كيف يقود الشعر حركة الأسماك... والسمع عند البشر؟

اكتشاف قاسم مشترك قد يفك شيفرة داء الصمم

كيف يقود الشعر حركة الأسماك... والسمع عند البشر؟
TT

كيف يقود الشعر حركة الأسماك... والسمع عند البشر؟

كيف يقود الشعر حركة الأسماك... والسمع عند البشر؟

من خلال اكتشاف كيفية استخدام أسماك الزرد خلايا شعرها بهدف اكتشاف الحركة البعيدة، وجد فريق من علماء جامعة «كيس ويسترن ريزيرف» الأميركية، طريقا ربما يساعد في تفسير فقدان السمع البشري، وتم الإعلان عن تفاصيل ذلك في دراسة نشرت 13 أبريل (نيسان) 2023 بدورية «كرنت بيولوجي».
ورغم أنه يبدو أنه لا يوجد شيء مشترك بين الكائنات المائية الصغيرة والبشر، فإن بنية ووظيفة خلايا الشعر على جلد الزرد تتطابق تقريبا مع خلايا شعر القوقعة الموجودة في الأذن الداخلية للإنسان.
بالإضافة إلى ذلك، تمتلك كل من مستقبلات الخلايا البشرية والأسماك نوعا من البروتين يُعرف باسم «القناة الأيونية»، الذي يحول الموجات التي تكتشفها الخلايا إلى نبضات كهربائية تحمل معلومات مفيدة.
يقول بريان ماكديرموت، الأستاذ المشارك في طب الأذن والأنف والحنجرة بكلية الطب بجامعة «كيس ويسترن ريزيرف»، في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للجامعة، إن «خلايا الشعر في البشر مغطاة بأقسى عظام في الجسم ولا يمكن الوصول إليها عندما تستجيب الأذن للصوت، لذا فإن هذا البحث، باستخدام خلايا شعر أسماك الزرد التي يسهل الوصول إليها، سيساعد بالتأكيد في فهمنا للسمع البشري والصمم».
ويضيف «يمكننا الآن أن نقول بثقة إن الأسماك تستخدم قنواتها الأيونية للهروب من ملاحقة الحيوانات المفترسة بطرق تشبه الطرق التي تتناغم بها آذان الإنسان مع الترددات المختلفة».
وكان العلماء فهموا بالفعل كيف تعمل خلايا الشعر من الناحية الفسيولوجية للسمع، ولكن بدرجة أقل على المستوى الجزيئي، لكنهم تأكدوا في الدراسة الجديدة أنها تتكون من حزمة من قضبان استشعار الحركة ذات الارتفاعات المتزايدة.
علاوة على ذلك، فإن النتائج تعزز فهم «قناة النقل الميكانيكي في الكائنات الحية»، حيث وجدوا أنها تقوم بتحويل المحفزات الميكانيكية إلى إشارات كهربائية يتم إرسالها إلى الدماغ.
يقول ماكديرموت إن فريقه البحثي كانت لديه «لحظة حقيقية» عندما اكتشفوا، باستخدام أداة تعديل الجينات (كريسبر – كاس 9)، أن مجموعات من خلايا الشعر في أسماك الزرد لديها عدم تناسق، حيث تسمح هذه الخاصية غير المتوقعة لخلايا الشعر باكتشاف الحركة من مؤخرة السمكة بحساسية أكبر من الجبهة.
ويضيف «هذا يدل على أن الأسماك لديها خلايا شعر مضبوطة بالفعل لاستشعار اتجاهات المياه المختلفة. ولدى البشر، تحتوي قوقعة الأذن على خلايا شعرية مضبوطة بالمثل لتكون قادرة على سماع ترددات مختلفة، وهذا هو السبب في أن هذا العمل يمكن أن يلعب دورا في فهم السمع والصمم بشكل أفضل لدى البشر».
ويعد هذا الاستخدام هو الأحدث لسمكة الزرد في الأبحاث ذات الطابع الطبي، حيث أصبحت تلك السمكة تروق للعلماء في الأبحاث الطبية لعدة أسباب، منها أنها من الفقاريات، لذلك تتشابه مع الإنسان في كثير من الصفات، بل إن بعض الأبحاث وجدت بعد تشريح دقيق لها أنها تتقاسم مع الإنسان جزءا كبيرا من الحمض النووي، كما أنها شفافة، بما يساعد العلماء على متابعة تأثير التعديل الجيني والعلاجات الدوائية، كما تتميز بالنضج المبكر، حيث يفقس بيضها بعد يومين فقط من الإخصاب، وتكون العديد من الوظائف الأساسية للأجنة قد اكتملت بعد حوالي خمسة أيام، ما يسمح للباحثين بإجراء فحص سريع ومفيد للتغيرات أثناء النمو التي قد تكون لها في النهاية آثار في إحباط الأمراض التي تصيب الإنسان.


