أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

«متروبوليس» تستعيد مسيرة المخرج الفرنسي وتطوُّر مشروعه السينمائي

جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)
جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)
TT

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)
جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

تُمثّل «دورة جاك تاتي» التي تقيمها سينما «متروبوليس» في بيروت، وتضمّ 5 من أفلامه بنسخ مرمَّمة، فرصةً تتجاوز استعادة مخرج فرنسي كبير، إلى معاينة مشروع سينمائي نما لأكثر من عقدين حول هاجس واحد تغيَّر شكله باستمرار؛ الإنسان وهو يحاول العثور على مقاسه داخل عالم صمَّمه بنفسه، ثم اكتشف أنّ هذا العالم أخذ يُحدّد له كيف يمشي ويجلس ويعمل ويستريح ويرى الآخرين...

جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

من «اليوم الكبير» إلى «حركة المرور»، يكبر العالم الذي يضعه جاك تاتي تحت مجهره. يبدأ من ساعي بريد يُريد أن يُسرِع، وينتقل إلى سائح يحاول أن يجد مكانه بين طقوس الجماعة، فإلى منزل حديث يرسم لساكنيه طريقة عيشهم، ثم إلى مدينة مُكوَّنة من الزجاج والفولاذ، وصولاً إلى الطريق حيث تصبح الحركة نوعاً من التعطُّل. وبين المحطات، تولد شخصية «مسيو أولو». تتطوَّر، وتكاد تتلاشى، لتجعل العالم من حولها البطل الحقيقي.

في «اليوم الكبير»... يركض الإنسان خلف السرعة فتسبقه الحياة (متروبوليس)

في «اليوم الكبير» (1949)، كان تاتي قد وضع النواة الأولى لفكره، من دون أن تكون قد نضجت بعد إلى تعقيد أفلامه اللاحقة. ساعي البريد «فرنسوا»، الذي يؤدّيه أيضاً، يرى نموذجاً أميركياً للكفاءة البريدية فيقرّر أن يجعل من جسده آلة أسرع.

الفيلم أقلّ تركيباً من الأعمال التي ستليه، وفكرته تُقرأ بسرعة أحياناً، لكنّ أهميته تكمن في اكتشاف تاتي المُبكر أنّ الكوميديا تستطيع أن تنشأ من اختلال النسبة بين الجسد والنظام. ما يهمّه هو لحظة تَحوُّل الكفاءة من أداة إلى معيار يقيس الإنسان. منذ البداية، يلتقط تاتي شيئاً سيتضخَّم لاحقاً في القرن الـ20 وما بعده، وهو أنَّ التقدُّم قد يخلق إيقاعاً لا يعود الإنسان قادراً على السكن فيه براحة.

«إجازة السيد أولو»... العطلة بعين تاتي الساخرة (متروبوليس)

مع «إجازة السيد أولو» (1953)، يتغيَّر مركز الثقل. يصل «أولو» إلى منتجع بحري حيث يمارس المصطافون طقوس الراحة وفق انتظام يكاد يجعل الإجازة وظيفة. حتى الاسترخاء يبدو سلوكاً اجتماعياً ينبغي إتقانه.

نعرف «أولو» من طول قامته وانحناءته وعدم قدرته على الانسياب داخل المجتمع. لا يتقن القواعد، ومن هذا «النقص» تتولَّد رؤيته. الآخرون ينسجمون مع النظام إلى حدّ أنهم لا يعودون يرونه، أما «أولو» فيصطدم به، ولذلك يراه الجميع.

سمكة لا تنفث الماء للجميع (متروبوليس)

في «خالي» (1958)، تتّضح أفكار تاتي أكثر... وربما أكثر مما ينبغي أحياناً. يضع الحيّ الذي يسكنه «أولو» في مواجهة الفيلا الحديثة حيث تقيم عائلة شقيقته. المقارنة البصرية حادّة. في جانب؛ هناك اختلاط وأطفال وكلاب ومسارات غير مستقيمة، وفي الجانب الآخر أسطح نظيفة وأجهزة لامعة وحديقة هندسية ونافورة سمكة تُشغَّل وفق أهمية الزائر.

الفيلا آلة اجتماعية. المَمرّ يقرّر المسار، والمقعد يفرض هيئة الجلوس، وتكنولوجيا المطبخ تُعقِّد إنجاز المَهام العادية. العلاقة بين «أولو» وابن أخته «جيرار» تمنع الفيلم من الانغلاق داخل هجاء التصميم الحديث. مع الخال، يستعيد الطفل اللعب الذي يبدو في عالم تاتي فعلاً مضاداً لمنطق الكفاءة. «أولو» يحمل بدوره شيئاً من الطفولة. فيه مساحة لم تُروَّض بعد.

السمكة للمظاهر... و«أولو» لضحكة الطفل (متروبوليس)

ثم «وقت اللعب (بلاي تايم)» عام 1967، وفيه يبلغ مشروع تاتي ذروة جرأته ونضجه. الحداثة صارت مدينة، والمُشاهد يعيش شيئاً من حالة «أولو». يحاول أن يفهم نظاماً أكبر منه من دون الحصول على خريطة.

يبدأ «أولو» فقدان امتيازه. الرجل الذي كان محور الفيلم السابق يمكن أن يضيع بين أجساد تُشبهه، ويظهر بعيداً، ويغيب لفترات. هذا اكتمالٌ لمعنى الشخصية. منذ البداية كان «أولو» أداةً للكشف عن العالم، وحين يصبح العالم قادراً على الكَشْف عن غرابته بنفسه، لم يعد ضرورياً أن تبقى الأداة في مركز الصورة.

في «وقت اللعب»... الزجاج يرى الجميع (متروبوليس)

في المطعم يبلغ هذا المنطق أقصاه. المكان، نموذج الكمال، يبدأ بالتفكُّك. تنهار أجزاء من الديكور وتتعثَّر الخدمة... فتبدأ الحياة. الموسيقى والضحك والتقارُب تظهر مع فشل النظام في المحافظة على شكله. تلك من أعمق أفكار تاتي. التعطُّل يفتح إمكاناً للعيش. ومع ذلك، لا يمكن عدّه عدواً للحداثة. صُوَره تؤكد افتتانه بها. الزجاج والانعكاسات والفولاذ والسيارات تمنحه مادة بصرية أخّاذة، وصناعته السينمائية شديدة الدقّة إلى حدّ المفارقة. العمارة والصوت عنده يشاركان الشخصيات حياتها ويُغيّران إيقاعها وحركتها.

طريق تتحوّل مشهداً راقصاً في «وقت اللعب» (متروبوليس)

بعد ضخامة «وقت اللعب»، يبدو «حركة المرور» (1971) أصغر حجماً. ينتقل «أولو» مع سيارة تخييم نحو معرض في أمستردام، في رحلة تتعطَّل باستمرار بفعل الطرق والحدود والحوادث والزحام. ما كان في «اليوم الكبير» حلماً بالسرعة صار في «ترافيك» عالماً بلغ السرعة ثم وجد نفسه عالقاً.

الدائرة التي يقطعها تاتي بين الفيلمين لافتة. في البداية كان رجل واحد يحاول اللحاق بعالم أسرع. في «حركة المرور» أصبح الجميع داخل آلات الحركة ولا يكاد أحد يصل في الوقت المطلوب. السيارة، وهي وعدٌ بالاستقلال والحرّية، تصبح حُجرة صغيرة ينتظر فيها الإنسان وسط صفّ طويل من الحُجرات المماثلة.

في «حركة المرور»... الطريق أطول من فكرة الوصول (متروبوليس)

في مشهد حادث السير، تَظهر الأجساد التي أخفتها السيارات. كما حدث في المطعم، تأتي لحظة إنسانية بعد عُطُل. يتكرَّر لدى تاتي الإيمان بأنّ النظام حين يتوقّف عن العمل يسمح للبشر باستعادة أنفسهم.

بذلك يتحقَّق فَهْم «أولو» خارج صورة الشخصية الكوميدية الشهيرة. أهم ما فيه أنه خارج المقاس... طويلٌ أكثر ممّا يلزم، ومتأخّر عن إيقاع المكان وغير بارع في تقديم نفسه. الفيلم القصير «افتح الباب من فضلك» لجوانا حاجي توما وخليل جريج، الذي عرضته «متروبوليس» قبل «وقت اللعب»، تناول هذه الفكرة من طفولته.

جاك تاتي... طويل بما يكفي ليخرج من الكادر (متروبوليس)

مراهق بالغ الطول يقف أمام مُصوّر يحاول تنظيم التلامذة داخل صورة مدرسيّة مثالية. جسده يُفسد التكوين، فيبحث عن طريقة ليجد مكاناً فيه. استعادة تضع تحيةَ المخرجَيْن اللبنانيَيْن لتاتي بمحاذاة أحد أكبر أفلامه تعبيراً عن تلك الفكرة.

«أولو» الذي لم يتعلّم المشي كما يريد المكان (متروبوليس)

«أولو» هو الجسد الذي لا يتّسع له التصميم. في البداية يبدو أنّ المشكلة في عدم قدرة الرجل على التأقلم، ولاحقاً تنتقل الشُّبهة إلى النظام. تتغيَّر رمزية الشخصية من غريب يخرج عن نسق المجتمع إلى مقياس يُظهِر مقدار ما خسره المجتمع من قدرة على احتمال الاختلاف. كان يكفي أن يمرّ في العالم بطريقته، فيختلّ كلّ شيء قليلاً... ويستقيم شيء في الإنسان.


مقالات ذات صلة

«تعنت إسرائيلي» يمنع مخرجين فلسطينيين من مهرجانات عالمية

يوميات الشرق لقطة لأحد مشاهد فيلم «غزة 13» (حساب المخرج على فيسبوك)

«تعنت إسرائيلي» يمنع مخرجين فلسطينيين من مهرجانات عالمية

بينما يُعرض اليوم بمهرجان «تورونتو» الفيلم الفلسطيني «غزة 13» في عرضه العالمي الأول خلال الدورة الـ51 للمهرجان، يغيب مخرجه حسام أبو دان عن هذا الاحتفاء المهم.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الجزء الثاني من فيلم «السحر العملي» يشهد عودة نيكول كيدمان وساندرا بولوك (IMDb)

مفارقات شباك التذاكر السعودي... صمود «الأوديسة» وافتتاح متواضع لـ«السحر العملي 2»

شهد شباك التذاكر السعودي مفارقات لافتة في أسبوعه الأخير، فبينما تصدّر «السحر العملي 2» شباك التذاكر العالمي جاء افتتاحه في المركز السابع محلياً.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)

المخرج المصري هاني لاشين: جيلنا مستبعد عمداً من السينما

قال المخرج المصري هاني لاشين إنه لم يغب عن السينما بل غُيِّب وكثير من كبار المخرجين والكتاب من أبناء جيله عمداً، مؤكداً أنه لم يتوقف عن كتابة أفلامه.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الحرب في الخلفية والحياة لم تغادر المشهد (متروبوليس)

«شاشات الواقع» يلتقط الحياة وهي تُعاند الحرب

تشاء هذه الأفلام أن تُعيد إلى المشهد ما يسقط عادةً خارجه؛ الإنسان الذي عاش كلّ ذلك.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق مهرجان «ميدفيست مصر» تناول قضايا الصحة النفسية (فيسبوك)

مهرجانات للسينما بمصر تراهن على الشباب والأفلام النوعية

تراهن العديد من المهرجانات السينمائية التي أقيمت أخيراً بمصر على سينما الشباب وعلى الأفلام النوعية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
TT

دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)

أقام أغسطس، أول إمبراطور لروما القديمة، النصب ‌التذكاري الذهبي، الذي يُعرف باسم «المَعْلم الذهبي»، في المنتدى الروماني عام 20 قبل الميلاد ليكون بمثابة نقطة انطلاق رمزية لكل الطرق في الإمبراطورية مترامية الأطراف. وشكلت هذه الطرق بالفعل العمود الفقري لأول شبكة نقل على مستوى قارة في ​العالم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأجرى الباحثون الآن تحليلاً هيكلياً مفصلاً لشبكة الطرق في الإمبراطورية، والتي تمتد على مسافة 300 ألف كيلومتر تقريباً وتعبر أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأظهرت الدراسة أن المقولة القديمة «كل الطرق تؤدي إلى روما» لم تكن دقيقة تماماً، وأن أنسب ما تنطبق عليه هذه المقولة هي القسطنطينية العاصمة اللاحقة للإمبراطورية (إسطنبول حالياً).

وخلص الباحثون في الدراسة إلى أن الرومان كانوا يفضلون بناء طرق مستقيمة، لكن التضاريس الوعرة كانت تعرقل أحياناً تحقيق هذا الهدف.

ووثقوا وجود علاقة في العديد من المناطق بين الطرق الرومانية القديمة والطرق السريعة الحديثة.

وشيد الرومان، الذين كانوا بارعين في الهندسة والبناء، طرقا تمتد من ‌صحاري المغرب والجزيرة ‌العربية جنوباً وشرقاً وصولاً إلى اسكوتلندا والمحيط الأطلسي شمالاً ​وغرباً. ‌وربطوا ⁠هذه الطرق ​بالأنهار الصالحة ⁠للملاحة والممرات البحرية لتشكيل شبكة نقل متكاملة.

وقال عالم الآثار القديمة توم بروجمانز من جامعة آرهوس في الدنمارك: «هذه البنية التحتية تعني أن منطقة شاسعة أصبحت أكثر تكاملاً، فقد وفرت منطلقاً بحجم قارة لانتشار الناس والحيوانات والبضائع والأفكار ومسببات الأمراض».

وأضاف بروجمانز، الذي ساعد في إعداد الدراسة التي نشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، أن «الفيالق الرومانية كانت تسير على الطرق للاستجابة للتهديدات وإغاثة زملائها واستعمار أراض جديدة... لكن الطرق نفسها كانت تستخدم في ⁠الغالب للانتقال بشكل متكرر بين المزارع والحقول أو إلى الأسواق المحلية لبيع المنتجات ‌الزراعية».

وتم قياس المسافات البرية من روما انطلاقا من ‌المعلم الذهبي، لكن هل كانت هذه المدينة القديمة الضخمة مركز ​الشبكة حقاً؟

وقال بروجمانز: «هل كل الطرق تؤدي إلى ‌روما؟ ليس بالضرورة».

وأضاف: «تقع روما في موقع مركزي بالنسبة للملاحة البحرية في البحر المتوسط، لكنها ‌ليست مركزية في شبكة الطرق الرومانية بالتحديد. وجدنا أن عواصم الأقاليم كانت تتمتع بمواقع ممتازة على الطرق في أقاليمها، مما يسهل إدارة الأقاليم وجمع الضرائب بفاعلية».

وكانت أنقرة في تركيا ولندن في بريطانيا وكورنث في اليونان بعضاً من هذه العواصم.

وأضاف بروجمانز: «كانت روما نفسها في موقع مركزي على الطرق المقامة على ساحل إيطاليا المطل على ‌بحر طرانة. لكن عندما نظرنا إلى جميع التحركات داخل شبه الجزيرة الإيطالية بأكملها، صدمنا عندما اكتشفنا أن الطريق الأكثر مركزية يتبع في ⁠الواقع ساحل البحر الأدرياتيكي المقابل، ⁠متجاوزاً روما تماماً».

عاصمة جديدة

نقل الإمبراطور قسطنطين العاصمة إلى القسطنطينية في أوائل القرن الرابع الميلادي.

وقال بروجمانز: «كانت هذه العاصمة الجديدة تتمتع بموقع استراتيجي عند ملتقى أوروبا وآسيا، وكشفت أبحاثنا أنها كانت مركزية بشكل غير عادي للسفر البري عبر الإمبراطورية بأكملها، أكثر بكثير من روما».

وأضاف أنها «تقع على مضيق البوسفور، ونعلم أن عبارات كانت تعبر هذا المضيق في العصور القديمة، مما ربط حركة المرور البرية الأوروبية والآسيوية بشكل فعال».

وساهمت هذه الطرق القديمة في تنظيم التفاعلات بين مئات الملايين من الناس لأكثر من ألفي عام بسبب استمرار استخدام عدد منها لفترة طويلة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في سنة 476 ميلادية وسقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والتي تسمى أيضاً الإمبراطورية البيزنطية، عام 1453.

ويقتفي العديد من الطرق السريعة الحديثة أثر تلك القديمة.

وأفاد بروجمانز: «من الأمثلة الرائعة على ذلك طريق ​فيا أوجوستا، الذي يمتد من قادس في جنوب ​إسبانيا إلى جبال البرانس. ويمر الطريق تحت قوس نصر اسمه قوس بيرا بين تاراجونا وبرشلونة، حيث يمكنك أن ترى بوضوح أنه يسير في نفس مسار الطريق السريع الحديث (إن-340)».

اقرأ أيضاً


مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
TT

مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)

جددت واقعة توقيف أحد الأشخاص بمحافظة المنيا (جنوب مصر) وبحوزته 151 قطعة أثرية تعود للعصور المصرية القديمة والعصرين اليوناني والروماني من نتاج التنقيب غير المشروع، قضايا «التجارة المحرمة» في الآثار والمجرمة قانونا.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية عن استمرار جهود أجهزة مكافحة جرائم حيازة القطع الأثرية والاتجار بها حفاظاً على ثروات البلاد وتراثها القومي، وفي هذا الإطار أكدت معلومات وتحريات قطاع شرطة السياحة والآثار قيام أحد العناصر الإجرامية بمحافظة المنيا بحيازة قطع أثرية بقصد الاتجار بها.

ووفق بيان للوزارة «عقب تقنين الإجراءات أمكن ضبطه بدائرة مركز شرطة المنيا، وضُبط بحوزته (151) قطعة أثرية متنوعة (2 تابوت أثرى – 37 تمثالاً من الحجر الجيري والبرونزي والفيانس – قاعدة تمثال – تميمة – 3 أوانٍ – قنينة من الفخار –97 عملة معدنية - عدد من القطع الأثرية المتنوعة)، وبمواجهته اعترف بأن القطع الأثرية المضبوطة نتاج أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع عن الآثار بإحدى المناطق الجبلية بدائرة مركز شرطة أبو قرقاص، وحيازته لها بقصد الإتجار، وبعرض المضبوطات على الجهات المعنية أفادت بأن القطع المضبوطة جميعها أثرية تعود للعصور الفرعونية واليونانية والرومانية».

ضبط شخص بحوزته قطع أثرية في المنيا (وزارة الداخلية)

وكانت أجهزة المن قد ضبطت من قبل العديد من الحالات المشابهة من بينها ضبط شخص بحوزته 277 قطعة أثرية بالمنيا في أبريل (نيسان) الماضي، وضبط 9 أشخاص بحوزتهم 118 قطعة أثرية تماثيل وقطع متنوعة في محافظة القاهرة، خلال أغسطس (آب) الماضي.

ويجرم القانون المصري تجارة الآثار والتنقيب غير المشروع عنها، ويحدد القانون 117 لسنة 1983 اختصاصات ومسؤوليات التنقيب باعتبار المسؤول عنها المجلس الأعلى للآثار، وبخلاف ذلك تصل عقوبات التنقيب غير المشروع عن الآثار والاتجار بها إلى السجن المؤبد وغرامة 5 ملايين جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً).

من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن «هناك حالة من الهوس لدى البعض من الشعب المصري للحلم بالثراء السريع عبر التنقيب غير المشروع عن الآثار؛ ما يتطلب تحرك الدولة سريعاً في اتخاذ بعض الإجراءات لوقف عمليات التنقيب والحفر خلسة عن الآثار، بتشديد العقوبات، والعمل سريعاً على تسجيل الأماكن الأثرية بالكامل، وزيادة الحراسة المشددة على المواقع والمناطق الأثرية، وعمل دوريات أمنية للحد من انتشار هذه الظاهرة، حيث إنه يعد إهداراً لتاريخ وحضارة المصريين والآثار المصرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر «يتطلب تعديلات جديدة بقانون حماية الآثار، تتضمن تأمين من يقوم بالإبلاغ عن أعمال الحفر خلسة، ومكافآت مالية كبرى».

وأشار إلى أن «هناك خطورة كبيرة على الآثار التي تنتج عن الحفر خلسة، وتعد كارثة بكل المقاييس، فهذه الآثار تهرب وتباع في المزادات العلنية بالخارج، وليس لنا أي حقوق في عودتها؛ لأنها غير مسجلة، ولا نملك دليلاً على خروجها بطريقة غير شرعية، ومن العجيب أنه حين يتم اكتشاف آثار مصرية بالخارج مهربة، يطلب الجانب الأجنبي إثبات أن هذه الآثار مصرية، وحين ترد مصر بأنها آثار مصرية، ولكنها غير مسجلة يعدها الجانب الأجنبي مسوغاً له لبيع هذه الآثار في المزادات».


مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
TT

مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)

«ضع الغناء والموسيقى أمامك، وألقِ كل شرّ خلفك، وتذكّر الأفراح، حتى يأتي يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت»، بهذه الجملة المنحوتة على جدار مقبرة مصرية قديمة في الأقصر، بدأ الموسيقار المصري راجح داوود كلمته احتفالاً باليوم المصري للموسيقى، الذي يواكب ذكرى رحيل «فنان الشعب» سيد درويش (رحل في 15 سبتمبر «أيلول» 1923) أحد أهم رموز التجديد في الموسيقى.

واستشهد داوود بكلمات لكبار فلاسفة العالم، من بينهم شوبنهاور: «كل الفنون تطمح إلى أن تكون موسيقى». ونيتشه: «من دون الموسيقى، ستكون الحياة خطأ»، وهانس كريستيان أندرسن: «حين تعجز الكلمات، تتكلم الموسيقى».

وقال الموسيقار المصري إن الموسيقى لم تكن ترفاً لدى المصري القديم، بل جزءاً من حياته وحضارته. فكانت الموسيقى حاضرة في العمل والاحتفال والطقوس وسائر المناسبات، بل كانت الموسيقى دائماً على اتصال بإيقاع الحياة نفسها.

وأضاف أنه «بينما عرف المصريون القدماء الآلات الموسيقية، وصوروا العازفين والمغنين والراقصين على جدران المعابد والمقابر، يأتي اليوم دورنا، بكل ما أوتينا من أدوات تكنولوجية واتصالات عابرة للبحار والقارات، لإحياء تلك الصور والمدونات إلى موسيقى تصدح بها أرجاء الكون».

وأكد داوود أن «سيد درويش كان نقطة تحول من عالم الصالونات والنخب إلى العامل والفلاح والجندي والشارع، ليكمل الطريق بعده القصبجي وزكريا أحمد وعبد الوهاب والسنباطي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي ومحمد فوزي ومحمد الموجي في جسر متنوع ومختلف في قوالبه وهيئته وأطيافه الموسيقية».

وشاركت قطاعات وهيئات وزارة الثقافة بعدد من الفعاليات للاحتفاء بهذه المناسبة بالقاهرة وكافة المحافظات المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية.

تمثال سيد درويش في أوبرا الإسكندرية (فيسبوك)

وقال المخرج عادل حسان، رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، إن برنامج وزارة الثقافة للاحتفال باليوم يتضمن برنامج الهيئة العامة لقصور الثقافة، وبه عدد من الحفلات الموسيقية من خلال الفرق الفنية التابعة للهيئة بمحافظات مصر، أبرزها: فرقة القاهرة للموسيقى العربية، كورال مركز الجيزة الثقافي، بجانب فرق الموسيقى العربية المتنوعة.

ويعقد المجلس الأعلى للثقافة جلسة تثقيفية بعنوان «قبل الستارة... سيد درويش وصناعة الأوبريت» بإدارة الدكتورة حنان أبو المجد، أستاذ التاريخ والتحليل الموسيقى، وعميد المعهد العالي للموسيقى «الكونسيرفتوار».

وشارك قطاع الفنون التشكيلية بإقامة ورشة رسم لنخبة من كبار الفنانين التشكيليين بحارة سيد درويش بكوم الدكة بالإسكندرية خلال الفترة من 7 سبتمبر حتى 13 سبتمبر، وكذلك بقاعة «ممر 35» يوم 21 سبتمبر. ويشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بتقديم عرض خاص للفرقة القومية للموسيقى الشعبية بقاعة صلاح جاهين، بينما تشارك أكاديمية الفنون برئاسة الدكتورة نبيلة حسن؛ بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية بقيادة المايسترو محمد عبد الستار.

كما ستشارك الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية في الاحتفالية بندوة بعنوان «اليوم المصري للموسيقى»، ويصاحب الندوة معرض توثيقي عن فنان الشعب سيد درويش، يضم مجموعة من الصور والمواد التوثيقية التي تستعرض مسيرته الفنية وإسهاماته البارزة في تاريخ الموسيقى والغناء المصري.

ومن المقرر إقامة احتفال كبير على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، سوف يشهد تكريم 5 من رموز الموسيقى والغناء المصري، تقديراً لإسهاماتهم الفنية في تاريخ الموسيقى المصرية، وهم «الموسيقار صلاح الشرنوبي، والفنانة عايدة الأيوبي، والدكتور ناير ناجي، والدكتور خيري الملط، والفنان والملحن عهدي شاكر»، وتُقدم خلاله الفرقة الموسيقية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية مختارات غنائية تمثل تاريخ وتراث الموسيقى المصرية.

أمسية تستدعي تراث سيد درويش (وزارة الثقافة)

ويستعيد قصر الأمير بشتاك «بيت الغناء العربي» بشارع المعز لدين الله الفاطمي، التابع لصندوق التنمية الثقافية، تجربة الموسيقار سيد درويش، من خلال أمسية فنية بعنوان «فنان الشعب... سيد درويش»، بمناسبة الذكرى الثالثة بعد المائة لوفاته.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن «تخصيص يوم للموسيقى في ذكرى سيد درويش يأتي في إطار إحياء مصر لرموزها، فسيد درويش معروف أنه واحد من أهم المجددين في الموسيقى المصرية والعربية بشكل عام، فقد غيّر شكل الأغنية في مصر، أخذ من الشارع والحقول حتى مجتمع الصيادين والموظفين وغيرهم من فئات الشعب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «إحياء ذكراه وتخصيص يوم للموسيقى بالتزامن مع هذه الذكرى أمر مهم جداً، ومن المهم الحفاظ على هذا الطقس وإحياء ذكراه بهذا الشكل كل عام، ويتم تعريف الأجيال الجديدة به، ويكفي أنه الفنان الوحيد الذي تغنت فيروز بإحدى أغانيه، وأتمنى أن يكون الاحتفال أكبر كل عام، ويساهم دائماً في استعادة تراث سيد درويش».

ولد سيد درويش في 17 مارس (آذار) عام 1892 بحي كوم الدكة بالإسكندرية، وسافر إلى القاهرة عام 1917 وشارك في ثورة 1919 وقدّم أغنية «قوم يا مصري» التي تعدّ رمزاً للنهضة المصرية، كما لحّن ما يقرب من 20 مسرحية، من بينها «فشر» و«قولوا له»، و«العشرة الطيبة» و«الهلال» و«كليوباترا»، كما لحّن العديد من الأدوار و التواشيح، ومن أهم أعماله وأبرزها نشيد «بلادي بلادي» الذي أخذ عنه السلام الوطني لمصر.