اكتشاف بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية... في الغيوم

الغيوم احتوت على ما بين 330 وأكثر من 33 ألف بكتيريا لكل مليلتر من الماء (أ.ب)
الغيوم احتوت على ما بين 330 وأكثر من 33 ألف بكتيريا لكل مليلتر من الماء (أ.ب)
TT

اكتشاف بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية... في الغيوم

الغيوم احتوت على ما بين 330 وأكثر من 33 ألف بكتيريا لكل مليلتر من الماء (أ.ب)
الغيوم احتوت على ما بين 330 وأكثر من 33 ألف بكتيريا لكل مليلتر من الماء (أ.ب)

اكتُشفت في الغيوم بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية سحبتها الرياح إلى السحاب لمسافات طويلة جداً أحياناً، على ما كشفت دراسة فرنسية كندية.
وقال معدّ الدراسة الرئيسي فلوران روسّي في مقابلة عبر الهاتف مع وكالة الصحافة الفرنسية أمس (الجمعة)، إنّ «هذه البكتيريا عادة ما تعيش فوق الأوراق أو داخل التربة».
وأضاف: «اكتشفنا أنّ الرياح حملتها إلى الغلاف الجوي وأنّ بإمكانها التنقل لمسافات طويلة وعبور الكرة الأرضية على ارتفاعات عالية بفضل السحب».
وكان عدد من الباحثين في جامعة لافال في كيبيك وجامعة كليرمون أوفيرنيه أخذوا عينات باستخدام «مكانس كهربائية» عالية السرعة من سحب متشكّلة فوق بوي دو دوم، وهو بركان خامد في وسط فرنسا، بين سبتمبر (أيلول) 2019 وأكتوبر (تشرين الأول) 2021.
ومن محطة أبحاث تقع على ارتفاع 1465 متراً، حلّل العلماء هذه العينات بحثاً عن جينات مقاومة للمضادات الحيوية.
وقد توصّلوا إلى أنّ الغيوم احتوت على ما بين 330 وأكثر من 33 ألف بكتيريا لكل مليلتر من الماء، بمتوسط نحو 8 آلاف بكتيريا لكل مليلتر. وتم تحديد 29 نوعاً فرعياً من الجينات المقاومة للمضادات الحيوية في البكتيريا.
ومع شيوع استخدام المضادات الحيوية في الرعاية الصحية والمجال الزراعي، يمثل هذا النوع من البكتيريا «تحدياً صحياً كبيراً على المستوى العالمي»، بحسب الدراسة. وكانت السلطات الصحية العالمية أشارت مرات عدة إلى أخطار هذه البكتيريا التي تعقّد بصورة متزايدة معالجة بعض أنواع الأمراض.
إلا أنّ الدراسة لم تقدم أي استنتاجات في شأن الآثار الصحية المُحتمل تسجيلها لانتشار بكتيريا تحمل جينات مقاومة للمضادات الحيوية في الأجواء، مشيرةً إلى أنّ 5 إلى 50 في المائة فقط من هذه الكائنات قد تكون على قيد الحياة ويُحتمل أن تكون نشطة.
وقال روسّي إنّ «الغلاف الجوي قاسٍ جداً على البكتيريا»، مضيفاً أن «معظم البكتيريا التي اكتشفناها كانت بيئية»، ومن غير المُحتمل أن تكون ضارة للإنسان.
وتابع مازحاً: «لا خوف إذن من السير تحت المطر»، مضيفاً: «ليس معروفاً ما إذا كانت هذه الجينات تنتقل إلى بكتيريا أخرى».
إلا أنّ مراقبة دقيقة للغلاف الجوي قد تجعل من الممكن تحديد المكان الذي تأتي منه هذه البكتيريا و«الحدّ تالياً من انتشارها»، على حد قول الباحث الذي يشير مثلاً إلى التحليلات التي تُجرى لمياه الصرف الصحي والرامية إلى الكشف عن احتمال وجود فيروس «كورونا» ومسببات أمراض أخرى.
ونُشرت الدراسة في عدد مارس (آذار) من مجلة «ساينس أوف ذي توتال إنفايرنمنت».


