شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن

قمع معارضيه بعنف وتخلّى عن حلفاء الماضي وقاد تغييرات جذرية

شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن
TT

شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن

شوكت ميرزيوييف... زعيم «أوزبكستان الجديدة» وراعي التوازن بين موسكو وواشنطن

أوزبكستان هي «مركز الثقل» الجيوسياسي لعموم آسيا الوسطى، والدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في المنطقة، كما أنها تتقاسم حدودها مع دول آسيا الوسطى الأربع الأخرى، بالإضافة إلى أفغانستان.

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، حكم الرئيس إسلام كريموف أوزبكستان بقبضة قوية، وتَعامل بعنف مع معارضيه، ونصب حاجزاً أمام حرية الحركة والتنقل والعمل السياسي. لكن على الصعيد الخارجي، جلبت مناوراته الجيوسياسية الماهرة الاستقرار إلى أوزبكستان، التي لم تشهد هزّات كبرى.

لهذا السبب، كان التحدي الأكبر أمام خليفته شوكت ميرزيوييف المحافَظة على الاستقرار في بلد لا وجود للعمل المؤسسي فيه... وكذلك لا وجود للمجتمع المدني. وفعلاً، بدا أن الرئيس الجديد نجح سريعاً في التغلب على العقبات وترسيخ أركان حكمه.

يُعدّ موقع أوزبكستان ميزة ومصدراً للمشكلات في آن معاً، إذ تسمح الحدود المشتركة مع أفغانستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، لأوزبكستان بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، ما يزيد من ثقلها على الساحة الدولية.

وفي الوقت عينه، يشكل الوضع غير المستقر في هذه البلدان تهديداً لأوزبكستان، ومن المرجّح أن يتواصل تفاقم الوضع في المناطق الحدودية، رغم نجاح سلطات طشقند في تخفيف التوتر وحلّ مشكلة المناطق المتنازع عليها مع «الجارة» طاجيكستان، وهي المشكلة التي ظلّت لعقود مصدر قلق. لكن التحدي الأبرز هو المحافظة على التوازن الصعب في العلاقة مع كل من موسكو وواشنطن، خصوصاً على خلفية الصراع المتفاقم بين روسيا والغرب.

على الرغم من هذا، فإن الأمور في هذا المجال تبدو أفضل بكثير، بالنسبة إلى أوزبكستان، مقارنة بـ«جاراتها» من الجمهوريات السوفياتية السابقة... إذ التزمت طشقند الحياد الاستراتيجي في هذه المواجهة، وواجهت بصعوبة مساعي واشنطن للضغط عليها، من أجل اتخاذ موقف واضح حيال موسكو.

وعموماً، حافظت أوزبكستان، طوال العقود السابقة، على علاقات معقدة مع «الكرملين»، تراوحت بين حسابات اقتصادية وتجارية وأمنية (بسبب أفغانستان)، دفعت إلى إنشاء قاعدة عسكرية روسية في البلاد، لم تلبث سلطات طشقند أن أغلقتها، وفتحت الباب لاحقاً لاستضافة قاعدة أميركية (أغلقت هي الأخرى بعد سنوات).

وأخيراً، خلال أشهر الحرب الروسية في أوكرانيا، تقلّصت درجة ارتباط طشقند الاقتصادية مع موسكو، مع العلم بأنه من بين سكان البلاد البالغ عددهم 36 مليون نسمة، كان يعمل ما يزيد قليلاً عن مليون شخص، في روسيا. وقد بلغ حجم حوالات المواطنين الأوزبكيين العاملين، إلى وطنهم، 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، غير أن هذا الرقم تراجع بحِدة بسبب اضطرار جزء كبير من العمالة الأوزبكية إلى مغادرة روسيا.

- أوزبكستان بين الماضي والحاضر

تولّى الرئيس شوكت ميرزيوييف السلطة خلفاً للرئيس الأوزبكي «الأول» إسلام كريموف، الذي تُوفي عام 2016، بعدما حكم بقبضةٍ من حديد، طوال ربع قرن.

وكان ميرزيوييف رئيساً للوزراء على مدى 13 سنة، إبّان حكم كريموف، بَيْد أنه حرص على إبداء صورة أكثر حداثة، لذا لجأ إلى «تغليف» التعديلات الدستورية المثيرة، بطابع إنساني واسع النطاق. وخلال التصويت الأخير، صوّت الأوزبكيون؛ ليس فقط على تجديد «البيعة» للرئيس، لسنوات طويلة مقبلة، ولكن أيضاً، على إجراءات عدة، تقترب بأوزبكستان من معايير المجتمعات الحديثة في الغرب، وبينها وقف العمل بعقوبة الإعدام، واحترام حقوق الإنسان في «أوزبكستان جديدة» يريدها الرئيس القوي أن تكون «أكثر عدلاً».

النشأة وبداية المسيرةوُلِد شوكت ميرومونوفيتش ميرزيوييف، ونشأ في عائلة من المزارعين، الذين كانت أحوالهم المالية مزدهرة، وبالإضافة إلى الزراعة كانوا يعملون في تربية النحل.

ثم إن الجَد الأكبر لشوكت من جهة والده، مير بوبو، كان مزارعاً كبيراً، لكنه لم يتحوّل إلى إقطاعي في ظروف الحياة خلال العهد السوفياتي، بل على العكس من ذلك، خدم السلطات بإخلاص، وقدّمت عائلته كثيراً من الخدمات للدولة، وغدا بعض أفرادها أبطالاً لـ«الحرب الوطنية العظمى» (الحرب العالمية الثانية).

قد تكون تلك البدايات لعبت دوراً في تشكل شخصية شوكت ميرزيوييف، الذي وُلد وعاش سنوات عمره قريباً من السلطة والمال والسطوة، وأسهم ذلك في أنه بدأ مبكراً الانخراط في عالم السياسة والمناصب.

ذلك أنه بعد تخرجه مباشرةً في «معهد الهندسة الميكانيكية»، أوائل ثمانينات القرن الماضي، وجد وظيفة في «جامعة طشقند» الحكومية، وفي معهده نفسه، وحصل على درجة الدكتوراه ليغدو أصغر العلماء في المعهد.

وبعدها في السنوات الأخيرة من عمله في المعهد، شغل منصب النائب الأول لرئيس المعهد. وهذا، قبل أن يدرك أن طريقه إلى سُلّم المجد يمر عبر بطاقة العضوية في «الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي»، الذي انضم إليه في أواخر الثمانينات.

نتائج سياسية سريعةولم يلبث ميرزيوييف أن حصد نتائج سريعة، ففي أوائل عام 1990، وعندما كان الاتحاد السوفياتي يقترب من لفْظ أنفاسه الأخيرة، كان الزعيم الشاب يشقّ طريقه السياسي نائباً في البرلمان (المجلس الأعلى لجمهورية أوزبكستان الاشتراكية السوفياتية)، ومع أن هذه كانت آخِر انتخابات محلية تجري، في ظل الدولة السوفياتية الموحّدة، فتح هذا المنصب أمامه الطريق واسعاً ليكون واحداً من رموز العهد الجديد في أوزبكستان «المستقلة» لاحقاً.

وكما حصل مع كبار رجالات الدولة السوفياتية، سارع ميرزيوييف إلى خلع عباءة الشيوعية، وتخلَّى عن البطاقة الحمراء، ليُشهر، بدلاً منها، بطاقة العضوية في «الحزب الديمقراطي الشعبي لأوزبكستان»، الذي حلَّ محل «الحزب الشيوعي الأوزبكي»، الذي جَرَت تصفيته.

لقد كان الطريق ممهَّداً أمام طموح هذا السياسي، الذي سرعان ما عُيِّن حاكماً لمنطقة ميزو أولوغبيك، كما حافظ على عضويته في البرلمان الأعلى للبلاد.

وفي عام 1996، بموجب مرسوم صادر عن رئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف، عُيِّن شوكت ميرزيوييف حاكماً لمنطقة جيزاخ المتطوّرة زراعياً، والتي يتحدّر منها.

ثم، بعد 5 سنوات عيَّنه الرئيس كريموف حاكماً على إقليم سمرقند، المتطوّر صناعياً وزراعياً وسياحياً، وكان هذا المنصب خاصة، مفتاح العبور إلى الحكومة، التي شغل عدة مناصب فيها، قبل أن يُتوَّج رئيساً للوزراء... وأقرب الشخصيات لكريموف، الحاكم المطلق للبلاد.

- رئاسة الحكومة

منذ 12 ديسمبر (كانون الأول) 2003، عندما عُيِّن ميرزيوييف رئيساً لوزراء جمهورية أوزبكستان، فإنه تحوّل إلى صاحب أكبر ثقل سياسي في الجمهورية بعد الرئيس، ولم يتخلَّ قط بعد ذلك عن موقعه صانعاً أساسياً للقرار.

وللعلم، بعد وفاة إسلام كريموف - أول رئيس لأوزبكستان المستقلة - أصبح رئيس «مجلس الشيوخ» نجمات يلا يولدوشيف، رئيساً بالإنابة، وفقاً للدستور، إلا أن رئيس الوزراء القوي سرعان ما قلَب الطاولة. وقبل حلول خريف ذلك العام، اتخذ «المجلس الأعلى» (البرلمان) قراراً بتكليف شوكت ميرزيوييف بإدارة البلاد قائماً بأعمال الرئيس، وبعد أسبوع واحد على هذا التعيين، رشَّحه «الحزب الليبرالي الديمقراطي لأوزبكستان» لخوض معركة رئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية المبكّرة، التي أُجريت في نهاية عام 2016. ويومذاك، سمحت «لجنة الانتخابات المركزية» في أوزبكستان، لميرزيوييف - القائم بأعمال الرئيس - بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية، التي كرّست عهداً جديداً في البلاد، وسجلت انتقالاً سلساً للسلطة، خلافاً لتوقعات كثيرة.

... ورئاسة الجمهورية فاز ميرزيوييف بالانتخابات الرئاسية بأصوات 89 في المائة من الناخبين، وبنسبة إقبال بلغت 88 في المائة. ومنذ ذلك الحين لم تتراجع نسب تأييده عن حاجز التسعين في المائة، رغم كل المشكلات الداخلية والخارجية، والأوضاع الاقتصادية التي شهدت اهتزازات عدة، ورغم محاولة المعارضة التي بقيت مغيَّبة طوال عهد سلفه، النهوض في ظل «العهد الجديد».

ومباشرةً، بعد استتباب الوضع لميرزيوييف على كرسي الرئاسة، أطلق مرحلة جديدة في سياسة أوزبكستان، على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولكونه «ابن السلطة»، وأحد رموزها البارزين لسنوات عدة، لم يحتجْ إلى فترة زمنية تُذكَر لتثبيت أركان حكمه وتلمُّس خطواته الأولى.

لقد كانت أول زيارة خارجية له، في ربيع 2017، رئيساً للجمهورية الأوزبكية، إلى تركمانستان المجاورة، ولم يذهب إلى موسكو، ثم إلى بكين، كما جَرَت العادة عند نظرائه في جمهوريات آسيا الوسطى. وسوف يتضح لاحقاً مغزى هذه الخطوة، من خلال النقلة الكبرى التي قام بها لتوطيد سياسته الإقليمية، ورفع شعار «منطقة آسيا الوسطى أولاً».

وحقّاً، هذا التوجه من ميرزيوييف قاد إلى سياسة مرِنة ومنفتحة على الجيران، ودعوات حثيثة لتعزيز الصف الداخلي في المنطقة، ووضع أولويات للتعاون الإقليمي، بدلاً من الاعتماد على تدخلات اللاعبين الخارجيين.

وفي هذا الإطار، بدت أوزبكستان أكثر استقراراً في سياساتها من جيرانها، وقادت عمليات التكامل الإقليمي، ودعّمت مبادرات لتنسيق المواقف، وتأسيس هيئات ومجالس لتعزيز العمل المشترك بين جمهوريات آسيا الوسطى، بمعزل عن مواقف واشنطن وموسكو وبكين، ولذلك برزت، لاحقاً، اجتماعات قمة خماسية للجمهوريات الإقليمية لم تُوجَّه فيها الدعوات لرؤساء أجانب، خلافاً للمتَّبَع حتى ذلك الحين.

تطهير في الداخلأما على الصعيد الداخلي فقاد ميرزيوييف «انقلاباً واسع النطاق» على إرث سلفه كريموف، الذي ارتبط عهده بـ«القبضة الحديدية» والفساد الإداري. وفي مستهلّ رئاسته أقدم على تطهير مكتب المدَّعي العام من الموظفين السابقين.

ومع حلول صيف عام 2017، أعلن ميرزيوييف أنه يجب إخلاء طرف النيابة العامة في أوزبكستان تماماً، من الموظفين الذين بدأوا العمل في عهد كريموف. وأشار إلى أن المدَّعين العامّين هم «أكبر اللصوص» الباقين «من نظام القمامة القديم»، وفقاً لتعبيره.

ومع نهاية الصيف، لم يكن قد ظلّ في دوائر الادعاء العام والنيابة الحكومية أكثر من 15 إلى 20 في المائة من الأشخاص «المتبقّين من نظام اللصوص السابقين»، وقد تعهّد ميرزيوييف، في حينه، بأن البقية «سيُفصَلون من مناصبهم».

تزامن كل هذا مع إطلاق مرحلة «انفتاح» واسعة، ميّزت عهده عن قوانين الإغلاق السابقة، وألغى الرئيس الجديد مرسوم سلفه حول «تأشيرات الخروج»، مطلِقاً حرية التنقل للمواطنين من رقابة الأجهزة الأمنية.

ومع إطلاق ولايته الثانية، في 2021، انتقل إلى وضع قوانين جديدة تفتح أوزبكستان على تطوير تكنولوجيا الاتصالات والتنقل وغيرهما.

إلا أن الانقلاب على الحلفاء السابقين لم يبرز فحسب في العلاقة مع الرئيس السابق وأركان حكمه، بل حتى مع الحلفاء المقرّبين من ميرزيوييف نفسه. وهذا ما جرى مع حليفه المقرَّب رجل الأعمال جاهينير أرتوخوزياف، الذي كان قد أنشأ إمبراطوريته التجارية تحت رعاية شوكت ميرزيوييف، عندما كان رئيساً للوزراء. وفي عام 2018 عيّن رجل الأعمال الملياردير حاكماً للعاصمة طشقند، وخلال سنتين اتضح أن الحاكم وظف القدرات الإدارية لصالح مشروعاته العامة والخاصة، التي كان هو أو زوجته أو شركاؤه في العمل فيه، يحصلون على منافع مباشرة منها.

لم يلبث هذا الوضع أن أثار حفيظة ميرزيوييف، عندما وقعت طشقند في حال طوارئ، بسبب نقص إمدادات الكهرباء والغاز أثناء الصقيع. وعندها لم يتردد الرئيس في توجيه ضربة إلى حليفه السابق، وخاطب الجمهور، في بيان مباشر: «بالنسبة للكلمات الفارغة، والتقرير الكاذب حول أسباب عدم مواجهة المشكلة، ونظراً إلى أن ساقيْ هذا الرجل عديم الضمير كانتا بعيدتين عن الأرض، فقد طردته من منصبه».

وبصفة عامة، تمكّن ميرزيوييف من توطيد سلطته في الجمهورية، خلال فترة قصيرة من الزمن، واكتسب مكانة عالية بين السكان. وخلق هذا الواقع الظروف اللازمة لتسريع التحولات الاقتصادية والسياسية التي شكلت عملياً إرثاً حُسِب للرئيس القوي.

ابتكارات ومنجزاتأحد الابتكارات الرئيسة لميرزيوييف كان إطلاق حفل استقبال افتراضي، أتاح لجميع مواطني البلاد تقديم طلباتهم وعرض مشكلاتهم واقتراحاتهم. وكان إنشاء مثل هذه المؤسسة في أوزبكستان ثورة حقيقية وانطلاقة جديدة، بعدما ظلت أبواب السلطة لعقودٍ مغلقةً أمام الجمهور.