مقالات ذات صلة

«بيكسل 11» هاتف «غوغل» الجديد... مع الكثير من الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا «بيكسل 11» هاتف «غوغل» الجديد... مع الكثير من الذكاء الاصطناعي

«بيكسل 11» هاتف «غوغل» الجديد... مع الكثير من الذكاء الاصطناعي

تتميز هواتف «بيكسل» الجديدة بوضع جديد للكاميرا، تطلق عليه «غوغل» اسم «ماجيك كابتشر»، وهو وضع يحاول التقاط الصور وترتيبها، نيابةً عنك.

برايان إكس. تشين (نيويورك)
الاقتصاد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس) p-circle 00:21

استثمارات تتجاوز 15 مليار دولار في «ليب 26»... و«إكس إيه آي» و«إنفيديا» تتوسعان بالسعودية

تشهد منظومة التقنيات الحديثة في السعودية تحولاً متسارعاً، مع تدفق استثمارات وشراكات تتجاوز 15 مليار دولار في النسخة الحالية من مؤتمر «ليب26»...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين» طارق أمين خلال كلمته في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

رئيس «هيوماين»: السعودية تمتلك كل مقومات التوسع في الذكاء الاصطناعي

أعلن طارق أمين خطط «هيوماين» للتوسع، مستعرضاً شراكاتها ومشاريعها، ومستهدفاتها لتطوير البنية التحتية، مؤكداً جاهزية السعودية لتلبية الطلب العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حديثه للحضور في المؤتمر الصحافي أمس للحديث عن «ليب 26» (الشرق الأوسط)

وزير الاتصالات يفتتح «ليب 26» ويعلن سلسلة من الصفقات التقنية في السعودية

افتتح وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبدالله السواحه، أعمال النسخة الخامسة من «ليب 26».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث إلى الحضور في المؤتمر الصحافي الحكومي (وزارة الإعلام)

الرياض تجمع عمالقة التقنية في «ليب 2026» بصفقات كبرى واستثمارات مرتقبة

قال وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، المهندس عبد الله السواحه، إن الاقتصاد الرقمي في السعودية نما إلى أكثر من 139 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟
TT

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

من قلب ملهم، شمال الرياض، انطلقت اليوم أعمال «ليب 2026» وسط مشهد يعكس حجم التحول الذي يشهده عالم التقنية.

من قلب «ليب»... سؤال يتجاوز التقنية

آلاف المتخصصين، وصنّاع التكنولوجيا، والمستثمرين، وشركات تتسابق لعرض جيل جديد من الأنظمة الذكية؛ من الذكاء الاصطناعي الوكيل، والنماذج الأكثر قدرة واستقلالية، إلى الروبوتات، والأنظمة التي بدأت تنقل الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى البنية التشغيلية للمؤسسات.

وبين أروقة المؤتمر وعروضه تبدو الصورة للوهلة الأولى احتفالاً بما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على فعله. لكن بالنسبة إلى الرعاية الصحية، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل ماذا يحدث عندما يصبح من الصعب على النظام الصحي أن يعمل من دونه؟

«ليب 2026» في الرياض... الذكاء الاصطناعي يدخل عصر البنية التحتية

طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي

هنا يبدأ تحول أعمق من مجرد ظهور خوارزمية أكثر دقة. فعندما يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة يستدعيها الطبيب عند الحاجة، ويصبح جزءاً من البنية التي تعتمد عليها المؤسسة في تحليل المعلومات، وترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد، والمشاركة في اتخاذ القرار، فإننا لا نكون أمام تقنية جديدة فحسب، بل أمام طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي.

«إشكالية» كبرى

والفارق جوهري. خوارزمية تساعد طبيباً على قراءة صورة أشعة يمكن تقييمها بوصفها أداة سريرية محددة. لكن ماذا عن منظومة من الأنظمة الذكية تشارك في التشخيص، والفرز السريري، ومراقبة المرضى، وتوقع المخاطر، وإدارة تدفقها، وتوزيع الموارد، ثم تمتد إلى القرارات التشغيلية التي تحدد كيف يعمل المستشفى نفسه؟

عند هذه النقطة يتغير السؤال من «هل الخوارزمية دقيقة؟» إلى سؤال أكبر: هل المؤسسة التي تعتمد عليها قادرة على حكمها؟

وهذا هو السؤال الذي يحمله «ليب 2026» من عالم التقنية إلى قلب الطب. فحين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية التحتية للرعاية الصحية، لا تعود الحوكمة مسألة تأتي بعد شراء التقنية، أو اعتمادها، بل تصبح جزءاً من البنية نفسها.

الذكاء الاصطناعي لم يعد يطرق باب المستشفى... إنه يبدأ في الدخول إلى عقله.

سلطان المريشد رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في «البحر الأحمر الدولية» متحدثاً خلال جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» في «ديب فيست»

حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»

ومن قلب فعاليات «ليب 2026» في الرياض، حضرت «الشرق الأوسط» جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» The Future of Intelligence and Enterprise AI، ضمن فعاليات «ديب فيست»، التي ناقشت كيف يعيد الذكاء الاصطناعي الوكيل Agentic AI والنماذج التأسيسية تشكيل الصناعات، ودفع أنظمة أكثر قدرة على اتخاذ القرارات بصورة مستقلة، وبناء الجيل المقبل من البنية التحتية الذكية. وشارك في الجلسة سلطان المريشد، رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في شركة «البحر الأحمر الدولية Red Sea Global»، إلى جانب إيزابيل كومار، المذيعة السابقة في «يورونيوز»، وناثان هانكوك، نائب الرئيس لمنطقة المملكة المتحدة وآيرلندا والشرق الأوسط في «أدوبي».

وعقب الجلسة، التقت «الشرق الأوسط» سلطان المريشد في حديث خاص، وطرحت عليه ثلاثة أسئلة حول موقع المملكة في سباق بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت الأخلاقيات والحوكمة يجب أن تصبحا جزءاً أصيلاً من هذه البنية، وإلى أين يمكن أن تصل المملكة خلال السنوات الخمس المقبلة؟

السعودية الأولى في المنطقة

وفي إجابته عن السؤال الأول، قال المريشد إن المملكة تمكنت خلال السنوات الأخيرة، وفي إطار تحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، من بناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي، مضيفاً: «أستطيع أن أقول إننا نعدّ الأول في المنطقة، والثالث عالمياً بعد الولايات المتحدة، والصين».

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

وعندما سألته «الشرق الأوسط» عما إذا كانت أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تعد جزءاً من هذه البنية التحتية، أجاب أن «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون جزءاً مهماً من البنية التحتية لأي ذكاء اصطناعي». وأشار إلى تجربة شركة «البحر الأحمر»، موضحاً أن مشاريع الذكاء الاصطناعي لديها تقترن باختيار جهة متخصصة تتولى تنظيم الجوانب المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

أما السؤال الثالث، فتوجه إلى المستقبل: أين يمكن أن تكون المملكة بعد خمس سنوات؟ وأوضح المريشد أن شركة «البحر الأحمر» تمكنت من إنجاز مشاريع كبيرة في الذكاء الاصطناعي، شملت العمل على الوكلاء، والبنية التحتية لمشاريع الذكاء الاصطناعي، قبل أن يضيف: «أعتقد أنه بعد خمس سنوات ستكون المملكة الأولى عالمياً في امتلاك أقوى بنية تحتية للذكاء الاصطناعي».

معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي

وتكشف إجابات المريشد عن معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فهي لم تعد تقتصر على مراكز البيانات، والرقائق، والقدرة الحاسوبية، والاتصال، بل تمتد إلى الحوكمة، والأخلاقيات، وآليات الرقابة البشرية. فكلما ازدادت قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الانتقال من تقديم الإجابة إلى اتخاذ الفعل، أصبح بناء الضوابط التي تحكم ذلك الفعل جزءاً من البنية التحتية نفسها، لا إضافة تنظيمية تأتي بعد اكتمالها.

لكن ما يُناقش هنا بوصفه تحولاً في مستقبل المؤسسات قد تكون له دلالة أعمق في الرعاية الصحية. فالمستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في قراءة الصور، والتنبؤ بالمخاطر، والفرز السريري، وإدارة تدفق المرضى؛ لا يضيف مجموعة من الأدوات الرقمية المنفصلة فحسب؛ إنه يبدأ، تدريجياً، في بناء طبقة من الذكاء داخل بنيته التشغيلية.

وهنا بدأت الأدبيات العلمية تطرح سؤالاً مختلفاً. فالتحدي لم يعد تطوير خوارزمية أكثر دقة، أو جمع مزيد من البيانات فقط، وإنما بناء البيئة التي تستطيع تشغيل هذه الأنظمة، ومراقبتها، والتحقق من أدائها، والتعلم منها باستمرار دون أن تفقد المؤسسة القدرة على التدخل، والمساءلة.

حين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من عقل المستشفى... الحوكمة نفسها تتحول إلى بنية تحتية

تحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي

وفي دراسة حديثة نشرتها مجلة «npj Health Systems»، طرح الباحثون مفهوم «مرفق التعلّم» (Learning Utility)، معتبرين أن أحد أهم الاختناقات أمام الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي لم يعد نقص البيانات، أو الخوارزميات، بل غياب البنية التقنية، والبشرية، والثقافية التي تسمح بتحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي.

وهنا يصبح الفرق أساسياً: امتلاك الذكاء الاصطناعي شيء، وبناء مؤسسة قادرة على التعلم منه والتحكم به شيء آخر تماماً.

المستشفى لا يحتاج خوارزمية فقط

وهنا تتغير الطريقة التي ينبغي أن ننظر بها إلى دخول الذكاء الاصطناعي إلى المستشفى. فشراء نظام متطور، مهما بلغت دقته، لا يجعل المؤسسة «ذكية» تلقائياً؛ لأن القيمة الحقيقية للخوارزمية لا تتحدد بما تستطيع فعله في يوم تشغيلها الأول، بل بقدرة المستشفى على معرفة ما إذا كانت ستظل آمنة وموثوقة بعد أشهر وسنوات من الاستخدام.

إن المرضى يتغيرون، والبيانات تتغير، والممارسات السريرية تتطور، وحتى البيئة التي تعمل فيها الخوارزمية قد تختلف عن تلك التي اختُبرت فيها أصلاً. وقد يتراجع الأداء تدريجياً من دون أن يكون ذلك واضحاً للطبيب الذي يستخدم النظام في عمله اليومي. ولهذا يحتاج المستشفى إلى ما هو أبعد من شراء التقنية: آليات لمراقبة الأداء، واكتشاف تراجع الدقة، والتعامل مع الأخطاء، وحماية البيانات، وتحديد المسؤولية، وتدريب العاملين، والأهم من ذلك امتلاك القدرة على التدخل عندما لا يعمل النظام بالطريقة المتوقعة.

مراقبة مستمرة لأداء الذكاء الاصطناعي

وتدعم هذا الاتجاه دراسة نشرتها «npj Digital Medicine» في فبراير (شباط) 2026، إذ قدمت إطاراً ينظر إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي بوصفها منظومة مترابطة، وليست قراراً تقنياً منفرداً. وتبرز أهمية هذا المنظور في أن مسؤولية المؤسسة لا تنتهي عند اختبار النظام، والموافقة على استخدامه؛ فبعد دخوله البيئة السريرية تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية، هي المراقبة المستمرة لأدائه، ورصد التغيرات التي قد تظهر مع الاستخدام الفعلي.

وهذا ربما يكون أحد أهم الفروق بين شراء الذكاء الاصطناعي وبناء مستشفى قادر على استخدامه بأمان. فالأول يمكن أن يحدث بقرار شراء وتركيب نظام، أما الثاني فإنه يحتاج إلى معرفة بشرية، وعمليات واضحة، ومراقبة مستمرة، وثقافة تسمح بالتساؤل، والاعتراض، والتدخل.

وهنا تظهر إحدى مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي: يمكن للمستشفى أن يشتري خوارزمية متقدمة، لكنه لا يستطيع شراء الجاهزية المؤسسية معها في الصندوق نفسه.

عندما تصبح البنية الذكية خطراً نظامياً

لكن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية يغيّر أيضاً طبيعة الخطأ الطبي نفسه. فالطبيب قد يخطئ في تشخيص حالة، أو اتخاذ قرار، ويبقى أثر الخطأ -في العادة- محصوراً بعدد المرضى، والقرارات التي يستطيع التعامل معها. أما عندما يكون الخطأ مدمجاً داخل نظام ذكي يعمل عبر مستشفى كامل، أو شبكة من المستشفيات، فقد لا يحدث مرة واحدة؛ بل يمكن أن يتكرر آلياً عبر آلاف الحالات، وبسرعة يصعب على الإنسان مجاراتها.

وهذه القدرة على التوسع هي في الوقت نفسه إحدى أعظم نقاط قوة الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت الخوارزمية جيدة، فإنه يمكنها أن تنشر المعرفة، وتدعم قرارات سريرية متسقة على نطاق لم يكن ممكناً من قبل. وإذا كانت المشكلة كامنة داخلها، فإن النطاق نفسه يستطيع تضخيمها.

وهنا تكمن المفارقة: ما يمنح الذكاء الاصطناعي قدرته على توسيع الفائدة، يمنحه أيضاً القدرة على توسيع الخطأ.

اكتشاف أخطاء النظم الذكية

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع ظهور النماذج العامة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث قد لا يبقى النموذج محصوراً في مهمة واحدة، بل تُستخدم القدرات نفسها عبر تطبيقات متعددة. ولهذا اقترح باحثون في «npj Digital Medicine» في مايو (أيار) الماضي نهجاً جديداً للمراقبة يركز على قدرات النموذج، وليس فقط على المهمة المحددة التي يؤديها، بهدف اكتشاف الأخطاء النظامية، والسلوكيات الناشئة التي قد تمتد آثارها عبر أكثر من استخدام.

وهذا يفرض تحولاً مهماً في مفهوم السلامة. فمراقبة أداء نظام واحد في مهمة واحدة قد لا تعود كافية عندما تكون القدرة الذكية نفسها مشتركة بين عشرات التطبيقات.

فحين تتوسع قدرة الذكاء الاصطناعي يجب أن تتوسع معها قدرة النظام الصحي على مراقبته.

الحوكمة نفسها يجب أن تصبح بنية تحتية

وهنا نصل إلى السؤال الذي ربما يكون أكثر أهمية من التقنية نفسها: هل إذا أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً دائماً من البنية التي تعمل من خلالها الرعاية الصحية، فهل يمكن أن تظل حوكمته نشاطاً دورياً: لجنة تجتمع عند الحاجة، أو سياسة تُكتب عند اعتماد النظام، ثم يُفترض أنها ستظل صالحة بينما تتغير التكنولوجيا من حولها؟

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ذلك لن يكون كافياً. ففي يوليو (تموز) 2026، أكد باحثون في «npj Digital Medicine» أن مجرد وجود الطبيب «داخل الحلقة» لا يضمن بالضرورة رقابة بشرية فعالة. فوجود الإنسان يصبح بلا قيمة حقيقية إذا لم يمتلك المعرفة التي تسمح له بفهم ما يفعله النظام، والوقت الكافي للتفكير في توصيته، والسلطة للاعتراض على التوصية، والقدرة العملية على التدخل عندما يكون القرار غير مناسب للمريض.