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


«استراتيجية الارتقاء باللقب»... ماذا تفعل عندما يحاول أحدهم التقليل من شأنك؟

لا تقبل تعريفات أي شخص آخر حول شخصيتك سوى تعريفاتك الخاصة (بيكساباي)
لا تقبل تعريفات أي شخص آخر حول شخصيتك سوى تعريفاتك الخاصة (بيكساباي)
TT

«استراتيجية الارتقاء باللقب»... ماذا تفعل عندما يحاول أحدهم التقليل من شأنك؟

لا تقبل تعريفات أي شخص آخر حول شخصيتك سوى تعريفاتك الخاصة (بيكساباي)
لا تقبل تعريفات أي شخص آخر حول شخصيتك سوى تعريفاتك الخاصة (بيكساباي)

في خلال معاملاتك اليومية، سواء في العمل أو خارجه، تشعر عندما يتعالى عليك أحدهم، بالإهانة.

ربما افترض أنك لا تعرف ما تفعله لأنك جديد في المؤسسة، أو لأنك أصغر سناً. ربما ظن أنك لن تستطيع استخدام التكنولوجيا الحديثة لأنك أكبر سناً.

ليس من السهل دائماً معرفة ما يجب فعله في مثل هذه الحالة. افتراضهم بشأن قدراتك خاطئ، لكنك لا تريد أيضاً إنكار حقيقة واضحة. ربما تكون أكبر سناً أو أصغر سناً أو جديداً في المؤسسة.

فكيف يمكنك الدفاع عن نفسك بفاعلية مع الحفاظ على هويتك؟

تقول دوري كلارك، التي درست برامج التعليم التنفيذي لأكثر من عقد في كلية كولومبيا للأعمال وكلية فوكوا للأعمال بجامعة ديوك الأميركية، وهي متحدثة رئيسية، ومتحدثة سابقة باسم حملة رئاسية، ومؤلفة كتاب «اللعبة الطويلة» الأكثر مبيعاً في تقرير لها لشبكة «سي إن بي سي»، إن المغنية الأميركية دوللي بارتون عرفت الإجابة. قبل ما يقرب من نصف قرن، حين أجرت مقابلة شهيرة مع باربرا والترز، إحدى أبرز الصحافيات على شاشة التلفزيون الأميركي آنذاك. ووجهت والترز جميع الأسئلة اللاذعة لبارتون وجهاً لوجه، تلك الأسئلة التي كان الناس يهمسون بها من وراء ظهرها: عن ملابسها، وقوامها، كما سلطت الضوء على خلفية بارتون المتواضعة.

والترز بدأت حديثها: «في منطقتي، هل كنتُ سأصفكِ بالريفية؟ عندما أفكر في الريفيين، هل أقصد أمثالكِ؟».

ماذا كان في رد دوللي بارتون «القوي»؟

تقول كلارك: «جواب بارتون يحمل درساً قيّماً يُمكننا جميعاً الاستفادة منه».

حين أجابت: «أعتقد أنى كذلك على الأرجح»، وأكملت: «لكننا كنا شعباً فخوراً جداً، شعباً يتمتع برقيّ كبير. كان رقياً ريفياً، لكنه كان رقياً عظيماً. ومعظم أبناء شعبي لم يكونوا متعلمين تعليماً عالياً، لكنهم كانوا أذكياء جداً. يتمتعون بحس سليم - أو كما كنا نسميه (الفطرة السليمة)».

وأُطلق على تصرف بارتون اسم «استراتيجية الارتقاء باللقب»، وهي طريقة للحفاظ على كرامتك ونزع فتيل الموقف في آنٍ واحد، مع تجنّب الشخص الذي يُقلّل من شأنك.

حيث إنها لم تُنكر أنها ريفية، ولم تغضب مما يُمكن وصفه بسهولة إهانة. بدلاً من ذلك، تتقبل بارتون اللقب وتُعيد تعريف معناه. بالنسبة لوالترز، كان مصطلح «هيلبيلي» يعني بوضوح «متخلفاً» أو «غير متطور». لكن بارتون تقبّلت المصطلح وغيّرت معناه وقالت: «أصبح كونك هيلبيلي الآن يعني أن تكون فخوراً بنفسك وعملياً وحكيماً».