كذلك، شملت قرارات الإصلاح تقريباً كل مؤسسات البلاد، وأدخلت تغييرات في أنظمة وزارة الشؤون الداخلية والقوات المسلَّحة والخدمات الخاصة والتعليم والاقتصاد وسياسة الأفراد على امتدادها. ولكن، مع كل التحديث الداخلي ظلت الأولوية الرئيسة لسياسة شوكت ميرزيوييف الخارجية هي منطقة آسيا الوسطى. ووفقاً للعقيدة السياسية للبلاد، تقوم سياسة أوزبكستان في آسيا الوسطى على ضمان السلام والاستقرار في المنطقة، وحل المشكلات الأساسية للأمن الإقليمي، بما في ذلك المساعدة في حل الوضع بأفغانستان.

وبالفعل، سمحت السياسة الإقليمية لأوزبكستان بخلق جو سياسي جديد تماماً في المنطقة، وتعزيز العلاقات القائمة على الثقة وحسن الجوار. وعلى هذا الأساس، حلّ عدد من القضايا المهمة المتعلقة باستخدام المياه، والحدود، والتجديد، وتوسيع روابط النقل.

من ناحية ثانية، أعطت هذه السياسة حافزاً لمواصلة تطوير التعاون متبادل المنفعة مع روسيا ودول «رابطة الدول المستقلة» الأخرى، والصين، والولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، وتركيا، وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية. كذلك دخلت الشراكة مع «الأمم المتحدة»، و«منظمة الأمن والتعاون في أوروبا»، و«منظمة شانغهاي للتعاون»، و«منظمة المؤتمر الإسلامي»، والمنظمات الدولية الرسمية الأخرى، مرحلة جديدة من الناحية النوعية.

لكن مع هذا الانفتاح على المستويين الإقليمي والدولي، يرى خبراء أن الأهم في سياسة ميرزيوييف الخارجية أنها تقوم على تحقيق التوازن في المصالح بين الأطراف الكبرى المؤثرة، خلافاً لسياسة كريموف التي قامت على براغماتية تميل حيناً نحو واشنطن، وتمنحها مكتسبات على حساب موسكو، وفي أحيان أخرى تقوم على الميل نحو روسيا، وتقليص التعاون مع واشنطن.

وفي هذا الإطار، انتهج ميرزيوييف سياسة تقوم على التركيز - بشكل خاص - على «تجنب الاعتماد المفرِط على أي من القوى العالمية الكبرى»، وتقليص المخاطر والخلافات مع كل بلدان الجوار، بما سمح للرئيس بالتركيز أكثر على تنفيذ الإصلاحات الداخلية.

كانت أول زيارة خارجية لميرزيوييف، بصفته رئيساً للجمهورية الأوزبكية،

إلى تركمانستان المجاورة،

ولم يذهب

إلى موسكو...

ثم إلى بكين


مقالات ذات صلة

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

حصاد الأسبوع ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع

محمد الريّس ( القاهرة)
حصاد الأسبوع "عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع كبكو فوجيموري، مرشحة اليمين تحيي مناصريها (أ ب)

البيرو: لا حسم حتى الآن في السباق الرئاسي بين اليمين واليسار

للمرة التاسعة في أقل من عشر سنوات ذهبت جمهورية البيرو، في أميركا الجنوبية، نهاية الأسبوع الأول من هذا الشهر لانتخاب رئيس جديد لها في أجواء من التوتر السياسي

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع البرتو فوجيموري (1938-2024) - (رويترز)

فوجيموري ... سلالة يابانية على عرش البيرو

في عام 1990 وصل إلى رئاسة البيرو ألبرتو فوجيموري، وهو مهندس زراعي مولود من أبوين يابانيين، قاد حملة واسعة من التغييرات الاقتصادية الليبرالية، التي تسببت بموجا


ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

عاجل مونديال 2026: النروج إلى دور الـ32 بثنائية جديدة لهالاند أمام السنغال (3-2)