سارة ضاهر: العربية الفصحى ما زالت تعتمد على المضامين والأساليب الجامدة

رئيسة المجمع اللغوي اللبناني ترد على تهمة التخلف أمام متغيرات العصر

د.سارة ظاهر
د.سارة ظاهر
TT

سارة ضاهر: العربية الفصحى ما زالت تعتمد على المضامين والأساليب الجامدة

د.سارة ظاهر
د.سارة ظاهر

يؤخذ على المجامع اللغوية، بينها المجمع اللغوي اللبناني، جمودها وعدم مواكبتها للعصر لغوياً، لكن رئيسة المجمع اللغوي اللبناني سارة ضاهر، الحائزة على دكتوراه في اللغة العربية، والكاتبة في النقد الأدبي، ترد على تهمة تخلف المجامع اللغوية وفقدانها دورها التفاعلي مع العصر الذي نعيش، بقولها إنّ «اللغة التي لا نبتكر بها تبقى جامدة، ولا مفر من التجديد والاكتشاف».

هنا حوار معها:

> أي دور للمجمع اللغوي اللبناني في مواكبة متغيّرات عصرنا؟

- تطلّب الانفتاح على العالم العربي ضرورة تأسيس مجمع للغة العربية في لبنان يكون خاصاً غير حكومي، بغياب مجمع علمي رسمي يعمل كسائر المجامع العربية. في عام 1928، تأسّس مجمع رسمي لم تؤازره السلطات، فلم يمارس نشاطه؛ ومنذ ذلك الوقت لم يتأسس مجمع آخر، فأخذنا المبادرة لإنشاء هذا المجمع الخاص.

أما بالنسبة إلى الدور الذي نمارسه، فنحن نرى أنّ اللغة العربية الفصحى هي أساساً لغة أكاديمية حاضرة في المدارس والجامعات، وهي لغة مهنيّة يتم التواصل من خلالها واستخدامها في بعض المهن كالإعلام والإدارات، لكنها ليست لغة تواصل اجتماعي؛ إذ تحل محلها في هذا المجال اللغة العامية التي نتحدث بها، لذلك أخذنا المبادرة لنشر اللغة العربية الفصحى في المجتمع، ومحاكاة مختلف فئاته. وجّهنا نشاطاتنا نحو هذا الهدف الجوهري، فتعاملنا مثلاً مع السيدات عبر برامج محو الأمية وتعليمهن الخط العربي في التطريز لدعمهن اقتصادياً، وفي الوقت عينه لتعليمهن اللغة العربية. وعبر جائزة «بالعربية»، توجّهنا إلى المساجين والمسنين ودور الأيتام... مما دفعنا إلى مشروع آخر قوامه تنمية نوع جديد من أنواع الأدب تمت تسميته «أدب السجون». كما نظّمنا زيارات تثقيفية إلى هذه الفئات الاجتماعية الخاصة لتنمية مواهب مَن يهوون الغناء بالفصحى ومَن لديهم شغف التمثيل أو الكتابة، لمساعدتهم على التطوّر وتمكينهم من استعمال العربية الفصحى بشكل عفوي.

> لكن اللغة العربية في حال يرثى لها في لبنان كدول عربية أخرى... هل يكتمل دور المجمع اللغوي دون مساهمة فعّالة في تدارك هذه الحالة البائسة؟

- هذه الحالة لا ترتبط باللغة العربية الفصحى، فنحن من المقتنعين أنها بألف خير؛ لكننا نحن الذين لم نجدّد، لم نبتكر، لم نكتشف، لم نخترع، بل اتكأنا في كل ما نحتاج إليه، سواء أكان تكنولوجياً، أم طبياً، أم ثقافياً، أم معرفياً، على الغرب. اللغة التي لا نفكر ولا نبتكر بها تبقى جامدة. هي مسؤوليتنا ولن تتجدد من تلقائها، بل علينا إطلاق المبادرات. مردُّ هذا البؤس إلى أسباب اقتصادية اجتماعية ثقافية سياسية، ليست متأتية عن اللغة العربية ذاتها، بل عن الوضع المأساوي العربي على صعيدي الإبداع والإنتاج.

> لنتناول إشكالية القواميس العربية، هل يولي المجمع اللبناني أهمية لضرورة مواكبة العالم المعاصر الغني بمفردات جديدة، والمختلف كلياً عما أصبح بائداً؟

- يساهم المجمع في إعداد «المعجم التاريخي للغة العربية»، وهو إنجاز مهم لمجمع اللغة العربية في الشارقة، بالتعاون مع اتحاد مجامع اللغة العربية. ويجري أيضاً العمل على إطلاق مشروعين خاصّين في هذا الإطار؛ يرصد الأول استعمال اللغة العربية الفصحى في الميادين كافة، وإحصاء أكثر المفردات تواتراً في النتاج العربي الحديث، ويساهم الثاني في الورشة الاصطلاحية العربية العامة الهادفة إلى مقاربة إدخال المفردات والمصطلحات الحديثة إلى اللغة العربية، ومجابهة الفوضى الحاصلة جراء الترجمة الحرفية وانتشار المصطلحات عشوائياً. نحاول الاجتماع بمختلف الجهات التي تُعنى بإدخال المصطلحات بالطرق العلمية ووفق المعايير الدولية المعتمدة إلى اللغة العربية، لتوحيد الجهود ورسم قواعد علمية موحّدة يلتزم بها الجميع، من الخليج إلى المحيط.

> المجامع العربية مُتهمة بالعجز عن التطوّر... فلنعترف أنها تهمة عادلة!

- المسألة ليست قضية عجز. نستطيع القول إنّ عملية خلق الكلمات الجديدة تقتصر فقط على الترجمة؛ لأنها لا تنبع أصلاً من العالم العربي، بل يتم استيرادها. هذه التهمة، إذا جاز التعبير، هي عادلة وغير عادلة: فالمجامع عاجزة عن خلق مفردات جديدة جراء الافتقار لمبادرات في مختلف المجالات؛ الطبية أو العلمية أو التكنولوجية، ولكن في الوقت عينه هذه المسؤولية في خلق المبادرات لا تقع عليها، وجلّ ما يمكنها فعله هو ألا تقتصر أعمالها على الأبحاث النظرية التقليدية، والمؤتمرات اللغوية والتربوية المحصورة بالمدارس وبعض المتخصّصين.

> أين يكمن جوهر المشكلة؟ ما أسباب هذا الانصراف عن العربية؟

- المشكلة الحقيقية هي في الجيل الناشئ، أطفالاً وشباباً. فعندما تنتهي دراستهم، يبتعدون عن اللغة العربية ولا يلتفتون إليها؛ لكونهم يتواصلون في حياتهم اليومية باللهجة العامية، ولا حاجة لهم إلى الفصحى. كذلك في أعمالهم؛ إذ تتم المراسلات والمعاملات غالباً بالإنجليزية، ليسري ذلك على أبحاثهم واجتماعاتهم.

على المؤسسات الرسمية والمجامع، العمل على جذب أفراد المجتمع من خلال الاهتمام بتفعيل اللغة الفصحى وتنشيطها، وتشجيعهم على إطلاق مبادرات إبداعية وتعبيرية في مجالاتهم بالفصحى.

نتيجة أبحاث ودراسات مقارنة أجريناها من الصف الأول الأساسي إلى الثاني عشر الثانوي، بين مقررات اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، تبين لنا أنّ المواضيع والمقاربات التي تعتمدها اللغتان الإنجليزية والفرنسية تنطلق من الأجواء المعاصرة، في حين لا تزال العربية الفصحى تعتمد على المضامين والأساليب التقليدية الجامدة، وهذا عامل يؤثر كثيراً في جذب المتعلّم وترغيبه باللغة الفصحى.

> هل من خطط إنقاذ؟

- بالطبع ثمة خطط حيال إدخال مفردات جديدة إلى اللغة العربية، والعمل على إعداد مرجع عربي للغة العربية كالمرجع الأوروبي، وعلى إدخال اللغة الفصحى في اهتمامات أبناء المجتمع اليومية من خلال برامج متنوعة، وكذلك العمل على المصطلحات ورصد اللغة العربية الأساسية اليوم، لننطلق من هذا الأساس لإعداد قواميس جديدة.

> أي مستقبل للمجامع اللغوية في لبنان والعالم العربي؟

- مستقبل هذه المجامع مرهون بمدى قابليتها على التطوّر ودمج المجتمع باللغة العربية الفصحى من خلال مبادرات، منها التشجيع على إصدار قوانين خاصة باستخدام اللغة العربية وبوضع القوانين المتعلقة باقتراح المصطلحات الجديدة وتوحيدها.

> وإلا فسنشهد موت هذه المجامع، وفي أقل تقدير إحالتها على التقاعد...

- تموت هذه المجامع عندما تموت الهوية العربية؛ لأنّ اللغة هي جزء أساسي من كيان الإنسان وتفرّده وهويته، وإذا لم تتطوّر بمقارباتها ومضامينها وأساليبها مراعاة لتطوّر العصر ومستجداته، تذهب مع الهوية العربيّة التي تحملها، وتتبعها المجامع.

