«الشرق الأوسط» تتجول في محطة «أككويو»... أولى خطوات تركيا لدخول النادي النووي

تتألف من 4 مفاعلات بطاقة 4800 ميغاواط... وستوفر 10 % من احتياجات البلاد للكهرباء

موقع بناء محطة «أككويو» ويظهر المفاعل الأول الذي جرى تسليم الوقود النووي الخاص به (الشرق الأوسط)
موقع بناء محطة «أككويو» ويظهر المفاعل الأول الذي جرى تسليم الوقود النووي الخاص به (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» تتجول في محطة «أككويو»... أولى خطوات تركيا لدخول النادي النووي

موقع بناء محطة «أككويو» ويظهر المفاعل الأول الذي جرى تسليم الوقود النووي الخاص به (الشرق الأوسط)
موقع بناء محطة «أككويو» ويظهر المفاعل الأول الذي جرى تسليم الوقود النووي الخاص به (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر المتوسط وفي حضن الجبال تقع محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء، التي تقوم بإنشائها شركة «روساتوم» الحكومية الروسية للطاقة النووية في ولاية مرسين جنوب تركيا، والتي تعد أولى خطوات تركيا إلى عضوية نادي الدول التي تستخدم الطاقة النووية للأغراض السلمية.
تعد المحطة، التي وقع عقد إنشائها بين حكومتي تركيا وروسيا بمبلغ 20 مليار دولار، في 12 مايو (أيار) 2010، والتي تقع على مساحة 10 كيلومترات مربعة، المشروع الأكبر في التعاون التركي - الروسي الذي تعزز بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
وشهدت المحطة يوم الخميس الماضي الموافق 27 أبريل (نيسان) المنصرم، حدثاً مهماً أكسبها صفة «المنشأة النووية»، وهو تسليم الوقود النووي لأول مفاعل تم الانتهاء من بنائه وتجهيزه من بين 4 مفاعلات تتألف منها المحطة. وهي الخطوة التي وصفها الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي شارك مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في تدشينها عبر «الفيديو كونفرس»، بالتاريخية، حيث أُعلن بمقتضاها رسمياً دخول تركيا إلى عضوية النادي النووي في العالم.
«الشرق الأوسط» كانت هناك... تابعت الحدث وتجولت داخل المحطة.
في الطريق إلى «أككويو» حيث ترافق زائريها الذين يمرون بمرحلة طويلة من الإجراءات الأمنية حتى لحظة الوصول إليها، لوحة طبيعية تعانق فيها الجبال بصخورها التي يغلب على ألوانها الأحمر والترابي، وكذلك الصخور السوداء التي تظهر في مناطق قليلة، مياه البحر المتوسط بصفائها وزرقتها، وتغطي الأشجار هذه الجبال على الرغم من قسوة صخورها.
تظهر أبراج محطة «أككويو» تدريجياً على مرتفعات تصعد إليها طرق تنبئ إلى مجهود كبير بذلك في اقتلاع الأشجار ونقلها إلى أماكن أخرى، وتعبيد الطرق، وتأمين جوانبها بالصخور التي يجري صفها بأوناش لا تتوقف عن العمل.
أول خطوة لن تكون التوجه إلى منطقة البناء والمفاعلات مباشرة، وإنما إلى المبنى الإداري للمحطة، حيث يتسلم الزائر سترة مميزة وخوذة للرأس، ويوقّع على بعض التعليمات المتعلقة بالسلامة أثناء التجول بالمحطة، ويحمل معه نسخة من التعليمات التي وقّع عليها، متضمنة أرقام هواتف للطوارئ والإسعاف.
هنا تبدأ الرحلة... أمام المبنى الإداري كان في الانتظار المهندس دينيس سيومين مدير إدارة البناء والإنتاج في شركة «أككويو» للطاقة النووية، التي تأسست لتكون مسؤولة عن المحطة. بعد تعارف وترحيب سريعين، بدأت الجولة في حافلة رفقة المهندس سيومين، الذي بدأ العمل بالمحطة في 2017 وأمضى 6 سنوات يتابع كل صغيرة وكبيرة عن أعمال الإنشاءات التي تشارك فيها 100 شركة تركية، مع حجم عمالة يصل إلى 25 ألف عامل، 80 في المائة منهم تقريباً من الأتراك. أول المواقع التي أخذنا إليها المهندس سيومين، كانت موقع إنشاء مضخات مياه البحر إلى دورة التبريد بالمفاعلات الأربعة. بدا على المهندس الفخر وهو يتحدث عن حجم ودقة العمل المنجز في هذا الموقع، ومدى المتانة ومقاومة البناء لأي عوامل أو حتى كوارث طبيعية محتملة، لا سيما أنه تم ردم مساحة داخل البحر حتى يتم إنشاء هذه المضخات.
وعن التكنولوجيا المستخدمة في التبريد، قال المهندس الروسي إنها تعتمد على سحب مياه البحر وتحليتها ثم ضخها في أنابيب التبريد، ومن ثم تتم إعادتها إلى البحر مرة أخرى، مع مراعاة أن تكون بدرجة حرارة مياه البحر حتى لا تؤذي الأسماك والأحياء المائية.
وأشار سيومين إلى أنه في بداية المشروع، كان يتم نقل المعدات ومواد البناء وجميع الاحتياجات الخاصة بالعمل من روسيا، لكن الآن أصبحت جميع هذه الاحتياجات تُلبى من داخل تركيا.
كان علينا أن نأخذ طريقاً صاعدة لنصل إلى منصة تم إعدادها على ارتفاع كبير تتيح إطلالة على المشروع بالكامل، حيث يمكن للزائر أن يشاهد المفاعلات الأربعة، والمباني الإدارية ومواقع العمل المختلفة.
ولفت سيومين إلى أن عملية البناء في محطة «أككويو»، التي تقع في قرية «غولنار»، مرت ولا تزال، بكثير من المراحل. فقد تم البدء في المفاعل الأول في 2018 بعد صدور الترخيص بالبناء، وتم البدء في إنشاء المفاعل الثاني في 8 أبريل 2020، والمفاعل الثالث في 10 مارس (آذار) 2021، وفي 21 يوليو (تموز) 2022، أقيم حفل رسمي بمناسبة بدء بناء المفاعل الرابع، وبالتالي دخل مشروع محطة «أككويو» النووية مرحلة الذروة من أعمال البناء. وفي 27 ديسمبر (كانون الأول) 2022، بدأ تدفق أنظمة المعالجة التكنولوجية إلى المفاعل الأول. وفي يناير (كانون الثاني) 2023 تم الانتهاء من تركيب غلافه الداخلي، ويتم تنفيذ أعمال البناء بوتيرة مكثفة في مواقع التشييد لجميع المفاعلات الأربعة.
وذكر سيومين أن أعمال البناء في كل مفاعل تستغرق سنة، وأنه من المقرر أن يبدأ المفاعل الأول في إنتاج الكهرباء عام 2024.
تتكون محطة «أككويو» من 4 مفاعلات من الجيل «الثالث» طاقة كل واحد منها 1200 ميغاواط، أي أنها تنتج بالكامل 4800 ميغاواط. ويبلغ عمر الخدمة التقديري للمحطة 60 عاماً مع إمكانية التمديد لمدة 20 عاماً أخرى؛ وفق سيومين، الذي أضاف أنه بعد بدء عملية التشغيل سوف تقوم المحطة بتوليد نحو 35 مليار كيلوواط في الساعة سنوياً، وستغطي ما نسبته 10 في المائة من احتياجات تركيا من الكهرباء، عند تشغيلها بكامل طاقتها.
وعن التوطين بالمشروع، أشار إلى تشكيل مجموعة عمل موسعة خاصة بالتوطين في يناير 2020، تضم ممثلين عن الأطراف المشاركة في المشروع، وهي شركة «أككويو» ووزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية وشركة «إيتشتاش» للإنشاءات ومعهد المعايير التركية. وتقدر ميزانية التوطين بالمشروع بنحو 6.5 مليار دولار، أو ما نسبته 40 في المائة من إجمالي أعمال المشروع، تم حتى الآن إنفاق ما يقدر بـ3 مليارات دولار قيمة عقود موقعة مع شركات تركية للعمل بالمحطة.
وكشف سيومين أن العمل استمر خلال فترة جائحة «كورونا» من دون توقف بعكس ما حدث في مشروعات أخرى.
وأشار إلى أن المحطة بدأت تلعب دوراً كبيراً أيضاً في إحياء المنطقة المحيطة بها. فقد تحولت قرية بيوكيتشلي، وهي أقرب قرية من المحطة، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 900 نسمة، يعملون في الزراعة وتربية الحيوانات وصيد الأسماك، إلى ما يشبه المدينة الصغيرة بعد البدء في المحطة، وأنشئت فيها المقاهي والمحال التجارية والمطاعم، ودب فيها النشاط بشكل كبير. كما توجد مزرعة ملحقة بالمحطة تنتج الفواكه؛ مثل الفراولة والموز والمحاصيل المناسبة للطقس في مرسين، ويعمل بها المئات من سكان المناطق المجاورة.
قبل نهاية الجولة في مواقع البناء، التقت «الشرق الأوسط» النائب الأول للمدير العام لشركة «روساتوم»، مدير مشروع محطة «أككويو» المسؤول عن إدارة العمليات الرئيسية والتشغيل اللاحق للمحطة سيرغي بوتسكيخ... والكثير من الأسئلة كان علينا أن نوجهها إليه، أهمها كان عن طبيعة البناء وما إذا تمت مراعاة احتمالات تعرض المحطة للكوارث الطبيعية على غرار كارثة زلزالي 6 فبراير (شباط) التي وقعت في 11 ولاية تركية، منها ولايات مجاورة مباشرة لمرسين مثل أضنة، وبقية ولايات جنوب تركيا، فأشار إلى أن مباني المحطة مصممة على مقاومة الزلازل بقوة 9 درجات على مقياس ريختر، وكذلك مواجهة موجات تسونامي، موضحاً أن هزة أرضية ضربت موقع المحطة عقب زلزالي 6 فبراير، بلغت شدتها 2.2 درجة، لم يكن لها أي تأثير يذكر.
وعن المخاوف بشأن «تشرنوبل» جديدة قد تتكرر في «أككويو»، أكد بوتسكيخ أن المفاعلات المستخدمة في «أككويو»، هي الأحدث وتختلف تماماً عن تلك التي استخدمت في «تشرنوبل».
وعما إذا كانت العقوبات على روسيا بسبب التدخل العسكري في أوكرانيا أثرت سلباً على مشروع المحطة، قال بوتسكيخ: «لم نتأثر إطلاقا، ولدينا مشروعات أخرى في بلغاريا وبنغلاديش يجري العمل فيها أيضا دون أن تتأثر، فقط ربما تغيرت طريقة شحن المعدات من البحر إلى الجو، لكن لم نتلق أي إخطارات من الشركات العاملة معنا في تلك المشروعات بطلبات وقف العمل أو الانسحاب. كانت هناك فقط بعض الصعوبات اللوجيستية في طرق النقل لم تؤثر كثيراً على مشروعات (روساتوم)».


