قانون الهجرة الفرنسي في طريق مسدودة... والحكومة تسعى لكسب رضا الشارع

مأزق ماكرون بين يمين متشدّد ويسار منفتح

تظاهرة لليسار ضد مشروع القانون ووزير الداخلية (أ.ف.ب)
تظاهرة لليسار ضد مشروع القانون ووزير الداخلية (أ.ف.ب)
TT

قانون الهجرة الفرنسي في طريق مسدودة... والحكومة تسعى لكسب رضا الشارع

تظاهرة لليسار ضد مشروع القانون ووزير الداخلية (أ.ف.ب)
تظاهرة لليسار ضد مشروع القانون ووزير الداخلية (أ.ف.ب)

التذمر من المهاجرين وقلة الترحيب بهم، اللذان ارتبطا في العادة بالفرنسيين ذوي التوجه اليميني، غدوا اليوم يطولان كل الأطياف السياسية > أمام تراجع الحكومة الفرنسية وإعلانها عن تأجيل مشروع الهجرة، بدأ تيار اليمين تصعيد لهجة النقد تجاه الحكومة، علماً بأن كثرة من عناصره كانوا قد أعربوا منذ الإعلان عن المشروع عن رفضهم القاطع للقانون بصيغته الحالية.

إيريك سيوتي، رئيس كتلة اليمين الجمهوري، وصف قانون الهجرة بأنه «مجموعة من الإجراءات التافهة»، داعياً إلى إجراء استفتاء، قبل أن يقدم الجمهوريون نصّهم الخاص. إذ قال: «يجب أن نخرج من هذه الإجراءات التافهة... تدفق المهاجرين يتزايد باستمرار. يجب تغيير الإطار القانوني، وللوصول إلى ذلك نحتاج إلى إصلاحات دستورية». وتطرّق سيوتي إلى النقاط التي يختلف فيها تنظيمه السياسي مع الحكومة، وذكر أن أهمها؛ إغلاق أبواب الهجرة بالكامل، ومنع كل أشكال المساعدات على المهاجرين غير القانونيين، وفرض فترة انتظار قبل منح المهاجرين الشرعيين حق الحصول على إعانات اجتماعية، ودراسة ملفات اللجوء عند الحدود. كذلك دعا اليمين إلى إعادة النظر في قانون الجنسية وتشديد إجراءات الحصول عليها للأجانب.

في المقابل، وباستثناء التدابير الإنسانية التقليدية، لم يقترح اليسار أي مبادرة ملموسة، بل اكتفى بالتنديد بما عدّه إجراءات «عبثية» لا تعالج المشكلة من جذورها بقدر ما تحثّ على «الصيد في أراضي اليمين المتطرف». ولكن رغم ذلك، يبدو البعض مصراً على إحداث تغيير، مع إقحام اليسار في النقاش بعدما تُرك ملف الهجرة منذ البداية لليمين واليمين المتطرف. وضمن هذا الإطار، صرّح زعيم الاشتراكيين أوليفييه فور على صفحات صحيفة «لو موند» معلقاً: «علينا الانتباه وألا نبتعد عن الفرنسيين... خصوصاً الطبقة المتوسطة، التي تبدو وكأنها تطالب الحكومة بصرامة أكبر في التعامل مع الهجرة».

جيرار دارمانان (إ.ب.أ)

وسط هذا الجدل، أدلى أرباب العمل، خاصة أصحاب المطاعم وشركات البناء، بدلوهم من الناحية المطلبية، فطالبوا الحكومة بتسوية غير مشروطة لأوضاع كل العمال. فقد دعا آلان فونتين، رئيس جمعية أصحاب المطاعم، صراحة «إلى وقف النفاق، لأن الكل يعلم أن كثيراً من القطاعات الاقتصادية تعتمد على المهاجرين». وذكّر أن أكثر من 26 في المائة من الطبّاخين الذين يعملون في منطقة «إيل دو فرانس»، التي تضم العاصمة باريس وضواحيها، هم من المهاجرين. والمشكلة، كما يقول فونتين، تتفاقم في قطاع البناء حيث يشكّل المهاجرون نسبة 75 في المائة من العاملين فيه. ومن ثم يوضح فونتان، شارحاً: «حين ننشر عرضاً لوظيفة في قطاع المطاعم، فمن النادر جداً أن نتلقى طلبات من فرنسيين متأصلين، بل إن معظم المتقدمين من المهاجرين الذين تأهلوا مهنياً في مراكز ومدارس فرنسية، وهم مستعدون للعمل، فلماذا يُمنعون من ذلك؟ هل يريد البعض لاقتصادنا أن ينهار؟».

