سلمى الخضراء الجيوسي... امرأة مخلوقة للصفوف الأولى

ليس من السهل تصنيف إرثها تصنيفاً تراتبياً

سلمى الخضراء الجيوسي
سلمى الخضراء الجيوسي
TT

سلمى الخضراء الجيوسي... امرأة مخلوقة للصفوف الأولى

سلمى الخضراء الجيوسي
سلمى الخضراء الجيوسي

أدهشني أن تموت سلمى الخضراء الجيوسي. حقاً أن الموت حق علينا جميعاً، وأنها كانت في الخامسة والتسعين من عمرها، وهو عمر لا يطمح إليه أغلبنا. لكن الجيوسي كان لها حضور طاغٍ يصعب تصور إمكانية غيابه غياباً تاماً. كان حضورها طاغياً في إنجازاتها الأكاديمية في خدمة الأدب العربي، كما كان حضوراً طاغياً أيضاً في أي مناسبة حضرتها شخصياً. كانت امرأة مخلوقة للصفوف الأولى، ليس فقط بعملها الدائب ومنجزها الأكاديمي والأدبي، ولكن بتركيبتها الشخصية الساحرة التي لا تقبل الرفض كإجابة على ما تطلب، ولكن أيضاً لأن سحر شخصيتها كان يجعل عدم القبول أو الاعتذار عن طلب أو تكليف منها أمراً ليس في إمكان الكثيرين. كانت تعرف كيف تجعل من الإصرار والإلحاح والمعاودة فناً جميلاً محبباً، لو مارسه غيرها لكان مصدر إزعاج ومدعاة لصرف الملحّين خائبين. هذه الشخصية هي ما سهّل لها استقطاب الدعم المالي لمشروعاتها النبيلة، وتجنيد الكُتّاب والمترجمين والأكاديميين في خدمة مشروعها الأكبر في ترجمة ونشر الأدب العربي باللغة الإنجليزية، (بروتا). التقيت سلمى الجيوسي لأول مرة حين دعوناها لإلقاء البحث الافتتاحي في مؤتمر كبير نظمناه في جامعة إكستر Exeter في خريف عام 1994 حول «التقليد والحداثة في اللغة والأدب العربيين»، حيث تكلمت في موضوعها الأثير «التقليد والحداثة في الشعر العربي»، والذي نُشر لاحقاً (لندن 1996) ضمن كتاب أعددناه عن أعمال المؤتمر. أذكر أني كنت رئيس الجلسة وأنها تمادت في تجاوز الوقت المخصص لها، رغم أريحيته كونها متحدثاً رئيسياً، وأن كل محاولاتي المستميتة والمتكررة لتذكيرها بوجوب الانتهاء، باءت بالفشل الذريع، أمام عنادها وإصرارها، ولكن قبل ذلك سحر شخصيتها، الذي لم أملك أمامه ولا ملك جمهور الحاضرين إلا الغفران الكامل. وإن كان هذا العناد وهذا السحر قد كسبا لها دقائق إضافية عدة في ذلك المؤتمر (وفي غيره بلا شك)، فإنها هي الخلال ذاتها التي جاءت لها بمكاسب أهم كثيراً في مشروعاتها الأدبية الواسعة كما أسلفت.