الحوكمة يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية

وهنا يتغير معنى الحوكمة نفسها. فهي لم تعد مجرد مجموعة من القواعد التي تسبق استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت قدرة تشغيلية مستمرة ترافق النظام طوال دورة حياته: من اختياره، والتحقق منه قبل الاستخدام، إلى مراقبة أدائه بعد دخوله العيادة، واكتشاف التغيرات، والأخطاء، وتحديد من يملك سلطة التدخل، وصولاً إلى إيقافه عندما تصبح سلامة المريض موضع شك.

وهذا يقود إلى فكرة قد تبدو غير مألوفة اليوم، لكنها قد تصبح بديهية في المستشفى الذكي مستقبلاً: الحوكمة نفسها يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية.

فكما لا يستطيع المستشفى الحديث أن يعمل من دون الكهرباء، والمياه، والشبكات، والأنظمة الرقمية، فإن المستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي قد لا يستطيع استخدامه بأمان من دون بنية دائمة للمراقبة، والتحقق، والمساءلة، والتدخل البشري. والفرق أن هذه البنية الجديدة لا تنقل الكهرباء، أو البيانات، بل تحمي شيئاً أكثر حساسية: الثقة في القرارات التي تمس صحة الإنسان.

وكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر اندماجاً في عمل المستشفى، لم يعد السؤال فقط كيف نحكم الخوارزمية... بل كيف نبني الحوكمة داخل النظام الذي أصبحت الخوارزمية جزءاً منه.

من «ليب» إلى المستشفى

وسط ما يعرضه «ليب 2026» من نماذج أكثر قدرة، وأنظمة أكثر استقلالية، ورؤية لمستقبل تصبح فيه البنية التحتية نفسها أكثر ذكاءً، يبرز سؤال ربما يكون أكثر أهمية للرعاية الصحية من السؤال عن قدرات الخوارزمية: هل أصبحت المؤسسات التي ستستخدم هذا الذكاء أكثر استعداداً للتحكم به؟ فالانتقال من الخوارزمية إلى البنية التحتية لا يغير طريقة استخدام التقنية فحسب، بل يغير طبيعة المسؤولية عنها. وعندما تصبح الأنظمة الذكية جزءاً من التشخيص، والفرز، والمراقبة، وتوزيع الموارد، والقرارات التشغيلية اليومية؛ فإنه لا يمكن أن تبقى الحوكمة مرحلة تأتي بعد الابتكار؛ بل يجب أن تتطور بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرة هذه الأنظمة، وتأثيرها.

وقد لا يكون السباق الحقيقي في السنوات المقبلة بين المؤسسات التي تمتلك أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي فقط، بل بين تلك التي تستطيع تحويل هذه النماذج إلى قيمة حقيقية من دون أن تفقد القدرة على مراقبتها، ومساءلتها، والتدخل عندما تخطئ.

ومن هنا، فإن ما نشاهده اليوم في «ليب» لا يتعلق فقط بمستقبل التقنية. إنه يفتح نقاشاً أوسع حول شكل المؤسسة الذكية نفسها: مؤسسة لا تكتفي بامتلاك الذكاء الاصطناعي، بل تمتلك أيضاً المعرفة، والأنظمة، والمسؤولية اللازمة للتحكم به.

وإذا كان الجيل المقبل من التقنية يبني بنية تحتية ذكية، فإن الرعاية الصحية ستحتاج، بالتوازي معها، إلى بنية تحتية للحوكمة، فالذكاء الاصطناعي قد يصبح جزءاً من عقل النظام الصحي... لكن مسؤولية التحكم بذلك العقل يجب أن تبقى بشرية.


هل يعالج الذكاء الاصطناعي جميع الأمراض خلال 10 سنوات؟

 بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي
بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي
TT

هل يعالج الذكاء الاصطناعي جميع الأمراض خلال 10 سنوات؟

 بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي
بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي

هل يمكن أن يأتي يوم تصبح فيه أمراض مثل السرطان وألزهايمر والسكري وأمراض القلب قابلة للعلاج، أو حتى الشفاء، بفضل الذكاء الاصطناعي؟

لم يعد السؤال مجرد خيال علمي، فقد قال ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل ديب مايند» الحائز جائزة نوبل في الكيمياء، في مقابلة إعلامية، إن الذكاء الاصطناعي قد يختصر تصميم الدواء من سنوات إلى أشهر أو أسابيع، وإن علاج جميع الأمراض ربما يصبح في المتناول خلال العقد المقبل.

