«دبلوماسية ماكرون» تواجه إخفاقات في الخارج وانتقادات في الداخل

عشية انقضاء العام الأول من ولايته الثانية

ماكرون لدى زيارته مدرسة في جنوب فرنسا 20 أبريل الماضي (إ.ب.أ)
ماكرون لدى زيارته مدرسة في جنوب فرنسا 20 أبريل الماضي (إ.ب.أ)
TT

«دبلوماسية ماكرون» تواجه إخفاقات في الخارج وانتقادات في الداخل

ماكرون لدى زيارته مدرسة في جنوب فرنسا 20 أبريل الماضي (إ.ب.أ)
ماكرون لدى زيارته مدرسة في جنوب فرنسا 20 أبريل الماضي (إ.ب.أ)

في موضوع مفصل نشرته صحيفة «لو موند» المستقلة بتاريخ 18 الجاري، جاء أن عدداً من الدبلوماسيين الفرنسيين ذوي الباع الطويل، يأخذون على الرئيس إيمانويل ماكرون تعبيره عن مواقف «غير مفهومة» وأنه «يضعهم أمام الأمر الواقع» دون تشاور مسبق. وحسب الموضوع المشار إليه، فإن ماكرون الذي أُعيد انتخابه في 24 أبريل (نيسان) من العام الماضي لولاية جديدة من خمس سنوات، يعدّ سياسة بلاده الخارجية «حكراً عليه» وأنه «غير عابئ» لكون هذه الممارسة من شأنها «التسبب بعلاقات متوترة مع ممتهني الدبلوماسية». ويذكّر المقال بأن الرئيس الفرنسي أحدث تعديلاً في القوانين المتحكمة بتعيين الدبلوماسيين، إذ إنه يفتح الباب أمام تعيينات من خارج السلك الدبلوماسي، مما يثير المخاوف من أن يكون هذا التحول مدخلاً لـ«تسييس» التعيينات.
ليس سراً أن ماكرون يسعى لأن يكون لاعباً على المسرح الدبلوماسي الدولي، مسخّراً لذلك دستور الجمهورية الخامسة الذي وضعه الجنرال شارل ديغول وفصّله على مقاسه، والذي يجعل رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة والمتحكم بالحقيبة النووية والمرجع الذي يرسم سياسة بلاده الخارجية. أما دور وزير الخارجية، فينحصر بوضعها موضع التنفيذ. وليس سرّاً أيضاً أن ماكرون يرى نفسه، في الوقت الحاضر، بعد خروج المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من المشهد السياسي الأوروبي وعجز خليفتها أولاف شولتس عن فرض نفسه وانسحاب بريطانيا من الاتحاد ووصول اليمينية المتطرفة جيورجيا ميلوني إلى رئاسة الحكومة الإيطالية، الرئيس الأكثر شرعية لأن يقود الاتحاد. وذلك رغم بروز دول مثل بولندا أو دول بحر البلطيق على الساحة، بفعل الحرب الروسية على أوكرانيا. وتسعى هذه الدول لأن يكون صوتها مسموعاً، لا بل لفرض رؤيتها المغايرة لرؤية ماكرون.
وبرز ذلك بشكل قوي مع التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي حول تايوان والاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية ما بين الولايات المتحدة والصين، وذلك بمناسبة عودته من زيارة الدولة التي قام بها لبكين. وللتذكير، فقد قال ماكرون إن «أسوأ ما يمكن أن يحصل للأوروبيين (بخصوص تايوان) أن يكونوا تابعين (للولايات المتحدة) وأن يتبنوا إيقاعها أو ردة الفعل الصينية المتسمة بالمغالاة». كذلك، نبّه ماكرون إلى الانخراط في منطق «كتلة مقابل كتلة»، مكرراً الدعوة لبلوغ «الاستقلالية الاستراتيجية».

انتقادات الحلفاء
كان من المتوقع أن تثير هذه التصريحات سيلاً من الانتقادات، أوروبياً وأميركياً، وذهب بعض التعليقات إلى توصيف ماكرون بـ«ناكر الجميل» إزاء واشنطن التي «تدافع عن أوروبا من خلال تمكين أوكرانيا من مواجهة روسيا». كذلك، رأى كثيرون أن الترويج لمبدأ «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية في الوقت الذي تحتاج فيه القارة القديمة، أكثر من أي وقت مضى، إلى الحلف الأطلسي وللمظلة العسكرية والنووية الأميركية، يُفضي إلى نتائج معكوسة. وسبق لماكرون أن أدلى بتصريحات مماثلة عندما دعا إلى «تجنب إذلال» موسكو في الحرب الأوكرانية، وتوفير «ضمانات» أمنية مستقبلية لروسيا بينما المطلوب حماية أمن وسلامة وسيادة أوكرانيا، فيما روسيا هي الدولة المعتدية.
هذا غيض من فيض ما يمكن عدّها أخطاء سياسية ودبلوماسية ارتكبها الرئيس الفرنسي في السنة المنقضية من عهده الثاني. وتبيّن حصيلة دبلوماسيته أن مكامن الإخفاق أكثر عدداً من مواضع النجاح. ومسبحة المبادرات الدبلوماسية بقيت دون نتيجة كثيرة، ومنها أن الرئيس الفرنسي سعى منذ سنوات لكسب ثقة الرئيس بوتين بحثاً عن إمكانيات للتأثير على سياساته، فدعاه إلى مقر إقامته الصيفي في حصن بريغونسون، المطل على المتوسط، في صيف عام 2019 ودافع عن إعادة ضمه إلى مجموعة السبع. وقبل اندلاع الحرب الروسية في 24 فبراير (شباط) 2022، زاره في موسكو وحصل منه على تعهدات بألا يهاجم جارته أوكرانيا، ولكن التتمّات أظهرت عكس ذلك.
كذلك، سعى ماكرون لدفع الصين لموقف أكثر توازناً إزاء الحرب في أوكرانيا بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها لبكين ما بين 7 و9 أبريل الجاري. لكنّ المحصّلة جاءت ضعيفة للغاية، إذ إن ما حصل عليه من نظيره شي جينبينغ لا يتعدّى الوعد بالتواصل مع الرئيس الأوكراني ودعوته «لاستئناف مفاوضات السلام بأسرع وقت».
بيد أن جينبينغ لم يَحِد عن موقفه المعلن، ولم يبادر إلى التنديد بالعملية العسكرية الروسية.
وبعد أيام قليلة من عودة ماكرون إلى بلاده، وصل وزير الدفاع الصيني إلى موسكو لـ«توثيق العلاقات والتعاون العسكري»، فيما عمدت القوات البحرية والجوية الصينية لتطويق تايوان مباشرةً بعد ركوب ماكرون الطائرة عائداً إلى فرنسا.
أما على الصعيد الأوروبي، فإن موقف باريس تراجع وثمة من يرى إعادة رسم لموازين القوى مع صعود نجم دول وسط وشرق أوروبا على حساب باريس وبرلين. ويؤخذ على ماكرون تراخي العلاقة التاريخية التي كانت تجمع بشكل شبه دائم فرنسا وألمانيا. ولعل أبرز مظاهر تراجعها اعتماد ألمانيا على التكنولوجيا الأميركية والإسرائيلية لبناء «درع فضائية أوروبية» تسهم فيها 14 دولة أوروبية، ليس بينها فرنسا أو إيطاليا. من هنا، فإن ماكرون يسعى لاجتذاب حلفاء آخرين داخل الاتحاد، الأمر الذي يفسر زيارة الدولة التي قام بها مؤخراً إلى هولندا.
- الخروج من بلدان الساحل الأفريقي
إذا كانت السلطة تدفع إلى عزلة صاحبها، فإن كثيرين في باريس يرون أن ماكرون يعاني منها، وهو بالتالي يمارس نوعاً من «الدبلوماسية الشخصية أو الفردية»، وفق ما يؤكده سفير سابق معروف، تساءل أمام «الشرق الأوسط»: «أين هي الملفات الدبلوماسية التي يمكن أن تعدّ نجاحات للسياسة الفرنسية؟»، ويستطرد قائلاً: «في منطقة الساحل الأفريقي، اضطرت القوات الفرنسية العاملة منذ عام 2014 في إطار قوة (برخان) إلى الانسحاب بناءً على طلب من المجلس العسكري في باماكو»، الذي وصل إلى السلطة بعد انقلابين عسكريين في 2021 و2022.
واليوم، باتت العلاقات الفرنسية - المالية شبه مقطوعة، علماً بأن القوة الفرنسية هي التي منعت سقوط باماكو في أيدي الإرهابيين والمتمردين، وعملت طيلة تسع سنوات على محاربة التنظيمات المتطرفة. ويضيف السفير السابق أن «ما يصح على مالي يصح أيضاً على بوركينا فاسو، التي شهدت هي أيضاً انقلابين عسكريين، من وراء ظهر الفرنسيين، وكانت نتيجتهما استقواء الشعور المعادي لباريس في هذا البلد وفي بلدان أفريقية أخرى». ومقابل انحسار النفوذ الفرنسي، فإن النفوذ الروسي يتمدد ومعه تمدد ميليشيا «فاغنر» التي توسِّع حضورها في مالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى، فضلاً عن السودان وليبيا ودول أفريقية أخرى.
- طموحات واسعة
قطعاً، لا يمكن لوم الرئيس الفرنسي إنْ عمدَ إلى إطلاق مبادرات دبلوماسية في هذا الاتجاه أو ذاك، لأن الدستور يعطيه هذا الحق. إلا أن المآخذ عليه أن طموحاته الدبلوماسية لا تتوافق مع قدرات باريس للتأثير على مجريات الأحداث. صحيح أن مبادرته الخاصة بالعراق، التي نتج عنها حتى اليوم «قمتان» هما «بغداد 1» التي عُقدت في العاصمة العراقية في عام 2021، واللاحقة «بغداد 2» في الأردن، وفّرت الفرصة للتعبير عن الدعم للدولة العراقية وسيادتها وإعادتها إلى المسرح الإقليمي والدولي والفرصة لحوار بين دول الإقليم. في المقابل، فإن مبادرات أخرى بقيت بلا نتيجة جدية.
لقد كان ماكرون وراء ثلاث مبادرات رئيسية تتناول العالم العربي، وتخص لبنان وليبيا والسودان.
إلا أن ثلاثتها لم تُفضِ إلى نتائج بيّنة. فبالنسبة إلى لبنان، كرّس ماكرون الكثير من وقته وجهوده خصوصاً بعد انفجاري مرفأ بيروت وزيارتيه الصيفيتين المتلاحقتين في أقل من شهر. والحال أن الوضع اللبناني لم يتحرك إلى الأمام قيد أنملة، بل على العكس تماماً، إذ تراجع مالياً واقتصادياً واجتماعياً، والفراغ في رئاسة الجمهورية متواصل منذ ستة أشهر. ويبذل مستشارو ماكرون جهوداً حثيثة داخلياً وفي «مجموعة الخمس» للدفع باتجاه إنتاج رئيس جديد للجمهورية.
لكنّ جهودهم لم تفلح حتى اليوم بسبب وجود خلافات حول محتوى مبادرتهم التي تدعو إلى انتخاب النائب والوزير السابق سليمان فرنجية رئيساً «وهو مرشح (حزب الله) وحركة (أمل) الشيعيتين»، مقابل وصول القاضي والدبلوماسي السابق مناف سلام إلى رئاسة الحكومة.
وفي السودان، كان ماكرون وراء الدعوة إلى مؤتمر دولي استضافته باريس وأسفرت عنه نتائج اقتصادية ومالية لصالح السودان، ومنها إلغاء نسبة كبيرة من ديونه الخارجية، وتوفير الدعم والشرعية لحكومته المدنية. وكانت النتيجة لاحقاً الإطاحة بها، فيما السودان يرزح حالياً تحت وطأة التقاتل بين جنرالين يتخاصمان السلطة. أما في ليبيا، فتجد باريس نفسها اليوم من غير تأثير حقيقي. وإذا كانت علاقات فرنسا بالجزائر قد تحسنت بعد زيارة الدولة التي قام بها ماكرون إلى الجزائر الصيف الماضي، فإن علاقاتها بالمغرب أصبحت «فاترة» إلى حد بعيد، فيما تقف باريس حائرة في مواقف إزاء ما يحصل في تونس.
أخيراً، لا بد من الإشارة إلى الملف الإيراني ببعديه الثنائي والجماعي «النووي، واحترام حقوق الإنسان». ففي الجانب الثنائي، تدهورت العلاقات بين الطرفين بسبب الرهائن الفرنسيين المحتجزين في إيران، وبسبب تصريحات ماكرون عن «الثورة» الجارية هناك بمناسبة استقباله مجموعة من الناشطات الإيرانيات في قصر الإليزيه.
أما على المستوى الجماعي، فإن جهود ماكرون الساعية للتقريب بين طهران وواشنطن لم تسفر عن شيء، فيما باريس تبدو مستبعَدة من الاتصالات الجارية حالياً بين العاصمتين المذكورتين لإبرام اتفاق «مرحليّ» يقوم على رفع جزئي للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران مقابل تراجعها عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة.


مقالات ذات صلة

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

العالم فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

نزل مئات الآلاف إلى شوارع فرنسا، اليوم (الاثنين)، بمناسبة عيد العمّال للاحتجاج على إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس إيمانويل ماكرون، في مظاهرات تخلّلتها في باريس خصوصاً صدامات بين الشرطة ومتظاهرين. وتوقّعت السلطات الفرنسية نزول ما بين ألف وألفين من الأشخاص الذين يشكّلون «خطراً»، وفقاً لمصادر في الشرطة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

بإعلانه فترة من مائة يوم لانطلاقة جديدة بعد تعثّر، يقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمأزق السياسي الذي وصل إليه بعد مرور عام على إعادة انتخابه. في 24 أبريل (نيسان) 2022 أعيد انتخاب الرئيس البالغ من العمر 44 عاماً، وهزم بذلك مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن في الدورة الثانية، تماماً كما حدث قبل خمس سنوات. وهذا يعد إنجازاً في ظل الجمهورية الخامسة خارج فترة التعايش، من جانب الشخص الذي أحدث مفاجأة في 2017 من خلال تموضعه في الوسط لتفكيك الانقسامات السياسية القديمة. لكن انطلاقة هذه الولاية الثانية، التي ستكون الأخيرة حسب الدستور، فقدت زخمها على الفور.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه اليوم (السبت)، أن أكثر من 70 في المائة من الفرنسيين غير راضين عن أداء الرئيس إيمانويل ماكرون الذي تقترب شعبيته من أدنى مستوياتها، في تراجع يعود بشكل رئيسي إلى إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل. وبحسب الاستطلاع الذي أجراه «معهد دراسات الرأي والتسويق» (إيفوب) لحساب صحيفة «لو جورنال دو ديمانش»، أبدى نحو 26 في المائة فقط من المشاركين رضاهم عن أداء الرئيس، بتراجع نقطتين مقارنة باستطلاع مماثل في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (باريس)
ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موجة غضب شعبي مستمرة بعد إقرار قانون إصلاح نظام التقاعد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

رغم انشغال الرئيس الفرنسي بالوضع الداخلي، واستعادة التواصل مع مواطنيه بعد «معركة» إصلاح قانون التقاعد الذي أنزل ملايين الفرنسيين إلى الشوارع احتجاجاً منذ منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، فإنه ما زال يطمح لأن يلعب دوراً ما في إيجاد مَخرج من الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 14 شهراً. ولهذا الغرض، يواصل إيمانويل ماكرون شخصياً أو عبر الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه إجراء مروحة واسعة من الاتصالات كان آخرها أول من أمس مع الرئيس الأميركي جو بايدن.

ميشال أبونجم (باريس)

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».


ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخميس إلى إبرام «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا، وذلك بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت» آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين البلدين.

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «بدلاً من تمديد معاهدة نيو ستارت، ينبغي أن نطلب من خبرائنا النوويين العمل على معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة يمكنها أن تدوم في المستقبل».

وانتهت مفاعيل معاهدة «نيو ستارت» الخميس، ما يشكّل نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ الحدّ من التسلح منذ الحرب الباردة، ويثير مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.


«البنتاغون»: أميركا وروسيا تتفقان على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى

مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)
مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)
TT

«البنتاغون»: أميركا وروسيا تتفقان على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى

مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)
مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)

أعلنت الولايات المتحدة، الخميس، أنها اتفقت مع روسيا على استئناف حوار عسكري رفيع المستوى، وذلك بعد ساعات من انتهاء صلاحية المعاهدة الأخيرة التي فرضت قيوداً على الترسانة النووية للبلدين.

وقالت «القيادة الأوروبية» للجيش الأميركي، في بيان، إن «الحفاظ على الحوار بين الجيوش عامل مهم في الاستقرار والسلام العالميين، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال القوة، ويوفر وسيلة لزيادة الشفافية وخفض التصعيد»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضافت أن الاتفاق على استئناف الحوار العسكري جاء بعد تحقيق «تقدم مثمر وبنّاء» في محادثات السلام الأوكرانية في أبوظبي، التي أوفد إليها الرئيسُ الأميركي، دونالد ترمب، مبعوثَه الخاص، ستيف ويتكوف، وصهرَه جاريد كوشنر.