نحتاج إلى عوامل مساعدة للحفاظ على هويتنا ولغتنا. لنذكر ما يحدث مع اللغة الفرنسية، وكيف غلبتها الإنجليزية فأصبحت لغة التواصل عالمياً. ذلك دليل على أنّ اللغة تتأثر بالأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولكن في الوقت عينه، تختلف مشكلة اللغة العربية عن مشاكل اللغات الأخرى؛ لأنها مزدوجة؛ فمعاناتها متأتية من وضع محيطها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتأرجحها بين الفصحى والعامية. من هنا أهمية العمل على تطوير وضع محيطها وتحديثه، والتوازن بين وجهيها المتلازمين؛ الفصحى والعامية.



هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.

 


ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
TT

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل واسع في هذه البقاع. ظلّ هذا التقليد كما يبدو حياً في الحقبة الأموية؛ حيث اعتمد في تزيين العمائر المدنية التي شُيّدت في نواح عديدة من البادية الأردنية. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحلابات، في الناحية الشمالية من الطريق المعبدة التي تربط مدينة الزرقاء بواحة الأزرق.

تعود أسس قصر الحلابات إلى حصن دفاعي محلّي، شيّده الغساسنة خلال الحقبة البيزنطية. تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي في الحقبة الأموية؛ إذ أعيد تشييده مع تعديلات كبيرة في تكوينه، إلا أن أسسه الهندسية الأولى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. يبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذا المسقط الأربعة 44 متراً، ويبلغ عرض واجهة كل برج من أبراجه نحو 6 أمتار. يقع مدخل القصر الرئيسي وسط الواجهة الخارجية الشرقية، وينفتح على ردهة كبيرة مستطيلة تؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء.

يتألف القصر من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. من جهة الشرق، وعلى يمين ردهة المدخل ويسارها، قاعتان واسعتان. ومن جهة الجنوب، ست قاعات وغرف مختلفة المساحات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح سكني كبير منفصل عن باقي أجزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الجنوبية المطلة على الفناء الرئيسي الواسع. يحوي هذا الجناح المستقل ثلاثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يحوي كل من الجناحين الغربي والشمالي قاعتين واسعتين، ويحوي الجناح الشرقي ثلاث غرف. في الطرف المقابل، في موازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثلاث قاعات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عبر عقدين نصف دائريَّين إلى ثلاثة أجزاء. في أسفل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه الأمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الشرقية. وفي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُنيَ خزان مشابه.

تطلّ معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خلال أبواب تعلوها سواكف حجرية مستقيمة، ونوافذ تحدها أطر مزينة بشبكات من النقوش المصنوعة بتقنية الجص، ضاع القسم الأكبر منها للأسف. على الصعيد الفني، يتميّز قصر الحلابات في المقام الأول بمجموعة الألواح الفسيفسائية التي تزين قاعاته، غير أن القسم الأكبر من هذه الألواح تصدّع واندثر، وما بقي منها يتمثّل في أجزاء سمحت للمختصين بإعادة تخطيط شبكاتها الهندسية الأصلية. نُقل بعض هذه البقايا إلى متحف خاص بهذا الموقع افتتح في عام 2008، وبقيت في الموقع الأجزاء الأكثر اكتمالاً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق المجاور له.

تُعتبر فسيفساء الفناء الداخلي أكبر هذه الأرضيات، وهي على شكل لوحة هندسية مستطيلة، رُصفت بخطوط محورية مزدوجة، تتقاطع وتكوّن شبكة تعتمد عنصراً هندسياً واحداً يُعرف بالمُعين، وهو على شكل مربع مائل، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تتألف هذه الشبكة من 375 معيناً، رُصفت بشكل متواز، مع سلسلة من 17 معيناً عرضاً، تقابلها سلسلة من 21 معيناً طولاً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهي بيضاء، وتحدّها خطوط تجمع بين الرمادي والعسلي والزهري، ويبلغ عرض ضلع كلّ منها 20 سنتيمتراً. وسط كل معين، معين منمنم صيغ بهذه الألوان. وحول هذه الشبكة المستطيلة، يمتد إطار على شكل شريط بسيط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا المعين المنمنم.

في المقابل، تجمع أرضية الرواق المجاورة بين التأليف الهندسي المحكم والعناصر التصويرية المحوّرة. يتألف هذا الرواق من ردهتين متلاصقتين، يغطي كلاً منهما لوح فسيفسائي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الطابع التجريدي. تأتي كل خانة على شكل أربع دوائر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطاراً يحتضن في وسطه زهرة محوّرة هندسياً، تحدها أربع بتلات متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون الأحمر الخمري بشكل أساسي في صوغ الحلّة التشكيلية الخاصة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حلّ فيها الأبيض الناصع والأزرق السماوي. أُحيط هذا اللوح بإطار مزخرف، قوامه سلسلة من مثلثات مسنّنة، رُصفت كأسنان المشط، واعتُمدت الصياغة اللونية الخاصة بهذا الإطار على الأحمر الخمري والأبيض الناصع.