ماذا عليك أن تفعل؟

في المرة المقبلة التي يحاول فيها أحدهم التقليل من شأنك، لست مضطراً إلى المجادلة. بدلاً من ذلك، يمكنك استخدام الاستراتيجية نفسها، وإعادة تعريف اللقب أو التصنيف الذي يحاولون وضعك فيه. إذا قالوا، أو ألمحوا، إلى أنك «قليل الخبرة»، يمكنك التأكيد على وجهة نظرك الجديدة. إذا حاولوا انتقادك لأنك «متقدم في السن»، يمكنك التأكيد على حكمتك وحُكمك السليم.

ويمكن استخدام استراتيجية «تطوير اللقب» من خلال جزأين. أولاً، تقبل ما قالوه على أنه صحيح (بافتراض أنه كذلك - وإلا، يمكنك مناقشة فرضيتهم). ثم، تُعيد تعريف معناه. قد يبدو الأمر كالتالي:

«أنت محق، أنا جديد هنا. هذا ما يسمح لي برؤية أشياء لم يعد أحد يلاحظها، واكتشاف الفرص التي قد تغفل عنها».

«صحيح أنني لا أحمل شهادة ماجستير إدارة أعمال. هذا يعني أنني اضطررت إلى التعلم من خلال الخبرة والعمل مباشرةً مع عملائنا. لهذا السبب أشعر بثقة كبيرة بشأن الميزات التي سيرغبون فيها».

«أنت محق، لا أعرف شيئاً عن الهندسة. لكن معظم عملائنا كذلك. لذا؛ إذا لم تستطع شرحها لي، فسيكون من الصعب عليهم فهمها أيضاً». وهكذا.

أو تأخذ ما قالته دوللي بارتون مثلاً، حين سألتها باربرا والترز عن ملابسها «الغريبة» وشعرها المستعار الأشقر: «إنه بالتأكيد خيار. لا أحب أن أكون مثل أي شخص آخر. لطالما صرّحتُ بأنني لن أنحدر أبداً إلى مستوى مبتذل لأكون مواكبة للموضة. فهذا أسهل شيء في العالم».

إنها خطوة قوية أن تتبنّى الحقيقة - وأن تظلّ قادراً على تحديد المصطلحات بنفسك. قد لا تملك خبرة كبيرة، لكن وجهة نظرك قد تكون إضافة قيّمة. قد لا تحمل شهادة ماجستير إدارة أعمال، لكن أفكارك قد تكون الأفضل. عندما تستخدم استراتيجية تطوير الذات مثل دوللي بارتون، فأنت لا تقبل تعريفات أي شخص آخر سوى تعريفاتك الخاصة.


«التغريبة النجدية»... كيف تُروى ملحمة «العقيلات» درامياً؟

واجه رجال العقيلات وحشة الصحراء وخطر الموت بالتجارة والترحال (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
واجه رجال العقيلات وحشة الصحراء وخطر الموت بالتجارة والترحال (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
TT

«التغريبة النجدية»... كيف تُروى ملحمة «العقيلات» درامياً؟

واجه رجال العقيلات وحشة الصحراء وخطر الموت بالتجارة والترحال (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
واجه رجال العقيلات وحشة الصحراء وخطر الموت بالتجارة والترحال (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

بعدما حمل رجال العقيلات تجارتهم من وسط نجد إلى العراق والشام ومصر، تستعد حكايتهم اليوم لرحلة جديدة، من صفحات رواية «التغريبة النجدية» إلى الشاشة الصغيرة، في مشروع درامي ضخم تعمل عليه «إم بي سي».

ويترقب الروائي السعودي محمد المزيني هذا الانتقال بمزيج من الحماسة والحذر؛ فروايته، التي استغرق بناؤها سنوات، وتقاطعت فيها ذاكرة الصحراء مع التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة، تواجه الآن اختباراً آخر: كيف يمكن لمسلسل أن يحتوي هذا العالم المترامي ويحفظ روحه؟

و«العقيلات» تسمية عُرف بها تجار قُدامى من نجد، غالبيتهم من القصيم (وسط السعودية)، اشتهروا بقوافل الإبل والخيل والسلع التي جابت الجزيرة العربية وخارجها، واستقر بعضهم في البلدان التي وصلوا إليها.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يحيط المزيني تفاصيل التحضيرات الإنتاجية بسياج من التحفظ، لكنه يتحدث بحرية أكبر عن رهانه على العمل، وأمنيته في أن يلتقط صنّاع المسلسل ما وراء الرحلات والمعارك والأسماء. فحكاية العقيلات، في نظره، تتجاوز قوافل التجارة إلى ملحمة عن الجوع والنجاة والغياب، وعن رجال عبروا الصحراء بحثاً عن الرزق، ونساء وجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة الخوف.