ليس من السهل تصنيف إرث الجيوسي تصنيفاً تراتبياً. وليس من السهل التنبؤ بما يصمد منه لاختبار الزمن وما تطويه الأيام ضمن ما تطوي. إلا أنه إن سألني سائل اليوم سؤالاً في هذا المضمون، فإني شخصياً لن أتردد في ترشيح دراستها «الشعر العربي الحديث: حركاته واتجاهاته» Trends and Movements in Modern Arabic Poetry الصادرة عام 1977 في اللغة الإنجليزية عن دار بريل، والذي صدرت لها ترجمة عربية في عام 2007 عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. قام الكتاب على أساس من أطروحتها للدكتوراه التي كانت أنجزتها قبل سنوات في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن. يغطي هذا الكتاب الموسوعي الواقع في مجلدين والذي تتجاوز صفحاته الثمانمائة - تطور الشعر العربي من أواخر القرن التاسع عشر وحتى آخر اتجاهاته وقت إجراء الدراسة في فترة الستينات من القرن الماضي، التي شهدت تحولات جذرية في هذا الفن القديم قِدم اللغة العربية ذاتها. حين كنت أدرِّس مادة الشعر العربي الحديث للطلاب الإنجليز كان هذا الكتاب مرجعي الأول، وكان يتصدر القائمة الببليوغرافية التي أزود بها طلابي لإعانتهم على القراءة والبحث في الموضوع. ولا أشك أنه لا يزال يحتل المكان نفسه لدى مدرسي المادة اليوم مع شيء من الحسرة، إنه ليس هناك مجلد ثالث يغطي ما حدث في الشعر العربي من ستينات القرن الماضي إلى أوائل القرن الحالي.
هذا في رأيي الإنجاز الأكبر والأبقى للجيوسي؛ فهو إنجاز بحثي كبير استغرق سنوات طويلة من البحث المنفرد والعكوف على مصادر ومراجع الشعر العربي ومدارس النقد، قديمها وحديثها، وقد صدر في وقت كانت تعزّ فيه مثل تلك الدراسات الشاملة، ليس فقط في اللغة الإنجليزية بل والعربية أيضاً. لكن الأدب العربي يدين للجيوسي بما هو أكثر من ذلك، ويدين لها أيضاً الآلاف من قراء هذا الأدب ودارسيه ومدرِّسيه في اللغة الإنجليزية؛ إذ إنها أنفقت قسماً كبيراً من حياتها للتعريف بذلك الأدب وأعلامه وروائع نصوصه، خاصة الحديث منها، عن طريق الترجمة والتقديم والتحرير. كانت تضطلع شخصياً بالترجمة كما فعلت على سبيل المثال في ترجمتها في عام 1982، بالاشتراك مع المستعرب البريطاني ترفور ليجاسيك LeGassick، لرواية إميل حبيبي الشهيرة، «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل». إلا أن الجهد الأكبر للجيوسي في مجال الترجمة كان في عملها الجماعي من خلال المشروع الذي عُرف باسم «بروتا» PROTA الكلمة المؤلفة حروفها من الاسم الكامل في الإنجليزية «مشروع الترجمة من العربية»Project for Translation from Arabic الذي أسسته الجيوسي في 1980 واستقطبت للعمل فيه عبر عقود عدة مجموعات متميزة من الأكاديميين ومترجمي الأدب والمؤلفين، مستغلة مهاراتها الشخصية وصبرها الطويل وعلاقاتها المتشعبة وقدرتها على استجلاب الدعم المالي للبحث والنشر من مصادر متعددة. اتسم هذا المشروع الكبير بصفة خاصة بنشر الأنتولوجيات أو بعبارة أخرى المختارات أو المنتخبات، تمييزاً عن الأعمال المفردة. وهي من أصلح سبل الترجمة والنشر في استهدافها تقديماً عريضاً لنوع أدبي أو فترة بعينها أو أدب قومي لجمهور قراء لا يعرفون عنه شيئاً، بدلاً من التركيز على كاتب بعينه أو نص منفرد.
كان من بواكير تلك المنتخبات مجلد فيما يقارب الستمائة صفحة نُشر في 1988 عن دار كيجان بول اللندنية برعاية جامعة الملك سعود في الرياض بعنوان The Literature of Modern Arabia ضاماً بين غلافيه أعمالاً شعرية وقصصية لما لا يقل عن 95 كاتباً من السعودية واليمن وسائر أنحاء شبه الجزيرة العربية. كان عملاً رائداً في الترجمة والتعريف بأدب الجزيرة العربية في وقت كان العالم لا يقرن اسم شبه الجزيرة بشيء سوى النفط. ثم تتالت المنتخبات المترجمة. فمنها واحد عن «الشعر العربي الحديث»، وآخر عن «الأدب الفلسطيني الحديث»، وثالث عن «المسرح العربي الحديث» أسعدتني المشاركة فيه بترجمة لمسرحية ألفريد فرج ذائعة الصيت «علي جناح التبريزي وتابعه قفة»، وغير هذا من المنتخبات والأعمال المنفردة التي صدرت عن كبريات دور النشر الجامعية مثل «مطبعة جامعة كولومبيا» و«مطبعة جامعة إنديانا» وغيرها والتي تتالت من الثمانينات وعلى مدى العقود الثلاثة التالية.
كتبت سلمى الجيوسي بعض الشعر ونشرته، على أنني لا أظن أن شعرها مما يبقى مع ما يبقى من آثارها. ولعلها ما كانت لتخالفني الرأي وهي المتخصصة الوثيقة بالشعر العربي الحديث. صنّفها الناقد والأكاديمي المصري مصطفى بدوي في مختاراته من الشعر العربي الحديث (أوكسفورد - بيروت 1969) باعتبارها من أتباع الرومانسية أو من ممارسي الأسلوب الرومانسي في الشعر بعد انقضاء عصره. وهو تصنيف أوافقه الرأي فيه تماماً. ولنختمْ هذه المقالة الاحتفائية بالكاتبة الراحلة بالمقطع الأول من قصيدة لها بعنوان «المدينة والفجر»
لكل مدينة في الفجر ساعة طهرها الساحر
فلو ضجّت لياليها
ولو صخبت مقاهيها
ولو سالت دنانُ الخمر رجساً في سواقيها
فعند الفجر تلقاها
وثوبُ الطهر يغشاها
كأن الليل لم يرقص على مصباحها الساكر