تتميّز لوحة الردهة السفلى بعناصرها التصويرية، وتتكوّن من ثماني دوائر كبيرة الحجم، وثمانية مربعات أصغر حجماً، تترابط بشرائط مجدولة، وتشكّل معاً شبكة متناسقة متقنة. في القسم الأعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقرّ كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم الأدنى، تحضر إوزة ثالثة في وضعية مماثلة، وتستقرّ كذلك في دائرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتحلّ سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عروة عريضة. في المقابل، تحلّ سمكة وسط إناء كبير يستقرّ في وسط الدائرة الثالثة. في القسم الأسفل من اللوح، يحلّ طائران متواجهان في تأليف مماثل، وهما من عائلات الدجاجيات، والأرجح أنهما من صنف الحجل الذي يحضر بقوة في الميراث الفني الأموي.

يتبنّى هذا اللوح طرازاً راج في الكنائس المحلية، ويعكس هذا الأثر حضور السمكة التي تعلو الإناء، وتستقرّ وسط سلّتين كبيرتين، في تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الصور الفسيفسائية الفلسطينية. تعود هذه اللوحة إلى كنيسة تقع في قرية الطابغة، على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب التقليد معجزة تكثير الخبز والسمك التي ورد ذكرها في الأناجيل الأربعة بشكل متقارب. ونقع على لوح آخر مشابه، كشفت عنه أعمال التنقيب في كنيسة تقع في مدينة هيبوس الأثرية في الجولان، وتُعرف باسم «الكنيسة المحروقة».


رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر
TT

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري الأبدي في أرض فلسطين كملاذ للحب والمشاعر من ناحية، وبين الخطر والخوف من ناحية أخرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسئلة المكان والهوية والذاكرة والحب والخوف.

تدور الأحداث في عام 2017؛ حيث تتسع خريطة السرد لتشمل مدناً وقرى فلسطينية متعددة داخل الضفة الغربية وغزة؛ لا سيما طولكرم ونابلس، بحيث لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.

تجمع الرواية 14 شخصية فلسطينية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، في تركيبة تحمل تناقضات نفسية وإنسانية؛ فالمقدسي يعيش مأزقاً مختلفاً عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح.

ومن هنا يتحول سؤال الهوية إلى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ وما الذي يبقى من هوية الإنسان حين يتغير المكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العلاقات الإنسانية البسيطة إلى مدخل مختلف لفهم الواقع الفلسطيني المعقد، فالحب -على سبيل المثال- لا يظهر بوصفه مساحة منفصلة عن السياسة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو الانتماء الجغرافي أن يتدخل في علاقة عاطفية ويغير مصيرها.

ومن القضايا اللافتة كذلك حضور الأسرى بعد التحرر، وآثار الحرب والاستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يتعامل النص مع هذه التفاصيل من زاوية الإنسان الذي يعيش نتائجها في حياته اليومية، ما يجعل العمل يخرج من الحدود الضيقة المباشرة للرواية السياسية، ليصبح نصاً إنسانياً مفتوحاً على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد.

فنياً، لا تنتمي «الفراديس الملغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل المركزي والحبكة الواحدة، وإنما تقوم على تعدد الأصوات والشخصيات وتداخل الأزمنة والأمكنة، بينما تستخدم المؤلفة ضمائر سرد متعددة، فتنتقل بين المتكلم والغائب، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، ما يمنح العمل طبيعة متشعبة تتناسب مع تعدد التجارب داخل الحبكة الدرامية. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد.

من أجواء الرواية:

«كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش المحفور في الجدار المقابل وأجده على حاله. لا أعلم هل يثير هذا الألم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟

منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أساعد أبي في هذه المكتبة، وها قد مر من عمري مثلها، وكلما غاب رواد المكتبة والزبائن وسئمتُ القراءة، أنتبه أني في الجلسة هنا وأمام ذات النقش. صحيح أني درست خلال هذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أباً، ولكن كأن الزمن لم يمر، لا على النقش في الخارج ولا على هذه المكتبة.

أغمض عيني وأصغي إلى حديث الجيران في السوق، هديل الحمام في النافذة، ومرور شاب بعربته فجأة صارخاً (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فوق الباب، الكتب التي ترقد عليه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها».