«دبلوماسية ماكرون» تواجه إخفاقات في الخارج وانتقادات في الداخل

عشية انقضاء العام الأول من ولايته الثانية

ماكرون لدى زيارته مدرسة في جنوب فرنسا 20 أبريل الماضي (إ.ب.أ)
ماكرون لدى زيارته مدرسة في جنوب فرنسا 20 أبريل الماضي (إ.ب.أ)
TT

«دبلوماسية ماكرون» تواجه إخفاقات في الخارج وانتقادات في الداخل

ماكرون لدى زيارته مدرسة في جنوب فرنسا 20 أبريل الماضي (إ.ب.أ)
ماكرون لدى زيارته مدرسة في جنوب فرنسا 20 أبريل الماضي (إ.ب.أ)

في موضوع مفصل نشرته صحيفة «لو موند» المستقلة بتاريخ 18 الجاري، جاء أن عدداً من الدبلوماسيين الفرنسيين ذوي الباع الطويل، يأخذون على الرئيس إيمانويل ماكرون تعبيره عن مواقف «غير مفهومة» وأنه «يضعهم أمام الأمر الواقع» دون تشاور مسبق. وحسب الموضوع المشار إليه، فإن ماكرون الذي أُعيد انتخابه في 24 أبريل (نيسان) من العام الماضي لولاية جديدة من خمس سنوات، يعدّ سياسة بلاده الخارجية «حكراً عليه» وأنه «غير عابئ» لكون هذه الممارسة من شأنها «التسبب بعلاقات متوترة مع ممتهني الدبلوماسية». ويذكّر المقال بأن الرئيس الفرنسي أحدث تعديلاً في القوانين المتحكمة بتعيين الدبلوماسيين، إذ إنه يفتح الباب أمام تعيينات من خارج السلك الدبلوماسي، مما يثير المخاوف من أن يكون هذا التحول مدخلاً لـ«تسييس» التعيينات.
ليس سراً أن ماكرون يسعى لأن يكون لاعباً على المسرح الدبلوماسي الدولي، مسخّراً لذلك دستور الجمهورية الخامسة الذي وضعه الجنرال شارل ديغول وفصّله على مقاسه، والذي يجعل رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة والمتحكم بالحقيبة النووية والمرجع الذي يرسم سياسة بلاده الخارجية. أما دور وزير الخارجية، فينحصر بوضعها موضع التنفيذ. وليس سرّاً أيضاً أن ماكرون يرى نفسه، في الوقت الحاضر، بعد خروج المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من المشهد السياسي الأوروبي وعجز خليفتها أولاف شولتس عن فرض نفسه وانسحاب بريطانيا من الاتحاد ووصول اليمينية المتطرفة جيورجيا ميلوني إلى رئاسة الحكومة الإيطالية، الرئيس الأكثر شرعية لأن يقود الاتحاد. وذلك رغم بروز دول مثل بولندا أو دول بحر البلطيق على الساحة، بفعل الحرب الروسية على أوكرانيا. وتسعى هذه الدول لأن يكون صوتها مسموعاً، لا بل لفرض رؤيتها المغايرة لرؤية ماكرون.
وبرز ذلك بشكل قوي مع التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي حول تايوان والاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية ما بين الولايات المتحدة والصين، وذلك بمناسبة عودته من زيارة الدولة التي قام بها لبكين. وللتذكير، فقد قال ماكرون إن «أسوأ ما يمكن أن يحصل للأوروبيين (بخصوص تايوان) أن يكونوا تابعين (للولايات المتحدة) وأن يتبنوا إيقاعها أو ردة الفعل الصينية المتسمة بالمغالاة». كذلك، نبّه ماكرون إلى الانخراط في منطق «كتلة مقابل كتلة»، مكرراً الدعوة لبلوغ «الاستقلالية الاستراتيجية».

انتقادات الحلفاء
كان من المتوقع أن تثير هذه التصريحات سيلاً من الانتقادات، أوروبياً وأميركياً، وذهب بعض التعليقات إلى توصيف ماكرون بـ«ناكر الجميل» إزاء واشنطن التي «تدافع عن أوروبا من خلال تمكين أوكرانيا من مواجهة روسيا». كذلك، رأى كثيرون أن الترويج لمبدأ «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية في الوقت الذي تحتاج فيه القارة القديمة، أكثر من أي وقت مضى، إلى الحلف الأطلسي وللمظلة العسكرية والنووية الأميركية، يُفضي إلى نتائج معكوسة. وسبق لماكرون أن أدلى بتصريحات مماثلة عندما دعا إلى «تجنب إذلال» موسكو في الحرب الأوكرانية، وتوفير «ضمانات» أمنية مستقبلية لروسيا بينما المطلوب حماية أمن وسلامة وسيادة أوكرانيا، فيما روسيا هي الدولة المعتدية.
هذا غيض من فيض ما يمكن عدّها أخطاء سياسية ودبلوماسية ارتكبها الرئيس الفرنسي في السنة المنقضية من عهده الثاني. وتبيّن حصيلة دبلوماسيته أن مكامن الإخفاق أكثر عدداً من مواضع النجاح. ومسبحة المبادرات الدبلوماسية بقيت دون نتيجة كثيرة، ومنها أن الرئيس الفرنسي سعى منذ سنوات لكسب ثقة الرئيس بوتين بحثاً عن إمكانيات للتأثير على سياساته، فدعاه إلى مقر إقامته الصيفي في حصن بريغونسون، المطل على المتوسط، في صيف عام 2019 ودافع عن إعادة ضمه إلى مجموعة السبع. وقبل اندلاع الحرب الروسية في 24 فبراير (شباط) 2022، زاره في موسكو وحصل منه على تعهدات بألا يهاجم جارته أوكرانيا، ولكن التتمّات أظهرت عكس ذلك.
كذلك، سعى ماكرون لدفع الصين لموقف أكثر توازناً إزاء الحرب في أوكرانيا بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها لبكين ما بين 7 و9 أبريل الجاري. لكنّ المحصّلة جاءت ضعيفة للغاية، إذ إن ما حصل عليه من نظيره شي جينبينغ لا يتعدّى الوعد بالتواصل مع الرئيس الأوكراني ودعوته «لاستئناف مفاوضات السلام بأسرع وقت».
بيد أن جينبينغ لم يَحِد عن موقفه المعلن، ولم يبادر إلى التنديد بالعملية العسكرية الروسية.
وبعد أيام قليلة من عودة ماكرون إلى بلاده، وصل وزير الدفاع الصيني إلى موسكو لـ«توثيق العلاقات والتعاون العسكري»، فيما عمدت القوات البحرية والجوية الصينية لتطويق تايوان مباشرةً بعد ركوب ماكرون الطائرة عائداً إلى فرنسا.
أما على الصعيد الأوروبي، فإن موقف باريس تراجع وثمة من يرى إعادة رسم لموازين القوى مع صعود نجم دول وسط وشرق أوروبا على حساب باريس وبرلين. ويؤخذ على ماكرون تراخي العلاقة التاريخية التي كانت تجمع بشكل شبه دائم فرنسا وألمانيا. ولعل أبرز مظاهر تراجعها اعتماد ألمانيا على التكنولوجيا الأميركية والإسرائيلية لبناء «درع فضائية أوروبية» تسهم فيها 14 دولة أوروبية، ليس بينها فرنسا أو إيطاليا. من هنا، فإن ماكرون يسعى لاجتذاب حلفاء آخرين داخل الاتحاد، الأمر الذي يفسر زيارة الدولة التي قام بها مؤخراً إلى هولندا.
- الخروج من بلدان الساحل الأفريقي
إذا كانت السلطة تدفع إلى عزلة صاحبها، فإن كثيرين في باريس يرون أن ماكرون يعاني منها، وهو بالتالي يمارس نوعاً من «الدبلوماسية الشخصية أو الفردية»، وفق ما يؤكده سفير سابق معروف، تساءل أمام «الشرق الأوسط»: «أين هي الملفات الدبلوماسية التي يمكن أن تعدّ نجاحات للسياسة الفرنسية؟»، ويستطرد قائلاً: «في منطقة الساحل الأفريقي، اضطرت القوات الفرنسية العاملة منذ عام 2014 في إطار قوة (برخان) إلى الانسحاب بناءً على طلب من المجلس العسكري في باماكو»، الذي وصل إلى السلطة بعد انقلابين عسكريين في 2021 و2022.
واليوم، باتت العلاقات الفرنسية - المالية شبه مقطوعة، علماً بأن القوة الفرنسية هي التي منعت سقوط باماكو في أيدي الإرهابيين والمتمردين، وعملت طيلة تسع سنوات على محاربة التنظيمات المتطرفة. ويضيف السفير السابق أن «ما يصح على مالي يصح أيضاً على بوركينا فاسو، التي شهدت هي أيضاً انقلابين عسكريين، من وراء ظهر الفرنسيين، وكانت نتيجتهما استقواء الشعور المعادي لباريس في هذا البلد وفي بلدان أفريقية أخرى». ومقابل انحسار النفوذ الفرنسي، فإن النفوذ الروسي يتمدد ومعه تمدد ميليشيا «فاغنر» التي توسِّع حضورها في مالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى، فضلاً عن السودان وليبيا ودول أفريقية أخرى.
- طموحات واسعة
قطعاً، لا يمكن لوم الرئيس الفرنسي إنْ عمدَ إلى إطلاق مبادرات دبلوماسية في هذا الاتجاه أو ذاك، لأن الدستور يعطيه هذا الحق. إلا أن المآخذ عليه أن طموحاته الدبلوماسية لا تتوافق مع قدرات باريس للتأثير على مجريات الأحداث. صحيح أن مبادرته الخاصة بالعراق، التي نتج عنها حتى اليوم «قمتان» هما «بغداد 1» التي عُقدت في العاصمة العراقية في عام 2021، واللاحقة «بغداد 2» في الأردن، وفّرت الفرصة للتعبير عن الدعم للدولة العراقية وسيادتها وإعادتها إلى المسرح الإقليمي والدولي والفرصة لحوار بين دول الإقليم. في المقابل، فإن مبادرات أخرى بقيت بلا نتيجة جدية.
لقد كان ماكرون وراء ثلاث مبادرات رئيسية تتناول العالم العربي، وتخص لبنان وليبيا والسودان.
إلا أن ثلاثتها لم تُفضِ إلى نتائج بيّنة. فبالنسبة إلى لبنان، كرّس ماكرون الكثير من وقته وجهوده خصوصاً بعد انفجاري مرفأ بيروت وزيارتيه الصيفيتين المتلاحقتين في أقل من شهر. والحال أن الوضع اللبناني لم يتحرك إلى الأمام قيد أنملة، بل على العكس تماماً، إذ تراجع مالياً واقتصادياً واجتماعياً، والفراغ في رئاسة الجمهورية متواصل منذ ستة أشهر. ويبذل مستشارو ماكرون جهوداً حثيثة داخلياً وفي «مجموعة الخمس» للدفع باتجاه إنتاج رئيس جديد للجمهورية.
لكنّ جهودهم لم تفلح حتى اليوم بسبب وجود خلافات حول محتوى مبادرتهم التي تدعو إلى انتخاب النائب والوزير السابق سليمان فرنجية رئيساً «وهو مرشح (حزب الله) وحركة (أمل) الشيعيتين»، مقابل وصول القاضي والدبلوماسي السابق مناف سلام إلى رئاسة الحكومة.
وفي السودان، كان ماكرون وراء الدعوة إلى مؤتمر دولي استضافته باريس وأسفرت عنه نتائج اقتصادية ومالية لصالح السودان، ومنها إلغاء نسبة كبيرة من ديونه الخارجية، وتوفير الدعم والشرعية لحكومته المدنية. وكانت النتيجة لاحقاً الإطاحة بها، فيما السودان يرزح حالياً تحت وطأة التقاتل بين جنرالين يتخاصمان السلطة. أما في ليبيا، فتجد باريس نفسها اليوم من غير تأثير حقيقي. وإذا كانت علاقات فرنسا بالجزائر قد تحسنت بعد زيارة الدولة التي قام بها ماكرون إلى الجزائر الصيف الماضي، فإن علاقاتها بالمغرب أصبحت «فاترة» إلى حد بعيد، فيما تقف باريس حائرة في مواقف إزاء ما يحصل في تونس.
أخيراً، لا بد من الإشارة إلى الملف الإيراني ببعديه الثنائي والجماعي «النووي، واحترام حقوق الإنسان». ففي الجانب الثنائي، تدهورت العلاقات بين الطرفين بسبب الرهائن الفرنسيين المحتجزين في إيران، وبسبب تصريحات ماكرون عن «الثورة» الجارية هناك بمناسبة استقباله مجموعة من الناشطات الإيرانيات في قصر الإليزيه.
أما على المستوى الجماعي، فإن جهود ماكرون الساعية للتقريب بين طهران وواشنطن لم تسفر عن شيء، فيما باريس تبدو مستبعَدة من الاتصالات الجارية حالياً بين العاصمتين المذكورتين لإبرام اتفاق «مرحليّ» يقوم على رفع جزئي للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران مقابل تراجعها عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة.


مقالات ذات صلة

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

العالم فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

نزل مئات الآلاف إلى شوارع فرنسا، اليوم (الاثنين)، بمناسبة عيد العمّال للاحتجاج على إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس إيمانويل ماكرون، في مظاهرات تخلّلتها في باريس خصوصاً صدامات بين الشرطة ومتظاهرين. وتوقّعت السلطات الفرنسية نزول ما بين ألف وألفين من الأشخاص الذين يشكّلون «خطراً»، وفقاً لمصادر في الشرطة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

بإعلانه فترة من مائة يوم لانطلاقة جديدة بعد تعثّر، يقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمأزق السياسي الذي وصل إليه بعد مرور عام على إعادة انتخابه. في 24 أبريل (نيسان) 2022 أعيد انتخاب الرئيس البالغ من العمر 44 عاماً، وهزم بذلك مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن في الدورة الثانية، تماماً كما حدث قبل خمس سنوات. وهذا يعد إنجازاً في ظل الجمهورية الخامسة خارج فترة التعايش، من جانب الشخص الذي أحدث مفاجأة في 2017 من خلال تموضعه في الوسط لتفكيك الانقسامات السياسية القديمة. لكن انطلاقة هذه الولاية الثانية، التي ستكون الأخيرة حسب الدستور، فقدت زخمها على الفور.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه اليوم (السبت)، أن أكثر من 70 في المائة من الفرنسيين غير راضين عن أداء الرئيس إيمانويل ماكرون الذي تقترب شعبيته من أدنى مستوياتها، في تراجع يعود بشكل رئيسي إلى إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل. وبحسب الاستطلاع الذي أجراه «معهد دراسات الرأي والتسويق» (إيفوب) لحساب صحيفة «لو جورنال دو ديمانش»، أبدى نحو 26 في المائة فقط من المشاركين رضاهم عن أداء الرئيس، بتراجع نقطتين مقارنة باستطلاع مماثل في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (باريس)
ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موجة غضب شعبي مستمرة بعد إقرار قانون إصلاح نظام التقاعد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

رغم انشغال الرئيس الفرنسي بالوضع الداخلي، واستعادة التواصل مع مواطنيه بعد «معركة» إصلاح قانون التقاعد الذي أنزل ملايين الفرنسيين إلى الشوارع احتجاجاً منذ منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، فإنه ما زال يطمح لأن يلعب دوراً ما في إيجاد مَخرج من الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 14 شهراً. ولهذا الغرض، يواصل إيمانويل ماكرون شخصياً أو عبر الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه إجراء مروحة واسعة من الاتصالات كان آخرها أول من أمس مع الرئيس الأميركي جو بايدن.

ميشال أبونجم (باريس)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended