«ناتو» على حدود روسيا... وموسكو تعزّز قدراتها غرباً

انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الغربي يعيد تشكيل خريطة أوروبا الأمنية

حرب أوكرانيا غيّرت القناعات والاعتبارات في أوروبا (أ.ف.ب)
حرب أوكرانيا غيّرت القناعات والاعتبارات في أوروبا (أ.ف.ب)
TT

«ناتو» على حدود روسيا... وموسكو تعزّز قدراتها غرباً

حرب أوكرانيا غيّرت القناعات والاعتبارات في أوروبا (أ.ف.ب)
حرب أوكرانيا غيّرت القناعات والاعتبارات في أوروبا (أ.ف.ب)

لم يشكل الإعلان الرسمي عن انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي «ناتو»، يوم 4 أبريل (نيسان) الحالي، نقطة التحول الأكبر في تاريخ علاقات الحلف الغربي مع الروس. وروسيا «المعاصرة»، التي وضعت على كتفيها العباءة السوفياتية، وحملت تركة الدولة العظمى في السابق لعقود، واجهت عدة مراحل لتوسع الحلف على مقربة من حدودها. وبعد ضم الجزء الأعظم من بلدان النفوذ السوفياتي السابق، في شرق أوروبا، خلال عام 1999، واصل الحلف تمدده داخل جغرافيا الاتحاد السوفياتي السابق، عبر انضمام جمهوريات حوض البلطيق (لاتفيا وإستونيا وليتوانيا) عام 2004، وإطلاق مسار «الشراكة الأطلسية» مع عدد من البلدان الأخرى، وعلى رأسها أوكرانيا وجورجيا، وبدرجة أقل مولدافيا. هذا الأمر أثار غضب «الكرملين»، الذي جادل، لسنوات، بأن الحلف «خان تعهداته» الشفهية، عندما وعد بألا يتوسع شرقاً، بعد «اتفاق توحيد ألمانيا»، أما النتيجة فكانت حرباً في جورجيا، عام 2008، عطّلت مسيرة تكاملها مع أوروبا، أو انضمامها إلى «ناتو»، ثم حرباً انفصالية مدمّرة في أوكرانيا أطلقت شرارتها الأولى في 2014، ولم تلبث أن أشعلت، في 2022، مواجهة كبرى ما زالت تداعياتها تتصاعد.
عنوان المواجهة في أوكرانيا، كان منع هذا البلد من التحول إلى قاعدة أمامية لـ«ناتو»، على مقربة من حدود روسيا، وإجبار الغرب على إعادة النظر في مواقفه، وتحويل «التعهدات الشفهية»، في السابق، إلى اتفاق أمني مكتوب ومُلزِم للأطراف، ويحدد مناطق النفوذ ويحترم المصالح المتبادلة.
ولكن في غمار تطورات متسارعة، لم يخطر في بال «الكرملين» أن المرحلة الجديدة للتوسع الأطلسي ستكون على حدود روسيا الشمالية الغربية. وبعدما كان الهدف المعلَن من الذهاب إلى أوكرانيا منع اقتراب الحلف من الحدود، تُعِدُّ روسيا، اليوم، لواقع جديد تغدو معه البنى التحتية لـ«ناتو» على بُعد 200 كيلومتر فقط من عاصمة القياصرة «سان بطرسبورغ».
لقد غيّرت الحرب في أوكرانيا الوضع الأمني في أوروبا كلياً، وأعادت التداعيات الأولى بانضمام فنلندا رسمياً إلى الحلف، وانتظار استكمال انضمام السويد، قبل قمة الحلف المقرّرة في بداية يوليو (تموز) المقبل، طرح السؤال الذي تكرّر طويلاً، خلال الأشهر الماضية: هل أصبحت روسيا أكثر أمناً بعد الحرب الأوكرانية؟
- نتائج أولية مباشرة
في النتائج الأولية المباشرة، فإن وجود فنلندا ضمن «ناتو» يعني أن طول الحدود المشتركة بين الدول الأعضاء في الحلف مع روسيا - التي يُنظر إليها حالياً على أنها «معسكر الأعداء» - يتضاعف ليصل إلى 2600 كيلومتر. وهذا «السيناريو» سيعني أن الحلف سيعمل على زيادة قدراته ونشر بناه التحتية على طول هذه المسافة، التي باتت تحتاج إلى حماية مباشرة وقوية. وهو أمر قد تضطر موسكو إلى الرد عليه بخطوات سريعة وفعالة لحماية مناطقها الغربية بمواجهة التطويق العسكري الكامل.
لكن ثمة تداعيات عدة أخرى لا تقتصر على الملفّين الأمني والعسكري اللذين يتطلبان من موسكو تخصيص موارد هائلة، وهي تنسحب على كل الملفات المتعلقة بالتوازن الاستراتيجي، والمصالح المتعددة في مناطق حيوية، كملف حوض البلطيق الذي غدا واقعياً «بحيرة أطلسية».
هذا الأمر يزيد أعباء موسكو الأمنية والعسكرية والاقتصادية، ويعقِّد التنافس على منطقة القطب الشمالي، حيث تخوض موسكو، منذ سنوات، مواجهة دبلوماسية وأمنية وعلمية واستخباراتية قاسية لانتزاع الاعتراف بحقوقها فيها.
وقبل ذلك كله، لا بد من إلقاء نظرة تاريخية لتحديد الفروقات، بالنسبة إلى موسكو، بين خطوات فنلندا والسويد. هنا تكمن اختلافات لها أهمية خاصة؛ لأن انضمام فنلندا إلى الحلف الأطلسي شكّل امتداداً طبيعياً للمواجهة التاريخية مع الروس، خلافاً للوضع مع السويد الذي شكّل الحياد بالنسبة إليها جزءاً من هويتها الوطنية وثقافة شعبها، ما يعني أن هذا التحول يشكل علامة فارقة تضاف إلى النتائج الأولية الكبرى للحرب في أوكرانيا، مثل إطلاق ألمانيا أكبر برنامج تسليح في تاريخها المعاصر، وميل أوروبا عموماً إلى العسكرة في مواجهة طموحات «الكرملين».
- الواقع الجيوسياسي
لطالما كان موضوع التخلي عن سياسة «عدم الانحياز» حاضراً في فنلندا، رغم الإجماعين الاجتماعي والسياسي على أنه لا جدوى من ذلك، فقد ظلت الهواجس المتعلقة بإمكانية حدوث مواجهة عسكرية جديدة في أوروبا لمدة 30 سنة، حاضرة في سياسات هلسنكي، وإن كانت النخب السياسية هناك لا تميل كثيراً إلى التشاؤم في هذا الأمر.
وكما هي حال أكثرية شعوب أوروبا، صدمت عودة الحرب إلى أوروبا الفنلنديين، الذين قرروا فوراً التخلي عن «عدم الانحياز»، والانضمام إلى «ناتو». الجدير بالذكر هنا أنه لم يدُر أي نقاش تقريباً حول ما إذا كان الوضع المحايد ليس طريقة أكثر موثوقية لضمان الأمن القومي، إذ اعتُبرت العضوية في كتلة عسكرية هي الخيار الوحيد.
وصحيحٌ أن انضمام فنلندا إلى «ناتو» كان أحد الموضوعات الرئيسة في النقاش الداخلي، خلال الأشهر الأخيرة، لكن الفنلنديين كانوا قد ناقشوا هذه القضية منذ سنوات عدة. وفي عام 2016، بعد مرور سنتين فقط على ضم شبه جزيرة القرم، واندلاع المواجهة في أوكرانيا وحولها، نشرت وزارة الخارجية الفنلندية تقريراً عن العواقب المحتملة لمثل هذه الخطوة. وعرض التقرير 3 استنتاجات رئيسة؛ أولها أن مسألة الانضمام يجب أن تُحسم في استفتاء. واتضح لاحقاً أن التصويت على المستوى الوطني ما عاد مطلوباً؛ لأن الأحداث الأخيرة ضمنت بالفعل دعماً عاماً واسعاً للانضمام إلى «ناتو».
أما الاستنتاجان الثاني والثالث، وهما الأكثر أهمية، فقضى أحدهما بأن تنضم فنلندا إلى «ناتو» برفقة السويد، وقضى الآخر باعتبار روسيا مصدر التهديد الأساسي لأمن البلاد. وكانت الخلاصة أنه على فنلندا مواجهة طموحات موسكو؛ ليس لمفردها، بل مع دول الحلف الأخرى.
الواقع أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، اقتنع الفنلنديون بأنهم يستطيعون ضمان أمنهم، من خلال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحده. وفي هذا، بالمناسبة، اختلفوا مع السويديين، الذين كان الاتحاد الأوروبي، في الأساس، شريكاً تجارياً لهم. وهذا جزئياً هو سبب إضافة ما يسمى «خيار ناتو» إلى عقيدة الأمن القومي الفنلندي في عام 2004. وبعدها، فإن «خيار ناتو» شكّل انعكاساً للبراغماتية المتأصلة في الفنلنديين، بعكس السويديين الذين كان رفض الانضمام إلى التحالفات العسكرية جزءاً من هويتهم الوطنية. فبالنسبة لفنلندا، الحياد ليس أكثر من ضرورة ووسيلة لضمان بقائها.
- حرب غيّرت قناعات
قبل الحرب الروسية في أوكرانيا، اعتقدت فنلندا أن التعاون الوثيق مع «ناتو»، والتكامل العسكري مع السويد - الذي يتعمق منذ عام 2014 - والتعاون المتزايد مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، عوامل كافية لضمان أمنها، لكن مع هذا، سارت هلسنكي بحذر؛ لأنها لم ترغب في قطع كل أشكال التعاون مباشرة مع موسكو، ومع ذلك اتضح، في النهاية، أن روسيا نفسها هي التي انفصلت... ليس فقط عن فنلندا، ولكن أيضاً مع أوروبا والغرب بأَسْره.
كان من الطبيعي أن توقظ الحرب الأوكرانية ذكريات الفنلنديين حول أحداث عام 1939، عندما أنكر الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين حق فنلندا في الوجود، وأطلق العنان لـ«حرب الشتاء». وبعد مرور أكثر من 80 سنة، كانت الحرب الأوكرانية، وليس تصريحات موسكو بـ«أنه ليس لفنلندا والسويد الحق في الانضمام إلى ناتو»، السبب في تغير المزاج الشعبي.
- سنوات من التحضير
مع ذلك، بدأت فنلندا الاستعداد لمواجهة محتملة مع جارتها الشرقية العملاقة منذ وقت طويل، وأدى العمل المستمر على تعزيز القدرات الدفاعية إلى جعل فنلندا مالكة أقوى القوات المسلَّحة في شمال أوروبا، إذ لا يزال فيها نظام التجنيد الشامل الإلزامي للخدمة العسكرية، ويمتلك الجيش الفنلندي أيضاً عدداً كبيراً من جنود الاحتياط الذين يشاركون بانتظام في التدريبات العسكرية.
تعتز فنلندا بتقاليدها العسكرية الطويلة، وبعكس السويد أو ألمانيا، على سبيل المثال، لم تنتقل من الدفاع الإقليمي إلى الدفاع السريع، بل دأب الجيش الفنلندي دائماً على تقييم مدى ملاءمة المشاركة في العمليات الاستكشافية، من حيث حجم المساهمة في تعزيز الدفاع الإقليمي.
من جهة ثانية، تفيد تقارير بأن وحدات مدفعية الجيش الفنلندي هي الأكبر في أوروبا، وكان لإرث الحرب العالمية الثانية تأثير في ذلك، بما يتوافق تماماً مع القول الستاليني «المدفعية هي إله الحرب». وأيضاً يشير خبراء إلى أن المهندسين العسكريين الفنلنديين متخصصون من الدرجة الأولى في تجهيز الخطوط الدفاعية والعقبات والفِخاخ وتعدين التضاريس.
أما بالنسبة للطيران، فبعدما استقبلت القوات الجوية الفنلندية 64 مقاتلة من طراز «إف 35»، ستحلُّ محل طائرات «إف 18» الموجودة حالياً في الخدمة، سيتيسر للقوات الجوية الفنلندية، بالتعاون بسلاسة مع أعضاء «ناتو»، بما في ذلك ضمن «القوات المشتركة لشمال أوروبا»، التي تشارك فيها الولايات المتحدة بريطانيا، والنرويج، وإيطاليا، وكندا، وبولندا، والدنمارك، وهولندا.
وبالإضافة لما سبق، تعمل عضوية «ناتو» على دمج القوات المسلَّحة الفنلندية بشكل أفضل في التحضير والتخطيط مع الحلفاء الآخرين، وقد شاركت قوات فنلندا، بانتظام، في تدريبات «ناتو» بصفتها شريكاً منذ بعض الوقت.
وقد أورد تقريرٌ، صدر، نهاية العام الماضي، عن «مركز ويلسون» في واشنطن، 3 مجالات رئيسة يتوقع أن تفيد فيها فنلندا الحلف: قوات الاحتياط، والوصول إلى التكنولوجيا، وقوات المدفعية. ويشرح التقرير «أن قوات المدفعية الفنلندية هي الأكبر والأفضل تجهيزاً في أوروبا الغربية... ومع حوالي 1500 قطعة مدفعية، بما في ذلك 700 مدفع هاوتزر، و700 مدفع هاون ثقيل، و100 قاذفة صواريخ متعددة، تتمتع المدفعية الفنلندية بقوة نيران أكبر، مما تستطيع القوات المسلَّحة المشتركة لبولندا وألمانيا والنرويج والسويد حشدها حالياً».
وينوّه تقرير المركز أيضاً بالمستوى العالي من الأمن السيبراني في فنلندا، مذكّراً بأن البلاد هي موطن شركة نوكيا، التي هي «المزوِّد الرئيسي للبنية التحتية لشبكات الجيل الخامس»، كما أنها واحدة من أكبر 3 مزوّدين للبنية التحتية للجيل الخامس في العالم.
وتابع التقرير أيضاً أن فنلندا تستطيع تجنيد 900 ألف جندي احتياطي سبق تدريبهم بصفتهم مجندين في قواتها المسلحة، على الرغم من حقيقة أن عدد القوات المسلحة الفنلندية في زمن الحرب يبلغ 280 ألف فرد عسكري.
يضاف إلى هذا كله حقائق التاريخ والجغرافيا، إن إلقاء نظرة واحدة على الخريطة كافٍ لفهم أنه من منظور أوسع، سيكون لانضمام فنلندا والسويد إلى «ناتو» عواقب سياسية وأمنية وعسكرية خطيرة على موسكو. ويكفي القول إن لدى روسيا وفنلندا حدوداً مشتركة ضخمة بطول 1300 كيلومتر من المناطق المشجرة وذات الكثافة السكانية المنخفضة، من مورمانسك، إلى بطرسبورغ. وليس من الواضح كيف ستدافع موسكو عنها، على الرغم من إعلان وزارة الدفاع الروسية عن برنامج ضخم لاستحداث قطع عسكرية جديدة وإعادة توزيع مناطق الانتشار على الحدود الشمالية والغربية.
وللتذكير، تقاسمت روسيا، حتى لحظة انضمام فنلندا إلى «ناتو»، حوالي 1215 كلم من الحدود البرية، مع 5 أعضاء في الحلف هم النرويج وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا.
- طريق السويد
طريق السويد إلى الحلف لم يكن سهلاً أيضاً، مع أن الموقف السويدي يظل أكثر توقعاً إلى حد ما، إذ قالت رئيسة الحكومة السويدية ماجدالينا أندرسون، العام الماضي، إن ستوكهولم «ستدرس، بسرعة وبشمولية، الوضع الأمني الجديد». ويشرح خبير الدفاع جاكوب ويستبرغ: «في السويد نعتقد أنه على مدار 200 سنة، منذ عهد نابليون، كان لدينا سلام؛ لأننا رفضنا دائماً التحالفات العسكرية»، ثم يستدرك مضيفاً أن هذا التصور الذاتي للحياد الفعال يتعرض، الآن، للتهديد، «وعلينا الآن أن ننظر إلى الوضع الأمني بطريقة مختلفة تماماً. كانت الحرب ضد أوكرانيا نقطة تحوّل».
للموافقة على الانضمام إلى «ناتو»، تعيَّن على الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الحاكم في السويد، تغيير موقفه الأولي بشأن هذه القضية. وإذا انضمت السويد - كما هو متوقع قريباً - إلى الحلف، فسيتغير الميزان الاستراتيجي كلياً في الشمال الأوروبي. ومع أنه ليست للسويد أي حدود مباشرة مع روسيا، سيغدو أسهل على «ناتو» إجراء عمليات واسعة في بحر البلطيق، وفي هذه الحالة ستكون جميع الدول، التي لها منفذ إلى بحر البلطيق، باستثناء روسيا، أعضاء في الحلف.
أيضاً، يعني انضمام السويد إلى «ناتو» انتقال أراضي جزيرة غوتلاند، الواقعة في هذا البحر، إلى سيطرة الحلف. ووفق الخبير ويستبرغ، «سيكون من الأصعب، بالنسبة لروسيا، العمل في بحر البلطيق، ما يعني تحوله إلى بحيرة أطلسية، فضلاً عن أن السويد تمتلك 5 غواصات حديثة جداً ستكمل أساطيل بولندا وألمانيا».
أيضاً، تمتلك القوات الجوية السويدية أكثر من 100 مقاتلة حديثة، وهذا، مع أنه، على مدى العقود الماضية، جرى تخفيض القوات البرية السويدية بشكل كبير، كما هي الحال في عدد من دول «ناتو». ويتوقع ويستبرغ مرور 10 سنوات قبل تغيير هذا الوضع.

ردود الفعل الروسية على التمدد الأطلسي

> كما هو متوقع، تعمل القيادة الروسية على التحرك بسرعة، لمواجهة تداعيات توسيع أسرة «ناتو». وقد بدأت موسكو، بالفعل، تحركات لتعزيز تجميع القوات البرية والدفاع الجوي بشكل جدي، وأيضاً نشر قوات بحرية كبيرة في خليج فنلندا، كما لوَّحت بنشر أسلحة نووية في منطقة حوض البلطيق.

فنلندا تنضم لـ«ناتو» والسويد على طريق الانضمام (رويترز)

غير أن التداعيات الأساسية، بالنسبة إلى موسكو، قد تظهر على محورين، وفقاً لخبراء:
- المحور الأول يتضح مع مدى جدية «ناتو» في نقل بناه التحتية العسكرية إلى مقربة من الحدود الروسية، وهذا الأمر بدأت موسكو التحضير له، من خلال قرارات توسيع نشر الأسلحة النووية لتشمل بيلاروسيا ومناطق في الشمال الروسي.
- المحور الثاني يكمن في تعزيز نزعة الانتقال من «الحياد» إلى «معسكر الأعداء»، ليشمل كل أوروبا، التي لم يتبق فيها إلا 3 دول تقف رسمياً على الحياد، هي سويسرا والنمسا وآيرلندا.
من الناحية الاستراتيجية، يقول خبراء في موسكو إنه بالنسبة إلى روسيا، لا يزال الدور الرئيس في إعداد القدرات العسكرية يلعبه الساحل في منطقة مورمانسك، حيث تحتفظ روسيا بقوات لضربة نووية انتقامية، في حين أن أهمية بحر البلطيق ثانوية، حتى لو كانت طرق النقل التي تربط بين بطرسبورغ وكالينينغراد تمر عبرها.
بسبب هذه الظروف، جزئياً، فضّلت الأوساط الرسمية والإعلامية الروسية تجنب التهويل من تداعيات انضمام فنلندا والسويد لاحقاً إلى «ناتو»، لدرجة أن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف - الذي تحوَّل إلى أحد أبرز «الصقور» خلال الحرب الأوكرانية - تعمّد التقليل من أبعاد الخطوة، واكتفى بتكرار صياغة «الكرملين» أن «قرار فنلندا والسويد للانضمام إلى الناتو خطأ فادح، ستقدم روسيا إجابة متناسقة عليه».
إلا أن خبراء يشيرون إلى أن التداعيات البعيدة المدى ستكون أخطر على روسيا من مجرد مواجهة انتشار عسكري محدد على مقربة من الحدود. كذلك فإن التداعيات النفسية والسياسية مع حال التغيير الشامل في المزاج الأوروبي ستكون بدورها لها آثار أعمق وأبعد مدى.


مقالات ذات صلة

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.

العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم {الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

{الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

اعترضت مقاتلات ألمانية وبريطانية ثلاث طائرات استطلاع روسية في المجال الجوي الدولي فوق بحر البلطيق، حسبما ذكرت القوات الجوية الألمانية اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. ولم تكن الطائرات الثلاث؛ طائرتان مقاتلتان من طراز «إس يو – 27» وطائرة «إليوشين إل – 20»، ترسل إشارات جهاز الإرسال والاستقبال الخاصة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.