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)
TT

المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)

نجح المتحف البريطاني في جمع مبلغ 3.5 مليون جنيه إسترليني لضمان بقاء قلادة ذهبية ذات صلة بزواج الملك هنري الثامن من زوجته الأولى، كاترين أراغون، ضمن مقتنياته الدائمة، حسب «بي بي سي» البريطانية.

وكان المتحف، الواقع في قلب لندن، قد أطلق حملة تبرعات في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي للاستحواذ على قلادة «قلب تيودور» بصفة نهائية، وهي التي عثر عليها أحد هواة الكشف عن المعادن في حقل بمقاطعة وارويكشاير عام 2019.

وقد أعلن المتحف أخيراً عن بلوغ هدفه التمويلي بعد تلقيه تبرعات شعبية بقيمة 360 ألف جنيه إسترليني، إلى جانب سلسلة من المنح المقدمة من صناديق ائتمانية ومؤسسات فنية.

وفي السياق نفسه، صرح نيكولاس كولينان، مدير المتحف، قائلاً: «إن نجاح هذه الحملة يبرهن على قدرة التاريخ على إلهام الخيال، ويوضح أهمية أن تستقر قطع مثل (قلب تيودور) في المتاحف».

هذا، وقد كشفت الأبحاث التي أجراها المتحف عن أن القلادة ربما صُنعت للاحتفال بخطوبة ابنتهما الأميرة ماري (التي كانت تبلغ عامين آنذاك) من ولي العهد الفرنسي (الذي كان يبلغ ثمانية أشهر) في عام 1518. وتجمع القلادة بين «وردة تيودور» ورمز «الرمان» الخاص بكاترين، كما تحمل شعاراً مكتوباً بالفرنسية القديمة «tousiors» وتعني «دائماً».

وعقب اكتشافها، أُدرجت القلادة بموجب «قانون الكنوز لعام 1996»، والذي يمنح المتاحف والمعارض في إنجلترا فرصة الاستحواذ على القطع التاريخية وعرضها للجمهور. ومن أجل عرضها بشكل دائم، تعين على المتحف سداد مكافأة مالية للشخص الذي عثر عليها وصاحب الأرض التي اكتُشفت فيها.

وقد حرص المتحف على اقتناء القلادة نظراً لندرة القطع الأثرية الباقية التي توثق زواج هنري الثامن من كاترين أراغون. وأوضح المتحف أن أكثر من 45 ألف فرد من الجمهور أسهموا في الحملة، وهو ما غطى ما يزيد قليلاً على 10 في المائة من المبلغ المطلوب.

كما حصل المشروع على دعم بقيمة 1.75 مليون جنيه إسترليني من «صندوق ذكرى التراث الوطني»، المعني بحماية الكنوز التراثية المتميزة والمهددة بالضياع في المملكة المتحدة. وشملت قائمة الجهات المانحة أيضاً جمعية «صندوق الفنون» الخيرية، وصندوق «جوليا راوزينغ»، وجمعية «أصدقاء المتحف البريطاني الأميركيين».

وفي حديثه لبرنامج «توداي»، عبر إذاعة «بي بي سي 4»، أضاف كولينان: «إن تكاتف 45 ألف مواطن وتبرعهم بالمال لإبقاء هذه القطعة في البلاد وعرضها أمام العامة، يعكسان الحماس الشعبي تجاه هذا الأثر. إنها حقاً قطعة فريدة من نوعها».


السعودية تفتح أبواب الفصول الدراسية لعالم الألعاب الإلكترونية

حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بقطاع الألعاب الإلكترونية (واس)
حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بقطاع الألعاب الإلكترونية (واس)
TT

السعودية تفتح أبواب الفصول الدراسية لعالم الألعاب الإلكترونية

حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بقطاع الألعاب الإلكترونية (واس)
حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بقطاع الألعاب الإلكترونية (واس)

أعلنت السعودية مجموعة خطوات لتعزيز تحول الفصل الدراسي إلى حاضنة تقنية متقدمة، وإدماج صناعة وتطوير الألعاب الإلكترونية في منظومة التعليم العام والجامعي والتدريب التقني والمهني، واستحداث مسارات مهنية مبتكرة تخدم جودة التعليم وتدعم مهارات المستقبل، والاستفادة من الحلول التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي والمحاكاة التعليمية.

وشهدت العاصمة السعودية، الاثنين، توقيع 3 مذكرات تفاهم استراتيجية بين وزارة التعليم، والمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي، وشركة تطوير للخدمات التعليمية من جهة، ومجموعة «سافي» للألعاب الإلكترونية (المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة) من جهة أخرى.

وتهدف هذه المذكرات إلى إدماج صناعة وتطوير الألعاب الإلكترونية في المناهج الدراسية، والتدريب التقني، والابتعاث، وتحويل السعودية إلى مركز عالمي لهذا القطاع الحيوي.

وتشمل مجالات التعاون إدراج الألعاب الإلكترونية في المناهج، بالتنسيق مع المركز الوطني للمناهج، وإطلاق مسابقة وطنية لصناعة الألعاب، وتدشين «مختبر سافي للألعاب والابتكار».

وتمتد الشراكة لتشمل التطوير المهني للمعلمين، واعتماد أكاديمية «سافي» ضِمن معاهد الشراكات الاستراتيجية، وتطوير ألعاب تعليمية تفاعلية مخصصة لمنصة «مدرستي».

يوسف البنيان وزير التعليم والأمير فيصل بن بندر بن سلطان نائب رئيس مجموعة «سافي» خلال التوقيع (وزارة التعليم)

المنهج السعودي من «الوعاء التقليدي» إلى أدوات الابتكار

في قراءة تحليلية لهذه الخطوات، أكد الدكتور عثمان محمد الشقيفي، الباحث في الإدارة التربوية والثقافة التنظيمية، أن المناهج التعليمية في السعودية باتت تتسم بمرونة عالية وقدرة استثنائية على التكيف مع المتغيرات المتسارعة.

ويقول الدكتور الشقيفي، لـ«الشرق الأوسط»: «لم تعد المناهج في السعودية مجرد وعاء لنقل المعرفة التقليدية، بل أصبحت أدوات حيوية لتشكيل جيل قادر على التفكير النقدي والابتكار، وهذه الاستجابة ليست تحديثاً سطحياً، بل هي إعادة هيكلة عميقة للفلسفة التعليمية مدعومة بالبحث العلمي».

ويستشهد الدكتور الشقيفي بالتحولات الأخيرة، مشيراً إلى إدراج مقرر «التفكير الناقد» وتحديث مواد الحاسب لتشمل لغة «بايثون» والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وصولاً إلى استشراف المستقبل عبر علوم الفضاء، تزامناً مع المهمات الفضائية السعودية الرائدة.

من «الاستهلاك» إلى «الإنتاج»

وحول الشراكة مع مجموعة «سافي»، يرى الدكتور الشقيفي أنها تمثل خطوة محورية تهدف إلى تحويل طلاب المدارس والجامعات من مجرد مستهلكين للتقنية إلى منتجين ومطورين لها.

ويضيف: «إنشاء مختبرات رقمية وتطوير محتوى تفاعلي يعززان الدافعية والتحصيل الدراسي، وفق ما تؤكده الدراسات العلمية. هذا التحول يعكس إدراكاً عميقاً بأن مهارات القرن الحادي والعشرين تتجاوز اكتساب المعرفة إلى القدرة على تحليل المعلومات واتخاذ القرارات المستنيرة».

وتسعى مذكرات التفاهم الجديدة إلى إعداد كوادر وطنية عبر مسارات برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث ومسار «واعد»؛ لضمان مواءمة مُخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل في قطاع الألعاب الإلكترونية، الذي يُعد من الركائز الواعدة في الاستراتيجية الوطنية للاستثمار.

ويشهد قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية في السعودية نمواً لافتاً، برزت من خلاله إنجازات السعودية في طريقها لتصبح قوةً رائدةً في مستقبل صناعة الألعاب عالمياً، ضِمن رؤيتها الطموحة لبناء منظومة متكاملة في هذا المجال.

ومنذ إطلاق الأمير محمد بن سلمان، الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، في 15 سبتمبر (أيلول) 2022؛ تنفذ هذه الاستراتيجية بـ86 مبادرة، تديرها نحو 20 جهة حكومية وخاصة، ومنها حاضنات الأعمال، واستضافة الفعاليات الكبرى، وتأسيس أكاديميات تعليمية، وتطوير اللوائح التنظيمية المحفّزة. تأتي خطوة إدماج الألعاب الإلكترونية في القطاع التعليمي لتمثل حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بهذا المجال.


دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
TT

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)

توصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة هونغ كونغ، إلى أن دواءً شائع الاستخدام لعلاج أمراض الكلى، قد يمثل حلاً واعداً لعلاج العقم لدى النساء المصابات بقصور المبايض المبكر.

وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تشكِّل تحولاً مهماً في فهم آليات العقم المرتبط بهذه الحالة وسبل علاجه. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Science».

وقصور المبايض المبكر هو حالة طبية تتوقف فيها المبايض عن أداء وظائفها الطبيعية قبل سن الأربعين، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات هرمون الإستروجين، وتأخر أو توقف نمو الجريبات التي تحتوي على البويضات. ونتيجة لذلك تبقى البويضات في حالة خمول، وهو ما يعيق الخصوبة ويجعل العلاجات التقليدية لتحفيز الحمل أقل فعالية. وتشمل الأعراض الشائعة لهذه الحالة الهبَّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية، بينما تقتصر العلاجات المتاحة حالياً على تخفيف هذه الأعراض دون معالجة السبب الجذري للمشكلة.

وخلافاً للنهج التقليدي الذي يركز على البويضات نفسها، وجَّه الفريق اهتمامه إلى البيئة المحيطة بالبويضات داخل المبيض، والمعروفة باسم السدى المبيضي.

وأظهرت الدراسة أن تنشيط البويضات الخاملة يتطلب وجود بروتين محدد يُعرف باسم «Kit ligand»، وأن نقص هذا البروتين، نتيجة تراكم التليُّف والكولاجين داخل المبيض، يعيق نمو الجريبات ويمنع تطورها.

وفي هذا الإطار، فحص الباحثون نحو 1300 دواء معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية على خلايا مبيضية، صُممت لتصدر إشارة ضوئية عند إنتاج بروتين «Kit ligand».

وأسفر الفحص عن تحديد دواء «فينيرينون»، المستخدم في علاج أمراض الكلى المزمنة المرتبطة بالسكري من النوع الثاني، بوصفه أحد أكثر الأدوية قدرة على تحفيز إنتاج هذا البروتين، وتحسين البيئة المحيطة بالبويضات.

وأظهرت التحاليل أن النساء المصابات بقصور المبايض المبكر يعانين من تراكم مفرط للكولاجين داخل المبيض، ما يؤدي إلى تصلُّب الأنسجة وفقدانها مرونتها الطبيعية، على نحو يشبه التليُّف أو الندبات.

ويعمل «فينيرينون» على تثبيط مستقبلات تسهم في هذا التليُّف، مما يقلل تراكم الكولاجين ويعيد للمبيض ليونته وتوازنه الكيميائي.

وللتأكد من الدور الحاسم للبيئة المحيطة بالبويضات، قام الباحثون بزرع جريبات خاملة في مبايض متصلبة ومليئة بالندبات، فلم تُظهر أي نشاط يُذكر. في المقابل، عندما زُرعت الجريبات نفسها في مبايض عولجت بدواء «فينيرينون»، بدأت الجريبات في النمو والتطور.

وانتقل الفريق لاحقاً إلى تجربة سريرية أولية شملت 14 امرأة شُخِّصن بقصور المبايض المبكر. وتلقت المشاركات جرعة مقدارها 20 ملِّيغراماً من الدواء مرتين أسبوعياً. وأظهرت النتائج أن عدداً من المتطوعات شهدن تطور الجريبات الخاملة إلى بويضات ناضجة، جرى سحبها وتلقيحها بنجاح في المختبر.

وخلص الباحثون إلى أن «تخفيف التليُّف في أنسجة المبيض باستخدام أدوية مضادة للتليُّف أُعيد توظيفها يفتح آفاقاً واعدة لاستعادة الخصوبة، لدى المريضات المصابات بقصور المبايض المبكر».

وأكدوا أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تجارب سريرية أوسع نطاقاً، للتحقق من فاعلية العلاج وسلامته، قبل اعتماده على نطاق واسع، ما قد يمنح أملاً جديداً لآلاف النساء حول العالم في تحقيق حلم الإنجاب.