وتتسع الحكاية، في رؤيته، لتشمل المملكة كلها؛ فالعقيلات تنقلوا بين مناطقها في مراحل مختلفة، ومثّلوا وسط الجزيرة العربية في البلدان التي بلغوها، كما بنوا سمعة ارتبطت بالصدق والأمانة.

ويستحضر المزيني هذا المعنى عبر أحد مشاهد الرواية، حين ائتمن رجل يهودي أحد العقيلات على الذهب بعدما عرف هويته، مستنداً إلى سمعتهم الراسخة في الأمانة وحفظ الحقوق.

بناء عالم الملحمة

بدأ افتتان المزيني بعالم العقيلات قبل «التغريبة النجدية» بسنوات، وتحديداً خلال كتابته ثلاثية «ضرب الرمل»، التي تحولت مسلسلاً تلفزيونياً عُرض في رمضان 2020. وكان آنذاك منكبّاً على البحث، حين اتضح له أن قصة العقيلات تنطوي على مادة روائية ثرية تجمع المغامرة بالتجارة، والجوع بالبحث عن الرزق، والرحلات الفردية بالتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة.

ومن هنا، رأى فيهم ما يصفها بـ«روح الدولة المتحركة»؛ جماعة منظمة يقود قوافلها أمراء، ويمتد حضورها عبر مناطق عربية وأجنبية متعددة. وقد أصبح لبعض رجالها شأن وصيت، وشاركوا في أحداث وتحولات شهدتها البلدان التي مروا بها.

خرج العقيلات من وسط نجد، وتحديداً من القصيم ومناطق مجاورة، واتجهوا شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، حاملين تجارتهم إلى مسافات بعيدة. وكانوا يعودون أحياناً بالمكاسب، ويواجهون أحياناً أخرى خسائر الصحراء ومخاطرها؛ إذ امتلأت الطرق بقطاع الطرق والجيوش والمتنفذين المسيطرين على الأراضي، إلى جانب الصراعات السياسية بين أطراف متعددة.

ويلفت المزيني إلى مهارة العقيلات في التعامل مع هذه المخاطر؛ فقد استطاعوا، بخبرتهم وذكائهم، عبور وحشة الصحراء والتعامل مع القوى المسيطرة على طرقها «بطريقة احترافية جداً»، والوصول إلى وجهاتهم في كثير من الرحلات. وبالنسبة إليه، شكّل هذا التاريخ حمولة ذهنية ومرجعية دفعته إلى تحويله عملاً روائياً.

جغرافيا ممتدة

تتحرك «التغريبة النجدية» ضمن مرحلة تبدأ في نحو عام 1867، اختارها المزيني لما شهدته من تحولات فارقة في تاريخ الجزيرة العربية والمنطقة. فالرواية تتابع العقيلات في زمن سبق تشكُّل الدولة السعودية الحديثة، وتربط مساراتهم بأحداث سياسية وعسكرية واقتصادية شهدتها الشام والعراق والجزيرة العربية.

ويشير المزيني إلى حضورهم في محيط «معركة ميسلون»، وإلى دورهم خلال التحولات التي رافقت جهود الملك عبد العزيز في توحيد البلاد وتأسيس الدولة السعودية. فقد أسهم رجال العقيلات في الإمداد بالسلاح والمال، وكانت الزكاة تُؤخذ منهم، كما قدّموا، في مراحل الشدة، دعماً مادياً أسهم في تجهيز الجيوش.

ويصف المزيني رحلة هؤلاء الرجال بأنها انتقال بين نوعين من الخطر: «هو هروب من الموت، ربما إلى موت آخر أحياناً». ومن خلال الجزأين الصادرين، يلاحق الكاتب هذه الرحلات عبر الشام والعراق، في حين يُحضِّر حالياً الجزء الثالث من الرواية.

