السودان: الحرب تحاصر الصحافيين وتعطل مؤسساتهم

الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام
الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام
TT

السودان: الحرب تحاصر الصحافيين وتعطل مؤسساتهم

الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام
الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام

يُجمع صحافيون وإعلاميون، عاملون في السودان، على تأكيد أن القتال بين الجيش و«الدعم السريع» عقّد مهمتهم، ومنعهم من الوصول إلى الحقيقة حول ما يدور في البلاد، وتحوَّل الباحثون منهم عن معلومات موثوقة، إلى ضحايا لـ«حرب الجنرالين»، التي اندلعت، منتصف أبريل (نيسان)، كما أن الحرب جعلتهم يعيشون أسوأ كوابيس حياتهم، إذ توقفت صحفهم بشكل كامل، وانقطع بث محطات التلفزة والإذاعة، وواجهوا حرباً لا هوادة فيها من قِبل طرفي القتال.

ويقول صحافيون إن عملهم في البحث عن معلومات حقيقية دفع أحياناً إلى تصنيفهم بأنهم «متمردون» من قِبل المُوالين للجيش، أو اعتبارهم «مُعادين» من قِبل «الدعم السريع»، وكل طرف يتوعدهم بـ«حساب قريب»، في حين أصبحت كتاباتهم وتعليقاتهم، حتى على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، مصدر تهديد ووعيد، ولا سيما إذا لم يعلنوا الانحياز لطرف من أطراف القتال.

وفي بداية القتال، احتُجز عدد كبير من الصحافيين والإعلاميين في مقارّ عملهم، خصوصاً في التلفزيون والإذاعة الرسميين اللذين استولت عليهما قوات «الدعم السريع»، وكذلك هناك صحافيون ومراسلون يعملون في قنوات وفضائيات محلية وعالمية، قُدِّر عددهم، بادئ الأمر، بنحو 30 صحافياً، ظل بعضهم عالقاً في مكتبه ومكان عمله لـ4 أيام وهم «صائمون» بالقوة، لا يُفطرون إلا ببعض التمر والماء، ومع ذلك فإن مكاتبهم واستديوهاتهم ظلت تتعرض للقصف بالأسلحة الثقيلة، لكنهم جميعاً خرجوا سالمين إلى منازلهم، إثر مطالبات زملائهم طرفي الصراع بإجلائهم.

ويتهم إعلاميون أنصار نظام الرئيس البشير بالاستثمار في «إعلام» المعركة لترهيب الصحافيين وإجبارهم على الانحياز للجيش، باتهامهم بأنهم داعمون للتمرد «الدعم السريع»، ومن ثم فهم عملاء وخونة، بل مرتزقة ينتظرون حسابهم بعد نهاية الحرب.

ويقول الصحافي شوقي عبد العظيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأطراف المتقاتلة لم تراعِ قواعد حماية الصحافيين أثناء الحروب، مما جعل الصحافة تواجه واقعاً شديد التعقيد.

ويضيف عبد العظيم: «جاءت الحرب بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول)، وكان هناك صحافيون يدعمون التحول الديمقراطي، وهو موقف استغلّه أنصار النظام البائد، ومارسوا، من خلاله، إرهاباً فكرياً، باتهامهم بدعم قوات (الدعم السريع) ضد الجيش، لتأتي بعد ذلك اتهامات الخيانة الوطنية».

وتابع: «صوت الصحافة، الآن، معدوم تماماً، وليس له تأثير يُذكَر، وتجري محاولات لإبعادها عن المشهد لصالح الدعاية الحربية»، لكنه يؤكد أن «الصحافيين واجهوا تحدياً كبيراً في أيام الحرب الأولى، غير أنهم امتصّوا الصدمة، وأصبحوا يعملون بشكل أفضل».

أما منسق منظمة «صحافيون لحقوق الإنسان»، المعروفة اختصاراً بـ«جهر»، الصحافي فيصل الباقر، فقد أكد، في حديثه، للصحيفة، أن طرفي القتال لهما مصلحة في تغييب الصحافة والإعلام عن المشهد؛ ليسود التعتيم الإعلامي. وتابع: «تغيب المعلومات الحقيقية عن أضرار الحرب وآثارها المدمرة، على الشعب، لتسود محلها البروباغاندا العسكرية وخطاب التضليل، بما يخلق اضطراباً معلوماتياً ينتشر من خلاله خطاب العنف والكراهية محلّ الحقيقة ونبذ الحرب وويلاتها».