نقاط الخلاف بين اليمين واليسار

وُصف موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من مسألة الهجرة منذ 2017 بـ«المتقلب». إذ يُذكِّر المراقبون بأنه كان أول المُصفقين لسياسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حين شجّعت دخول المهاجرين إلى ألمانيا عام 2015، بيد أنه سرعان ما غيّر موقفه وأظهر صرامة أكبر ضد مدّ اللجوء والهجرة بعد وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي.

ورغم أن ملف الهجرة يعود للواجهة في كل الحملات الانتخابية في فرنسا، فإنه كان موضع نقاش حاد بين الرئيس ماكرون وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان إبان الانتخابات الرئاسية السابقة. وللعلم، خلافاً للرئيس السابق فرنسوا هولاند، وضع ماكرون ملف الهجرة في قائمة اهتماماته ووعد بترتيب وإعادة تعديل الإطار القانوني بطريقة جذرية بالتنسيق مع شركائه الأوروبيين. فلماذا قانون جديد الآن، خاصة أن فرنسا قد ناقشت 29 مشروعاً لتعديل قوانين الهجرة منذ 1980؟

الإجابة حسب ديدييه ليشي، مدير الديوان الوطني الفرنسي للهجرة، «تكمن في التّوجه السائد في أوروبا». وفي فرنسا، على غرار باقي الدول الأوروبية المعروفة بتقليد قديم في استقبال المهاجرين، بات هناك توجّه عام نحو إعادة النظر في سياسات الهجرة، وبالأخص إزاء صعود الحركات الشعبوية وتفاقم الأزمات الاقتصادية. مثل هذه الأمثلة نجدها اليوم في ألمانيا وإسبانيا وهولندا وبريطانيا، حتى السويد... التي تبنّت طويلاً سياسة انفتاح واسعة تجاه الهجرة، فاستقبلت مثلاً عام 2015 أكثر من 136 ألف لاجئ مُنحوا حق الإقامة النهائية قبل أن تشدد حكومة تحالف اليسار والوسط - التي وصلت إلى الحكم في سبتمبر (أيلول) 2022 - إجراءات استقبال المهاجرين، وخاصة اللاجئين.

مع هذا، فإن فرنسا، بخلاف الدول الغربية الأخرى، لا تزال تحتفظ بمعدّلات دخول ثابتة من المهاجرين. وهي تستقبل حسب إحصائيات الديوان الوطني الفرنسي للهجرة ما بين 200 إلى 220 ألف مهاجر جديد سنوياً، وهذه هي الحال منذ عدة سنوات، أياً كان توجّه الحكومة، يسارياً أو يمينياً أو وسطياً.

ثم إن فرنسا، رغم استقبالها حوالي 50 ألف لاجئ سنوياً، نجدها تحتل أسفل قائمة الدول فيما يخص استقبال اللاجئين. ومقارنة مع فرنسا، تركيا مثلاً استقبلت عام 2021 أكثر من 4 ملايين لاجئ، أما كندا أو النرويج فكانتا أسخى من يستقبل اللاجئين ويوفّر لهم ظروف إقامة «جيدة». أما الجديد عام 2022 فهو أن عدد الذين دخلوا الأراضي الفرنسية ببطاقة إقامة «طالب» قد فاق أعداد الهجرة العائلية، حيث وصل عدد بطاقات الإقامة التي منحت للطلبة عام 2022 حوالي 116 ألفاً، وهو رقم قياسي مقابل 80 ألف للتجمع العائلي. كذلك، فإن بطاقات الإقامة التي مُنحت بغرض «العمل» قد سجلت هي الأخرى ارتفاعاً أيضاً عام 2022، إذ بلغت 52 ألفاً.

