شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن

قمع معارضيه بعنف وتخلّى عن حلفاء الماضي وقاد تغييرات جذرية

شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن
TT

شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن

شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن

أوزبكستان هي «مركز الثقل» الجيوسياسي لعموم آسيا الوسطى، والدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في المنطقة، كما أنها تتقاسم حدودها مع دول آسيا الوسطى الأربع الأخرى، بالإضافة إلى أفغانستان.

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، حكم الرئيس إسلام كريموف أوزبكستان بقبضة قوية، وتَعامل بعنف مع معارضيه، ونصب حاجزاً أمام حرية الحركة والتنقل والعمل السياسي. لكن على الصعيد الخارجي، جلبت مناوراته الجيوسياسية الماهرة الاستقرار إلى أوزبكستان، التي لم تشهد هزّات كبرى.

لهذا السبب، كان التحدي الأكبر أمام خليفته شوكت ميرزيوييف المحافَظة على الاستقرار في بلد لا وجود للعمل المؤسسي فيه... وكذلك لا وجود للمجتمع المدني. وفعلاً، بدا أن الرئيس الجديد نجح سريعاً في التغلب على العقبات وترسيخ أركان حكمه.

يُعدّ موقع أوزبكستان ميزة ومصدراً للمشكلات في آن معاً، إذ تسمح الحدود المشتركة مع أفغانستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، لأوزبكستان بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، ما يزيد من ثقلها على الساحة الدولية.

وفي الوقت عينه، يشكل الوضع غير المستقر في هذه البلدان تهديداً لأوزبكستان، ومن المرجّح أن يتواصل تفاقم الوضع في المناطق الحدودية، رغم نجاح سلطات طشقند في تخفيف التوتر وحلّ مشكلة المناطق المتنازع عليها مع «الجارة» طاجيكستان، وهي المشكلة التي ظلّت لعقود مصدر قلق. لكن التحدي الأبرز هو المحافظة على التوازن الصعب في العلاقة مع كل من موسكو وواشنطن، خصوصاً على خلفية الصراع المتفاقم بين روسيا والغرب.

على الرغم من هذا، فإن الأمور في هذا المجال تبدو أفضل بكثير، بالنسبة إلى أوزبكستان، مقارنة بـ«جاراتها» من الجمهوريات السوفياتية السابقة... إذ التزمت طشقند الحياد الاستراتيجي في هذه المواجهة، وواجهت بصعوبة مساعي واشنطن للضغط عليها، من أجل اتخاذ موقف واضح حيال موسكو.

وعموماً، حافظت أوزبكستان، طوال العقود السابقة، على علاقات معقدة مع «الكرملين»، تراوحت بين حسابات اقتصادية وتجارية وأمنية (بسبب أفغانستان)، دفعت إلى إنشاء قاعدة عسكرية روسية في البلاد، لم تلبث سلطات طشقند أن أغلقتها، وفتحت الباب لاحقاً لاستضافة قاعدة أميركية (أغلقت هي الأخرى بعد سنوات).

وأخيراً، خلال أشهر الحرب الروسية في أوكرانيا، تقلّصت درجة ارتباط طشقند الاقتصادية مع موسكو، مع العلم بأنه من بين سكان البلاد البالغ عددهم 36 مليون نسمة، كان يعمل ما يزيد قليلاً عن مليون شخص، في روسيا. وقد بلغ حجم حوالات المواطنين الأوزبكيين العاملين، إلى وطنهم، 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، غير أن هذا الرقم تراجع بحِدة بسبب اضطرار جزء كبير من العمالة الأوزبكية إلى مغادرة روسيا.

- أوزبكستان بين الماضي والحاضر

تولّى الرئيس شوكت ميرزيوييف السلطة خلفاً للرئيس الأوزبكي «الأول» إسلام كريموف، الذي تُوفي عام 2016، بعدما حكم بقبضةٍ من حديد، طوال ربع قرن.

وكان ميرزيوييف رئيساً للوزراء على مدى 13 سنة، إبّان حكم كريموف، بَيْد أنه حرص على إبداء صورة أكثر حداثة، لذا لجأ إلى «تغليف» التعديلات الدستورية المثيرة، بطابع إنساني واسع النطاق. وخلال التصويت الأخير، صوّت الأوزبكيون؛ ليس فقط على تجديد «البيعة» للرئيس، لسنوات طويلة مقبلة، ولكن أيضاً، على إجراءات عدة، تقترب بأوزبكستان من معايير المجتمعات الحديثة في الغرب، وبينها وقف العمل بعقوبة الإعدام، واحترام حقوق الإنسان في «أوزبكستان جديدة» يريدها الرئيس القوي أن تكون «أكثر عدلاً».

النشأة وبداية المسيرةوُلِد شوكت ميرومونوفيتش ميرزيوييف، ونشأ في عائلة من المزارعين، الذين كانت أحوالهم المالية مزدهرة، وبالإضافة إلى الزراعة كانوا يعملون في تربية النحل.

ثم إن الجَد الأكبر لشوكت من جهة والده، مير بوبو، كان مزارعاً كبيراً، لكنه لم يتحوّل إلى إقطاعي في ظروف الحياة خلال العهد السوفياتي، بل على العكس من ذلك، خدم السلطات بإخلاص، وقدّمت عائلته كثيراً من الخدمات للدولة، وغدا بعض أفرادها أبطالاً لـ«الحرب الوطنية العظمى» (الحرب العالمية الثانية).

قد تكون تلك البدايات لعبت دوراً في تشكل شخصية شوكت ميرزيوييف، الذي وُلد وعاش سنوات عمره قريباً من السلطة والمال والسطوة، وأسهم ذلك في أنه بدأ مبكراً الانخراط في عالم السياسة والمناصب.

ذلك أنه بعد تخرجه مباشرةً في «معهد الهندسة الميكانيكية»، أوائل ثمانينات القرن الماضي، وجد وظيفة في «جامعة طشقند» الحكومية، وفي معهده نفسه، وحصل على درجة الدكتوراه ليغدو أصغر العلماء في المعهد.

وبعدها في السنوات الأخيرة من عمله في المعهد، شغل منصب النائب الأول لرئيس المعهد. وهذا، قبل أن يدرك أن طريقه إلى سُلّم المجد يمر عبر بطاقة العضوية في «الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي»، الذي انضم إليه في أواخر الثمانينات.

نتائج سياسية سريعةولم يلبث ميرزيوييف أن حصد نتائج سريعة، ففي أوائل عام 1990، وعندما كان الاتحاد السوفياتي يقترب من لفْظ أنفاسه الأخيرة، كان الزعيم الشاب يشقّ طريقه السياسي نائباً في البرلمان (المجلس الأعلى لجمهورية أوزبكستان الاشتراكية السوفياتية)، ومع أن هذه كانت آخِر انتخابات محلية تجري، في ظل الدولة السوفياتية الموحّدة، فتح هذا المنصب أمامه الطريق واسعاً ليكون واحداً من رموز العهد الجديد في أوزبكستان «المستقلة» لاحقاً.

وكما حصل مع كبار رجالات الدولة السوفياتية، سارع ميرزيوييف إلى خلع عباءة الشيوعية، وتخلَّى عن البطاقة الحمراء، ليُشهر، بدلاً منها، بطاقة العضوية في «الحزب الديمقراطي الشعبي لأوزبكستان»، الذي حلَّ محل «الحزب الشيوعي الأوزبكي»، الذي جَرَت تصفيته.

لقد كان الطريق ممهَّداً أمام طموح هذا السياسي، الذي سرعان ما عُيِّن حاكماً لمنطقة ميزو أولوغبيك، كما حافظ على عضويته في البرلمان الأعلى للبلاد.

وفي عام 1996، بموجب مرسوم صادر عن رئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف، عُيِّن شوكت ميرزيوييف حاكماً لمنطقة جيزاخ المتطوّرة زراعياً، والتي يتحدّر منها.

ثم، بعد 5 سنوات عيَّنه الرئيس كريموف حاكماً على إقليم سمرقند، المتطوّر صناعياً وزراعياً وسياحياً، وكان هذا المنصب خاصة، مفتاح العبور إلى الحكومة، التي شغل عدة مناصب فيها، قبل أن يُتوَّج رئيساً للوزراء... وأقرب الشخصيات لكريموف، الحاكم المطلق للبلاد.

- رئاسة الحكومة

منذ 12 ديسمبر (كانون الأول) 2003، عندما عُيِّن ميرزيوييف رئيساً لوزراء جمهورية أوزبكستان، فإنه تحوّل إلى صاحب أكبر ثقل سياسي في الجمهورية بعد الرئيس، ولم يتخلَّ قط بعد ذلك عن موقعه صانعاً أساسياً للقرار.

وللعلم، بعد وفاة إسلام كريموف - أول رئيس لأوزبكستان المستقلة - أصبح رئيس «مجلس الشيوخ» نجمات يلا يولدوشيف، رئيساً بالإنابة، وفقاً للدستور، إلا أن رئيس الوزراء القوي سرعان ما قلَب الطاولة. وقبل حلول خريف ذلك العام، اتخذ «المجلس الأعلى» (البرلمان) قراراً بتكليف شوكت ميرزيوييف بإدارة البلاد قائماً بأعمال الرئيس، وبعد أسبوع واحد على هذا التعيين، رشَّحه «الحزب الليبرالي الديمقراطي لأوزبكستان» لخوض معركة رئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية المبكّرة، التي أُجريت في نهاية عام 2016. ويومذاك، سمحت «لجنة الانتخابات المركزية» في أوزبكستان، لميرزيوييف - القائم بأعمال الرئيس - بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية، التي كرّست عهداً جديداً في البلاد، وسجلت انتقالاً سلساً للسلطة، خلافاً لتوقعات كثيرة.

... ورئاسة الجمهورية فاز ميرزيوييف بالانتخابات الرئاسية بأصوات 89 في المائة من الناخبين، وبنسبة إقبال بلغت 88 في المائة. ومنذ ذلك الحين لم تتراجع نسب تأييده عن حاجز التسعين في المائة، رغم كل المشكلات الداخلية والخارجية، والأوضاع الاقتصادية التي شهدت اهتزازات عدة، ورغم محاولة المعارضة التي بقيت مغيَّبة طوال عهد سلفه، النهوض في ظل «العهد الجديد».

ومباشرةً، بعد استتباب الوضع لميرزيوييف على كرسي الرئاسة، أطلق مرحلة جديدة في سياسة أوزبكستان، على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولكونه «ابن السلطة»، وأحد رموزها البارزين لسنوات عدة، لم يحتجْ إلى فترة زمنية تُذكَر لتثبيت أركان حكمه وتلمُّس خطواته الأولى.

لقد كانت أول زيارة خارجية له، في ربيع 2017، رئيساً للجمهورية الأوزبكية، إلى تركمانستان المجاورة، ولم يذهب إلى موسكو، ثم إلى بكين، كما جَرَت العادة عند نظرائه في جمهوريات آسيا الوسطى. وسوف يتضح لاحقاً مغزى هذه الخطوة، من خلال النقلة الكبرى التي قام بها لتوطيد سياسته الإقليمية، ورفع شعار «منطقة آسيا الوسطى أولاً».

وحقّاً، هذا التوجه من ميرزيوييف قاد إلى سياسة مرِنة ومنفتحة على الجيران، ودعوات حثيثة لتعزيز الصف الداخلي في المنطقة، ووضع أولويات للتعاون الإقليمي، بدلاً من الاعتماد على تدخلات اللاعبين الخارجيين.

وفي هذا الإطار، بدت أوزبكستان أكثر استقراراً في سياساتها من جيرانها، وقادت عمليات التكامل الإقليمي، ودعّمت مبادرات لتنسيق المواقف، وتأسيس هيئات ومجالس لتعزيز العمل المشترك بين جمهوريات آسيا الوسطى، بمعزل عن مواقف واشنطن وموسكو وبكين، ولذلك برزت، لاحقاً، اجتماعات قمة خماسية للجمهوريات الإقليمية لم تُوجَّه فيها الدعوات لرؤساء أجانب، خلافاً للمتَّبَع حتى ذلك الحين.

تطهير في الداخلأما على الصعيد الداخلي فقاد ميرزيوييف «انقلاباً واسع النطاق» على إرث سلفه كريموف، الذي ارتبط عهده بـ«القبضة الحديدية» والفساد الإداري. وفي مستهلّ رئاسته أقدم على تطهير مكتب المدَّعي العام من الموظفين السابقين.

ومع حلول صيف عام 2017، أعلن ميرزيوييف أنه يجب إخلاء طرف النيابة العامة في أوزبكستان تماماً، من الموظفين الذين بدأوا العمل في عهد كريموف. وأشار إلى أن المدَّعين العامّين هم «أكبر اللصوص» الباقين «من نظام القمامة القديم»، وفقاً لتعبيره.

ومع نهاية الصيف، لم يكن قد ظلّ في دوائر الادعاء العام والنيابة الحكومية أكثر من 15 إلى 20 في المائة من الأشخاص «المتبقّين من نظام اللصوص السابقين»، وقد تعهّد ميرزيوييف، في حينه، بأن البقية «سيُفصَلون من مناصبهم».

تزامن كل هذا مع إطلاق مرحلة «انفتاح» واسعة، ميّزت عهده عن قوانين الإغلاق السابقة، وألغى الرئيس الجديد مرسوم سلفه حول «تأشيرات الخروج»، مطلِقاً حرية التنقل للمواطنين من رقابة الأجهزة الأمنية.

ومع إطلاق ولايته الثانية، في 2021، انتقل إلى وضع قوانين جديدة تفتح أوزبكستان على تطوير تكنولوجيا الاتصالات والتنقل وغيرهما.

إلا أن الانقلاب على الحلفاء السابقين لم يبرز فحسب في العلاقة مع الرئيس السابق وأركان حكمه، بل حتى مع الحلفاء المقرّبين من ميرزيوييف نفسه. وهذا ما جرى مع حليفه المقرَّب رجل الأعمال جاهينير أرتوخوزياف، الذي كان قد أنشأ إمبراطوريته التجارية تحت رعاية شوكت ميرزيوييف، عندما كان رئيساً للوزراء. وفي عام 2018 عيّن رجل الأعمال الملياردير حاكماً للعاصمة طشقند، وخلال سنتين اتضح أن الحاكم وظف القدرات الإدارية لصالح مشروعاته العامة والخاصة، التي كان هو أو زوجته أو شركاؤه في العمل فيه، يحصلون على منافع مباشرة منها.

لم يلبث هذا الوضع أن أثار حفيظة ميرزيوييف، عندما وقعت طشقند في حال طوارئ، بسبب نقص إمدادات الكهرباء والغاز أثناء الصقيع. وعندها لم يتردد الرئيس في توجيه ضربة إلى حليفه السابق، وخاطب الجمهور، في بيان مباشر: «بالنسبة للكلمات الفارغة، والتقرير الكاذب حول أسباب عدم مواجهة المشكلة، ونظراً إلى أن ساقيْ هذا الرجل عديم الضمير كانتا بعيدتين عن الأرض، فقد طردته من منصبه».

وبصفة عامة، تمكّن ميرزيوييف من توطيد سلطته في الجمهورية، خلال فترة قصيرة من الزمن، واكتسب مكانة عالية بين السكان. وخلق هذا الواقع الظروف اللازمة لتسريع التحولات الاقتصادية والسياسية التي شكلت عملياً إرثاً حُسِب للرئيس القوي.

ابتكارات ومنجزاتأحد الابتكارات الرئيسة لميرزيوييف كان إطلاق حفل استقبال افتراضي، أتاح لجميع مواطني البلاد تقديم طلباتهم وعرض مشكلاتهم واقتراحاتهم. وكان إنشاء مثل هذه المؤسسة في أوزبكستان ثورة حقيقية وانطلاقة جديدة، بعدما ظلت أبواب السلطة لعقودٍ مغلقةً أمام الجمهور.

كذلك، شملت قرارات الإصلاح تقريباً كل مؤسسات البلاد، وأدخلت تغييرات في أنظمة وزارة الشؤون الداخلية والقوات المسلَّحة والخدمات الخاصة والتعليم والاقتصاد وسياسة الأفراد على امتدادها. ولكن، مع كل التحديث الداخلي ظلت الأولوية الرئيسة لسياسة شوكت ميرزيوييف الخارجية هي منطقة آسيا الوسطى. ووفقاً للعقيدة السياسية للبلاد، تقوم سياسة أوزبكستان في آسيا الوسطى على ضمان السلام والاستقرار في المنطقة، وحل المشكلات الأساسية للأمن الإقليمي، بما في ذلك المساعدة في حل الوضع بأفغانستان.

وبالفعل، سمحت السياسة الإقليمية لأوزبكستان بخلق جو سياسي جديد تماماً في المنطقة، وتعزيز العلاقات القائمة على الثقة وحسن الجوار. وعلى هذا الأساس، حلّ عدد من القضايا المهمة المتعلقة باستخدام المياه، والحدود، والتجديد، وتوسيع روابط النقل.

من ناحية ثانية، أعطت هذه السياسة حافزاً لمواصلة تطوير التعاون متبادل المنفعة مع روسيا ودول «رابطة الدول المستقلة» الأخرى، والصين، والولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، وتركيا، وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية. كذلك دخلت الشراكة مع «الأمم المتحدة»، و«منظمة الأمن والتعاون في أوروبا»، و«منظمة شانغهاي للتعاون»، و«منظمة المؤتمر الإسلامي»، والمنظمات الدولية الرسمية الأخرى، مرحلة جديدة من الناحية النوعية.

لكن مع هذا الانفتاح على المستويين الإقليمي والدولي، يرى خبراء أن الأهم في سياسة ميرزيوييف الخارجية أنها تقوم على تحقيق التوازن في المصالح بين الأطراف الكبرى المؤثرة، خلافاً لسياسة كريموف التي قامت على براغماتية تميل حيناً نحو واشنطن، وتمنحها مكتسبات على حساب موسكو، وفي أحيان أخرى تقوم على الميل نحو روسيا، وتقليص التعاون مع واشنطن.

وفي هذا الإطار، انتهج ميرزيوييف سياسة تقوم على التركيز - بشكل خاص - على «تجنب الاعتماد المفرِط على أي من القوى العالمية الكبرى»، وتقليص المخاطر والخلافات مع كل بلدان الجوار، بما سمح للرئيس بالتركيز أكثر على تنفيذ الإصلاحات الداخلية.

كانت أول زيارة خارجية لميرزيوييف، بصفته رئيساً للجمهورية الأوزبكية،

إلى تركمانستان المجاورة،

ولم يذهب

إلى موسكو...

ثم إلى بكين


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.