وقال الباقر، المتخصص في رصد انتهاكات حقوق الصحافيين، إن منظمة «جهر» وثّقت عدداً من الانتهاكات التي تعرَّض لها الصحافيون والصحافيات من قِبل طرفي النزاع. وأضاف: «سنظل نقوم بواجبنا، ويجب على الطرفين احترام حرية الصحافة، والتوقف عن استهداف الصحافيين والمؤسسات الصحافية والإعلامية».

وحثّ الباقر المجتمع الدولي والعالم على عدم السماح بالإفلات من العقاب في الجرائم المرتكَبة ضد الصحافيين والصحافيات. وأضاف: «من جانبنا، سنظل نرصد الانتهاكات، بما في ذلك الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون والصحافيات».

ويقول خبراء وإعلاميون إن الحرب أثّرت على الإعلام بشكل كبير، إذ لم تعد القنوات الفضائية والإذاعات تبث من استديوهاتها، وتوقف صدور الصحف اليومية وتوقفت طباعتها، وإن أجهزة الإعلام الوطنية توقفت جميعاً، ما عدا إذاعة واحدة تبث الدعاية الحربية، ولا يُعرَف من أين تبث، وهو ما أشار إليه مدير الأخبار السابق في التلفزيون السوداني، ماهر أبو الجوخ، بقوله: «يلجأ الناس إلى الفضائيات الخارجية، لمعرفة الحقيقة؛ لأن أجهزة الإعلام الرسمية تحولت إلى إعلام عسكري يبث الدعاية الحربية، ما أفقدها مصداقيتها».

وأوضح أبو الجوخ أن أجهزة الإعلام، المملوكة للدولة، اصطفّت معها، ما أفقدها الموضوعية، وتحولت إلى أداة دعاية عوضاً عن نقل المعلومات. وتابع: «هناك عدد كبير من المؤسسات الإعلامية موجودة في مناطق حرب، مثل الإذاعة والتلفزيون الرسميين، وجرت السيطرة عليهما من قوات (الدعم السريع)، ولم تعد تستطيع البث؛ لأنها واقعة في مناطق يدور فيها القتال، أما الصحف فقد توقفت بتوقف المطابع ومنافذ التوزيع».

وحذَّر أبو الجوخ من تأثير طويل المدى على الإعلام في السودان بشكل عام، وقال: «الحرب خلقت واقعاً جديداً أخشى أن يترتب عليه فقدان الثقة بالإعلام السوداني، خصوصاً إذا مارس الاصطفاف مع وضدّ، وفقَد الحياد». واستطرد قائلاً: «خطورة هذا الأمر على المستوى الاستراتيجي، أنه يجعل السودانيين يلجأون إلى وسائل الإعلام الأجنبية للحصول على المعلومات عن بلادهم».

بَيْد أنه بدا متفائلاً بعودة قوية للإعلام بنهاية الحرب، بقوله: «إذا نشأت أوضاع ديمقراطية، فإنها ستؤدي إلى نهضة إعلامية جديدة، كما حدث بعد ثورة ديسمبر 2019».

وانتقد نقيب الصحافيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، الأجواء التي نتجت عن الحرب وتأثيرها على الصحافيين، بقوله، لـ«الشرق الأوسط»: «لا يستطيع الإعلاميون أداء عملهم؛ لأن مؤسساتهم تقع في منطقة الاشتباكات». وأكد توقف القنوات الخاصة، ما عدا قناتي «النيل الأزرق»، و«سودانية 24»، اللتين تبثّان من خارج السودان. وأضاف: «تلفزيون السودان كان يبث من مكان لا أستطيع تحديده، لكنه توقف منذ أربعة أيام».

وتراجعت الصحافة المطبوعة كثيراً بسبب الحرب، مما أدى إلى إضعاف دورها، وما يهدد بأن تغلق أبوابها إلى الأبد، وهو ما وصفه مراقبون بأنه «أمر خطير جداً يسهم في انتشار صحافة لا تحتكم إلى ضوابط مهنية، تستغل الفضاء الرقمي في بث الشائعات والأخبار الكاذبة والدعاية السوداء»، وهذا ما أشار إليه المواطن السر أحمد بقوله إن غالب السودانيين لم يعودوا ينتظرون التلفزيون الرسمي، بل يتابعون القنوات الخارجية، بغض النظر عن سياستها. وأضاف: «على الأقل، هي تنقل صوراً واستطلاعات حول قضايا البلاد».

ويواجه الصحافيون، هذه الأيام، أوضاعاً استثنائية، إذ يحيط بهم الخطر، على مدار الساعة. ويقول مراسلو قنوات فضائية، طلبوا عدم ذكر أسمائهم، إنهم يعملون في ظروف معقّدة، وبعضهم احتُجزوا في مكاتبهم، في الأيام الأولى لاندلاع القتال، وكانوا يوجهون كاميراتهم نحو مقر القيادة العامة والقصر الرئاسي، لالتقاط صور، بداية المعركة، في حين تعرَّض آخرون للضرب من قِبل قوات عسكرية، وهم في طريقهم إلى أماكن عملهم.

وأصيب المصور الصحافي فايز أبو بكر، في 19 أبريل الماضي، بطلق ناري، أثناء قيامه بالتصوير في أحد شوارع الخرطوم، وأطلقت عليه قوات عسكرية النار، بحجة أنها اشتبهت بانتمائه للاستخبارات العسكرية للعدو، وهو بالضبط ما يواجهه المراسلون بشكل عام، إلى جانب المضايقات من طرفي القتال، فيما يحتمل أن يواجه عدد كبير من الصحافيين، الذين يحاولون الخروج إلى الميدان، ما واجهه فايز.

وبسبب شُح المعلومات، وخطورة محاولات الحصول عليها، فإن الصحافيين والمراسلين يضطرون لاعتماد البيانات الرسمية مصادر لهم، إلى جانب أحاديث المصادر الرسمية والأطباء والمستشفيات والخدمات، وشهادات المواطنين. ويقول مراسل فضائية «سكاي نيوز عربية»، خالد عويس، إن معاناته بدأت، منذ الساعات الأولى للحرب، حين حاول الوصول إلى مكتبه قادماً من الخرطوم بحري، عبر ثلاثة جسور، ولم يفلح في الوصول. وأضاف: «نجوت من الموت في الجسر الثالث (جسر كوبر)، حين حدث اشتباك قرب سيارتي تماماً، فعدت أدراجي، وظللت أعمل من البيت عبر الهاتف لتسعة أيام». وأضاف: «انقطاع الماء والكهرباء أجبرني على الخروج يومياً، للبحث عن شحن هواتفي، وعن ماء لأسرتي، مما عرَّضني لمواجهة الموت مرة ثانية، حين اعترضتني قوة من (الدعم السريع) قرب بيتي، فظنوا أنني ضابط في القوات المسلحة، فوجهوا مضاداً للطائرات نحوي، ونجوت منهم بعد لأْي وجدل طويل، وأقنعتهم بالهوية الصحافية التي كانت بحوزتي».

وأضاف عويس: «أعددت تقريراً مصوراً بكاميرا الهاتف بعد نزوحي وأسرتي لشمال الخرطوم بحري؛ لأن من المستحيل أن أستخدم كاميرا عادية ومصوراً». وتابع: «اضطررت للنزوح مرة ثانية بأسرتي إلى ولاية الجزيرة، بعد أن أضحت منطقة سكني منطقة عمليات حربية (شمبات الأراضي شمال)».

ويقول عويس إن والدته تُوفيت بسبب فقدانها السوائل، أثناء التنقل من مكان إلى آخر، مضيفاً: «والدتي مريضة، وتسبب فقدانها السوائل بهبوط في دورتها الدموية، وحاول الطبيب المحلي إسعافها، لكنها في النهاية تُوفيت. رحمها الله وأحسن إليها».

واحتُجز صحافيون في التلفزيون الحكومي، منذ بداية الحرب. وقال المخرج عادل عوض، لـ«الشرق الأوسط»، إنه احتُجز في 15 أبريل، ومعه 15 زميلاً، صبيحة بدء القتال، لكن قوات «الدعم السريع»، التي سيطرت على التلفزيون، سمحت لهم بالمغادرة بعد العصر. وأضاف: «اضطررنا إلى مغادرة مبنى التلفزيون إلى الإذاعة باعتباره أكثر أماناً، وعاوننا بعض أفراد (الدعم السريع). وأكثر ما أرعبنا، أثناء وجودنا داخل مبنى التلفزيون، هو إطلاق القذائف من دبابة محترقة بالقرب من مكاتبنا».

وأصدرت «نقابة الصحافيين السودانيين» بياناً وجّهته إلى منظمات حقوقية دولية، طالبت فيه بإجلاء العاملين في الإذاعة والتلفزيون، وخرج، يوم الخميس، آخِر الصحافيين المحتجَزين في مبنى التلفزيون بأم درمان، وهم: عادل فضل المولى، وعبد الحميد، وعبد القادر، وسامي عبد الحفيظ، وياسر البث، وصلاح عقيل، بعدما ظلوا محتجَزين منذ بدء الحرب.


مقالات ذات صلة

معارك كرّ وفرّ في كردفان وهجمات خاطفة ورويات متباينة في محيط الأُبيّض

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)

معارك كرّ وفرّ في كردفان وهجمات خاطفة ورويات متباينة في محيط الأُبيّض

شنت قوات من الجيش والقوة المشتركة الحليفة هجمات خاطفة، استهدفت مواقع سيطرة وتمركز الدعم السريع، في عدة بلدات في جنوب مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) p-circle

إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

أكدت الولايات المتحدة التزامها بإنهاء النزاع في السودان، بالتزامن مع عقوبات جديدة على 5 أفراد وكيانات متورطين في تجنيد كولومبيين للقتال مع «قوات الدعم السريع».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز) p-circle

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم (الجمعة)، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أسر وعائلات في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور فرّت من العنف في الفاشر (الهلال الأحمر)

«الصليب الأحمر»: 11 ألف مفقود خلال 3 سنوات من الحرب في السودان

عدد الأشخاص المفقودين في السودان الذين سُجّلوا حتى الآن بلغ 11 ألفاً، بزيادة قدرها 40 في المائة خلال عام 2025 وحده.

أحمد يونس (كمبالا)

معارك كرّ وفرّ في كردفان وهجمات خاطفة ورويات متباينة في محيط الأُبيّض

عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)
TT

معارك كرّ وفرّ في كردفان وهجمات خاطفة ورويات متباينة في محيط الأُبيّض

عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)

تجددت المواجهات البرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في إقليم كردفان، بعد هدوء نسبي استمر لأسابيع، وذلك إثر هجمات مباغتة نفذتها قوات من الجيش مدعومة بـ«القوة المشتركة» المتحالفة معه، استهدفت مواقع تمركز وانتشار «الدعم السريع» في عدد من البلدات الواقعة جنوب مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان.

وتباينت الروايات حول مجريات المعارك ونتائجها؛ إذ تحدث ناشطون مؤيدون للجيش عن استعادة السيطرة على مواقع استراتيجية، في حين أكد أنصار «قوات الدعم السريع» تمكنهم من صد الهجوم وإلحاق خسائر كبيرة بالقوة المهاجمة. وبين هاتين الروايتين، أفادت مصادر مستقلة بأن القوات المهاجمة انسحبت بعد تنفيذ أهداف تكتيكية هدفت إلى استنزاف قدرات «الدعم السريع».

وبحسب تلك المصادر، فإن القوة المهاجمة، التي شكلت «القوة المشتركة» عمودها الفقري، نجحت في مرحلتها الأولى في دفع «قوات الدعم السريع» إلى الانسحاب من بلدات الرياش وكازقيل والحمادي، وصولاً إلى تخوم مدينة الدبيبات بولاية جنوب كردفان. غير أن «قوات الدعم السريع» سرعان ما أعادت تنظيم صفوفها، وشنّت هجوماً مضاداً تمكنت خلاله من استعادة زمام المبادرة، ودحر القوة المهاجمة وملاحقتها حتى مشارف مدينة الأبيض، كما استهدفت قوة تابعة لها بلدة علوة جنوب المدينة.ولاحقا أعلنت القوات المسلحة السودانية مواصلة عملياتها الميدانية في محور شمال كردفان، مؤكدة تنفيذ عمليات تمشيط واسعة شملت مناطق كازقيل وشواية والحمادي والدبيبات. وقالت، في بيان منسوب إلى الناطق الرسمي، إن العمليات أسفرت عن "تكبيد قوات الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد"، إلى جانب تدمير عدد من الآليات القتالية، مشيرة إلى ما وصفته بـ"انهيار وتشتت" عناصرها وفرار من تبقى منها تحت ضغط العمليات العسكرية.

وأكد البيان مضي القوات المسلحة، مدعومة بالقوات المساندة، في عملياتها "حتى استعادة السيطرة على كامل التراب الوطني"، مجدداً التعهد بمواصلة القتال.

عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)

وأفاد شهود عيان بأن القوات المسلحة السودانية، اخترقت في بداية الأمر دفاعات «الدعم السريع»، وأوقعت خسائر في صفوفها واستولت على آليات قتالية، إلى جانب أسر عدد من عناصرها. إلا أن الهجوم المضاد لـ«قوات الدعم السريع» أجبرها على التراجع، مع تكبيدها خسائر بشرية ومادية، لتعود الأوضاع الميدانية إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الهجوم.