تصاعد مشاعر التذمرالسبب الآخر الذي قد يفسّر الأهمية التي توليها الحكومة لمشروع قانون حول الهجرة يكمن في الضغوط التي يمارسها الرأي العام، الذي أضحى يعارض أكثر فأكثر قبول مزيد من المهاجرين. ولقد كشفت دراسة أخيرة لمعهد «إيفوب» عن أن 70 في المائة من الفرنسيين يعدّون اليوم أن بلدهم قد استقبل «عدداً كبيراً» من الأجانب، وبالتالي، صار من المستحسن التوقّف عند هذا الحد. وذكرت الدراسة نفسها أيضاً أن 61 في المائة من الفرنسيين باتوا يعدّون المهاجرين عبئاً اقتصادياً بالغاً على الحكومة، و80 في المائة مقتنعون بأن الهجرة قضية ما عاد من الممكن التكلم فيها بهدوء، لأن الموضوع يثير كثيراً من الحساسيات.

معهد «إيفوب» أشار أيضاً إلى أن كل الأرقام التي نشرت ماضية إلى ارتفاع، بالمقارنة مع الدراسة السابقة، التي أنجزها عام 2018، بنسبة تتراوح بين 6 إلى 8 نقاط. الأمر الذي يشير إلى وجود توجه نحو مشاعر أكثر سلبية تجاه المهاجرين.

إريك سيوتي (آ ف ب)

ثم إن التذمر من المهاجرين وقلة الترحيب بهم، اللذين ارتبطا في العادة بالفرنسيين ذوي التوجه اليميني، غدوا اليوم يطولان كل الأطياف السياسية. وهذا الجانب هو ما كشفت عنه دراسة أخرى أجراها معهد «جان جوريس» القريب من الحزب الاشتراكي. ولقد بيّنت هذه الدراسة أن فرنسياً واحداً من بين اثنين ممن يصوتون عادة لصالح اليسار يريد الآن قانوناً جديداً ينص على الحد من الهجرة، وأن فرنسياً واحداً من بين اثنين أيضاً يعتقد أنه يوجد الآن في فرنسا «عدد كبير» من الأجانب، وأن 8 من بين 10 فرنسيين ينتظرون من الحكومة صرامة أكبر مع المهاجرين غير القانونيين.

وأخيراً، أفادت دراسة ثالثة لمعهد «سي إس آي»، أجريت في أبريل المنصرم، بأن 82 في المائة من الفرنسيين يرحبون الآن بفكرة تسهيل عمليات ترحيل المهاجرين غير القانونيين.

تأجيل القانون إلى الخريف المقبلعودة إلى هموم الإليزيه، يقال إن مشروع «مراقبة الهجرة وتحسين الاندماج» كان موجوداً على مكتب الرئيس ماكرون منذ أشهر، قبل أن يقدمه وزير الداخلية جيرارد درمانان إلى مجلس الوزراء في الأول من فبراير (شباط) 2023 بغرض المناقشة.

نصّ مشروع القانون قُدم على أنه يحوي مجموعة من التدابير لتسهيل عمليات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، ولا سيما ذوي السوابق العدلية، وتعديل نظام اللجوء، وتنظيم اندماج المهاجرين، وتسوية أوضاع أولئك الذين يعملون في القطاعات التي تعاني أزمة يد عاملة. وللعلم، صُمم مشروع قانون الهجرة في البداية لكسب تأييد اليمين الجمهوري الذي ازدادت عناصره تطرّفاً خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص فيما يتعلق بإشكاليات الهجرة. وفي الوقت نفسه، كانت ثمة مبادرة للحصول على تأييد اليسار الذي يندد منذ سنوات بتدهور شروط استقبال اللاجئين.

ولكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر، ليغدو مشروع قانون الهجرة مأزقاً للحكومة وموضوعاً خلافياً بين كل هذه الأطراف، خصوصاً أن رئيسة الوزراء كانت قد لمّحت إلى احتمال اللجوء إلى قانون 49.3 للتصويت في حال الفشل في تكوين غالبية برلمانية. ولقد كان من المنتظر إعلان الحكومة الفرنسية عن تفاصيل أكثر دقة عن مشروع هذا القانون الذي يحمل اسم «مراقبة الهجرة وتحسين الاندماج»، الذي حضّره «مهندسه» جيرارد دارمانان، بمساعدة زميله وزير العمل أوليفييه دوسوبت، بيد أن رئيسة الوزراء إليزابيث بورن فاجأت الجميع بإعلان التأجيل خلال مؤتمرها الصحافي الذي عقدته يوم 26 أبريل المنصرم، مضيفة أنه سيصار إلى النظر في هذا المشروع خلال الخريف المقبل.

هذا التأجيل أثار غضب اليمين الذي كان يطالب بالتسريع في تعديل قانون الهجرة الفرنسية، بعدما برّرت رئيسة الوزراء هذا التأجيل بغياب غالبية برلمانية تسمح بالتصويت على هذه القوانين الجديدة. وهنا نذكر أن اليمين الفرنسي الذي قد يبدو كأحسن حليف للحكومة في هذا المشروع، تعرّض لانقسام في صفوفه بين مؤيد ومعارض لقانون تعديل المعاشات، ما أصاب هذه «الشراكة السياسية» بالتصّدع. وفي المقابل، بادرت الصحافة إلى التعليق على قرار التأجيل، معتبرة إياه محاولة «لتهدئة» النفوس وسط أجواء مشحونة بالسخط والغضب تجاه الحكومة.

بداية صعبة للمشروعفي الواقع، بدأ مشروع القانون رحلته البرلمانية في منتصف مارس (آذار) الماضي عندما عُرض على لجنة القوانين في مجلس الشيوخ. في حينه لم يوافق أعضاء مجلس الشيوخ على الصيغة الأولى لمشروع القانون، واقترحوا عدة تعديلات تتماشى مع بعض المواقف التاريخية لليمين المتطرّف، مثل؛ إلغاء المعونة الطبية التي تُمنح للمهاجرين غير الشرعيين، وتشديد منح الإقامة للمهاجرين بغرض لمّ شمل الأسر.

وعلى خلفية الحُمى السياسية والاجتماعية، ولمواجهة المقاومة التي اعترضت طريق القانون في مجلس الشيوخ، أعلن الرئيس ماكرون يوم 22 مارس 2023 أن نص مشروع القانون سيُقسم إلى عدة نصوص صغيرة، وأن الفكرة هي تمكين اليسار الفرنسي من التصويت على الجزء الخاص بدمج العمال المهاجرين، وفي الوقت ذاته تمكين اليمين من التصويت على الجزء الخاص بترحيل المهاجرين غير القانونيين. إلا أن المشروع عرف فشلاً آخر حين أعلن ماكرون في مداخلته التلفزيونية، التي أذيعت على الفرنسيين، أن مشروع قانون الهجرة سيدخل ضمن «خطة المائة يوم» التي دعا إليها بغرض تهدئة النفوس وإعادة ترتيب ملفات الإصلاحات إثر أجواء من الاحتجاجات والغضب الشعبي العارم بوجه إصلاح نظام المعاشات.

البعض فسّر هذا الإعلان على أنه بمثابة «تخلٍ» وانسحاب لماكرون من المعركة قبل بدايتها، ولو مؤقتاً. وفي اليوم التالي، أعلن وزير الداخلية دارمانان في وسائل الإعلام أن «الوصول إلى اتفاق مع اليمين الجمهوري بخصوص قانون الهجرة وارد». وبناءً عليه، فهو سيعيد عرض المشروع على مجلس الشيوخ الذي ينتمي غالبية أعضائه إلى اليسار والوسط، ولكن بعد إحداث بعض التغييرات.

دارمانان قال لقناة «إل سي آي» الإخبارية إنه سيقدم «نصاً قوياً واحداً» للمناقشة. ولمّح إلى أنه سيصار إلى التخلّي عن «تجزئة النصوص» التي اقترحها ماكرون، مؤكداً على أنه بدأ بمجموعة مشاورات مُكثفة مع عناصر من كتلة اليمين للوصول إلى اتفاق يرضي الجميع، ويُمكن الحكومة من الحصول على غالبية برلمانية تسمح بتمرير القانون.

على ماذا ينصّ هذا القانون؟مشروع قانون الهجرة الجديد يتضمن شقّين متباينين؛ الجزء الأول يخص تشديد شروط الدخول والإقامة في فرنسا مع تسريع وتسهيل عمليات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين. والجزء الثاني يهدف إلى تشجيع الهجرة الاقتصادية من خلال استحداث تصاريح للإقامة خاصة بالعمال الذين يشغلون وظائف في قطاعات تعاني من نقص اليد العاملة، كقطاعي البناء والمطاعم.

من جهته، قدّم وزير الداخلية دارمانان مشروع القانون على أنه مشروع «متوازن» لأنه - على لسانه - إنساني وصارم في آنٍ معاً. والحقيقة أن مشروع القانون أعطى أهمية كبرى لتعديل قانون الترحيل، وبالأخص الأجانب الذين صدرت ضدهم أحكام بالسجن لمدة تعادل أو تفوق 10 سنوات، أما الغاية فهي تقليص نطاق الطعن في قرارات الترحيل الإجبارية، خصوصاً عندما يشكّل الأجانب المعنيون بالأمر خطراً على الأمن العام وسلامة المواطنين.

القرار يسعى أيضاً إلى إسقاط الحماية التي يحظى بها الأجانب الذين صدرت بحقهم أحكام بالترحيل غير أنها في الغالب لا تُنفذ، لأنهم يقيمون في فرنسا منذ مدة طويلة. وبين البنود بند يهتم بتعديل الإطار القانوني لطلبات اللجوء السياسي أو الإنساني، والهدف منه أولاً تقصير الآجال المخصصة لدراسة الطلبات إلى بضعة أسابيع بدل بضعة أشهر، وأحياناً سنوات، ومن جانب آخر صدّ الأجانب الذين يطلبون حق اللجوء من دون مبرّرات قوية.

كذلك، من البنود اللافتة في مشروع القانون، تسوية أوضاع العمال غير القانونيين، وهو الإجراء الذي ترى الحكومة أنه سيضفي «توازناً» ووجهاً أكثر «إنسانية» لنص القانون. ذلك أنها تنوي تسوية أوضاع العمال الموجودين في الأراضي الفرنسية منذ أكثر من 3 سنوات ومنحهم بطاقات إقامة يصار إلى تجديدها كل سنة بشرط أن يشغلوا وظائف في قطاعات مهنية تعاني أزمة توظيف. وهنا، يُخطّط القانون أيضاً لاستحداث بطاقة إقامة تدوم 4 سنوات خاصة بالعاملين في القطاع الصحي والحاصلين على شهاداتهم خارج المجموعة الأوروبية، خاصة أن فرنسا تعاني منذ سنوات من نقص خطر في عدد الأطباء والجراحين، وأطباء الأسنان، والصيادلة، والممرّضين.

وفي سياق متصل، من بنود قانون الهجرة الأخرى ربط شرط الحصول على الإقامة بإتقان اللغة الفرنسية على المهاجرين الجدد، بينما لا يطلب منهم حالياً سوى المشاركة في تدريب قصير على اللغة. وهذا الإجراء حسب وزير الداخلية دارمانان سيتعلق بـ270 ألف شخص سيجتازون امتحان لغة فرنسية، وفي حالة إخفاقهم سترفض طلباتهم. وأخيراً، سيتضمن القانون اقتراحات بإبعاد المهاجرين القُصَّر، وهذه نقطة تعثرت في تناولها القوانين السابقة بسبب تصدّي المنظمات الإنسانية وجمعيات المهاجرين التي ترفض ترحيل القُصَّر وتطالب بحمايتهم.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.