النساء في مواجهة الغياب

يحضر الرجال في الواجهة الظاهرة لرحلات العقيلات، لكن المزيني يمنح النساء قلب الملحمة؛ فخروج الرجال مُدداً طويلة ترك المرأة أمام مسؤوليات البيت والأطفال والمزرعة والماشية، ووضعها في مواجهة مباشرة مع الفقر والاعتداءات والخوف.

غلاف رواية «التغريبة النجدية» (الشرق الأوسط)

وبحماسة واضحة، يتحدث عن رغبته في إظهار بطولة المرأة في وسط الجزيرة العربية خلال تلك المرحلة. ويستعيد وقائع عن نساء تعلمن استخدام البارود، وارتدين ملابس الرجال، وتولين حماية البيوت والممتلكات، وواجهن العسكر الذين نهبوا الماشية. كما يستحضر رجالاً وضعوا ممتلكاتهم تحت تصرف النساء في أوقات الضيق، لتتشكل من هذه الوقائع صورة مجتمع يقاوم الانهيار بما أتيح له من أدوات.

التاريخ... مادة للخيال

احتاج المزيني، خلال كتابة العمل، إلى التعامل مع منطقة دقيقة بين التاريخي والمتخيل. وعندما يُسأل عن ذلك، يشير إلى أن العقيلات مرتبطون بأسماء وأسر ووقائع وأمكنة محددة، وأن كثيراً من الحكايات انتقل شفهياً، فيما توزعت مادتها بين الكتب والمراجع وذاكرة الرواة.

وحين عاد إلى المصادر واستمع إلى الأحاديث المتداولة، وجد حكايات تناقلها الرواة عبر أسانيد يصعب تتبعها وصولاً إلى الواقعة الأولى أو صاحبها. وعن الشخصيات، يوضح أن بناءها جاء من مزج قصص متعددة وملامح متفرقة؛ ولهذا؛ فقد يعثر بعض القراء على صدى آبائهم وأجدادهم في شخصية بعينها، أو يربطون واقعة روائية بحادثة تناقلتها أسرهم.

الكتابة بأسلوب الصناديق

استغرق بناء «التغريبة النجدية» سنوات من القراءة وجمع الحكايات والمراجع، فيما استغرقت كتابة الجزء الأول وحده نحو عامين. ويشرح المزيني طريقته من خلال مفهوم يسميه «لغة الصناديق»؛ إذ يخصص لكل مشروع صندوقاً تتراكم فيه الشخصيات والأحداث والأزمنة والأمكنة والملاحظات.

وفي أثناء القراءة والبحث والعمل اليومي، تتوارد إلى ذهنه أحداث يرى أنها تستحق التدوين، فيضعها في الصندوق المخصص للرواية. وقد يبقى المشروع في هذه المرحلة وقتاً طويلاً، إلى أن يحين وقت فتح الصندوق وبدء ترتيب مواده وصوغ النسق الروائي.

جاء الجزء الأول في أكثر من 350 صفحة، والثاني في أكثر من 400 صفحة، فيما يواصل المزيني إعداد المادة التي يراها جديرة باستكمال هذا العمل الملحمي. وقد يقود اتساع المشروع إلى 3 أو 4 أجزاء، وفق المساحة التي تحتاج إليها الرحلة وتفرعاتها الجغرافية والتاريخية.

الكتابة البصرية

يبدو العالم الروائي في «التغريبة النجدية» قريباً من حركة الكاميرا؛ انتقالات بين الأماكن، وتحولات بين الشخصيات، ومشاهد للصحراء والقوافل والمعارك والبيوت المنتظرة. وعندما يُسأل المزيني عما إذا كان قد تعمّد هذا البناء تمهيداً لانتقال الرواية إلى الشاشة، يربط الأمر بطبيعة تجربته في الكتابة.

ويوضح أن الأحداث تتحرك لديه بإيقاع درامي، وتنتقل من منطقة إلى أخرى، ومن شخصية إلى أخرى، كأن القارئ يشاهد فيلماً أو عملاً تلفزيونياً. وقد طوّر هذه اللغة البصرية في أعماله حتى باتت المشاهد تتشكل أمامه في أثناء الكتابة، وأصبح المكان جزءاً من الفعل الروائي.