معركة وجود

في السياق، وصف قائد حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، المعارك الجارية بأنها «معركة وجود»، متعهداً بمواصلتها حتى عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم. كما هنأ، في منشور عبر حسابه على «فيسبوك»، ما سمّاهم «أبطال» قواته في محوري شمال وجنوب كردفان، مشيداً بما عدّها «انتصارات عظيمة» تقربهم من تحقيق «النصر الحاسم».

من جهته، قال الناشط إدريس محمد سعدان، في مقطع فيديو متداول، إن «قوات الدعم السريع» تمكنت من صد هجوم «القوة المشتركة»، التي – بحسب قوله – اندفعت نحو المنطقة على أساس أن غالبية «قوات الدعم السريع» قد انسحبت أو سلمت مواقعها للجيش. وأضاف أن القوة المهاجمة فوجئت بوجود كثيف لـ«قوات الدعم السريع»، التي كبدتها «هزيمة قاسية»، مشيراً إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوفها، إلى جانب أسر آخرين والاستيلاء على مركبات وتجهيزات قتالية، قبل مطاردتهم حتى مشارف مدينة الأبيض.

وفي ظل غياب أي تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع» بشأن تطورات القتال في ولايتي شمال وجنوب كردفان، نشطت المنصات المؤيدة له في تداول مقاطع فيديو وصور تؤكد تحقيق تقدم ميداني وإلحاق خسائر بالخصم، بما في ذلك عرض أسرى وآليات عسكرية. ويأتي ذلك في وقت تغيب فيه مصادر مستقلة موثوقة يمكنها التحقق من صحة هذه المزاعم.

طفل وسيدة أصيبا من جرّاء هجوم بطائرة مسيّرة في الأبيض بشمال كردفان 12 يناير (رويترز)

وبثت حسابات موالية لـ«قوات الدعم السريع» تسجيلات مصورة قالت إنها تُظهر أسرى من القوات المهاجمة، إلى جانب مركبات قتالية وأسلحة تم الاستيلاء عليها، في حين نشرت منصات داعمة لـ«القوة المشتركة» مقاطع لآليات عسكرية تتحرك في مناطق مفتوحة، إضافة إلى صور لقتلى قيل إنهم من عناصر «الدعم السريع».

في المقابل، التزمت المنصات الرسمية لكل من الجيش وحلفائه، وكذلك لـ«قوات الدعم السريع» وحلفائها، الصمت حيال المعارك التي دارت غرب وجنوب مدينة الأبيض، في اتجاه مدينة الدبيبات، عاصمة محلية القوز بولاية جنوب كردفان، على الطريق الحيوي الرابط بين الأبيض والدلنج وكادوقلي، وهي من أبرز مدن الولاية، التي تسعى «قوات الدعم السريع» إلى توسيع نطاق سيطرتها نحوها. ميدانياً، تتركز الاشتباكات في محاور كازقيل والحمادي وعلوبة جنوب غربي الأبيض، وتمتد لتقترب من مدينة الدبيبات بولاية جنوب كردفان، كما تشمل مناطق أم صميمة ومدينة الخوي بولاية غرب كردفان. وتقع هذه المناطق ضمن نطاق جغرافي لا يتجاوز في أقصاه نحو 50 كيلومتراً من مدينة الأبيض، وتخضع في معظمها لسيطرة «قوات الدعم السريع».


تركيا: جدل واسع حول أسباب تحطّم طائرة رئيس أركان «الوحدة» الليبية

جانب من اجتماع وزير الدفاع التركي يشار غولر والوفد العسكري الليبي برئاسة رئيس الأركان محمد الحداد قبل ساعات من تحطُّم طائرتهم في ضواحي أنقرة بتاريخ 23 ديسمبر الماضي (الدفاع التركية)
جانب من اجتماع وزير الدفاع التركي يشار غولر والوفد العسكري الليبي برئاسة رئيس الأركان محمد الحداد قبل ساعات من تحطُّم طائرتهم في ضواحي أنقرة بتاريخ 23 ديسمبر الماضي (الدفاع التركية)
TT

تركيا: جدل واسع حول أسباب تحطّم طائرة رئيس أركان «الوحدة» الليبية

جانب من اجتماع وزير الدفاع التركي يشار غولر والوفد العسكري الليبي برئاسة رئيس الأركان محمد الحداد قبل ساعات من تحطُّم طائرتهم في ضواحي أنقرة بتاريخ 23 ديسمبر الماضي (الدفاع التركية)
جانب من اجتماع وزير الدفاع التركي يشار غولر والوفد العسكري الليبي برئاسة رئيس الأركان محمد الحداد قبل ساعات من تحطُّم طائرتهم في ضواحي أنقرة بتاريخ 23 ديسمبر الماضي (الدفاع التركية)

تَفجَّر جدلٌ واسعٌ في تركيا حول احتمال تعرُّض طائرة رئيس أركان الجيش في حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، الراحل محمد الحداد، التي تحطَّمت في ضواحي العاصمة أنقرة بعد دقائق من إقلاعها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لتدخُّلٍ من جانب إسرائيل.

وتحطَّمت الطائرة، التي كانت تقل الحداد و4 من مرافقيه العسكريين، بالإضافة إلى 3 من أفراد الطاقم، بالقرب من منطقة هيمانا في أنقرة بعد اصطدامها بأحد المرتفعات لدى مغادرتهم، مساء يوم 23 ديسمبر، عقب مباحثات أجراها مع وزير الدفاع التركي، يشار غولر، وعدد من المسؤولين العسكريين.

فرق إنقاذ في موقع تحطُّم طائرة الوفد العسكري الليبي بضواحي أنقرة بتاريخ 23 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

وأعلنت السلطات التركية أنَّ السبب يعود إلى عطل كهربائي مفاجئ. وأكد التقرير الفني، الذي أعدَّته النيابة العامة، التي شارك فريق ليبي في تحقيقاتها، عدم وجود إهمال في الصيانة، أو فيما يتعلق بالحالة الصحية لطاقم الطائرة.

معلومات جديدة

لكن بعد أشهر من الحادث المأساوي، فجَّر نائب رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، دنيز ياووز يلماظ، جدلاً واسعاً بعد كشفه عن معلومات وصفها بـ«الحساسة»، تتعلَّق بتحطُّم الطائرة التي كانت تقل الوفد العسكري الليبي، مشككاً في تعرُّضها لتدخُّلٍ من جانب إسرائيل.

وكشف ياووز يلماظ، عبر حسابه في «إكس» في 13 أبريل (نيسان) الحالي، عن أنَّ الطائرة الليبية، وهي طائرة خاصة من طراز «داسو فالكون 50»، وكانت مستأجَرة من إحدى الشركات في مالطا، هبطت في مطار إسينبوغا في أنقرة يوم 22 ديسمبر، قبل أن يتم نقلها إلى منصة بعيدة داخل المطار، في خطوة عدّها غير معتادة وفق الإجراءات المتبعة مع الوفود الرسمية رفيعة المستوى.

وأضاف يلماظ أنَّ طائرة إسرائيلية هبطت في اليوم التالي، بدعوى التزود بالوقود، وتم توجيهها إلى المنصة ذاتها التي كانت توجد بها الطائرة الليبية، وبقيت الطائرتان معاً لمدة ساعة و41 دقيقة، في وقت لم يكن فيه طاقم الطائرة الليبية على متنها، مبرزاً أنَّ الطائرة الإسرائيلية غادرت لاحقاً متجهة إلى تل أبيب، قبل أن تقلع الطائرة الليبية بفترة قصيرة، لتفقد الاتصال ببرج المراقبة في إسينبوغا، بعد نحو 15 دقيقة فقط من إقلاعها، ثم تتحطَّم داخل الأراضي التركية دون تسجيل أي ناجين من الحادث.

وطرح ياووز يلماظ تساؤلات حول ملابسات وجود طائرة إسرائيلية بالقرب من طائرة رسمية ليبية، على عكس المتبع في مثل هذه الظروف، مؤكداً أنَّ هذه الوقائع تستدعي تحقيقاً شفافاً وتوضيحاً للرأي العام. وطالب السلطات التركية، وعلى رأسها الرئيس رجب طيب إردوغان، بالكشف عن تفاصيل الحادث، محذراً من أنه قد ينشر مزيداً من المعلومات، في حال عدم تقديم توضيحات رسمية.

السلطات تنفي

رداً على ذلك، استبعد وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، وجود أي شبهة لعمل تخريبي في حادث الطائرة.

وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو (من حسابه في «إكس»)

وأكد أن التحقيقات لا تزال مستمرة بشكل دقيق وموسع، وأن فرق التحقيق المختصة، بالتعاون مع النيابة العامة، تواصل عملها بـ«دقة متناهية» لكشف ملابسات الحادث، داعياً إلى «عدم الانسياق وراء المعلومات غير المؤكدة، أو التكهنات التي قد تضلل الرأي العام».

وشدَّد أورال أوغلو على أنَّ الجهات المعنية تلتزم بالمعايير الفنية والقانونية في التحقيق، وتتعهد بإعلان النتائج الرسمية فور اكتمالها.

لكن دائرة الجدل توسَّعت، حيث أبدى نائب المدير العام السابق للطيران المدني التركي، أوكتاي إرداغي، استغرابه من ترك طائرة الوفد العسكري الليبي في وضع غير مراقب، مؤكداً أن طبيعة الرحلة والشخصيات على متنها كانت تستدعي إجراءات تأمين مُشدَّدة داخل المطار قبل الإقلاع.

أقامت تركيا مراسم رمزية لتشييع جنازة رئيس الأركان بحكومة «الوحدة الوطنية» محمد الحداد ومرافقيه في 27 ديسمبر الماضي بعد تحطُّم طائرتهم (وزارة الدفاع التركية)

وبحسب ما نقلت صحيفة «بانجيريه غازته» الإلكترونية، الأحد، عن إرداغي فإنَّ الطائرات التي تحمل شخصيات عسكرية رفيعة يفترض أن تخضع لمستويات وإجراءات حماية استثنائية.

وعدَّ المسؤول السابق أنَّ التعامل مع طائرة الوفد الليبي كأنها طائرة عادية، من دون فرض حراسة مباشرة مُشدَّدة، «ثغرة أمنية غير مبررة»، وذهب إلى احتمال وجود خلل تنظيمي أو إهمال في إجراءات تأمين المهبط.

ولم يستبعد إرداغي فرضية التدخل الخارجي، سواء عبر وسائل مادية مثل العبث بالمعدات الحيوية، أو عبر هجمات سيبرانية قادرة على التأثير على أنظمة الطيران.

جدل سياسي

انتقل الجدل من البُعد الفني إلى البعد السياسي، بعدما أثار نائب رئيس حزب «الشعب الجمهوري» القضية، لا سيما أنَّ الحادث وقع بالتزامن مع مصادقة البرلمان التركي على مذكرة رئاسية بتمديد مهام القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيَّين.

وزير الدفاع التركي يشار غولر يقدِّم العزاء لوفد ليبي خلال مراسم رمزية لتشييع جنازة ضحايا الطائرة أُقيم في أنقرة بتاريخ 27 ديسمبر (الدفاع التركية)

ووجَّه رئيس حزب «الوطن»، وهو حزب محسوب على تيار اليسار في تركيا، دوغو بيرينتشيك، اتهامات للولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء إسقاط طائرة الوفد العسكري الليبي؛ بهدف ممارسة ضغوط على أنقرة.

في السياق ذاته، اتهم الكاتب في موقع «تي 24» الإخباري التركي، تولغا شاردان - الذي تعرَّض للتحقيق؛ بسبب كشف بعض المعلومات عن التحقيقات الأولية في حادث الطائرة في مقال كتبه في 13 يناير (كانون الثاني) الماضي بتهمة انتهاك سرية التحقيقات - السلطات بملاحقة مصادر الأخبار.

كان شاردان كشف في مقاله في 13 يناير، عن أنَّ مضيفة طيران كانت ضمن طاقم الطائرة، سبق أن احتُجزت واستُجوبت فيما يتعلق بالطائرة ذاتها التي أقلت الوفد الليبي، وأنَّ جهاز المخابرات شارك أيضاً في العملية، وأنَّ صلات مضيفة الطيران، التي كانت من بين الضحايا، قيد التحقيق.


مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

وتشهد ملفات قوية، مثل «الديون الخارجية، وتأمين إمدادات الطاقة، وارتفاع الأسعار»، نقاشات متصاعدة عبر منصات التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي، ويتخوف البعض من استمرار «التداعيات الاقتصادية» بعد توقف الحرب، خصوصاً أن الحرب تركت تأثيراتها على أسعار السلع، إلى جانب زيادة فاتورة تأمين إمدادات الطاقة.

ودعا خبير اقتصادي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى ضرورة «دفع تعويضات اقتصادية للقاهرة من جانب أطراف الصراع، على أساس أن مصر من الدول التي تضررت من آثار الحروب في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وخصوصا حربي غزة وإيران».

ورغم استمرار الهدنة بين واشنطن وطهران، وسط محادثات بشأن اتفاق وشيك بين الطرفين، أشار رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، إلى أن «حكومته تتعامل مع المرحلة الحالية بوصفها مرحلة انتقالية غير مستقرة»، وقال في مؤتمر صحافي، الخميس، إن «الوضع يتطلب الاستعداد لمختلف السيناريوهات المتوقعة، في ظل استمرار الضغوط على أسواق الطاقة والتدفقات المالية».

