال: «تمنحنا نتائجنا صورة أوضح عن بيولوجيا الهوس، وقد تساعد الأطباء على التعرف إلى الاضطراب ثنائي القطب في وقت أبكر وتحسين نتائج العلاج للمرضى».


«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟
TT

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

ماذا لو توقف علم الأحياء عن كونه مجالاً للدراسة، وبدأ يتحول إلى مجال للتصميم؟ هذه تحديداً هي الفرضية التي ينطلق منها كتاب أدريان وولفسون الجديد، «حول مستقبل الأنواع: تأليف الحياة بواسطة الذكاء البيولوجي الاصطناعي»On the Future of Species: Authoring Life by Means of Artificial Biological Intelligence، الصادر في 28 أبريل (نيسان)، عن مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

«تخليق» بيولوجي

في ثنايا كتابه، يطرح وولفسون وجهة نظره بأن التطورات في الذكاء الاصطناعي وتخليق الحمض النووي، تدفع علم الأحياء باتجاه تطوير نموذج هندسي، نموذج يستطيع فيه العلماء توليد تسلسلات جينية جديدة، وصولاً في نهاية المطاف إلى بناء كائنات حية حسب الطلب. ويُطلق على هذه القدرة الناشئة اسم «الذكاء البيولوجي الاصطناعي» (ABI) ـ مصطلح يشمل الأنظمة القادرة على تصميم وبناء الكائنات الحية، وفي النهاية «تشغيلها».

غير أن ثمة مشكلة أساسية تعترض هذه الرؤية: لم يُنتج التطور البيولوجي أنظمة نظيفة ومنظمة، بل أنتج جينومات تشكلت عبر مليارات السنين من التغيرات التدريجية، تتولى مسؤولية وظائف متداخلة، مع قليل من البنية المنظمة، التي يعتمد عليها المهندسون.

من ناحيتهم، حاول بعض باحثي البيولوجيا التركيبية «إعادة هيكلة» الشيفرة الجينية (على ذات النحو الذي يستعين به المهندسون في هيكلة شيفرة الحاسوب)، من خلال إعادة تنظيم الجينومات، لتيسير فهمها والتعامل معها.

بيد أن التساؤل الذي يفرض نفسه هنا: إلى أي مدى يمكن لهذا النهج أن ينجح؟ وما الذي يتطلبه الأمر لجعل علم الأحياء قابلاً للتنبؤ بدرجة كافية لجهود الهندسة؟

حوار علمي

في حوار مع مجلة «آي إي إي إي سبكترم» الصادرة عن مجلة المهندسين الكهربائيين الأميركية، يوضح وولفسون إمكانات وحدود تصميم الحياة.

* إنك تصف الجينوم بأنه «شيفرة معقدة» ناتجة عن التطور. ما الذي يجعل علم الأحياء بطبيعته متعارضاً مع مبادئ الهندسة التقليدية؟

- وولفسون: في الآلات التي يصنعها الإنسان، عادة ما تكون المكونات مستقلة، ولكل منها وظيفة محددة سلفاً. وإذا تعطل أحد المكونات، فماذا تتوقع؟ يمكنك ببساطة استبداله، أو في بعض الحالات إصلاحه. غير أنه للأسف، لا تسير الأمور على هذا النحو في علم الأحياء؛ فنحن هنا نتحدث عن شبكة معقدة ذات سلوكيات ناشئة، مبنية على مساهمات شديدة الصغر من الكثير من المكونات.

ويتطلب علم الأحياء القوة والقدرة على التعامل مع أي تلف أو عطب بكفاءة، ناهيك عن أنه لطالما اعتمد على بنى قائمة مسبقاً. وبالتالي، لا يمكنه أبداً إعادة ابتكار نفسه. وفي جوهرها، تتألف الآلات البيولوجية من تشابك معقد بين التاريخ والتصميم الحالي، ولدينا مكونات تصميمية قد يجدها المهندس مثيرة للسخرية. على سبيل المثال، لو نظرنا إلى الجينوم البشري من منظور هندسي، لقلنا: «يا إلهي، ما هذه الفوضى العارمة!»، لأنه بُني بطريقة نفعية وتدريجية، دون أي تخطيط أو نية مسبقة.

* كيف يحاول علماء الأحياء التركيبية تحسين هذه الرموز؟ هل يمكنك شرح كيف يعيد الباحثون هيكلة الجينومات؟

- وولفسون: يعتبر درو إندي رائداً في هذا المجال، وقد أخذ عاثية بكتيرية bacteriophage وقال: «ماذا لو تعاملنا معها باعتبارها شيفرة برمجية معقدة، ونظفناها وأعدنا هيكلتها وتنظيمها في شكل يتيح استخدامها بسهولة أكبر؟» للأسف، داعبت هذه الفكرة ذهنه قبل وقت طويل من ظهور التقنيات، التي سهَّلت هذه العملية. ومع ذلك، يظل إندي رائداً في هذا النهج البرمجي للجينومات، وفكرة إمكانية إعادة هيكلتها. لم تجر أي تعديلات على الجينومات منذ نحو أربعة مليارات سنة - تخيّل لو كان لديك جزء من شيفرة حاسوبية لم يدخل عليه أي تعديلات منذ أربعة مليارات سنة.

* إلى أي مدى وصل الباحثون في هذا المسعى؟

- وولفسون: لعلَّ أفضل مثال على ذلك مشروع جينوم الخميرة الاصطناعي، المعروف باسم Sc2.0، الذي اضطلع في إطاره جيف باكي بدور رائد داخل مدينة نيويورك. استغرق الأمر منه قرابة 15 عاماً، وعكف على تجميع كل هذه الكروموسومات الاصطناعية ببطء في كائن حي واحد.

الحقيقة أن ما فعله يتجاوز مجرد إعادة الهيكلة؛ إنه إعادة تصميم فعلياً. على سبيل المثال، تحتوي الخميرة على 16 كروموسوماً، وقد نجح في بناء كروموسوم اصطناعي جديد تماماً، الكروموسوم السابع عشر.

وفي عمل منفصل، أظهر أنه يمكن دمج الكروموسومات الستة عشر في كروموسومين ضخمين، في إعادة تشكيل هائلة لطريقة تخزين المادة الوراثية.

ومع ذلك، فإنه عندما تبدأ بالتلاعب بهذه الجينومات وإعادة تشكيلها، فإنك حتماً ستُدخل أخطاءً في الشيفرة. وفي الغالب تُعيق هذه الأخطاء الأداء والنمو. في الواقع، ليس الأمر أنك لا تستطيع إعادة التصميم كلياً دون إحداث عائق أمام النمو، بل إنك تحتاج فقط إلى استثمار الوقت لتحديد الطريقة الأمثل لإنجاز ذلك.

وبالطبع، لم يكن الذكاء الاصطناعي متاحاً عندما بدأ باكي عمله، وهو يُسهّل كل ذلك كثيراً. الواضح أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل، على قدرتنا على تحويل الحمض النووي، إلى مادة هندسية تنبؤية.

ذكاء بيولوجي اصطناعي مدعوم بالذكاء الاصطناعي

* بالحديث عن الذكاء الاصطناعي، بالنظر إلى أنك تطرح مفهوم الذكاء البيولوجي الاصطناعي، ما القدرات المحددة التي سيمنحنا إياها الذكاء الاصطناعي، والتي نفتقر إليها اليوم؟

- وولفسون: قبل الذكاء الاصطناعي، لم نكن نمتلك القدرة على تصميم الحمض النووي على نطاق واسع. لم نكن قادرين على ابتكار تسلسلات حمض نووي جديدة كلياً، تؤدي وظائف على مستوى الكائن الحي. الآن، لدينا ما يُسمى بنماذج لغة الجينوم، والتي تُشبه إلى حد ما برامج الدردشة الآلية، التي نستخدمها لمعالجة النصوص. غير أنه بدلاً من معالجة أحرف الأبجدية الإنجليزية الستة والعشرين، فإنها تُعالج الأحرف الأربعة للغة الحمض النووي.

عندما نعالج لغة الحمض النووي، نحتاج إلى نطاق سياقي واسع للغاية، لأنه على عكس النص، حيث يتركز معظم المعنى في الجمل أو الفقرات، فإنه في الحمض النووي، يمكن للمناطق البعيدة أن تتواصل فيما بينها. لذلك، نحتاج إلى ذكاء اصطناعي قادر على تمييز هذه العلاقات عن بُعد. في حالة نموذج لغة الجينوم Evo 2، يجري استخدام بنيةً ذات نطاق سياقي يبلغ مليون زوج قاعدي؛ بمعنى أنه قادر على رصد كيفية تفاعل أزواج القواعد المتباعدة بمليون قاعدة.

* تصميم الشيفرة ليس سوى نصف المعركة. كيف يتغلب الباحثون على معضلة تصنيع الحمض النووي على نطاق واسع؟

- وولفسون: من العوامل الجوهرية الأخرى التي لم تكن متوفرة سابقاً، القدرة على كتابة الحمض النووي على نطاق واسع بسرعة وكفاءة وبتكلفة منخفضة، وبأي درجة من التعقيد. عندما تجمع بين هاتين القدرتين، التصميم والبناء، تصبح مهندساً. لقد نجحنا في خفض التكلفة باستخدام تكنولوجيا تُسمى «سايدويندر» Sidewinder، والتي تُمكّننا من بناء الحمض النووي بطريقة متوازية على نطاق واسع، مما يقلص على نحو كبير تكلفة بناء الحمض النووي. وهذا وحده يعزز جدوى استخدام الحمض النووي كمادة هندسية.

* بعد تصميم الحمض النووي وتصنيعه، ما الذي يتطلبه الأمر لتشغيل كائن حي؟

- وولفسون: ربما يكون هذا الجزء الأصعب؛ لأننا لا نملك حالياً أي فكرة عن كيفية بناء خلية اصطناعية. من جهته، أثبت كريغ فينتر أنه بالإمكان تدمير الجينوم داخل بكتيريا، والاستعاضة عنه بآخر جديد. بعبارة أخرى، تتصرف الخلية كحاسوب نانوي، ويتصرف الجينوم كبرنامج حاسوبي. غبر أن إدخال الجينومات إلى الخلايا ليس بالأمر الهين.

يشير مصطلح «الذكاء البيولوجي الاصطناعي» إلى إمكانية التصميم والبناء، لكنه يتضمن كذلك القدرة على تحويل ذلك إلى كائن حي. إذا توفرت لديك كل هذه الإمكانات، فأنت بذلك تتقن علم الأحياء باعتباره تكنولوجيا. وفجأة، يصبح الحمض النووي مادة قابلة للبرمجة، ويمكنك التلاعب بها.

علم الأحياء كمادة هندسية مستقبلية

* إذا ما أتقن الباحثون هذه المهارة، فما الذي سيصبح ممكناً؟

- وولفسون: أتوقع أنه في غضون 50 عاماً، سيصبح علم الأحياء المادة الهندسية المفضلة، وسيختار الكثيرون ممن يقرأون هذا المقال العمل مهندسين حيويين. يستطيع علم الأحياء توفير معظم الوظائف التي توفرها المواد. مثلاً، يتمتع خيط العنكبوت بقوة شد تعادل قوة الفولاذ. وعند إعادة تصميمه باستخدام الذكاء الاصطناعي، قد تصل قوته إلى خمسة أضعاف قوة الفولاذ. وبالطبع، تتمتع البيولوجيا بميزة إضافية تتمثل في قدرتها على إنتاج مواد ذكية. تخيل إذن لو كان لدينا شكل ذكي من الفولاذ. كيف سيستفيد المهندس من ذلك في المباني؟

* ما أصعب مشكلة فنية تحول دون تصميم كائن حي وظيفي متعدد الخلايا من الصفر؟

- وولفسون: أعتقد أنها معرفتنا غير الكافية بقواعد الحياة. وهنا، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أداةً رائعةً لفكّ رموز هذه القواعد؛ فهو يحلل قواعد بيانات ضخمة ويستطيع استخلاص الأنماط منها. لن نتمكن من تصميم كائن حي معقد متعدد الخلايا حتى نتقن لغة الحمض النووي بطلاقة أكبر. ويتطلب إنجاز ذلك فهم قواعد الحياة، وفهمها يتطلب بدوره منا تحليل قواعد بيانات أشد تعقيداً ودقة. علينا أن نبحث في قواعد الحياة. وفي كل مرة ندمر فيها نوعاً من الكائنات الحية، ندمر صفحةً من كتاب القواعد، بينما نحن بحاجة إلى جمع كل المعلومات في كتاب متكامل.

* أخيراً، مع بدء رحلتك في هندسة الحياة، ما احتمالات الفشل الواقعية؟

- وولفسون: يمكنني تفسير «احتمالات الفشل» بطريقتين: إحداها نوع من الأعطال الميكانيكية؛ فمع إزالة كل هذا التداخل، يصبح النظام هشاً، لأن الآلات البيولوجية مصممة بحيث لا تتعطل، ولديها آليات أمان متداخلة.

أما الطريقة الأخرى التي قد تفشل بها هذه المساعي، فترتبط بخطورتها، خاصة ونحن لا نفهم النظم البيئية، ويصعب حسابها للغاية. لذا، إذا أطلقنا كائنات معدلة وراثياً في نظم بيئية معقدة، فقد يسفر ذلك عن فوضى عارمة. ومن الواضح أن هذه التقنيات بحد ذاتها خطيرة بطبيعتها، إذا وقعت في الأيدي الخطأ. لذلك، نحتاج إلى تعلم كيفية استخدامها بأمان ومسؤولية وأخلاقية وشفافية وإنصاف، بما يعود بالنفع على المجتمع.


حين تتحدث الدموع... الذكاء الاصطناعي يقترب من أسرار الدماغ

حين تتحدث الدموع
حين تتحدث الدموع
TT

حين تتحدث الدموع... الذكاء الاصطناعي يقترب من أسرار الدماغ

حين تتحدث الدموع
حين تتحدث الدموع

لطالما ارتبطت الدموع في الوعي الإنساني بالحزن والفرح والخوف والحنين، وظلت لقرون تُفهم بوصفها لغة صامتة للمشاعر الإنسانية. لكن هذه القطرات الشفافة بدأت اليوم، داخل مختبرات الطب والذكاء الاصطناعي، تكتسب معنى مختلفاً تماماً.

فالدمعة التي كانت تُقرأ عاطفياً، أصبحت تُدرس علمياً باعتبارها نافذة بيولوجية دقيقة قد تكشف مبكراً عن أمراض خطيرة داخل الدماغ والجهاز العصبي، حتى قبل ظهور الأعراض الواضحة على المريض.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، لم يعد العلماء ينظرون إلى الدموع على أنها مجرد سائل تفرزه العين، بل بوصفها «خريطة بيانات حيوية» تحمل إشارات خفية عن صحة الإنسان، وربما عن اضطرابات لم تبدأ أعراضها السريرية بعد.

وفي عالم يتجه بسرعة نحو الطب التنبؤي، أصبحت الخوارزميات تحاول اليوم قراءة ما تخفيه الدموع بصمت، بحثاً عن أولى الهمسات البيولوجية للمرض قبل أن يتحول إلى حقيقة سريرية كاملة.

العين امتداد للدماغ

علمياً، لا تُعدّ العين عضواً منفصلاً عن الدماغ، بل هي امتداد حي للجهاز العصبي المركزي، ولهذا يعتقد الباحثون أن بعض الاضطرابات العصبية قد تترك بصماتها المبكرة في العين والدموع قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة بوقت طويل.

• الدموع ومرض ألزهايمر. في فبراير (شباط) 2026، نشرت الباحثة الإسبانية إينيس لوبيز-كوينكا (Inés López-Cuenca) وفريقها من معهد رامون كاستروفييخو لأبحاث طب العيون (Ramón Castroviejo Institute for Ophthalmic Research) في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، بالتعاون مع معهد البحوث الصحية في مستشفى سان كارلوس الجامعي؛ مراجعة علمية موسعة بعنوان: «الدموع بوصفها نافذة على مرض ألزهايمر» (Tears as a Window to Alzheimer’s Disease).

وأشارت الدراسة إلى أن الدموع ليست مجرد سائل لحماية العين، بل تحتوي على مؤشرات حيوية دقيقة، مثل البروتينات المرتبطة بالأمراض العصبية، والحمض النووي الريبي الميكروي (microRNA)، والحويصلات الخلوية المجهرية (Extracellular Vesicles)، وهي جزيئات قد تعكس تغيرات بيولوجية تحدث داخل الدماغ في المراحل المبكرة من مرض ألزهايمر، حتى قبل ظهور اضطرابات الذاكرة الواضحة.

من الدموع إلى العدسات الذكية... العين تتحول إلى منصة تشخيص حية

• دور الذكاء الاصطناعي. التحدي الحقيقي لم يكن يوماً في جمع الدموع، بل في فهم اللغة البيولوجية المعقّدة المختبئة داخلها.

فالدمعة الواحدة قد تحتوي على آلاف الإشارات الجزيئية الدقيقة التي يصعب على الإنسان ربطها أو تفسيرها بالطرق التقليدية، خصوصاً عندما تكون الفروق بين الطبيعي والمرضي شديدة الدقة والتداخل.

هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي، القادر على تحليل كميات هائلة من البيانات الحيوية واكتشاف أنماط خفية قد لا تستطيع العين البشرية ملاحظتها.

وفي دراسة منشورة عام 2026 في مجلة «تقنيات النانو الحيوية» (Journal of Nanobiotechnology)، قدم الباحث الصيني تشينغفو زو (Qingfu Zhu) وفريقه البحثي نظاماً ذكياً يحمل اسم «إيه بي إل إي دي إكس» (ABLEDx)، يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الحويصلات الخلوية الموجودة في الدموع، بهدف الكشف المبكر عن الأمراض العصبية المزمنة والمتقدمة، مثل ألزهايمر وباركنسون.

وشارك في المشروع العالم لوك بي لي (Luke P. Lee)، المعروف بأبحاثه الرائدة في تقنيات الاستشعار الحيوي والأنظمة الطبية الدقيقة.

ويعتمد النظام على مقارنة الأنماط البيولوجية الموجودة داخل الدموع بقاعدة بيانات ضخمة، ما يسمح للخوارزمية بالتعرف على الإشارات المرتبطة بالأمراض العصبية في مراحلها المبكرة جداً، أحياناً قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة.

بمعنى آخر، لم يعد الذكاء الاصطناعي ينتظر ظهور المرض... بل يحاول الإصغاء إلى همساته الأولى.

• الدموع ومرض باركنسون. الأبحاث الحديثة لم تتوقف عند مرض ألزهايمر، بل امتدت إلى أمراض عصبية أخرى يصعب اكتشافها مبكراً، وفي مقدمتها مرض باركنسون.

ففي فبراير 2026 أعلن المركز الألماني لأبحاث الأمراض العصبية (German Center for Neurodegenerative Diseases – DZNE) في مدينة دريسدن مشروعاً بحثياً جديداً بقيادة البروفسور بيورن فالكينبورغر (Björn Falkenburger)، يهدف إلى البحث عن مؤشرات مرض باركنسون داخل الدموع بدلاً من الاعتماد على الفحوصات العصبية الأكثر تعقيداً وتدخلاً.

ويركز الباحثون على بروتين «ألفا سينوكلين» المشوّه (Alpha-Synuclein)، وهو من أهم العلامات البيولوجية المرتبطة بمرض باركنسون، إذ يعتقد العلماء أن تغيراته قد تبدأ داخل الجسم قبل سنوات من ظهور الارتعاش واضطرابات الحركة المعروفة.

ويأمل الفريق البحثي أن يسمح تحليل الدموع مستقبلاً بالكشف المبكر عن المرض عبر اختبار بسيط وغير مؤلم، وهو ما قد يغيّر طريقة تشخيص الأمراض العصبية المزمنة، التي تُكتشف غالباً بعد أن يكون الضرر العصبي قد بدأ بالفعل.

الذكاء الاصطناعي يقرأ الدموع لكنه لا يفهم الإنسان

تقنيات وخوارزميات

• من الدموع إلى العدسات الذكية. هذا التقدم العلمي فتح الباب أمام جيل جديد من التقنيات الطبية القابلة للارتداء، حيث تعمل شركات التكنولوجيا الحيوية حالياً على تطوير عدسات ذكية وأجهزة استشعار دقيقة تستطيع مراقبة المؤشرات الحيوية الموجودة داخل الدموع بشكل مستمر، ثم إرسال البيانات مباشرة إلى أنظمة تحليل تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

والفكرة الأساسية تقوم على تحويل العين من عضو للرؤية فقط إلى نافذة صحية قادرة على نقل معلومات بيولوجية لحظية عن الجسم.

وقد لا يقتصر استخدام هذه التقنيات مستقبلاً على الأمراض العصبية وحدها، بل قد يمتد إلى مراقبة السكري، والالتهابات، واضطرابات المناعة، والإجهاد العصبي، وربما بعض الاضطرابات النفسية المرتبطة بالتغيرات الكيميائية داخل الجسم.

ومع هذا التطور المتسارع، قد تتحول العين تدريجياً إلى منصة تشخيص رقمية حية تعمل بصمت على مدار الساعة، ترصد التغيرات الصحية الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان نفسه.

• هل تستطيع الخوارزميات فهم الإنسان؟ ورغم هذا التقدم العلمي المذهل، تبقى هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: فالذكاء الاصطناعي قد يستطيع تحليل البيانات الحيوية بدقة هائلة، لكنه لا يفهم المشاعر الإنسانية بالطريقة التي يفهمها البشر. فالخوارزمية قادرة على اكتشاف تغير بروتيني أو إشارة مرضية دقيقة داخل الدموع، لكنها لا تشعر بالخوف الذي يرافق المريض، ولا تدرك المعنى الإنساني المختبئ خلف دمعة واحدة.

ولهذا يرى كثير من الباحثين أن مستقبل الطب لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة، بل شراكة أكثر توازناً: الذكاء الاصطناعي يقرأ الإشارات الخفية داخل الجسم، والطبيب يقرأ الإنسان بكل تعقيداته النفسية والإنسانية.

وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الدموع، التي ظلّت عبر التاريخ رمزاً للمشاعر الإنسانية، قد تتحول قريباً إلى واحدة من أكثر أدوات الطب التنبؤي دقةً في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تحاول الخوارزميات اليوم فهم ما يقوله الجسد... قبل أن ينطق به الإنسان.