«فُوَّه»... قبلة مميزة للسياحة الدينية في مصر

مساجد وبيوت أثرية... وحرف يدوية

«فُوَّه»... مدينة المساجد والطراز المعماري المميز (الرحالة ياسر الرسول)
«فُوَّه»... مدينة المساجد والطراز المعماري المميز (الرحالة ياسر الرسول)
TT

«فُوَّه»... قبلة مميزة للسياحة الدينية في مصر

«فُوَّه»... مدينة المساجد والطراز المعماري المميز (الرحالة ياسر الرسول)
«فُوَّه»... مدينة المساجد والطراز المعماري المميز (الرحالة ياسر الرسول)

تستمد بعض الأمكنة خصوصيتها من الأجواء الروحانية التي تسود تفاصيلها، وأمكنة أخرى تجتذب زوارها بسبب دفء حكاياتها وبيوتها وشوارعها وأزقتها. وتجمع مدينة فُوَّه في مصر بين الأمرين؛ لذلك تُعد وجهة سياحية دينية مثالية في شهر رمضان.
تشعر منذ اللحظة الأولى لزيارة المدينة الواقعة في شمالي وسط الدلتا بأنها مكان مختلف، أهم ما يميزه زخم معالمه الأثرية، لكن لا تعتقد بأنه سيكون من السهل بالنسبة لك مشاهدة جانب كبير من هذه المعالم في زيارة واحدة؛ لأنها تضم 365 مسجداً أثرياً، أي بعدد أيام السنة؛ ناهيك عن المزارات الأخرى التي تنتمي لمختلف العصور الإسلامية (الفاطمي والعباسي والأيوبي والمملوكي والعثماني)، وللسبب نفسه اختارتها منظمة اليونيسكو «المدينة الثالثة محلياً»، من حيث الآثار الإسلامية بعد القاهرة ورشيد، والرابعة على مستوى العالم.
لا يمكن أن تزور فُوَّه من دون التوجه إلى مسجد وجامع «العمري»؛ لأنه من أقدم المساجد الأثرية الموجودة بها، فقد تم بناؤه سنة 21 هجرياً، وسُمي بهذا الاسم لإنشائه في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وإذا كنت من عشاق العمارة والتدقيق أمام تفاصيلها فإنك حتماً ستنبهر بتخطيط «العمري»؛ لأنه وفق الطراز الإسلامي القديم، الذي يشبه تخطيط المسجد النبوي بالمدينة، ومن أهم ملامح تصميمه «الصحن المكشوف» الموجود في وسط سقف المسجد، وبجواره 4 أروقة.
يستوقفك أن هذا المسجد الأثري لا توجد به مئذنة حتى الآن! ويرجع ذلك إلى أن الإمكانيات المادية للفاتحين الذين قاموا ببناء المسجد لم تمكّنهم من إقامة مئذنة، وظل إلى اليوم من دون مئذنة حفاظاً على شكله الأصلي.
ومن المساجد التي ينبغي ألا تفوتك زيارتها كذلك مسجد «الباكي»؛ لأنه يزودك بلمحة عن المساجد المعلقة في مصر، إذ إن «الباكي» الذي أنشئ في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ذو مدخل مرتفع عن مستوى أرضية الطريق ويتم الصعود إليه بسلالم، أما أسفله فتقبع حوانيت موقوفة عدة.
وإذا أردت أن تتعرف على بعض القرارات لبعض الحكام أو النصوص السلطانية قم بزيارة مسجدي «نصر الله» و«أبو النجاة» بفُوَّه، فهناك ستجد التاريخ ماثلاً أمامك عبر المراسيم الرخامية التي تتناول تنظيم بعض الأمور الحياتية مثل منع عادة اجتماعية معينة، أو رفع ظلم من المظالم، إضافةً إلى بعض القرارات التي قد تعكس طرائف التاريخ.
كذلك ستجد هذه المراسيم في مسجد «القنائي»، وهو من أشهر المساجد الأثرية، اذهب إلى شاطئ نهر النيل بالمدينة، حيث يطل المسجد، وهناك ستلفت نظرك مئذنته المرتفعة فهي الأعلى بمنطقة وسط الدلتا، ويبلغ طولها 36 متراً. لكن ذلك ليس فقط المبهر، إذ يصفه المتخصصون بأنه من المساجد الفريدة؛ لتضافر الحضارات فيه، وحين تسأل عن السر وراء ذلك سيجيبك أهل المدينة بفخر بأن فُوَّه كانت عاصمة لمصر في فترة من الفترات الفرعونية، وكان اسمها «واع أمنتى»، وشهدت انتعاشة في العصرين اليوناني والروماني، حتى إنها كانت تسمى «مدينة الأجانب»؛ فقد كانت مقراً لقناصل التجاريين بسبب وجودها أيضاً على فرع رشيد.
السير في شوارع وأزقة فُوَّه يمنحك نوعاً آخر من الأجواء الخاصة التي يندر وجودها في العصر الراهن؛ تلك الأجواء التي تكاد تنقلك في رحلة عبر الزمن إلى دفء البيوت، وعبق التاريخ، حيث المنازل الأثرية متعددة الطوابق والأبواب العتيقة ذات التفاصيل الدقيقة والزخارف البديعة.
ويعود معظم المباني إلى القرن التاسع عشر الميلادي، وهي مبنية من الطوب المنجور، ومزدانة بزخارف إسلامية ومشربيات وشرفات تتشابه إلى حد كبير مع شرفات منازل مدينة جدة بالمملكة السعودية، ومن اللافت أيضاً وجود تشابه بين أسماء الأسواق والشوارع بين مدينتي فُوَّه وفاس المغربية مثل شارع «الصاغة» و«سوق الديوان».
لكن ليس ذلك فقط ما يمنح بيوت فُوَّه خصوصيتها، فحين تقترب أكثر منها وتتجول بين ناسها أو تتعامل معهم ستأسرك طيبتهم المفرطة وبساطة حديثهم وأفعالهم وترحيبهم الشديد بكل زائر لمدينتهم. هناك مقولة شهيرة متوارثة يرددونها هناك أمام كل زائر، وهي «فُوَّه تحب الغريب»؛ وذلك حتى يزيلوا أي حواجز أو غربة قد يشعر بها السائح.
في فُوَّه مطاعم عديدة معروفة تقدم الأطباق التقليدية من المطبخ المصري، وإذا كنت أكثر جرأة في تجريب الطعام المحلي للبلدان الأخرى، فتوجه إلى أحد مطاعم الفسيخ المنتشرة هناك، والفسيخ أسماك مملحة، يتم تخزينها بطريقة معينة متوارثة منذ الحضارة المصرية القديمة.
أما إذا كنت سعيد الحظ وسافرت مع أحد المصريين ممن له أصدقاء أو أقارب من أهل المكان، فستتناول في منزلهم أطباقاً، بعضها لا يوجد في أي مكان آخر ربما حتى في المدن المصرية؛ فهناك ستتناول طبق «الكبابي» وهو عبارة أرز تم طحنه مع اللحم المفروم والخضرة، تضاف إلى ذلك التوابل، ويتم تحميره. أيضاً تنتظرك طواجن «الدس» المكونة من اللحم أو الطيور والأرز واللبن والبهارات... وبقِطع لحم الضأن المستقرة وسط قطع البطاطس والبصل الحلقات والتوابل ستستمتع بمذاق لا يقاوم لـ«ورقة اللحم» التي تعرف بهذا الاسم؛ لأنها بالفعل تُوضع في ورق سميك وتُطهى داخل الفرن، وبالطبع سيقدم لك الفطير المشلتت الساخن على الإفطار أو العشاء، حيث يبرع كثيرون في إعداده بالطريقة المصرية التقليدية.
نشاطات عديدة تعيدك إلى الحياة البسيطة تنتظرك لتمارسها في فوه، منها الاستمتاع بالسير في المساحات الخضراء، أو أن تركب «الحنطور» (عربة يجرها حصان) على شط النيل. زيارة ورش السجاد والكليم والجوبلان اليدوي تعد واحداً من الأشياء التي يقصدها السياح دوماً عند زيارة فوه، لا سيما إذا كانوا قد سبق لهم اقتناء قطعة منها، إذ يتم تصديرها إلى بعض دول أوروبا وأميركا، وأنصحك بزيارتها ومشاهدة الحرفيين أثناء أداء عملهم الدقيق، وسيحكون لك تفاصيل ومتطلبات الحرفة التي ورثوها عن أجدادهم.
المدهش أنك كلما تجولت في أزقة المدينة ستعثر على كنوز ومقتنيات قديمة نادرة تحكي عن أهلها وتعاملاتهم اليومية، ومن ذلك عند زيارة متجر صغير اسمه «السنهوري» ستتفاجأ بوجود ميزان يعود إلى عصر محمد علي، وصفه الكاتب حمدي حماده بأنه «لا يوجد مثيل له على مستوى الجمهورية».
وقد يصحبك أحد السكان إلى أطلال «مصنع الطرابيش»، وسيحكي لك بثقة وحماس كيف كان ينتج نحو 130 ألف طربوش شهرياً.
إذا قررت التوجه إلى فوه قادماً من العاصمة، فإن الأمر لن يستغرق سوى ساعة وربع الساعة على الأكثر، وهي ميزة مهمة إذا كنت ممن لا يروقه السفر المحلي لمسافات طويلة، إذ تبعد عن القاهرة نحو 181 كيلومتراً، ويمكنك أن تستقل سيارة خاصة، أو تختار إحدى حافلات النقل العام إليها، أما عن الإقامة فأمامك إما أن تختار شقة في إحدى بنايات فوه، وإما أن تنزل في فندق قريب في محافظة كفر الشيخ، وستجد معظم الفنادق يبدأ باسم «دلتا»، وتتراوح الأسعار ما بين 1500 و3500 في الليلة (الدولار يعادل نحو 30 جنيهاً مصرياً).


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تُقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

جاء الهجوم على حافلة النازحين في سياق هجمات مختلفة لـ«الدعم السريع» طالت أيضاً مستشفى الكويك العسكري وقافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال وجنوب إقليم كردفان. وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهجمات «قوات الدعم السريع»، وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، أمس، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفضها التدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحةً أن هذا التدخل يُطيل أمد الحرب.


ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».