وتحدث الإعلامي عمرو أديب عن ظروف اقتصادية صعبة تواجهها القاهرة، وقال خلال تقديمه برنامج «الحكاية» على فضائية «إم بي سي مصر» الجمعة، إن «مصر في موقف صعب ليس بسبب عودة الحرب، رغم توقفها حالياً، فهناك تقارير تحدثت عن طلب الحكومة المصرية نحو 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، لمواجهة تداعيات الحرب الحالية»، مشيراً إلى أن البلاد «تحتاج إلى إعفاء من الديون، كما حدث في وقت سابق مع الرئيس الأسبق حسني مبارك».

رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ويعد ملف الديون من الأحاديث المتداولة بشكل مستمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تشير حسابات مستخدمين، إلى أنها تعمق من الأعباء على الاقتصاد المصري، وطالبت حسابات بضرورة التفاوض مع بعض الجهات المانحة لإسقاط هذه الديون.

والأسبوع الماضي، قال وزير المالية المصري، أحمد كجوك، إن حجم دين قطاع الموازنة المصرية يبلغ حالياً 77.5 مليار دولار، مشيراً إلى أن الحكومة المصرية تستهدف خفض المديونية الخارجية، لتصل إلى 78 في المائة، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو (حزيران) من العام المقبل.

وتداول إعلاميون ومستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي أخيراً مقترحات بفتح حساب بنكي لجمع تبرعات من الشعب المصري، لسداد الديون الخارجية، ودعا عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، مصطفى بكري، بفتح حساب في البنك المركزي لمن يريد المساهمة في سداد الديون.

وأشار بكري في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «اقترح هذه المبادرة، بعد أن أبدى نواب رغبتهم في التبرع للمساهمة في سداد الديون»، وقال إن «هناك تجارب سابقة لدعم شعبي للحكومة في وقت الأزمات، كان من بينها شهادات الادخار عند إقامة مشروع (قناة السويس الجديدة) في عام 2015»، مبرزاً أن «الحكومة استطاعت وقتها جمع 64 مليار جنيه مصري، في أسبوع واحد».

ويرى البرلماني المصري أن المبادرة المجتمعية لجمع تبرعات لسداد الديون، لا تعكس أزمة اقتصادية، في ظل توافر احتياطي استراتيجي آمن من السلع الأساسية، وقال إن «الهدف دعم الحكومة لتجاوز أزمة أعباء الديون وفوائدها، التي تقيد أي تحسن في مؤشرات الاقتصاد المصري».

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وفي بداية الحرب الإيرانية، رأت بعض التقديرات الدولية، أن مصر ستكون ضمن الدول الأكثر تأثراً بالأزمة، وفق مدبولي، غير أنه أشار إلى أن «التقييمات الأحدث، تعكس تحسناً نسبياً في وضع الاقتصاد المصري، ليُصنف ضمن الدول متوسطة التأثر»، مرجعاً ذلك إلى «سرعة الاستجابة واتخاذ قرارات حاسمة مع الأزمة، في توقيت مناسب».

وباعتقاد الخبير الاقتصادي المصري، مصطفى بدرة، فإن «المصريين يدفعون فاتورة اقتصادية واجتماعية للحرب الإيرانية، رغم أن بلادهم لم تكن السبب فيها»، وأشار إلى أنه «لا يمكن الحديث عن أي تحسن ما دامت الحرب لم تتوقف بشكل نهائي»، ودلل على ذلك «بالتضارب الخاص بفتح وغلق مضيق هرمز خلال الساعات الأخيرة»، موضحاً أن ذلك «ينعكس على اضطراب في الأسواق الإقليمية والعالمية».

ويرى بدرة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة يجب أن تطالب بتعويض من الأطراف المسببة للحرب الحالية»، مشيراً إلى أن «الاقتصاد المصري واجه خسائر بسبب حرب غزة، على وقع اضطراب الملاحة في قناة السويس، والأمر نفسه يتكرر في الحرب الإيرانية»، منوهاً إلى أن «الفاتورة الاقتصادية للحرب يجب أن تشارك فيها الدول المسببة للصراع، ومن بينها الولايات المتحدة».

وتتحوط الحكومة المصرية من تأثيرات الحرب الإيرانية اقتصادياً كما حدث في حرب غزة، وقال الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي إن بلاده «تكبدت خسائر تقارب 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، بسبب الحرب في غزة، بالإضافة إلى آثار أخرى مباشرة وغير مباشرة».