ومع ذلك، فإن إحساسه بقابلية العمل للتحول إلى دراما يرتبط، قبل كل شيء، بأهمية موضوع العقيلات. يقول: «كان ينتابني شعور بأن هذا العمل سيصبح دراما»، ويعزو ذلك إلى استشعاره قيمة الحكاية، وإلى الحدث السردي الداخلي الذي بدا له مهيأً للوصول إلى الشاشة يوماً ما.

الرواية بوصفها أصلاً للدراما

يقود الحديث عن «العقيلات» إلى سؤال أوسع عن العلاقة بين الرواية والدراما السعودية، خصوصاً بعد النجاح الذي حققه مسلسل «شارع الأعشى»، المأخوذ من رواية الدكتورة بدرية البشر.

ويرى المزيني أن تحويل الرواية مسلسلاً يحتاج إلى كتّاب مختصين يمتلكون أدوات المعالجة الدرامية؛ فالنص الأدبي يأتي بلغة رصينة وإيقاع سردي خاص، فيما تحتاج الشاشة إلى إعادة ترتيب الأحداث وتوزيعها على الحلقات، وصناعة حركة درامية تتناسب مع الصورة والزمن التلفزيوني.

ويشيد المزيني بتجربة «شارع الأعشى»، ويرى أن الوقت الطويل الذي استغرقه تطوير العمل أسهم في خروجه بصورة جعلته نموذجاً للدراما السعودية المأخوذة من الأدب. وبالنسبة إليه، تكمن قيمة النص الروائي في ثرائه الداخلي، في حين تتطلب معالجته كتّاباً قادرين على التقاط هذا الثراء وتحويله فعلاً درامياً.

وبينما تمضي التحضيرات التلفزيونية، فإن المزيني يواصل إعداد الجزء الثالث. وهكذا، يصل «العقيلات» إلى التلفزيون في وقت تواصل فيه روايتهم اتساعها على الورق؛ فالمسلسل يفتح نافذة على العالم الذي بناه المزيني، في حين تقود الأجزاء المقبلة القوافل إلى محطات أبعد.


إسبانيا تفتح مراوحها في وجه الحرّ القياسي

رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)
رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)
TT

إسبانيا تفتح مراوحها في وجه الحرّ القياسي

رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)
رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)

في عربات مترو الأنفاق المزدحمة والميادين التي تغمرها أشعة الشمس، تظهر مروحة اليد القديمة القابلة للطي في إسبانيا في كلّ مكان، بفضل حرارة الصيف الحارقة.

وتُفتح مروحة اليد الإسبانية التقليدية، التي تتميّز بصغر حجمها بما يكفي لحملها في حقيبة صغيرة، على شكل نصف دائرة. وبمجرّد تحريك المعصم، تُحدث نسيماً قوياً مفاجئاً.

ذاكرة إسبانية ترفرف في الشوارع (أ.ب)

وفي ظلّ موجات الحرّ المتعاقبة في غرب أوروبا، التي دفعت درجات الحرارة هذا الصيف إلى مستويات قياسية، أصبحت المروحة أداة أساسية يستخدمها الصغار والكبار في إسبانيا وفي كلّ مكان، إذ تستخدمها النساء وأعداد متزايدة من الرجال في وسائل النقل العامة والحفلات والحفلات الموسيقية. وفي يوليو (تموز) الماضي، شُوهدت مراوح اليد الملوّنة في كلّ مكان خلال الاحتفالات الصاخبة بمناسبة شهر الفخر في مدريد.

وفي يوم من أيام أغسطس (آب) الماضي، استخدمت آنا فيلو (20 عاماً) مروحة مصنوعة من الورق حصلت عليها هديةً في مهرجان بفالنسيا. وقالت إنها تحملها في كلّ مكان خلال الصيف.

وقالت لوكالة «أسوشييتد برس»، بالقرب من ميدان بويرتا ديل سول في مدريد، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية»: «هذه هي المفضّلة بالنسبة إليّ، ولكني أمتلك كثيراً منها». ومن المتوقّع أن تبلغ درجات الحرارة في العاصمة الإسبانية 39 درجة مئوية يومَي الخميس والجمعة المقبلَين.

كما يُلوّح ديفيد جونزاليز (53 عاماً) بمروحة يد بألوان الوردي والأرجواني والأحمر. وقال: «في البداية، كنتُ أشعر بالخجل، لأنه أمر مرتبط أساساً بالنساء، ولكن عليَّ أن أعترف بأنها تؤدّي المهمّة وتُضفي بهجة على يومي».

ويعتقد المؤرّخون أن المروحة القابلة للطي وصلت إلى أوروبا عبر التجارة البحرية البرتغالية مع آسيا في القرنَين الـ15 والـ16.

بين الأصابع... نسمة قابلة للطي (أ.ب)

ومع حلول منتصف القرن الـ17، رسم الرسام الإسباني دييغو فيلاثكيث لوحته الغامضة «المرأة ذات المروحة»، التي تظهر فيها سيدة، ربما تكون فرنسية، وهي تحمل ما يبدو أنها مروحة خشبية رقيقة.

ومع تزايد شهرتها في البلاط الأوروبي، أصبح لإسبانيا ذوق وصناعة خاصان بها. وأصبحت مدريد مركزاً مهمّاً للإنتاج، وبحلول القرن الـ18، أصبحت فالنسيا عاصمة تصنيع المروحة الإسبانية.

وترسَّخت المراوح في المجتمع الأرستقراطي الإسباني بحلول القرن الـ19، إذ أصبحت النساء يستخدمنها للتعبير بشكل سرّي عن المغازلة أو الاهتمام أو عدم الموافقة، من خلال ما يُطلق عليه «لغة المروحة».

ومن إسبانيا، اتجهت مروحة اليد إلى أميركا اللاتينية. وفي القرن الـ19، بدأ راقصو الفلامنكو استخدام مراوح اليد أداةً تعبيرية، متأثّرين بأساليب الغناء والرقص في كوبا. ومع الوقت، ساعد ارتباط المروحة برقصة الفلامنكو في تحولها إلى رمز إسباني راسخ.

وقالت كارمين توريس (44 عاماً)، راقصة الفلامنكو في جنوب إسبانيا، إن «المروحة تُعد عنصراً مثالياً، لأنها، من ناحية، تستحضر حرارة ورطوبة كوبا، هذا الشعور الثقيل والخانق». وأضافت: «وفي الوقت نفسه، تمنحنا وسيلة لإبراز الجانب الذي يتّسم بالإغراء والدلال».

ولأكثر من قرن ونصف القرن، تبيع أسرة خافيير ليراندي المراوح في «كاسا دي دياجو»، المتجر الخشبي في مدريد. وقال: «نحن نقتات من الحرارة».

للمروحة خطوتها الخاصة في «الفلامنكو» (أ.ب)

ومع تزايد شعبية مدريد وجهةً سياحية، أصبح الزوار الأجانب يبحثون أيضاً عن المراوح التي يبيعها ليراندي، والتي يقول إنها أكثر اعتمادية من نظيرتها الكهربائية القابلة للحمل.

وتابع ليراندي: «المراوح التي تعمل بالبطارية تنفد طاقتها، ودائماً ما يحدث ذلك في أسوأ لحظة ممكنة»، مضيفاً وهو يبتسم: «من دون شكّ، موجات الحرّ مفيدة لنشاطنا التجاري».

وللزبائن الأقل رغبة في الحصول على مراوح مميزة، توجد مراوح بلاستيكية تحمل تصاميم مطبوعة تُباع بالقليل من عملة اليورو في متاجر الهدايا، ومنها متجر على بُعد مئات الأمتار من متجر ليراندي. وقد تحدَّث بائع في هذا المتجر أيضاً عن ارتفاع المبيعات خلال هذا الصيف.

إرث يفتح جناحيه كلما اشتدَّ الحرّ (أ.ب)

وخارج حلبة لمصارعة الثيران في مدريد، تبيع خواني دوران مراوح يد خشبية تحمل تصاميم وردية مقابل 5 يوروات. ويُشار إلى أنّ مصارعة الثيران تُقام في أماكن مفتوحة، وعادةً ما يتأنق الحاضرون لحضور هذه الفعاليات، مما يجعل المراوح الأنيقة الإكسسوار المناسب.

وقالت دوران قبل مصارعة للثيران في أواخر أغسطس: «عادةً ما ستجدون مروحة يد في حقيبة كل سيدة، وبحوزة بعض الرجال أيضاً».

وأضافت: «هذه المراوح ليست أفضل نوع، لكنها ستجعل المرء يتغلب على فصل الصيف».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended