«الاعتكاف» داخل الحرم المكي... شفاء للروح في رحلة 5 نجوم

«الشرق الأوسط» تقف على حال المعتكفات خلال العشر الأواخر

الفرق النسائية تعمل على مدار 24 ساعة (الرئاسة العامة لشؤون المسجدين الحرام والنبوي)
الفرق النسائية تعمل على مدار 24 ساعة (الرئاسة العامة لشؤون المسجدين الحرام والنبوي)
TT

«الاعتكاف» داخل الحرم المكي... شفاء للروح في رحلة 5 نجوم

الفرق النسائية تعمل على مدار 24 ساعة (الرئاسة العامة لشؤون المسجدين الحرام والنبوي)
الفرق النسائية تعمل على مدار 24 ساعة (الرئاسة العامة لشؤون المسجدين الحرام والنبوي)

يمكن وصف رحلة «الاعتكاف» في العشر الأواخر من شهر رمضان أنها محطة مركزة للتزوّد بالطمأنينة وشفاء الروح وتهذيب النفس، والتخفف من ماديات الحياة وشواغلها، إلا أن هذه المعاني تبدو بأسمى حالاتها عند الاعتكاف في قلب المسجد الحرام بمكة المكرمة، حيث تقف «الشرق الأوسط» على تفاصيل رحلة السيدات المعتكفات من هذا المكان الطاهر.
والعام الحالي نلمس «رقمنة الاعتكاف»، إذ يبدو كل شيء إلكترونياً منذ لحظة التسجيل وحتى الانتهاء من رحلة الاعتكاف، التي تأتي بتصنيف 5 نجوم، مع تهيئة المصليات النسائية بالأجواء الروحانية والتعبدية، وعمليات التعقيم اليومية، وتوفير وجبات الإفطار والسحور، إلى جانب الوجبات الخفيفة لفترة ما بعد صلاة التراويح، وحشود الفِرق النسائية من جميع المجالات، فحين تتعب المعتكفة تجد من يطببها، وحين يلتبس عليها أمر ما تجد من يرشدها.

- بطاقات الاعتكاف
تتحدث مي سعد العتيبي لـ«الشرق الأوسط»، وهي مديرة وحدة إفطار الصائمين والعاكفين النسائية في المسجد الحرام، موضحة أن الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي ممثلة بالوكالات النسائية المختلفة، تسهم في عملية تهيئة المصليات وتجهيزها لضيوف الرحمن من المعتكفات منذ بداية التسجيل وإلى إكمال إجراءات القبول وحتى إصدار بطاقات الاعتكاف المخصصة للنساء.
وتتابع مي العتيبي: «تُستقبل المعتكفات الصادرة بطائِقهن، لأن الاستعدادات تتضمن استقبال العدد المسموح به عبر موقع الرئاسة الإلكتروني، وفق الطاقة الاستيعابية للأماكن المخصصة لخدمة الاعتكاف النسائية، في أجواء مليئة بالطمأنينة والروحانية والسكينة».
وتشير مي العتيبي إلى اعتماد المصليات الخلفية والوسطية بالدور الأول في توسعة الملك عبد الله «النساء»، إذ لا يسمح بالاعتكاف في غيره من المواقع داخل المسجد الحرام وساحاته، حيث تمسح الموظفات «الباركود» الموجود على البطاقة، وبعدها يوجهن المعتكفة للدخول إلى المصلى وإرشادها إلى موقع خزانتها لإعطائها حقيبتها الخاصة المعدة للمعتكفات.

ترجمة فورية للمعتكفات بجميع اللغات (الرئاسة العامة لشؤون المسجدين الحرام والنبوي)

- مواصفات عالمية
ويبدو لافتاً ما يرافق ذلك من تطهير وتعقيم وتطييب ونظافة مصليات المعتكفات بشكل مكثف، إلى جانب تزويدهن بماء زمزم المبارك بشكل مستمر؛ لينعمن بأجواء روحانية وإيمانية يسودها الخشوع والطمأنينة. وهنا تقول مي العتيبي: «إنّ منظومة الاعتكاف في المسجد الحرام تجري وفق خطط منهجية ومدروسة مستمدة من أحدث الدراسات والمواصفات الخدمية العالمية، لذا تُسخّر الإمكانات البشرية والمعدات الآلية لتهيئة منظومة خدمية متكاملة تلبي رغبات المعتكفين والمعتكفات خلال شهر رمضان المبارك».

- الاعتكاف المطوّر
ولدى السؤال عن التطوير في آلية اعتكاف السيدات ومواقعهن للعام الحالي، أبانت مي العتيبي أن «المصليات المعتكفات نُقلن إلى التوسعة السعودية الثالثة، وذلك في خطوة فاعلة لتقديم أرقى وأجود الخدمات النسائية، كما رُفعت الطاقة الاستيعابية لمصلى المعتكفات للتيسير عليهن في إتمام مناسكهن التعبدية ولتسهيل إيصال جميع الخدمات المخصصة لهن».
وتشير العتيبي إلى تسخير الوكالات لطاقاتها البشرية والتقنية لاستقبال المعتكفات وفق خطة عمل معدة بعناية، باعتبار أن ما يميز منظومة الاعتكاف النسائي العام الحالي، هو فتح المجال لاعتكاف منسوبات معهد وكلية المسجد الحرام من طالبات وأعضاء هيئة التدريس للالتحاق بالاعتكاف، وتخصيص فريق طبي على مدار الساعة لضمان سلامة المعتكفات وتخصيص متطوعات من منسوبات معهد وكلية المسجد الحرام لخدمة المعتكفات على مدار 24 ساعة.

- جداول المعتكفات
وتفيد مي العتيبي بأن ذلك يشمل أيضاً تكليف فرق ميدانية لمتابعة الخدمات الإرشادية والتوجيهية والخدمات المساندة التي تتضمن خدمات السقيا وتقديم وجبات الإفطار والسحور وغيرها من منظومة خدمات مخصصة لقاصدات المسجد الحرام. قائلة: «أُعد أيضاً جدولاً للمعتكفات للاستفادة من أوقاتهن من خلال إعداد الحلقات القرآنية لهن عن طريق تفعيل مبادرة (ورتل)، وكذلك بعض الدروس وفوائد الاعتكاف وأحكامه».

يُنظّم الاعتكاف في المسجد الحرام بتصاريح إلكترونية وباركود (الرئاسة العامة لشؤون المسجدين الحرام والنبوي)

- الترجمة الفورية
ولأن المعتكفات في الحرم المكي من جنسيات متعددة، فلا يغيب دور الترجمة عن هذه الجهود، وبسؤال مي العتيبي عن الأمر تقول: «للترجمة دورٌ يتجلى بجهود منسوبات الوكالة المساعدة للغات والترجمة النسائية في هذه الأيام الفضيلة، إذ تقدم الموظفات الترجمة الفورية عبر الخط الساخن، وكذلك يُقدّمن التوجيه الديني والإرشاد المكاني بلغات مختلفة».
وتؤكد مي العتيبي تنوع المبادرات والبرامج النوعية النسائية المقدمة للمعتكفات، مثل تفعيل مبادرة «بلغتكم»، التي تعنى بترجمة خطب الجمعة وقد فُعّلت داخل الأروقة النسائية عن طريق توزيع «الباركود» الخاص بمنصة منارة الحرمين القائمة على ترجمة الخطبة، وكذلك توزيع السماعات الخاصة بالمبادرة، التي تساعد القاصدة على سماع الخطبة مترجمة بلغتها.
ومبادرة «قيم رمضانية» المقدمة في موسمها الثاني وتُنظّم بعدة لغات تشمل: الإنجليزية، والأوردية، والأوزبكية، والفارسية، والتركية وغيرها من اللغات. كما تحتوي على مسارات وبرامج عدّة لبيان فضل وثمرات استثمار الأوقات في الشهر الكريم، إذ احتوى المسار الأول «التهيئة» على برنامج «تُقى»، الذي يهدف إلى تهيئة القاصدات لاستقبال الموسم، واستثمار الأوقات بالطاعات، في حين يتضمن المسار الثاني استثمار الأوقات عبر برنامج «قناديل الرحمة»، الذي يُبيّن ثمرات الصيام في الشهر المبارك والأخطاء الشائعة التي ينبغي الابتعاد عنها.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

Fatah Senior Delegation Heads to Cairo to Meet Palestinian Factions

A member of the Fatah movement attends the 8th General Conference of Fatah, at Al-Azhar University in Gaza City, May 14, 2026. REUTERS/Dawoud Abu Alkas
A member of the Fatah movement attends the 8th General Conference of Fatah, at Al-Azhar University in Gaza City, May 14, 2026. REUTERS/Dawoud Abu Alkas
TT

Fatah Senior Delegation Heads to Cairo to Meet Palestinian Factions

A member of the Fatah movement attends the 8th General Conference of Fatah, at Al-Azhar University in Gaza City, May 14, 2026. REUTERS/Dawoud Abu Alkas
A member of the Fatah movement attends the 8th General Conference of Fatah, at Al-Azhar University in Gaza City, May 14, 2026. REUTERS/Dawoud Abu Alkas

A senior delegation from the Fatah movement is expected to travel to the Egyptian capital Cairo on Saturday evening or Sunday morning to meet Egyptian officials, as well as Palestinian faction officials and representatives, to discuss legislative elections scheduled for Nov. 28.

The delegation will include Fatah Deputy Chairman and Palestinian Vice President Hussein al-Sheikh, Central Committee member Majed Faraj and Palestinian National Council Chairman Rawhi Fattouh.

Electoral Arrangements

An informed source from a Palestinian faction in Cairo told Asharq Al-Awsat that they were informed by some Fatah leaders about this high-level visit, aimed at meeting with various factions to make electoral arrangements.

Meanwhile, a source from a leftist faction said that the initiative to hold national meetings was a proposal from one of the leftist factions, with the aim of broadening options for the success of any elections.

According to the scheduled agenda for the visit, the Fatah delegation is expected to meet with a Hamas delegation, for the first time in a long period, after Fatah had refrained from any meetings for at least the past two years.

Most communications had been indirect, with messages conveyed between the two sides through various parties.

Broad Electoral Alliance

This comes amidst efforts by some Palestinian factions, including Hamas, to form an electoral alliance that includes Islamic Jihad, the Resistance Committees, and the Democratic Reformist Current led by Mohammed Dahlan, a dismissed Fatah leader, as well as another Fatah leader, Nasser al-Qudwa.

Qudwa has formed the National Democratic Forum whicc also faces disagreements with the movement's current leadership, which controls the Palestinian Authority's key institutions.

Hossam Badran, a member of Hamas's political bureau, affirmed his movement's position to participate in the elections through a broad national bloc comprising Palestinian factions and independent figures. Speaking to Asharq Al-Awsat, he indicated that communication has begun with various parties and components, and many bilateral and collective meetings have been held to achieve this bloc.

A Hamas source told Asharq Al-Awsat that an initial agreement has been reached between these factions to form this alliance.

Leftist Factions

It was noted that the participation of the Popular Front for the Liberation of Palestine (PFLP) and the Democratic Front for the Liberation of Palestine (DFLP), both factions of the Palestine Liberation Organization (PLO), in this alliance has not been confirmed.

Asharq Al-Awsat learned from a leading source in one of these factions that they have not yet agreed to the proposal to join the alliance, and are internally studying it with their organizational structures, suggesting that the two fronts might form a unified democratic alliance.

Recently, the Hamas leadership held a series of meetings with leaders from various Palestinian factions to discuss issues related to the ceasefire in Gaza, as well as the elections.

Islamic Jihad's Participation

Notably, Islamic Jihad has announced it will join the alliance, despite previously refusing to take part in elections, which it viewed as being held under the framework of the Oslo Accords.

Asharq Al-Awsat sought comment from Islamic Jihad leaders and spokespeople, but they did not respond to requests for comment.

A senior movement source in Lebanon said the issue of joining the alliance, or even participating in the elections, had not been decided and that broad consultations were under way within the movement.

Anticipated Postponement and Election Law

The development comes amid talk of a possible postponement of the elections until the end of March next year, with the aim of holding presidential and legislative elections simultaneously. The move is also intended primarily to revisit the political parties law, which has resurfaced after previously being put on hold. The law restricts the participation in elections of Palestinian factions that have armed wings.

Palestinian President Mahmoud Abbas amended the election law, particularly provisions requiring electoral lists to commit to the program of the Palestine Liberation Organization (PLO), the recognized sole legitimate representative of the Palestinian people. The program includes recognition of relevant international resolutions, including recognition of Israel, the renunciation of violence and other conditions that Hamas and other Palestinian factions had previously rejected.

It was unclear whether al-Sheikh and Faraj would discuss the possible postponement of the elections and amendments to the election law with Palestinian faction officials if the visit proceeds.

Arab and Islamic states are working to bridge differences between Fatah and Hamas over elections and other issues, while seeking to reform the Palestinian Authority and establish it as the governing body for the West Bank and Gaza amid continued Israeli attacks.


من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
TT

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)

حين عُرضت آثار المملكة في متحف اللوفر لم تكن العلاقة السعودية-الفرنسية قد وصلت بعد إلى اتساعها الحالي. كانت الثقافة يومها نافذة يتعرف من خلالها الفرنسيون على تاريخ المملكة، فيما كانت الرياض تختبر مساحة جديدة للتعريف بتراثها خارج حدودها.

بعد أكثر من عقد ونصف، تغير المشهد؛ أصبحت الثقافة أحد المكونات الأساسية في العلاقة السعودية-الفرنسية، وتحولت العلا إلى أحد أكثر النماذج وضوحاً لهذا التعاون، فيما دخلت السينما والمتاحف والتراث والسياحة والرياضة والفعاليات الكبرى في شبكة المصالح التي تربط البلدين.

وتأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في وقت أصبحت فيه هذه المجالات جزءاً من الاقتصاد الجديد للمملكة، وليس مجرد نشاط ثقافي موازٍ للعلاقات السياسية.

العلا... عندما تصبح الثقافة مشروعاً اقتصادياً

في العلا تتقاطع الآثار مع السياحة، والهندسة مع البيئة، والفنون مع الاقتصاد، وقد وسعت الشراكة السعودية-الفرنسية في المحافظة نطاق التعاون ليشمل التخطيط الحضري، والتراث، والسياحة، والثقافة، والتعليم، والتدريب، والفنون، لتقدم نموذجاً مختلفاً عن العلاقة التقليدية بين دولة مستثمرة وشركات أجنبية.

الرئيس الفرنسي مع وزير الثقافة السعودي خلال زيارته منطقة الحِجر في العُلا (واس)

فالمشروع لا يقتصر على تطوير موقع تاريخي، وإنما يقوم على بناء وجهة عالمية تستند إلى الهوية المحلية وتستفيد من الخبرة الدولية.

وهذا النوع من التعاون ينسجم بصورة مباشرة مع أهداف «رؤية السعودية 2030» في تحويل الثقافة والسياحة والترفيه إلى مكونات فاعلة في الاقتصاد.

رحلة بدأت من اللوفر

لم تكن العلا البداية؛ في عام 2010 احتضن متحف اللوفر معرض «روائع آثار المملكة عبر العصور»، في محطة عكست اهتماماً فرنسياً متزايداً بالتاريخ السعودي.

وسبق ذلك معرض «المملكة بين الأمس واليوم» في باريس عام 1986، فيما استضاف مقر اليونيسكو في باريس فعاليات الأيام الثقافية السعودية عام 2012.

متحف اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

وتكشف هذه المحطات عن مسار طويل انتقلت فيه العلاقة الثقافية من التعريف بالمملكة إلى بناء مشاريع مشتركة داخل المملكة نفسها.

الثقافة تدخل الاقتصاد

التغير الأهم أن الثقافة لم تعد قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد؛ فالسياحة تحتاج إلى النقل، والضيافة، والتقنية، والمتاحف تحتاج إلى الهندسة، والتشغيل، والتعليم، والفعاليات الكبرى تحتاج إلى الرياضة، والإعلام، والخدمات الرقمية، ومن هنا أصبحت الثقافة جزءاً من منظومة اقتصادية متشابكة.

ويظهر ذلك في اتساع مجالات التعاون المحتملة بين البلدين لتشمل السياحة، والضيافة، والاقتصاد الإبداعي، والألعاب الإلكترونية، والرياضة، وهي قطاعات تتوافق مع توجه المملكة نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً.

الرياضة... لغة جديدة للشراكة

وتمنح الرياضة العلاقة بعداً إضافياً، فاستضافة فرنسا لفعاليات مرتبطة بكأس العالم للرياضات الإلكترونية، بالتزامن مع زيارة ولي العهد، تقدم مثالاً على انتقال الرياضة من مساحة المنافسة إلى مساحة للتقارب الاقتصادي، والثقافي.

مجموعة من المحترفين يتسابقون للحصول على كأس العالم للألعاب الإلكترونية بالعاصمة السعودية 2024 (إكس التابع للبطولة)

والرياضة السعودية نفسها أصبحت صناعة عالمية تستقطب الاستثمارات، والمواهب، والفعاليات، بينما تمتلك فرنسا خبرة واسعة في تنظيم البطولات، والأحداث الكبرى.

وتتقاطع المصالح هنا كما تتقاطع في الثقافة والسياحة: السعودية توفر سوقاً، ومشروعات، ورأسمال متنامياً، وفرنسا توفر خبرة صناعية وتنظيمية وثقافية عريقة.

التعليم... الاستثمار الأقل ظهوراً والأطول أثراً

ولا يقتصر التبادل على المشروعات؛ فالتعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات التعليمية في البلدين يفتح مساراً مختلفاً لنقل المعرفة، وبناء رأس المال البشري.

وتظهر أهمية هذا المسار في القطاعات التي تريد المملكة التوسع فيها، خصوصاً العلوم، والتقنية، والابتكار، والصحة، والهندسة.

فالمشروعات قد تُبنى خلال سنوات، لكن الكفاءات التي تديرها يمكن أن تصنع أثراً يمتد لعقود.

شراكة بين تجربتين

تختلف التجربة السعودية عن الفرنسية في كثير من التفاصيل، لكن هذا الاختلاف نفسه يخلق مساحة للتعاون.

فرنسا تمتلك تاريخاً طويلاً في الثقافة، والمتاحف، والفنون، والصناعات الإبداعية، فيما تعيش السعودية مرحلة تحول واسعة تعيد خلالها صياغة قطاعات الثقافة، والسياحة، والترفيه، والرياضة.

ولهذا لا تقوم الشراكة الجديدة على نقل نموذج جاهز من باريس إلى الرياض، بل على مزج الخبرة الفرنسية بالمشروع السعودي الجديد.

وهذا ما يجعل الثقافة في العلاقات بين البلدين أكثر من «ملف ناعم»؛ إنها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها بناء اقتصاد جديد، وتعريف الشعوب بعضها ببعض، وصناعة مصالح مشتركة لا تتأثر بسهولة بتغير الملفات السياسية.

من الماضي إلى المستقبل

على مدى قرن تقريباً، مرت العلاقات السعودية-الفرنسية بمراحل متعددة؛ من التمثيل الدبلوماسي الأول، إلى اللقاء التاريخي بين الملك فيصل وديغول، ثم التوسع في الاقتصاد، والدفاع، وصولاً إلى رؤية جديدة للشراكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

واليوم لا تذهب الرياض إلى باريس للحديث فقط عن الماضي؛ بل عن مدينة مستقبلية، ومتحف جديد، ووجهة سياحية، وصناعة إبداعية وتقنية متقدمة، ومشروع طاقة، واستثمار طويل الأمد.

وفي هذا التحول تكمن إحدى أكثر سمات العلاقة السعودية-الفرنسية وضوحاً: إن الجسر الذي بدأ بالثقافة أصبح اليوم يحمل الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا معه.


رئيس البرازيل يدعو ترمب لاستئناف المحادثات بشأن الرسوم الجمركية

العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
TT

رئيس البرازيل يدعو ترمب لاستئناف المحادثات بشأن الرسوم الجمركية

العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

أجرى الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اتصالاً هاتفياً بنظيره الأميركي دونالد ترمب، مساء الجمعة، دعاه خلاله إلى استئناف المفاوضات بشأن الرسوم الجمركية التي تفرضها واشنطن على السلع البرازيلية، في محاولة لتهدئة العلاقات مع الولايات المتحدة قبل الانتخابات المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ووفقاً لبيان صادر عن الحكومة البرازيلية، أوردته وكالة «بلومبرغ» السبت، دافع لولا، الرئيس ذو التوجه اليساري، عن موقف بلاده في مكالمة استمرت أكثر من ساعة، رافضاً الادعاءات الأميركية بشأن ارتكابها ممارسات تجارية غير عادلة، والتي كانت سبباً في فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على العديد من المنتجات البرازيلية، واصفاً إياها بأنها «لا أساس لها من الصحة».

وقالت البرازيل إن ترمب اقترح عقد اجتماع بين مسؤولي البلدين في أقرب وقت ممكن، وإنه أبلغ لولا بأن كبار مستشاريه سيعودون إلى طاولة المفاوضات، وطلب منه التواصل معه مباشرة حال ظهور أي عوائق، حسبما أفاد مصدر اطلع على فحوى المكالمة.

وفي وقت لاحق من يوم الجمعة تواصل الممثل التجاري الأميركي، جيمسون جرير، مع وزارة التجارة البرازيلية لترتيب اجتماع يستهدف استئناف المحادثات، بحسب ما أوردته الوزارة في بيان لها.

وأكد مسؤول في البيت الأبيض إجراء المكالمة الهاتفية بين لولا وترمب، دون الإفصاح عن أي تفاصيل إضافية.