مقالات ذات صلة

«يورانيوم النيجر» هل يُغير وجهته من باريس إلى موسكو؟

أفريقيا الجانبان النيجري والروسي يسابقان الزمن لإقامة مشاريع مشتركة في الطاقة والتعدين (إعلام محلي)

«يورانيوم النيجر» هل يُغير وجهته من باريس إلى موسكو؟

تسابق روسيا والنيجر الزمن لأجل إقامة مشاريع نووية في واحد من أفقر بلدان العالم، لكنه يستحوذ وحده على أكثر من 350 ألف طن من اليورانيوم.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء ليتوانيا مينداوغاس سينكيفيسيوس في مقر الحلف ببروكسل (أ.ب) p-circle

موسكو تلوّح بـ«النووي» و«الخارجية» تهدّد مراكز القرار في «ناتو» إذا تعرضت كالينينغراد لحصار

موسكو تلوّح بـ«النووي» و«الخارجية» تهدّد مراكز القرار في «ناتو» إذا تعرضت كالينينغراد لحصار... والحلف يستفيد من دروس مناورة عسكرية كبرى في أوروبا.

رائد جبر (موسكو)
شمال افريقيا وزير الكهرباء المصري محمد عصمت يلقى كلمة أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (وزارة الكهرباء)

مصر تنتقد مساعي فرض «البروتوكول الإضافي» على الأنشطة النووية السلمية

أكدت مصر رفضها القاطع لأي مساعٍ من شأنها اعتبار الانضمام إلى «البروتوكول الإضافي» شرطًا مسبقًا للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أحمد جمال (القاهرة)
الاقتصاد شعار بنك الاستثمار الأوروبي في لوكسمبورغ (رويترز)

بنك الاستثمار الأوروبي ينهي 40 عاماً من عدم تمويل مشروعات الطاقة النووية

وافق بنك الاستثمار الأوروبي على ضخ 40 مليون يورو بشركة فنلندية ناشئة لتطوير مفاعل نووي، منهياً حظراً استمر على مدار أربعة عقود على تمويل مشروعات الطاقة النووية

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد اللقاء بين الأمير عبد العزيز بن سلمان وغروسي على هامش اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (إكس)

غروسي: الوكالة الذرية مستعدة لدعم البرنامج النووي السعودي

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي إن السعودية تمضي قدماً في برنامجها للطاقة النووية ومفاعلها البحثي.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

الرئيس الإيراني: التفاوض مع الولايات المتحدة لا طائل منه

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
TT

الرئيس الإيراني: التفاوض مع الولايات المتحدة لا طائل منه

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

رأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الاثنين، أن التفاوض مع الولايات المتحدة أمر «لا طائل منه»، وذلك مع تواصل الحرب في الشرق الأوسط للشهر الثامن من دون أي أفق لتسوية رغم جهود دبلوماسية بذلتها أطراف عدة.

وقال بزشكيان: «مشكلتنا مع الولايات المتحدة هي أنه في كل مرة نحضر إلى طاولة المفاوضات، تُفرض الحرب علينا فوراً. حتى الآن، هاجمونا 3 مرات بعد المباحثات، وهذا يظهر أنهم لا يسعون إلى الحوار. على العكس، هدفهم هو إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

أضاف خلال استقباله وزير خارجية أرمينيا آرارات ميرزويان، بحسب ما نقلت وكالة «إرنا» الرسمية: «مع عدو يلجأ كل يوم إلى الاغتيال والعقوبات والضغط والتهديدات، وينكث بوعوده، تصبح المفاوضات أمراً لا طائل منه، وأمّتنا لن تقبل بهذا النهج».

واندلعت الحرب في الشرق الأوسط بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في فبراير (شباط)، بينما كانت طهران وواشنطن تجريان مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وأبرم الطرفان مذكرة تفاهم في يونيو بوساطة من باكستان، قبل أن تنهار في يوليو مع استئناف الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز، ورد الولايات المتحدة بضربات عسكرية على الجمهورية الإسلامية.

وباتت المفاوضات منذ ذلك الحين في طريق مسدود، ولم تثمر مباحثات بين الطرفين والوسطاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول)، في تحقيق اختراق.

ولم تشنّ الولايات المتحدة أي ضربة على إيران منذ الأول من سبتمبر، لكنها كثّفت ضغوطها الاقتصادية، وشددت العقوبات المفروضة على طهران.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، إنه «لا يوجد حل عسكري، ولا يوجد حل قائم على عقوبات جديدة».

وبات مضيق هرمز أبرز النقاط الشائكة بين إيران والولايات المتحدة. وعمدت طهران إلى إغلاقه عمليا منذ اندلاع الحرب، ما أسهم في ارتفاع أسعار النفط عالمياً. وهي تتمسك بالإشراف على حركة الملاحة مستقبلاً، بينما ترفض الولايات المتحدة وأطراف عدة ذلك.

في المقابل، تفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية، وتمنع طهران من تصدير النفط الذي يشكل مصدراً رئيسياً لإيراداتها.

وتعرّضت ناقلة لهجوم في أثناء محاولتها عبور الممر، الأحد، بينما عادت أخرى أدراجها، الاثنين بعد تلقيها تحذيراً من القوات الإيرانية، وفق ما أفادت به هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو).


أميركا: المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع إيران قد تتعرض لعقوبات

مدخل وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)
مدخل وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

أميركا: المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع إيران قد تتعرض لعقوبات

مدخل وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)
مدخل وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

قالت وزارة الخزانة الأميركية اليوم الاثنين إنها تحذر المؤسسات المالية الأجنبية التي تواصل التعامل مع إيران أو قطاعها المالي من أنها قد تتعرض لعقوبات من واشنطن من دون إشعار مسبق.

وذكرت الوزارة في تنبيهها: «قد تُستهدف المؤسسات المالية الأجنبية التي تواصل إجراء معاملات مع مؤسسات مالية إيرانية خاضعة للعقوبات في أي وقت ومن دون إشعار مسبق، وينبغي لها اتخاذ إجراءات فورية لإنهاء هذا النشاط وهذه العلاقات».


إيران تشدد قبضتها بعد الاحتجاجات بإعدامات وقيود رقمية

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (أرشيفية - رويترز)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (أرشيفية - رويترز)
TT

إيران تشدد قبضتها بعد الاحتجاجات بإعدامات وقيود رقمية

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (أرشيفية - رويترز)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (أرشيفية - رويترز)

في تصعيد جديد للضغوط الأمنية في إيران، نفذت السلطات أحكام إعدام بحق رجلين أدينا بالضلوع في مقتل أربعة من أفراد الشرطة خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة مطلع العام، بالتزامن مع إعلان مسؤول إيراني رفيع أن السلطات تمكنت للمرة الأولى من تعطيل خدمة «ستارلينك» للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، التي استخدمها محتجون للتحايل على القيود المفروضة على شبكة الإنترنت.

وتعكس الخطوتان تشديد السلطات قبضتها الأمنية والرقمية بعد احتجاجات واسعة اندلعت على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، وتحولت إلى واحدة من أكبر موجات الاحتجاج ضد الحكومة خلال السنوات الأخيرة.

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض ناقلتَي نفط وغاز لهجومين منفصلين بمقذوفات مجهولة المصدر داخل الممر المائي الاستراتيجي خلال يومين متتاليين.

إعدامات على خلفية الاحتجاجات

إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)

أعلنت السلطة القضائية الإيرانية، الاثنين، تنفيذ حكم الإعدام بحق علي رضا سباهي وعلي رضا رئسي شنقاً، بعد إدانتهما بالضلوع في مقتل أربعة من أفراد الشرطة خلال الاحتجاجات التي شهدتها مدينة أصفهان وسط البلاد. وقال موقع «ميزان أونلاين» التابع للسلطة القضائية إن تنفيذ الحكم جاء بعد مصادقة المحكمة العليا عليه، مشيراً إلى أن الرجلين أدينا أيضاً بتهم «الانتماء إلى جماعة مسلحة وتقويض الأمن القومي». ولم يحدد الموقع موعد اعتقالهما أو تفاصيل محاكمتهما.

وكانت الاحتجاجات قد بدأت في طهران أواخر ديسمبر (كانون الأول) على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تمتد إلى مناطق عدة من البلاد وتتحول إلى حراك واسع النطاق مناهض للحكومة، بلغ ذروته في الثامن والتاسع من يناير (كانون الثاني). وقالت السلطات الإيرانية إن نحو ثلاثة آلاف شخص قُتلوا خلال الاحتجاجات وأعمال الشغب التي رافقتها، وعزت الاضطرابات إلى ما وصفته بـ«عمليات إرهابية» دبّرتها الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن منظمات غير حكومية مقرها خارج إيران قدمت حصيلة أعلى للضحايا، واتهمت السلطات بتنفيذ حملة قمع واسعة بحق المحتجين.

وجاء إعدام الرجلين بعد أيام من إعلان طهران تنفيذ حكم الإعدام بحق رجل آخر أُدين، من بين تهم أخرى، بإطلاق النار على عناصر من الشرطة خلال الاحتجاجات. وتأتي هذه الإعدامات في وقت تتزايد فيه وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام في إيران منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على البلاد في فبراير (شباط).

وبحسب منظمتَي «إيران هيومن رايتس» و«معاً ضد عقوبة الإعدام»، نفذت إيران في عام 2025 أحكام الإعدام بحق ما لا يقل عن 1639 شخصاً، وهي أعلى حصيلة سنوية منذ عام 1989. وتقول منظمة «العفو الدولية» إن إيران تنفذ من أحكام الإعدام عدداً يفوق أي دولة أخرى باستثناء الصين.

طهران تعلن تعطيل «ستارلينك»

إعلان لخدمة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك يظهر على شاشة في ساحة تايمز سكوير بنيويورك (أ.ف.ب)

وفي موازاة التشدد الأمني، أعلنت السلطات الإيرانية للمرة الأولى قدرتها على تعطيل أجهزة «ستارلينك»، التي توفر اتصالاً بالإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في يناير. وقال محمد أمين أقاميري، رئيس «المركز الوطني للفضاء السيبراني» الحكومي المشرف على الإنترنت، للتلفزيون الرسمي إن إيران تمكنت للمرة الأولى من تعطيل أجهزة «ستارلينك» خلال الاضطرابات، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم يكشف أقاميري عن الوسائل التقنية التي استخدمتها السلطات لتعطيل الخدمة، لكن خبراء كانوا قد أشاروا خلال الاحتجاجات إلى أن إيران نجحت في التشويش على الخدمة، ما حدّ من فاعليتها في الالتفاف على حجب الإنترنت.

وكانت السلطات قد قطعت بصورة شبه كاملة الاتصال بالإنترنت لأسابيع خلال احتجاجات يناير، ما حدّ من قدرة السكان على نشر الصور والمعلومات المتعلقة بالاحتجاجات والإجراءات الأمنية المتخذة لقمعها. وأصبح «ستارلينك» أحد البدائل المتاحة أمام الإيرانيين لتجاوز الحجب، رغم أن اقتناء أجهزته محظور في إيران، وتصل عقوبة ذلك إلى السجن.

تناقض داخل الحكومة بشأن الإنترنت

لكن إعلان القدرة على تعطيل «ستارلينك» بدا متناقضاً مع تصريحات صدرت قبل أيام عن مسؤول في وزارة الاتصالات الإيرانية؛ إذ قال محمد حافظ حكمي، مساعد وزير الاتصالات لشؤون التكنولوجيا، إن انتشار «ستارلينك» يمكن أن يمثل ضربة قاسية لسيطرة الحكومة على الإنترنت.

ونقل عنه موقع «ديجياتو» المتخصص في التكنولوجيا قوله إنه إذا استمر انتشار الخدمة بهذا الاتجاه، فقد تضطر السلطات إلى قطع الكهرباء خلال الأزمة المقبلة لمنع الإيرانيين من استخدام «ستارلينك»، في تصريحات عكست، بحسب مراقبين، الصعوبات التي تواجهها السلطات في احتواء هذه التكنولوجيا.

وتفرض إيران منذ سنوات قيوداً صارمة على الوصول إلى عدد كبير من المواقع والمنصات الأجنبية، بينها «يوتيوب» و«إكس» و«تلغرام» و«إنستغرام». ومع ذلك، يتمكن معظم الإيرانيين من الوصول إلى هذه المنصات باستخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، وهو أمر تقر به السلطات نفسها.

واحدة من أشد بيئات الإنترنت تقييداً

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتظل القيود المفروضة على الإنترنت في إيران من بين الأكثر صرامة في العالم، في حين شهدت البلاد هذا العام انقطاعاً قياسياً في خدمة الإنترنت. وقطعت السلطات، عقب اندلاع الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة في نهاية فبراير، معظم أشكال الوصول إلى الإنترنت لنحو ثلاثة أشهر، ما أدى إلى عزل البلاد رقمياً عن العالم الخارجي خلال جزء كبير من فترة الحرب.

ولا تقتصر صعوبات الوصول إلى الإنترنت على الحجب الذي تفرضه السلطات الإيرانية؛ إذ إن العقوبات الدولية تجعل عدداً كبيراً من المواقع الأجنبية غير متاح أصلاً للمستخدمين داخل البلاد.

وقدّر مسؤول في وزارة الاتصالات الإيرانية، في مايو (أيار) الماضي، أن نحو 30 في المائة من المواقع الأجنبية لا يمكن الوصول إليها من داخل إيران بسبب العقوبات. وبذلك تتزامن حملة القمع الأمني مع تشديد السيطرة على المجال الرقمي، في محاولة من السلطات للحد من قدرة المحتجين على التواصل وتنظيم الاحتجاجات ونقل ما يجري داخل البلاد إلى الخارج، في حين تكشف قضية «ستارلينك» عن سباق متزايد بين أدوات الرقابة الإيرانية والتقنيات التي تتيح تجاوزها.