غير أن هذا الوعد قوبل بتحفظ علماء وأطباء يرون أن تسارع الحوسبة لا يعني بالضرورة تسارع الشفاء. فطبيب القلب والباحث الأميركي إريك توبول وصف توقّع علاج جميع الأمراض خلال عشر سنوات بأنه غير واقعي، محذراً من رفع سقف آمال المرضى قبل توافر دليل سريري. وبين التفاؤل والاعتراض يبرز السؤال الحقيقي: ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي تغييره فعلاً، وما الذي لا تزال البيولوجيا ترفض اختصاره؟

ويفسر نظام «ألفافولد» جانباً من هذا التفاؤل. وهو برنامج للذكاء الاصطناعي طوّرته شركة «غوغل ديب مايند» للتنبؤ بالشكل الثلاثي الأبعاد للبروتينات، وهي قضية أساسية لفهم وظائفها وتصميم الأدوية التي تستهدفها. وقد تنبأ النظام ببنية أكثر من 200 مليون بروتين، محوّلاً مهمة كانت قد تستغرق سنوات إلى مورد علمي متاح للباحثين. لكن معرفة شكل البروتين لا تعني تلقائياً معرفة سبب المرض، ولا تضمن أن استهدافه سيشفي الإنسان. فاكتشاف الدواء يمر بثلاث رحلات: من المرض إلى آليته البيولوجية، ومن الآلية إلى جزيء علاجي، ثم من الجزيء إلى المريض. وقد يحقق الذكاء الاصطناعي تقدماً مذهلاً في الرحلة الثانية، في حين تظل الرحلتان الأخريان محكومتين بتعقيد البيولوجيا وبالدليل السريري بطيء التراكم.

مفتاح دوائي دقيق... لهدف بيولوجي خاطئ

الخوارزمية و«المفاتيح الجدد»

• حين تصنع الخوارزمية مفتاحاً جديداً: تقدم دراسة نُشرت في 18 أغسطس (آب) 2026 في دورية «إن بي جيه لطب الأورام الدقيق» npj Precision Oncology مثالاً حديثاً على قوة الذكاء الاصطناعي وحدوده معاً. فقد جمع الباحثون نماذج للتعلم الآلي بمحاكاة التفاعلات الجزيئية؛ بحثاً عن مركبات محتملة ضد سرطان الخلايا الحرشفية في الرأس والعنق.

تعلّمت النماذج من قاعدتين علميتين تضمان معلومات عن المركبات ونشاطها البيولوجي، ثم غربلت مكتبات كيميائية واسعة. وبعد تضييق آلاف النتائج، برزت ثلاثة مُركّبات أظهرت في المحاكاة ارتباطاً مستقراً ببروتين يرتبط بنمو الورم، وينتجه جين يسمى «PIK3CA»، المعروف بدوره في عدد من السرطانات. ودعم الباحثون ذلك بفحص عينات أنسجة مأخوذة من مرضى وتجارب على خلايا سرطانية؛ إذ أدى تعطيل هذا المسار إلى الحد من تكاثر الخلايا وهجرتها.

هذه نتيجة مهمة؛ فالذكاء الاصطناعي ربط البيانات الجزيئية بهدف بيولوجي واقترح مركبات تستحق الاختبار. لكنها لا تعني اكتشاف علاج جاهز؛ فالمركبات لم تُختبر على المرضى، ولم تثبت سلامتها أو فاعليتها داخل جسم الإنسان. إنها بداية واعدة لمسار دوائي، وليست نهايته. وبين المرشح الرقمي والعلاج المعتمد تقف التجارب قبل السريرية، ثم مراحل التجارب على البشر، وتحديد الجرعة ومراقبة السمية، وصولاً إلى موافقة الجهات التنظيمية.

• المفتاح الصحيح للقفل الخطأ: في تحليل حديث بعنوان «لا عصا سحرية لاكتشاف الأدوية»، نشرته على منصة «ديب فينوتايب» في 3 أغسطس 2026، تلخّص دافني كولر، عالمة الحاسوب والبيولوجيا المتخصصة في توظيف الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأدوية، المشكلة بتشبيه دقيق: قد تجعلنا الخوارزميات أفضل في صناعة المفاتيح، لكننا كثيراً ما نختار القفل الخطأ. فتصميم جزيء يرتبط ببروتين محدد أصبح أسرع، في حين يظل تحديد السبب البيولوجي الحقيقي للمرض أكثر تعقيداً. فالسرطان، مثلاً، ليس مرضاً واحداً، بل عائلة من الأمراض تختلف باختلاف النسيج والطفرات والمناعة والبيئة والعمر واستجابة كل مريض.

لذلك؛ لا يكفي أن يتنبأ النموذج بقدرة مركب على الارتباط بهدف جزيئي. إذ يجب إثبات أن هذا الهدف يقود المرض فعلاً، وأن تعطيله لن يضر وظيفة حيوية أخرى، وأن الدواء سيصل إلى العضو بالتركيز المناسب، وأن فائدته ستتفوق على مخاطره. وقد تُحسّن الخوارزمية مرحلة الانتقال «من الآلية إلى الدواء»، لكن السؤالين الأصعب يظلان: هل اخترنا الآلية الصحيحة؟ وأي المرضى سيستفيدون من استهدافها؟

حين تسبق الخوارزمية زمن الجسد

تقدم حقيقي بلا معجزة

• تقدم حقيقي: لا يعني ذلك التقليل من الإنجاز. ففي دراسة سريرية عشوائية من المرحلة الثانية المبكرة «2a»، نُشرت في دورية «نيتشر ميديسن» في 3 يونيو (حزيران) 2025، اختُبر دواء «رينتوسيرتيب»، الذي أسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي في اكتشاف هدفه وتصميمه لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب. وشملت التجربة 71 مريضاً على مدى 12 أسبوعاً، وسجلت المجموعة التي تلقت الجرعة الأعلى تحسناً في السعة الحيوية القسرية، وهي مؤشر رئيسي لوظيفة الرئة، مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي.

لكن الباحثين خلصوا إلى أن النتائج تستدعي تجارب أكبر وأطول. فقد أثبتت الدراسة إمكان الانتقال من الخوارزمية إلى المريض بسرعة لافتة، لكنها لم تثبت الشفاء، ولم تكن تجربة حاسمة من المرحلة الثالثة. وهذه هي اللغة التي يحتاج إليها الطب: نجاح مشجع يتبعه اختبار أشد، لا وعد كبير يبحث لاحقاً عن دليل.

• الزمن البيولوجي لا يشبه الزمن الرقمي: تتعلم الخوارزميات خلال ساعات من بيانات ضخمة، أما الدواء فيحتاج إلى وقت لاختبار تأثيره في أجسام بشرية متنوعة. ولا تستطيع محاكاة سريعة أن تكشف يقيناً عن السمّية المتأخرة، أو عودة الورم، أو أثر العلاج في بقاء المريض بعد سنوات. فالزمن هنا ليس عائقاً بيروقراطياً، بل جزء من الدليل العلمي ومن حماية المريض.

قد يكشف الذكاء الاصطناعي عن أهداف دوائية لم نرها، ويسرّع تصميم الجزيئات، ويتنبأ بالسمّية، ويختار المرضى الأنسب للتجارب، ويخفض الوقت والكلفة. وربما يقود إلى علاجات لأمراض استعصت طويلاً. غير أن الوعد بعلاج «جميع الأمراض» خلال موعد محدد يحوّل الأمل العلمي إلى نبوءة إعلامية.

حين لا يصل الوعد إلى المريض إلا عبر الدليل

السؤال الأدق، إذن، ليس: متى سيقضي الذكاء الاصطناعي على المرض؟ بل: أي خطوات من رحلة اكتشاف العلاج يستطيع جعلها أسرع وأكثر دقة؟ فقد يكون أقوى مسرّع عرفه اكتشاف الدواء، لكنه لا يلغي المختبر، ولا التجربة السريرية، ولا تعقيد الإنسان. وهنا تستعيد العبارة التي اشتهر بها عالم الفلك الأميركي كارل ساغان، أحد أبرز مَن قرّبوا العلوم إلى الجمهور، معناها: «الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية». فوعد علاج جميع الأمراض استثنائي، ولن يصبح علاجاً لأن خوارزمية أو عالماً بارزاً أعلنه، بل عندما يثبت لدى المرضى، بأمان ووضوح، أنه يغيّر مسار المرض فعلاً.


القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد

القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد
TT

القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد

القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد

قد لا يكون القولون العصبي مجرد اضطراب في العلاقة بين الأمعاء والدماغ كما ظل يُعتقد؛ إذ تكشف دراسة وراثية دولية واسعة عن خيط بيولوجي جديد يربط الاستعداد للإصابة بالمرض بآليات استقلاب الدهون ووظائف الكبد ولا سيما تنظيم مستويات الدهون الثلاثية في الدم، وذلك في اكتشاف قد يعيد رسم فهم المرض ويفتح الطريق أمام علاجات أكثر استهدافاً لآلياته.

وتشير الدراسة المنشورة في دورية «Gut» لشهر يوليو (تموز) 2026 إلى أن اضطراب تنظيم الدهون الثلاثية triglycerides قد يمثل حلقة مفقودة في لغز متلازمة القولون العصبي Irritable bowel syndrome (IBS) بعدما وجد الباحثون ارتباطاً بين الاستعداد الجيني للإصابة بالمتلازمة وارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم.

وبرز في هذا الارتباط جين GCKR الذي يؤدي دوراً مهماً في تنظيم استقلاب الغلوكوز والدهون داخل الكبد، ما يلمّح إلى أن الكبد والعمليات الأيضية قد يكون لهما دور أكبر في نشأة القولون العصبي مما كان معروفاً سابقاً.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة مع انتشار المتلازمة على نطاق واسع؛ إذ تصيب أكثر من 10 في المائة من عموم السكان، وتتسبب في أعراض مزمنة تشمل آلام البطن المتكررة والانتفاخ والإمساك أو الإسهال، بينما لا تزال الآليات البيولوجية الدقيقة التي تقف وراء المرض غير مفهومة بالكامل.

أكبر خريطة جينية للقولون العصبي

وقاد الدراسة البروفسور ماورو دامّاتو أستاذ علم الوراثة الطبية في جامعة LUM في كازاماسيما إيطاليا وباحث في معهد CIC bioGUNE الإسباني ضمن تعاون دولي واسع جمع بيانات وراثية وصحية من 2775539 شخصاً في 22 بنكاً حيوياً حول العالم.

وقارن الباحثون بين الأشخاص المصابين بالقولون العصبي وغير المصابين به بحثاً عن اختلافات في الحمض النووي قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة. وأسفر التحليل عن تحديد 35 منطقة في الجينوم البشري مرتبطة بخطر الإصابة بالقولون العصبي.

وكان بعضها متوقعاً؛ إذ ارتبط بجهاز الأعصاب والدماغ والجهاز العصبي المعوي، وهو شبكة معقدة من الأعصاب تتحكم في وظائف الجهاز الهضمي. لكن المفاجأة كانت في ظهور ارتباط قوي بين بعض الإشارات الجينية المرتبطة بالقولون العصبي وخصائص استقلابية وقلبية وعائية.

وباستخدام أساليب حسابية متقدمة، وجد الباحثون أدلة تشير إلى وجود علاقة سببية محتملة بين الاستعداد الجيني للقولون العصبي وارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم.

وبرز جين GCKR بصورة خاصة؛ إذ يؤدي دوراً رئيسياً في تنظيم استقلاب الغلوكوز والدهون داخل الكبد. وتوجد نسخة جينية معروفة من هذا الجين ترتبط بزيادة تراكم الدهون في الكبد وارتفاع إنتاج الدهون الثلاثية. ويرى الباحثون أن هذه النتائج تطرح احتمال وجود مسار بيولوجي يربط الكبد والتمثيل الغذائي بالأمعاء، إلى جانب المسار المعروف الذي يربط الدماغ والجهاز العصبي بالأمعاء.

وقال دامّاتو إن العلماء يعرفون منذ فترة طويلة أن القولون العصبي يتضمن حواراً معقداً بين الأمعاء والدماغ لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذا الحوار يشمل أيضاً الجهاز الأيضي في الجسم، وأن تنظيم الدهون ووظائف الكبد قد يمثلان جزءاً من الصورة التي ظلت ناقصة.

من الجينات إلى تطوير الأدوية

ولم تتوقف الدراسة عند اكتشاف الروابط الجينية؛ إذ بحث الفريق أيضاً في أنماط نشاط الجينات المرتبطة بالقولون العصبي بهدف معرفة ما إذا كانت هناك أدوية أو مركبات يمكنها عكس التغيرات الجزيئية المرتبطة بالمرض.

وحدد الباحثون عدداً من المركبات التي أظهرت قدرة محتملة على عكس هذه الأنماط، وكان من بينها أدوية تستخدم لعلاج أمراض القلب واضطرابات الدهون. وقد يفتح ذلك الباب أمام ما يعرف بـإعادة توظيف الأدوية أي اختبار أدوية موجودة أصلاً لعلاج أمراض أخرى لمعرفة ما إذا كان يمكن استخدامها لعلاج القولون العصبي لدى فئات محددة من المرضى.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تعني أن أدوية خفض الدهون أو علاج اضطرابات الكبد أصبحت علاجاً للقولون العصبي؛ إذ تحتاج هذه الفرضيات إلى اختبارات سريرية للتأكد من فاعليتها وسلامتها لدى المرضى.

وتشير الدراسة إلى أن القولون العصبي قد لا يكون مرضاً واحداً بالآلية نفسها لدى جميع المرضى، بل ربما توجد مسارات بيولوجية مختلفة تقود إلى الأعراض. وقد يساعد فهم هذه المسارات مستقبلاً في تقسيم المرضى إلى مجموعات بحسب الآلية التي تقف وراء حالتهم، ثم اختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل مجموعة بدل الاعتماد على نهج علاجي واحد للجميع.

ويقول الباحثون إن النتائج تدعم رؤية أكثر شمولاً للقولون العصبي تتجاوز مفهوم «محور الأمعاء والدماغ» التقليدي لتشمل أيضاً الكبد والتمثيل الغذائي والدهون في الدم.

وتأتي الدراسة ضمن مبادرة دولية تعرف باسم bellygenes شاركت فيها مؤسسات أكاديمية وطبية من أوروبا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى، واستفادت من قواعد بيانات سكانية ضخمة بينها UK Biobank وFinnGen وMillion Veteran Program وAll of Us.

وقد تمثل هذه الخريطة الجينية الجديدة خطوة مهمة نحو فهم سبب اختلاف أعراض القولون العصبي واستجابة المرضى للعلاج، وربما نحو تطوير علاجات مستقبلية تستهدف السبب البيولوجي للمرض بدل الاكتفاء بتخفيف أعراضه.